الأربعاء، 5 ديسمبر 2012



الاسم العجيب (64)
فخرى كرم
تكلمنا عن معاناة ربنا يسوع المسيح التي قاساها باعتباره عبد يهوه الكامل، فلقد اختار سيدنا عند دخوله إلى العالم أن يكرِّس حياته لعمل مشيئة الآب السماوي، وكإنسان كامل الإنسانية سار في درب العبودية الكاملة للآب لكي يفتح لنا طريقاً لطاعة الله يمكننا أن نسير فيه وراءه، ويرسم بحياته البشرية أمامنا نموذجاً للعبودية المقدسة لله يمكننا كبشر إتباعه، ولقد رأيناه يتألم في هذا السبيل من عدة اتجاهات: رأيناه يتعب ليعرف هذه المشيئة كل يوم، ورأيناه يعاني من مقاومة المجتمع له، ورأيناه يقاسي من مقاومة إبليس ومملكته، واليوم نختم هذه الجزئية بقولنا أنه تألم أيضاً
(4) من طبيعة المشيئة المُكلف بتنفيذها
كانت مقاومة البشر والشياطين مؤلمة لربنا المبارك إلا أن الألم الذي شعر به من طبيعة المشيئة الإلهية المُكلف بتنفيذها كان أشد وأقسى بما لا يُقاس!! كانت مشيئة الله أن يكون نائباً وبديلاً عن البشر الخطاة، أن يقف في مكانهم ويحتمل قصاصهم، أن يتحد بهم أمام عدالة الله ويدفع أجرة خطاياهم، أن يجعل نفسه ذبيحة إثم تكفيراً عن عصيانهم، أن يعاني من احتجاب وجه الآب عنه حين توضع عليه جميع آثامهم، أن يقبل في نفسه كل الغضب الإلهي على شر الإنسان وزيغانه، أن يشعر بسيف القضاء الإلهي يخترق أحشاءه ويمزقها كما تفعل السكين الحادة بالذبيحة!!
ومَن يستطيع أن يدرك أبعاد هذه المعاناة؟ من يستطيع أن يشرح لنا معنى الوقوع تحت غضب الله؟! لا أحد، لأنه لا يوجد إنسان اجتاز هذه المعاناة بشكلها الكامل من قبل، فالإنسان لا يستطيع أن يحتمل الوقوع تحت غضب الله لأنه مخيف هو الوقوع بين يدي الله الحي، أي إنسان منا لابد أن ينسحق لو تُرك ليشعر بثقل إثم واحد من آثامه، ولولا نعمة الله التي ترفع عنا سريعاً إحساسنا بالذنب لسحق الألم عظامنا!!
 عندما تعامل الله مع ضمير قايين وشعر بفداحة الجُرم الذي اقترفه رأيناه يصرخ «ذنبي أعظم من أن يُحتمل» وعندما تكلم الله إلى ضمير داود من خلال ناثان النبي وجعله يشعر بدناءة التصرف الذي فعله في قضية أوريا الحثي سقط داود لفترة تحت الإحساس بالذنب، وما أقساه من إحساس!! صار يعوِّم كل يوم سريره بدموعه وبليت عظامه من زفيره اليوم كله، انكسر قلبه وانسحقت روحه، ولولا نعمة الله التي «نقلت» عنه خطيته إلى شخص البديل المبارك لمات داود تحت ثقل شعوره بالذنب!! وعندما استيقظ ضمير يهوذا الإسخريوطي وشعر بحجم الخيانة التي ارتكبها في حق سيده الذي أحسن إليه مضى وخنق نفسه، فالإنسان يُفضِّل الموت على أن يُترك ليقاسي عذاب الضمير!!
وإذا كنا نحن الخطاة بالطبيعة نشعر بهذا الألم فكم يكون شعور مَن كانت طبيعته هي القداسة والطهر؟! إذا كان الإحساس بالإثم ثقيلاً على مَن ألِف الإثم ونُسجت الخطية في نسيج حياته منذ مولده فكم يكون وقع هذا الإحساس على من لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه كذباً؟! كيف يشعر مَن لم يعرف خطية عندما يجعله الله خطية أمامه؟! لذلك نجد ربنا المبارك يحتمل كل أنواع الألم ولا يصرخ أو يتوجع من قسوة الإنسان وشر الشيطان ولكن عندما حجب الآب وجهه عنه وجدناه يصرخ بصوت عظيم «إلهي إلهي لماذا تركتني» فهذا هو الألم الذي لا يستطيع احتماله صامتاً!!
كل البشر إذا وقعوا تحت غضب الله لا يستطيعون أن يسألوا «لماذا» لأنهم يعلمون جيداً أنهم مستحقون لهذا الغضب، وداود عندما سقط تحت القصاص لم يسأل «لماذا» بل قال «لأني عارف بمعاصيّ وخطيتي أمامي دائماً» لكن هناك إنسان واحد فقط من حقه أن يسأل في مواجهة غضب الله «لماذا» لأنه الطاهر القدوس الذي لم يفعل قط شيئاً ليس في محله، وهذا السؤال ليس للاستفسار لأن ربنا يعلم جيداً أنه يتألم كنائب عن البشر لكنه للتعبير عن عمق الألم الذي يشعر به في أعماقه، له كل المجد إلى الأبد!! وللحديث بقية (يتبع)    

السبت، 3 نوفمبر 2012



الاسم العجيب (63)
فخرى كرم
عاش ربنا على الأرض كإنسانٍ كامل الإنسانية لا يهتم إلا بأن يعمل مشيئة الآب الذي أرسله ويتمم عمله، عاش الثلاثين سنة الأولى من عمره يضع نفسه «تحت الناموس» يتمم وصاياه وفرائضه، وفي المعمودية مُسح بالروح القدس ليتمم مشيئة خاصة لله على الأرض، وكم اجتهد وتعب لتتميم هذه المشيئة الخاصة!! فرأيناه أولاً يتعب ويجتهد كإنسان كامل لكي يعرف ويقبل هذه المشيئة في كل يوم، وثانياً رأيناه يتعب ويتألم من مقاومة الناس والمجتمع له، واليوم نضيف أنه أيضاً تعب وتألم من
(3) مقاومة الشيطان ومملكته
إذا كان الشيطان يقاوم المؤمنين بشكل عام ويجول دائماً يلتمس مَن يبتلعه إلا أن مقاومته تزداد قسوة وشراسة للمؤمن الذي يسعى لتتميم مشيئة الله في حياته، فالمؤمن الذي يريد أن يصنع مشيئة خاصة لله ينبغي أن يتوقع مقاومة خاصة من الشيطان، لأن المؤمن الذي يستأمنه الله على عمل خاص في الأرض يشكِّل خطراً داهماً على مملكة الشر!!
لذلك كان أول عمل للرب بعدما مُسح بالروح في المعمودية هو أنه ذهب للبرية لكي يُجرَّب من إبليس!! إننا نعرف جيداً أن إبليس يذهب للناس ويجرِّبهم لكننا لأول مرة نجد إنساناً يذهب لإبليس ويعطيه الفرصة كاملة لكي يجرِّبه!! كانت هذه المواجهة دليلاً على أن يسوع قد أتى للأرض لكي يتحدى رئيس هذا العالم وينقض أعماله، فإذا كان الشيطان يجول يصنع الشر ويبتلع النفوس فيسوع كان مزمعاً أن يجول يصنع الخير ويشفي النفوس.
إبليس يشبه رب البيت القوي الذي يحرس بيته متسلحاً، والبيت هنا هو العالم فالكتاب يعلِّمنا أن إبليس هو رئيس هذا العالم، ونفوس الناس الموجودين في العالم هي الأمتعة التي تقع تحت سلطان إبليس، وهو يسهر ويجتهد كل الوقت لكي تظل هذه النفوس تحت سلطانه، ولكي يحرر الرب هذه النفوس كان ينبغي أن يتواجه مع هذا القوي أولاً وينتصر عليه ويربطه ثم يأخذ أمتعته (مت12: 29)
لذلك رأينا مقاومة مملكة الشر للرب يسوع طوال حياته على الأرض، فبعدما انتصر ربنا عليه في الجبل يقول الكتاب أن الشيطان فارقه إلى حين، وعندما نزل ربنا إلى ساحة المعركة وبدأ يحرر النفوس من قبضة هذا العدو القاسي عاد إبليس يقاومه بعدة طرق مختلفة، فأحياناً يستخدم هياج قوى الطبيعة مثل البحر والريح لكي يُغرق سفينة التلاميذ، ومن انتهار الرب للبحر والرياح نفهم أن هناك قوى شيطانية عاقلة كانت وراء هذا الهياج!! وأحياناً أخرى يستخدم نفوس الأشرار والقادة العميان، فمنذ أول عظة له في مجمع الناصرة وجدنا الناس تأخذه لترميه من فوق الجبل!! وطوال خدمته تعرض للمكائد والأحابيل لكي يجدوا فرصة يشتكون عليه، ولقد كشف الرب أن إبليس هو الواقف وراء مجادلاتهم ومعارضتهم عندما قال لهم «أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا» (يو8: 44) ولقد وصلت هذه المقاومة إلى ذروتها في الصليب عندما رفع الرب نظره إلى الأحداث الآتية عليه وقال «رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء» (يو14: 30) ووقتها رأينا المقاومة واضحة في مؤامرات قادة اليهود وقسوة عسكر الرومان وتعييرات عامة الشعب، لكن الأشد إيلاماً كان أن الشيطان أحياناً قاوم الرب من خلال أحبائه!! رأيناه ينطق على لسان بطرس ويدخل في قلب يهوذا ويدفع بقية التلاميذ للتخلي عن الرب في أصعب أوقات حياته!!
 من الصعب أن يسير الإنسان كل حياته ضد مقاومة إبليس ومملكته، إبليس هو رئيس سلطان الهواء ومن الصعب أن تسير كل الوقت وأنت تشعر أن الهواء المحيط بك يقاومك!! لكن عبد يهوه الكامل احتمل هذه المقاومة في نفسه حتى أكمل عمله بالتمام، له كل المجد، وللحديث بقية (يتبع) 

الاثنين، 1 أكتوبر 2012


الاسم العجيب (62)
فخرى كرم
بعدما أكمل يسوع مشيئة الله العامة في الثلاثين سنة الأولى من حياته على الأرض نزل عليه الروح في المعمودية ليمسحه لتتميم مشيئة أخرى خاصة، وهو كعبد يهوه الكامل احتمل كل المشقات لتتميم هذه المشيئة أيضاً، حيث أن مُتمِّم المشيئة الخاصة يحتاج إلى مجهود إضافي وقد يتعرض لآلام لا يتعرض لها المؤمن العادي، وقلنا أن أول الأمور التي تحتاج إلى مجهود إضافي هو معرفة تفاصيل هذه المشيئة الخاصة كل يوم، فهذه المشيئة لا تُعلن دفعة واحدة بل بالتدريج، واليوم نضيف من بين آلام تتميم المشيئة الخاصة:
(2) التعرُّض لمقاومة المجتمع
«بذلت ظهري للضاربين وخدَّي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق»(أش 50: 6)
«وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب»(في2: 8)
المشيئة الخاصة تقود صاحبها في أحيان كثيرة إلى أن يسلك مسلكاً غير مُعتاد من المجتمع، وبالتالي فإنه يتعرض لمقاومة واضطهاد الناس لأن المجتمعات البشرية بطبعها تنفر من أي سلوك مختلف عن المألوف والسائد، فأي مجتمع بشري يتبع في الغالب نظرية تُسمى «نظرية القطيع» أي أن كل أفراد هذا المجتمع ينبغي أن يسيروا في داخل إطار واحد يرتضيه الجميع، حيث يتوافق أفراد هذا المجتمع على سلوكيات وأفكار يلتزم بها الكل، سواء كانت هذه الأفكار والسلوكيات  صحيحة أو خاطئة فهي لا تستمد شرعيتها من الحق بل من كونها مؤيَّدة من الأغلبية، وإذا أراد أحد أن يسلك سلوكاً مغايراً فإنه يسبِّب الكثير من الانزعاج والاضطراب في المجتمع وعليه أن يحتمل مقاومة سائر «القطيع» له!!
عندما فتح سيدي أذنه في كل صباح ليستمع كالمتعلمين لمشيئة الله الخاصة وجد أن هذه المشيئة ستقوده للسلوك ضد التيارات السائدة والجارفة في المجتمع اليهودي، تيار الرياء والمظهرية والتدين الأجوف، تيار استغلال الدين في الكبرياء والتعالي على الآخرين، تيار العنف والقسوة في إدانة الضعفاء وسحقهم، في وسط مجتمع الخداع هذا كان مطلوباً من يسوع أن يسلك بالاستقامة والحق، أن يقترب من المنبوذين والمُهمَّشين ويحب العشارين والخطاة، أن يقاوم المتكبرين ويفضح نجاساتهم المستترة، أن يُنزل الأعزاء بالباطل عن كراسيهم الوهمية ويرفع المتضعين، أن يعيش وينادي بالديانة الحقيقية في بساطتها وعمقها، ديانة الرحمة لا الذبيحة!!
 وكنتيجة طبيعية لسلوك يسوع ضد هذه التيارات كان ينبغي أن يواجه المقاومة والاضطهاد، لقد نُبذ من غالبية الشعب حتى قيل عنه بروح النبوة «أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب...لأني من أجلك احتملت العار، غطى الخجل وجهي، صرت أجنبياً عند إخوتي وغريباً عند بني أمي» (مز69) لقد عاش يسوع ثلاثين سنة يتمم مشيئة الله العامة في وسط شعبه فلم يُقاوم بل كانت له نعمة في عيونهم، لكن منذ بدأ تتميم المشيئة الخاصة انقلبت ضده كل قوى المجتمع وصار في عيونهم سبباً للمشاكل والقلاقل!!
وماذا كان رد فعل هذا العبد الكامل عندما ثارت ضده الزوابع والأعاصير؟ عندما وجد أن تتميم مشيئة أبيه يعني الآلام والاضطهاد حتى الموت؟ هل تراجع عن تتميم هذه المشيئة؟ حاشا، لم يرتد إلى الوراء بل بذل ظهره للضاربين وخديه للناتفين، لقد استهان سيدي بالخزي ولم يحجب وجهه عن العار والبصق، في مواجهة الألم «وضع نفسه وأطاع» حتى الموت موت الصليب، في كل يوم كان يضع نفسه إلى وضع أقل مما كانت عليه في اليوم السابق، في كل يوم كان يطيع مشيئة أبيه رغم المقاومة القاسية، لقد قدَّم مثالاً لكل من يريد يقتفي آثاره في تتميم مشيئة الله في الأرض، له كل المجد، وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 5 سبتمبر 2012


الاسم العجيب (61)
بقلم : فخرى كرم
قلنا أن سيدنا عاش الثلاثين سنة الأولى من حياته يتمم مشيئة الله العامة الموجودة في كتب العهد القديم، تلك المشيئة كان ينبغي تنفيذها من كل يهودي تقي يريد أن يرضي الله، وتلك المشيئة كانت تُستقى من فم الكتبة ومعلمي الناموس الذين جلسوا على كرسي موسى، وعندما أتمَّ يسوع كل وصايا الله وآخرها المعمودية من يوحنا المعمدان انفتحت السماء وأعلنت أن هذا هو الابن الحبيب الذي استطاع أن يُدخل السرور إلى قلب الآب، وعندها نزل الروح القدس كهيئة حمامة ليمسح يسوع لتتميم مشيئة أخرى لله، مشيئة خاصة بيسوع لم ولن تُطلب من سواه، وقضى سيدنا ثلاث سنوات ونصف يصنع هذه المشيئة الخاصة والتي أتمها أيضاً كاملة غير منقوصة، حتى استطاع أن يقول قبيل الصليب «العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته» (يو17: 4)
وتتميم مشيئة الله الخاصة يتطلب دائماً مجهوداً خاصاً يختلف عن تتميم المشيئة العامة، كما أن متمِّم المشيئة الخاصة يتعرض لنوعية خاصة من المعاناة والآلام لا يتعرض لها المؤمن العادي، ولقد بذل سيدي مجهوداً شاقاً مُضنياً وتحمَّل معاناته صامتاً حتى أتم هذه المشيئة كاملة، وسنحاول أن نستعرض سريعاً بعض أوجه المشقة والمعاناة التي اجتازها عبد يهوه الكامل لعلها تنير سبيلنا وتساعدنا لكي نقتفي خطاه في درب الطاعة وتتميم مشيئة الله في حياة كل واحد منا:
(1) معاناة معرفة المشيئة الخاصة
مشيئة الله العامة موجودة في الكتاب المقدس ويسهل معرفتها لكل واحد يدرس الكتاب بإخلاص، كما يمكن معرفتها من دارسي الكلمة ومعلميها الذين أعطاهم الله موهبة خاصة لشرح الكلمة وتوضيح خفاياها، أما معرفة مشيئة الله الخاصة بشخص ما فيحتاج إلى وجود دائم في محضر الله وأذن مفتوحة تستمع إلى هذه المشيئة وقلب نقي يحفظها ويعملها، لا يمكن أن أستقي مشيئة الله الخاصة بي من فم معلم أو دارس للكتاب، إنها مشيئة خاصة بي ولن تُعلن إلا لي، إنها لا تتناقض مع مشيئة الله العامة لكن لها تفاصيلها الخاصة التي ينبغي أن آخذها من الرب مباشرة.
كما أن المشيئة العامة يمكن معرفتها كلها وبكامل تفاصيلها من الكتاب حتى لو لم نطعها وننفذها، فكم من معلمين يستطيعون أن يشرحوا بإسهاب مشيئة الله المعلنة في الكتاب رغم أن حياتهم العملية لا تخضع لهذه المشيئة مطلقاً!! لذلك طلب الرب من الجموع والتلاميذ أن يأخذوا الشريعة من فم الكتبة والفريسيين لكن لا يتشبهون بحياتهم لأنهم يقولون ولا يفعلون (مت23: 1-3) لكن الأمر مختلف مع مشيئة الله الخاصة، المشيئة الخاصة لا يمكننا أن نعرفها كاملة من البداية، المشيئة الخاصة لا نعرف تفاصيلها إلا بالتدريج، خطوة بعد خطوة، لا يعلن لنا الله إلا خطوة واحدة في الوقت الواحد، إذا كنا أمناء فيما أعلنه الله لنا وأطعناه يعلن لنا الخطوة التالية، إذا لم نكن أمناء فيما طُلب منا يتوقف الله عن أن يعلن لنا المزيد، ونظل طوال حياتنا نتأسف على مشيئة لم تكتمل وعلى تفاصيل لم نعرفها أبداً!!
هذا يعني أن المؤمن الذي يريد أن يعرف وينفذ مشيئة الله الخاصة بحياته ينبغي أن يظل دائماً في حالة الانتباه والإصغاء والخضوع والطاعة، قد تكون هذه معاناة ومشقة لكنها ضرورية لتتميم مشيئة الله الخاصة، وهذا ما كان يفعله سيدي له المجد إذ قال عنه الكتاب أنه كان كل يوم يستيقظ مبكراً ويمضي إلى موضع خلاء ليصلي (مر1: 35) وأوقات كثيرة كان يُمضي الليل بطوله يصلي في الوقت الذي يهجع الشعب كله للنوم (لو6: 12) وقيل عنه بروح النبوة «يُوقظ كل صباح، يوقظ لي أذناً لأسمع كالمتعلمين، السيد الرب فتح لي أذناً وأنا لأم أعاند، إلى الوراء لم أرتد» (أش50: 4، 5) ليتني أقتدي بك في أمانتك وطاعتك التاعبة يا سيدي!! وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 21 أغسطس 2012


الموت مع المسيح (5)
بقلم/ واتشمان ني
«كذلك أنتم أيضاً احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية
ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا» (رو6: 11)
إن كلمة «احسبوا» هنا في غاية الأهمية، معظمنا يريد أن «يشعر» أن إنساننا العتيق قد مات، نريد أن يكون موت الإنسان العتيق «محسوساً» في كياننا، ولكن لو حاولنا أن نشعر بموت الإنسان العتيق فلن نختبر أبداً موته!! إن الإنسان العتيق لا يموت بالنسبة لإحساسنا أو شعورنا، بل على العكس كلما اعتمدنا على الإحساس كلما «أحسسنا» بوجوده وطالما اتكلنا على الشعور سنظل «نشعر» أنه حي!! إنساننا العتيق لم يُصلب بالنسبة للشعور أو الإحساس بل بالنسبة للإيمان، كيف «نحسب» أنفسنا أمواتاً عن الخطية؟ بالإيمان، إن «الحسبان» هو عمل من أعمال الإيمان، هو تطبيق الإيمان عملياً.
«الحسبان» هو عمل إرادي، إنه حكم الإرادة على الإنسان العتيق، إنه ليس عمل المشاعر أو الإحساس بل إصدار حكم الإرادة وتنفيذه بالإيمان، من الخطأ أن تقول «أنا لا أشعر بأن إنساني العتيق قد مات»، لأن موت الإنسان العتيق لا يتوقف على ما إذا كنت تشعر بهذا أم لا بل على ما إذا كنت تؤمن بهذا أم لا!!
كيف نحسب أنفسنا أمواتاً؟ بأن تؤمن بأن موت الرب يسوع على الصليب كان موتاً لإنسانك العتيق، لقد مات يسوع مع إنساننا العتيق، لقد مات إنسانك العتيق منذ ألفين سنة!! إن موت إنساننا العتيق هو حقيقة واقعة في عيني الله، وينبغي أن نبدأ نرى أنفسنا كما يرانا الله، وكلما بدأنا نحسب هذه الحقيقة في قلوبنا كلما بدأ الله في تنفيذها في أرض الواقع!! ينبغي علينا أن نبدأ نمارس إرادتنا في حسبان أنفسنا أمواتاً عن الخطية، وعندئذ سنبدأ نختبر فعلياً أننا أصبحنا أحراراً من سلطة الخطية.
فعل وموقف
إن الحسبان «فعل» كما أنه «موقف»، الفعل يكون مرة واحدة تجاه أمر محدد أما الموقف فهو اتجاه قلبي ثابت طوال الوقت، هذا يعني أننا نحسب أنفسنا أمواتاً عن الخطية مرة واحدة في حياتنا ثم نحتفظ بهذا الموقف ثابتاً في قلوبنا طوال الوقت، عندما يشرق الله في قلوبنا بإعلان موتنا مع المسيح لابد أن نتجاوب مع هذا الإعلان بالإيمان ونحسب أننا متنا مع المسيح عن الخطية، لكن هذا الفعل الذي تم في يوم محدد ينبغي أن يصير موقفاً قلبياً ثابتاً كل أيام حياتنا، «الفعل» هو البداية و«الموقف» هو الاستمرارية، لابد أن يكون هناك على الأقل مرة واحدة نتخذ فيها قراراً أمام الله أننا سنحسب أنفسنا من هذه الساعة فصاعداً أمواتاً عن الخطية، لكن بعد هذا القرار المحدد لابد أن نحافظ عليه كموقف ثابت كل أيام حياتنا.
للأسف هناك كثيرون لا يفهمون هذا ويعتقدون أنهم باتخاذهم قرار الموت مع المسيح مرة واحدة لن تواجههم فيما بعد صعوبات مع الإنسان العتيق بداخلهم، إنهم يظنون أنه كما يموت الإنسان جسدياً مرة واحدة ولا يعود موجوداً بالجسد مرة أخرى هكذا الأمر مع موت الإنسان العتيق، يعتقدون أن الإنسان العتيق يموت مرة واحدة ولا يعود موجوداً مرة أخرى، ولذلك هناك كثيرون يظنون أن إنسانهم العتيق قد قام من الموت وعاد لينغِّص عليهم حياتهم!! لكن الحقيقة أن معنى الموت في الأمور الروحية يختلف تماماً عنه في الأمور الجسدية، أننا نحتاج أن نحسب أنفسنا في كل يوم بل وكل ساعة أننا أمواتاً عن الخطية، ولو كففنا عن هذا الحسبان ساعة واحدة فسوف نختبر أن إنساننا العتيق مازال حياً ويعمل!! وللحديث بقية (يتبع)  

الاسم العجيب (60)
فخرى كرم
كان ربنا المبارك عبداً لله في كل أيام حياته منذ ميلاده وحتى عودته إلى السماء، ورأينا في المرة السابقة أنه كان عبداً لمشيئة الله العامة طوال الثلاثين سنة الأولى من عمره، في صباه وشبابه المبكِّر كان منحصراً في أن يعرف مشيئة الله المدونة في الناموس ويتممها، ورأيناه في حادثة الهيكل وهو جالس وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم فيما لأبيه، واليوم نريد أن نتأمل قليلاً في حادثة أخرى تظهر لنا ذات الحقيقة:
(2) «اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمِّل كل بر» (مت3: 15)
أرسل الله يوحنا المعمدان برسالة التوبة للشعب لكي يعدهم لمجيء المسيح، وتجسيداً للتوبة القلبية كان التائب يقبل معمودية الماء من يد يوحنا، إشارة لدفن الإنسان القديم بخطاياه في الماء وخروج إنسان جديد لحياة التوبة والصلاح، وبهذا المفهوم كان ربنا يسوع المسيح هو الإنسان الوحيد الذي لا يحق له أن يعتمد لأنه قدوس بلا خطية، ليس عنده خطايا يتوب عنها وينزل بها إلى الماء ليدفنها لأنه عاش حياته كلها يتمم مشيئة الله التي أخذها من فم معلمي الناموس في أيامه.
ومع ذلك رآه يوحنا المعمدان يوماً يتقدم إليه ويطلب منه أن يعمِّده!! ولأن يوحنا كان يعرف الحقيقة لم يسمح له بالمعمودية وقال «أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليَّ؟!!» يوحنا نفسه كان يشعر بأنه يحتاج إلى المعمودية، رغم كونه نبياً وأعظم من نبي بل أعظم المولودين من النساء إلا أنه يحتاج إلى التوبة!! في كل يوم يشعر أن هناك أشياء يريد أن يتركها وأعمالاً يتمنى ألا يعود يعملها، أنه مثل كل رجال الله الأتقياء في كل زمان ومكان يريدون أن يتطهروا باستمرار ويزدادوا نقاءً في كل يوم، وفي المقابل يدرك يوحنا أن يسوع ليس من هذا القبيل، أنه لم يفعل قط شيئاً ليس في محله ولا يستطيع أحد أن يبكته على خطية، فلماذا إذاً يريد أن يعتمد؟!!
وهنا أجابه يسوع بالقول الذي يكشف لنا المنهاج الذي عاش به طوال حياته: «اسمح الآن، لأنه يليق بنا أن نكمِّل كل بر»!! إنه لا يطلب المعمودية لأنه يحتاج إليها لكن لأنه يريد أن يكمِّل كل ما يطلبه الله من الإنسان، لقد تمم كل ما قاله الله في الناموس وهاهو يريد الآن أن يتمم آخر ما طلبه الله من الإنسان في العهد القديم، إن ما يحكم تصرفاته ليس احتياجه بل مشيئة أبيه، لأن العبد لا يعمل ما «يحتاج» إليه بل ما يأمر به سيده، وبما أن يسوع كان يعرف أن معمودية يوحنا آتية من السماء أي بأمر من الله فكان لابد أن يطيع هذا الأمر حتى وإن كان لا «يحتاج» إليه!!
إننا عادة لا نفهم هذا المنهاج الذي عاش به ربنا ونختلف تماماً في سلوكنا عن سلوك هذا العبد الكامل، إننا غالباً نفعل ما «نريد» أن نفعله أو على الأقل ما «نحتاج» أن نفعله، وقد نفعل مشيئة الله إذا توافقت مع ما «نريد» أو ما «نحتاج»، لكننا نجد صعوبة بالغة في الخضوع لما «يأمر» به الله إذا كان لا يتوافق مع ما نريد أو ما نحتاج!!
ولهذا السبب كان لابد أن تنفتح له السماء وهو خارج من المعمودية ويرى روح الله نازلاً عليه مثل حمامة ويسمع صوتاً من السموات قائلاً «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت»!! لماذا نطق الآب بهذا الإعلان في وقت معمودية يسوع بالذات؟! لسببين: (1) لئلا يعتقد الشعب الواقف أن مادام يسوع يعتمد إذاً هو خاطئ مثلهم يحتاج إلى التوبة، حاشا، لذلك كان لابد أن يعلن الآب للجميع أن معمودية هذا الإنسان بالذات ليست للتوبة عن خطية بل لإدخال السرور لقلب الآب!! (2) كان يسوع بهذه المعمودية يكمل آخر وصية لله في العهد القديم وكان لابد أن ينال عندئذ الشهادة السماوية أنه قد أرضى الله وأكمل كل وصاياه العامة تمهيداً لانتقاله بعدئذ للمشيئة الخاصة في بقية أيام حياته، له كل المجد، وللحديث بقية (يتبع)