الخميس، 31 مايو 2012


الاسم العجيب (58)
فخرى كرم
قلنا أن أحد ألقاب ربنا يسوع المسيح كان لقب «عبد» الله الكامل، وقلنا أن العبد هو مَن يعمل دائماً مشيئة سيده وليس مشيئته الخاصة، ابتداء بالمشيئة العامة المطلوبة من كل عبيد الله وصولاً إلى المشيئة الخاصة التي يتفرَّد فيها كل عبد عن سواه، ودعونا الآن نرى كيف انطبقت صفة العبد هذه على ربنا الكريم تمام الانطباق:
عبد منذ ولادته!!
يقول الوحي بروح النبوة على لسان ربنا يسوع المسيح: «بذبيحة وتقدمة لم تُسرَّ، أذني فتحتَ، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلتُ: هنذا جئتُ، بدرج الكتاب مكتوب عني، أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت، وشريعتك في وسط أحشائي»(مز40: 7-9) وهذا النص اقتبسه كاتب رسالة العبرانيين من الترجمة السبعينية اليونانية القديمة كالتالي: «لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ذبيحة وقرباناً لم تُرد ولكن هيأت لي جسداً... ثم قلتُ هنذا أجئ في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله»(عب10: 5-7) والمعنى في كل من النص الأصلي والاقتباس يتكامل ليعطينا صورة جميلة للمشورات الأزلية التي كانت بين الآب والابن قبل التجسد ودخول الابن إلى العالم.
في هذه الصورة نرى الآب يعلن للابن عدم رضاه عن ما يقدمه الإنسان من عبادة تنحصر في ذبائح وتقدمات بينما القلب والحياة تدور في فلك إرادة الإنسان وشهواته، الآب يعلن أن أعمال العبادة التي يقدمها الإنسان لا يمكن أن تُدخل السرور إلى قلبه طالما أن أعماق الإنسان وأحشاءه يعتمل فيها دوافع ورغبات مبتعدة تماماً عن مشيئة الله الصالحة، لقد جعل الإنسان العبادة جزءاً منفصلاً من الحياة يقدم فيها بعض الأعمال والممارسات بهدف إرضاء الله  بينما بقية الحياة تسير نحو غاية واحدة هي إرضاء الإنسان!! الآب يعلن للابن أنه يشتاق إلى رؤية إنسان تكون مشيئة الله في وسط أحشائه، تجري في دمه، تتغلغل إلى خلاياه، تدخل إلى عمق أفكاره ونواياه، إنسان لا يفتعل «عبادة» لكنه يعيش ببساطة وتلقائية «عبودية» كاملة لله، إنسان يجد سروره في سرور الله ويجد شبعه في شبع الإله، الآب يعلن انه لا يريد ذبائح حيوانية يقدمها الإنسان بالانفصال عن ذاته لكنه يشتاق أن يقدم الإنسان ذاته وجسده في طاعة كاملة لله وتتميم لمشيئته، الآب لا يُسر بالمحرقات والذبائح بل يُسر بإنسان له أذن مفتوحة للاستماع والطاعة، لأنه هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش (1صم 15: 22)
وفي المقابل نجد الابن المبارك يعلن اعتزامه أن يكون هذا الإنسان المُشبع لقلب الآب، الابن يعلن للآب أنه بكامل رضاه سيقبل الجسد الذي هيأه له الآب وسيدخل إلى العالم حاملاً الطبيعة الإنسانية الكاملة، وسيكون هدفه منذ دخوله إلى العالم هو أن يعمل مشيئة الآب وسيجد في هذا كل سروره، الابن يعلن للآب أنه سيفتح أذنه في كل صباح ليستمع لمشيئة الله ويسعى لتنفيذها على الفور، حتى لو كانت هذه المشيئة تحتوي على ألم أو مهانة فلن يستر وجهه قط عن العار والبصق (أش 50: 5) لأن شريعة الله ليست منفصلة عن ذاته بل هي في وسط أحشائه، يجد شبعه حين يصنعها ويرتوي إذا تممها (يو4: 34) يا لها من محبة فائقة متبادلة بين الآب والابن!!
كل واحد من عبيد الله بدأ عبوديته لله في يوم ما من أيام حياته، يوم سبقته أيام كثيرة لم يكن فيها عبد لله ولم يصنع فيها مشيئة الله، كلنا عشنا سنوات طويلة نصنع مشيئات الجسد والأفكار حتى افتقدتنا نعمة الله (أف2: 3) أما سيدي المبارك فقد اتخذ قراره أن يكون عبداً لله عند دخوله إلى العالم، أي أنه كان عبداً منذ ولادته وحتى موته، لم تكن هناك ساعة واحدة في حياته خارج نطاق مشيئة الآب ولا وجود ليوم واحد صنع فيه مشيئته الخاصة!! وللحديث بقية.

الموت مع المسيح (3)
بقلم: واتشمان ني
«عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية
كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية» (رو6: 6)
استخدم الرسول بولس في هذه الآية ثلاثة تعبيرات مختلفة في معرض حديثه عن الحل لمشكلة الخطية في حياة المؤمنين، وهذه التعبيرات هي: «الخطية» و«الإنسان العتيق» و«جسد الخطية»، ولو فهمنا معنى كل تعبير منهم لازدادت الأمور وضوحاً في أذهاننا:
† الخطية: هي الطبيعة الفاسدة الموروثة من آدم والتي تبغض الله وتقاوم مشيئته وتريد دائماً أن تعمل الخطايا والمعاصي.
† الإنسان العتيق: هو كياننا النفسي القديم قبل أن نعرف الرب وننال الخلاص.
† جسد الخطية: هو الجسد المادي في حال عبوديته وتنفيذه لمشيئة الخطية الساكنة فينا.

«الخطية» ليس لها سلطان مباشر على «الجسد» المادي ولا تستطيع أن تجبره على فعل الخطايا، إنها تمارس سلطانها من خلال «الإنسان العتيق»، أي من خلال الأفكار الفاسدة والرغبات الشريرة والمشاعر المنحرفة الموجودة في كياننا النفسي، هذا الكيان النفسي له سلطان مباشر على أعضاء الجسد ويستطيع أن يقودها ويجبرها على أن تكون «آلات إثم للخطية» أي أن «الإنسان العتيق» هو حلقة الوصل بين الخطية الساكنة فينا وبين الجسد المنفذ للأفعال الخاطئة، ونستطيع أن نوضح هذا برسم مُبسط:
    الخطية في الداخل والجسد في الخارج والإنسان العتيق طالما ظل حياً يبقى في المنتصف، الخطية تغري الإنسان العتيق وتثيره من خلال الرغبات والأفكار والمشاعر المظلمة الموجودة فيه، وعندما يتجاوب الإنسان العتيق مع إغراء الخطية يؤثر على الجسد ليجعله يتحرك لفعل الخطايا، الجسد المادي في حد ذاته ليس رديئاً لكنه مجرد الأداة التي تنفذ مشيئة الخطية الساكنة فينا، وفي هذه الحالة يصبح اسمه «جسد الخطية»، ينبغي أن ندرك أن الجسد المادي كيان ضعيف ليس له سلطان على نفسه، إنه خاضع للنفس الداخلية التي تُملي عليه ما يفعله، الجسد لا يستطيع أن يفعل شيئاً من ذاته لكنه فقط يفعل ما يؤمر به سواء كان خطأ أم صواباً!!
عندما مات ربنا يسوع المسيح على الصليب لم يحكم بالموت على الجسد المادي ولا أباد جذر الخطية المغروس فينا ولكنه أمات إنساننا العتيق الموجود بينهما!! وعندما يموت الإنسان العتيق تنقطع حلقة الوصل بين الخطية الساكنة فينا وبين أجسادنا الخارجية وبالتالي نستطيع أن نتوقف عن فعل الخطايا العملية، قد يظل جذر الخطية مغروساً في كياننا لكنه فاقد السلطان والقدرة على تحريك أجسادنا لفعل المعاصي، أو كما يقول الرسول بولس «ليُبطل جسد الخطية» وكلمة «يُبطل» بحسب الأصل اليوناني تعني حرفياً «يصبح عاطلاً عن العمل» لأنه لم يعد يتلقى الأوامر من الإنسان العتيق!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 9 مايو 2012

لينك به خدمات للأخ : فخرى كرم . و الأب: متى المسكين . و الأسقف: منير حكيم . و الأخ :رأفت وليم .

هذا موقع رائع للأخوة بها عدد كبير من الكتب

وهذا عنوان للينك هام مرفوع عليه برامج و ترانيم و خدمات و كتب روحية مترجمة

 http://www.4shared.com/folder/HyX8MWzi/_online.html

موقع به مجموعة كبيرة من الترانيم القديمة

http://www.4shared.com/folder/IUvhXdz7/_online.html

موقع به عدد كبير من الكتب المسيحية

http://www.4shared.com/folder/j6eKPM-O/__online.html 

موقع على الساوند كلاوود به جميع عظات الأخ : فخرى كرم

https://soundcloud.com/yousef-683158027

الثلاثاء، 1 مايو 2012


الموت مع المسيح (2)
بقلم/ واتشمان ني
الفرق في تعامل الله مع الخطايا العملية والإنسان العتيق
الإنسان العتيق هو كيان فاسد ميت غير قابل للإصلاح أو الشفاء، الله لا يتعامل مع الإنسان العتيق إلا بالموت، الله يريد أن يعطينا كياناًً جديداً، في نفس الوقت يطلب منا الكتاب أن نتطهر من خطايانا ونغتسل منها في دم ربنا يسوع المسيح: «دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية» (1يو1: 7) «الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه» (رؤ1: 5) الخطايا هنا هي الأفعال الخاطئة التي يعملها الإنسان خارجياً، هذه نحتاج أن نغتسل ونتطهر منها بالدم بينما الكتاب المقدس لم يخبرنا قط بأن الإنسان العتيق يمكنه أن يتطهر أو يغتسل، الخطايا الفعلية يمكن غسلها بدم المسيح أما الإنسان العتيق الساكن فينا فينبغي أن يموت، هذا هو الحق الكتابي.
الله يعمل كل شيء في هذا الزمان من خلال ربنا يسوع المسيح، عندما أراد أن يعاقب الخطية عاقب ربنا يسوع المسيح لأن ربنا اختار أن يقف في موقف الخطاة ويكون نائباً عنهم، وعندما أراد أن يصلب إنساننا العتيق صلب ربنا يسوع المسيح، وبهذا الفعل هو جمع كل الخطاة جنباً إلى جنب مع المسيح على الصليب، إذاً موت ربنا كان له وجهان: الأول هو موت بالنيابة والثاني هو موت بالمشاركة!! هذه كلمات الكتاب الواضحة «إن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذاً ماتوا» (2كو5: 14)
هذا الحق ينبغي أن ننتبه له ولا نمر عليه مرور الكرام، فالمؤمن الحقيقي الذي نال الخلاص عندما اعترف بخطاياه وآمن بالرب يسوع المسيح ينبغي أن يدرك أن صلب إنسانه العتيق ليس عملاً خاصاً عليه أن يقوم به مستقلاً عن المسيح، لكنه عمل تم بالإتحاد مع موت المسيح على الصليب، عندما مات ربنا يسوع المسيح مات معه إنساننا العتيق ومات فيه، هذا يوضح لنا لماذا يفشل الكثيرون من المؤمنين في حياتهم الروحية: إنهم يبذلون كل قواهم لكي يصلبوا إنسانهم العتيق، ولكنهم يكتشفون دائماً انه مازال حياً، ولذلك يظلوا طوال حياتهم يحاولون بقواهم الخاصة أن يصلبوا الإنسان العتيق بعيداً عن صليب المسيح، هذه المجهودات لن تنجح أبداً لأنه إذا لم يُصلب الإنسان العتيق مع المسيح فلن يُصلب بأي شكل آخر.
إننا لا نموت بقوانا الخاصة بل نموت بالإتحاد مع المسيح، إننا «اعتمدنا لموته» (رو6: 3) «قد صرنا متحدين معه بشبه موته» (رو6: 5) «قد متنا مع المسيح» (رو6: 8) «عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية» (رو6:6) إننا لا يمكننا أن نصلب أنفسنا ثانية، إن موتنا مع المسيح صار أمراً واقعاً فعلاً، إن موت ربنا يسوع المسيح على الصليب حقيقة واقعة، وموته لأجل خطايانا هو أيضاً حقيقة واقعة، وموتنا نحن معه هو أيضاً حقيقة واقعة!!
لكن ما هي نتائج موتنا مع المسيح؟ ما هو الهدف؟ نتعلم من الشواهد السابقة أن الهدف هو أن يُبطل جسد الخطية، بمعنى أن يصير بلا سلطان ولا تأثير علينا فلا نعود نستعبد بعد للخطية، ولعلنا نزيد الأمر وضوحاً في المرة القادمة (يتبع)

الاسم العجيب (57)
فخرى كرم
تكلمنا عن لقب «العبد» الذي لربنا يسوع المسيح، وقلنا أن العبد يتميز بعدة صفات أولها أنه لا يعمل مشيئته الخاصة بل دائماً يعمل مشيئة سيده، إنه لا يختار ماذا يكون أو ماذا يفعل بل في كل وقت يستقبل فكر سيده وينفذه، وإذا كان التاريخ قد شهد الكثير من عبيد الله الذين استطاعوا تتميم مشيئته على الأرض إلا أن سيدنا يقف متفرداً في هذا المضمار لا يدنو منه أحد، فربنا كان عبداً كاملاً لله لا تشوب عبوديته شائبة أو نقص!! لكن قبل أن نبدأ الحديث عن عبودية ربنا الكاملة لله لابد أن نوضح هنا ما نقصده بالعبودية لله وما نعنيه بتتميم مشيئته على الأرض:
العبودية لله هي جوهر العبادة
عندما يؤمن الإنسان بالله إيماناً حياً فإنه بذلك يختار أن يحيا حياته خاضعاً لسلطان الله متمماً لمشيئته طائعاً لوصاياه، فباختياره لله «سيداً» للحياة هو يختار أن يكون «عبداً» لله، وهذه العبودية لسيادة الله على الحياة هي جوهر كل عبادة يقدمها الإنسان لله، فالعبادة في جوهرها هي العبودية لله أي تنفيذ مشيئته في كل جوانب الحياة (رو12: 1) حتى أنه في لغتنا العربية نجد للعبادة والعبودية نفس الأصل اللغوي!!
لقد حاول الإنسان أن يتنصل من هذه العبودية فجعل العبادة مجموعة من الطقوس التي يمارسها في أوقات محددة وأماكن محددة، كلمات جوفاء يتلوها أو يرتلها من حين لآخر، فأصبحت العبادة تجري بروتينية في اتجاه بينما بقية الحياة تجري في اتجاه آخر مغاير تماماً، في «العبادة» يتلو كلمات عن ربوبية الله وسلطانه بينما يسلك في حياته العملية بموجب شهوات الجسد وسلطانه، أصبح الإنسان فعلياًً عبداً لذاته لأنه طوال الوقت ينفذ رغباته الخاصة.
المؤمن الحقيقي هو الذي يقدم لله عبادة حية حقيقية من خلال خضوعه الدائم لمشيئة الله وتتميم وصاياه، إنه يختار بكامل إرادته أن يحيا عبداً لله يصنع مشيئته تعالى ولا يخضع لشهوات جسده ورغباته الذاتية، وهذا الاختيار قد يبدأ في لحظة محددة هي لحظة الإيمان ولكنه يتجدد في كل يوم من أيام الحياة. لكن ماذا نعني بعمل مشيئة الله؟ 
مشيئة الله العامة والخاصة
عندما نتكلم عن تتميم مشيئة الله ينبغي أن نعلم أن الله له في حياة البشر مشيئة عامة ومشيئة خاصة، المشيئة العامة هي المشيئة المطلوب تنفيذها من كل المؤمنين بلا استثناء، هي المشيئة المذكورة في وصايا وتعاليم الكتاب، وكل المؤمنين الباحثون عن رضا الله يجتهدون أن يحفظوا هذه المشيئة العامة قدر استطاعتهم، ولا يمكن اعتبار الإنسان مؤمناً حقيقياً إلا إذا تولدت بداخله رغبة حقيقية واجتهاد حقيقي لتتميم وصايا الله الموجودة في الكتاب المقدس.
  ولكن هناك مشيئة أخرى خاصة بحياة كل واحد من أبناء الله، كل واحد منا له دور خاص ينبغي أن يقوم به في تتميم مشيئة الله على الأرض، لأننا مخلوقون في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها، هذه المشيئة الخاصة لا يمكن تعميمها على الجميع لأنها خاصة بأصحابها فقط، وتنفيذ هذه المشيئة الخاصة يحتاج إلى أمانة خاصة وتكريس خاص من منفذيها، كما أنها تحتاج إلى إعداد خاص وقدرات خاصة يصنعها الله في حياتهم.
عبد الله الحقيقي هو مَن يبدأ بتنفيذ مشيئة الله العامة الموجودة بين يديه، وكلما زادت أمانته وطاعته يبدأ الله يكشف له المشيئة الخاصة بحياته، وعندئذ يبدأ طريقاً جديداً من الطاعة والتكريس لتنفيذ هذه المشيئة الخاصة، وسنرى كيف كان سيدنا نموذجاً كاملاً لنا في هذا المضمار، وللحدث بقية(يتبع)    

الاثنين، 2 أبريل 2012


الصليب وحده يكفي
بقلم : فخرى كرم
«لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً»(1كو2:2)
«أنتم الذين أمام عيونكم قد رُسم يسوع المسيح بينكم مصلوباً»(غل3: 1)
قرَّر الرسول بولس ألا يعرف بين أهل كورنثوس إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً، وهذا يعني أن صليب المسيح يحمل الرسالة المسيحية كاملة، وأن مشهد الصليب يقدم إنجيلاً كاملاً يصلح أن يكون أساساً راسخاً لبناء كنيسة قوية، ولذلك أيضاً نرى الرسول في موضع آخر يهتم بأن يرسم أمام عيون أهل غلاطية مشهد يسوع المسيح مصلوباً، لأن الصليب وحده يكفي لخلق حياة مسيحية كاملة في حياتنا.
  فالصليب يقدم للإنسان الخاطئ أساساً ثابتاً لرفض الخطية والتوبة عنها، فصورة يسوع المُفسَدة على الصليب تقدم برهاناً على بشاعة الخطية ومدى رفض الله لها، عذابات ربنا على الصليب تشرح بوضوح أن الخطية خاطئة جداً وأن أجرتها مُرة للغاية، فمن لا يستطيع أن يرى بشاعة الخطية ويتوب عنها أمام الصليب لن يستطيع أن يرفضها ويتوب عنها في أي مكان آخر!!
والصليب يقدم للإنسان التائب محبة إلهية غافرة لا تعرف الحدود، فالله بيَّن محبته لنا إذ ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، فإلى هذا المدى أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية، وأين سنجد محبة أعظم من هذه أن يضع أحد نفسه عن أحبائه؟!! إن كل من لا يقبل محبة الله الظاهرة في الصليب ويذوب أمامها لن يستطيع أن يقبلها في أي موضع آخر!!
والصليب يقدم للمؤمن الحديث طريقاً للانتصار على الخطية الساكنة فيه، إذ أنه يرى في موت ربنا على الصليب موتاً لإنسانه العتيق، فيبدأ طريقاً متجدداً في كل يوم لصلب الجسد مع الأهواء والشهوات، وكلما نظر إلى الصليب يرى قضاء الله على كل ما يصدر من الطبيعة القديمة فيتعلم أن يرفضه ويستبدله بعمل الطبيعة الجديدة فيه، إن المؤمن الذي لا يتعلم في مدرسة الصليب كيف يُميت إنسانه العتيق لن يتعلم هذا الدرس في أي مدرسة أخرى!!   
وعندما يتقدم المؤمن في حياة التقوى والنصرة على العدو الداخلي أي الجسد حينئذ يبدأ يشعر بمحاربة العدو الخارجي أي إبليس، وعندئذ سيجد في الصليب أساس النصرة على كل محاربات العدو، فالرب قد جرَّد الرياسات والسلاطين وأشهرهم جهاراً ظافراً بهم في الصليب، فالتبرير الذي صنعه لنا الرب بدمه قد جرَّد إبليس من كل سلطان على حياتنا وأفقده حُجته في الشكاية علينا أمام الآب، وإذا لم يستطع المؤمن أن يستتر في دم الصليب من شكاية العدو ومحاربته فلن يستطيع أن يستتر منها في أي ستر آخر!!
وماذا نقول أيضاً؟! فالصليب هو الذي يقف بيننا وبين العالم الحاضر الشرير، إنه يصلب العالم لنا ويصلبنا نحن للعالم، والصليب هو منهاج الحياة اليومي عندما نحمله كل يوم ونتبع الحبيب، إن صليب ربنا يعطينا نموذجاً لحياة الطاعة اليومية لمشيئة الله، فالصليب كان المدى الذي امتدت إليه طاعة الابن عندما أخذ صورة عبد وأطاع حتى الموت موت الصليب، إن الصليب ليس مجرد تاريخ أو فكرة أو حتى عقيدة بل هو أسلوب حياة ومنهاج يومي يمتد بطول العمر، إن مَن يعرف يسوع المسيح وإياه مصلوباً ويُرسم أمام ناظريه الصليب في كل أيام حياته سيعرف بالتأكيد كيف يعيش حياة مسيحية غالبة ومنتصرة، لأن الصليب وحده يكفي!!

الموت مع المسيح (1)
بقلم/ واتشمان ني
نُشرت في 10 يونيو 1925
«مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ»(غل 2: 20)
«عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية»(رو6: 6)
عندما مات ربنا يسوع المسيح على الصليب لم يمت فقط «لأجل الخطاة» بل أيضاً «مع الخطاة»!! لقد مات «لأجل الخطاة» لكي يكرِّس لهم طريقاً حياً للقدوم إلى الله وامتلاك الحياة الأبدية، ولكنه أيضاً مات «مع الخطاة» لكي يحرِّرهم من سلطان الخطية في حياتهم اليومية.
لو كانت فاعلية الصليب في مجال الفداء فقط حتى ينال الخطاة الحياة الأبدية والنجاة من الهلاك الأبدي لكان طريق الله للخلاص ليس كاملاً!! لأن الإنسان عندما يؤمن بالرب يسوع المسيح وينال الخلاص الأبدي يظل يعيش في هذا العالم حيث الكثير من التجارب، وحيث مازال الشيطان يقاومه ويحاربه، وحيث الطبيعة العتيقة الساكنة فيه تعمل طوال الوقت، رغم أنه أخذ الخلاص الأبدي إلا أنه يحتاج لأن يتحرَّر كل يوم من سلطان الخطية على حياته اليومية، يحتاج للقوة الروحية لينتصر على الخطية الساكنة فيه.
لذلك كان ينبغي للرب يسوع أن يُكمل في صليبه خلاصنا بجانبيه: الجانب الأول هو أن يموت «لأجلنا» لكي يفدينا من عقوبة الخطية، والجانب الثاني أن يموت «معنا» أي متحداً بطبيعتنا الخاطئة لكي يحررنا من سلطان الخطية!! ولقد أكمل ربنا المبارك هذا العمل المزدوج على الصليب فأنقذنا من عقوبة الخطية التي هي النار الأبدية في جهنم، وأيضاً أعتقنا من ناموس الخطية والموت لكي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية.
 إن الخطية لا تأتي إلينا من الخارج بل من الداخل، لو كانت الخطية تهاجمنا من الخارج ما كان لها كل هذا السلطان علينا، لكن المشكلة أن الخطية ساكنة فينا ولذلك تمتلك سلطاناً قاسياً علينا. التجربة تأتي من الخارج لكن الخطية تسكن في الداخل، ولأن كل إنسان في العالم هو من نسل آدم لذلك فجميع البشر يمتلكون طبيعة آدم، هذه الطبيعة قديمة وفاسدة ونجسة، وهذه الطبيعة هي «أم الخطايا» في الإنسان!!
عندما تهاجمنا التجارب من الخارج تتجاوب معها هذه الطبيعة العتيقة داخلنا وتكون النتيجة هي الخطايا الكثيرة التي نعملها، ولنأخذ لهذا مثلاً: إننا نمتلك الكثير من الكبرياء والاعتداد بالذات في داخلنا حتى وإن نجحنا في إخفائه أحياناً كثيرة، لكن عندما تأتينا الفرصة من الخارج في محك عملي تظهر فجأة كبرياؤنا وتعلن عن وجودها، إن الكبرياء لم تهاجمنا فجأة في لحظة التجربة بل كانت موجودة بداخلنا كل الوقت، إنها فقط أعلنت عن وجودها وخرجت من مكمنها عندما تجاوبت مع التجربة الآتية من الخارج.
إننا غيورون بطبعنا، نحب أنفسنا جداً ولا نريد أن نرى أحداً أفضل منا، هذه هي الطبيعة العتيقة الساكنة فينا، قد لا نُظهرها في تعاملاتنا وننجح طويلاً في إخفائها، ولكن عندما تهاجمنا التجربة فجأة من خلال الظروف الخارجية تظهر الغيرة بكل انفعالاتها وعنفها، إن الغيرة لم تهاجمنا في هذه اللحظة بالذات لكنها كانت كامنة بداخلنا كل الوقت، ولها سلطان على حياتنا كل الوقت، وكل ما فعلته الظروف الخارجية أنها أتاحت لها الفرصة للظهور. (يتبع)