الخميس، 4 أبريل 2013


الاسم العجيب (67)
فخرى كرم
عندما تجسد ابن الله وأتى إلى أرضنا رأيناه يعيش حياة العبودية لله الآب بشكل كامل ومطلق، لكي يعطينا نموذجاً حياً ومثالاً نحتذي به إن أردنا أن نعيش حياة ترضي الله وتتمم مشيئته، وعرفنا كيف انطبقت على شخصه الكريم صفتان من صفات العبد: فوجدناه يحيا لا ليعمل مشيئته بل مشيئة الآب الذي أرسله، وأيضاً وجدناه يعمل ويخدم مجاناً دون انتظار لمجازاة أو مقابل، واليوم نضيف من صفات العبد أيضاً:
(ثالثاً) العبد الكامل يخدم سيده بدافع المحبة
«إذا اشتريت عبداً عبرانياً فست سنين يخدم وفي السابعة
يخرج حراً مجاناً، ولكن إن قال العبد أحب سيدي وامرأتي
وأولادي لا أخرج حراً...فيخدمه إلى الأبد»(خر21: 2-6)
عندما أعطى الله لموسى أحكام الشريعة على جبل سيناء كانت أول الأحكام هي ما يخص العبد العبراني، فقد كان شائعاً في تلك الأيام أن يعرض الرجل نفسه للبيع عبداً بسبب فقره وحاجته للمال، ولقد وضع الله الأحكام التي تقنن هذه الحالات لكي لا يستغل الإنسان حاجة أخيه وفقره ويسود الظلم في المجتمع، ومن هذه الأحكام نفهم أن العبودية نوعان:
(1) العبودية المؤقتة: وهي الغالبية العظمى في حالات العبودية التي يكون الدافع فيها هو الاحتياج للمال، وأقصى مدة لهذه العبودية هو ست سنوات يخرج بعدها العبد حراً مجاناً، ما لم تحدث ظروف طارئة (منصوص عليها في أحكام الشريعة) قد تعجِّل بخروج العبد حراً قبل انقضاء مدة السنوات الست.
في هذه النوعية من العبودية يكون الدافع الأساسي لخدمة العبد هو تسديده للدين الموجود في عنقه، ليس بالضرورة أن تكون هناك عاطفة محبة تجاه السيد الذي يخدمه، والسيد أيضاً لا يعنيه إن كان العبد يحبه أم لا بل كل ما يعنيه أن ينفذ مشيئته بكل جد واجتهاد، بل كثيراً ما قرأنا في التاريخ عن عبيد قتلوا سادتهم أو تآمروا ضدهم مثل يربعام بن نباط عبد سليمان.
إذاً العبودية المؤقتة ينطبق عليها الصفتان الأولى والثانية من صفات العبد ولا تنطبق عليها الصفة الثالثة، العبد المؤقت يعمل إرادة سيده ويعمل مجاناً دون انتظار لمقابل لكنه ليس بالضرورة يحب سيده، ولذلك نقول أن هذه العبودية لا تقدم لنا صورة لعبودية الرب يسوع لله الآب، فالرب لم يكن عبداً مؤقتاً ولم يعمل قط لتسديد ديناً!!
(2) العبودية الأبدية: في حالة ارتباط العبد بسيده برباط من المحبة والألفة، وإذا وجد من الخير في بيت سيده ما لن يجده إذا خرج حراً، وإذا أعطاه سيده زوجة وأنجب منها أولاداً، وإذا أحب زوجته وأولاده الباقين في بيت سيده ولم يستطع الابتعاد عنهم، عندئذ قد يختار العبد أن يبقى عبداً إلى الأبد في بيت سيده ولا يخرج حراً، ويثقب سيده أذنه في إشارة لكونه لن يستمع لسيد آخر طوال حياته.
هذه العبودية الأبدية هي عبودية اختيارية دافعها هو المحبة فقط، وهي أرقي علاقة يمكن أن تربط بين سيد وعبد، لأن العبد في هذه الحالة يجمع بين المحبة التي هي صفة الأبناء وبين العمل الجاد الشاق الذي هو صفة العبيد، وقد رأينا من هذه النوعية أليعازر الدمشقي مالك بيت إبراهيم والمتسلط على كل ما كان له، كيف كان أميناً لسيده وحريصاً على تتميم مشيئته، ولقد ظهر جلياً في حادثة زواج اسحق من رفقة كيف أن أليعازر أحب إبراهيم سيده محبة شديدة قلما نجدها في قلوب الأبناء تجاه والديهم!!
هذه النوعية من العبودية تعطينا صورة مُصغَّرة باهتة عن عبودية ربنا يسوع المسيح لله الآب، الذي كان دافعها الأول هو محبته الكاملة للآب ورغبته في صنع مشيئته، لقد جمع في شخصه الكريم بين محبة الابن وخدمة العبد، بين الوجود في المقادس كابن وبين العمل الشاق في الحقل كعبد، وقد أعطاه الآب الكنيسة فأحبها وأسلم نفسه لأجلها، ولقد اختار سيدنا أن يأخذ دور العبد للأبد بلا توقف، فهو حتى الآن مازال يتمم مشيئة الآب ويخدمنا و يشفع لأجلنا من مكانه عن يمين العظمة في الأعالي، مازال العبد الكامل يعمل حتى الآن وسيظل يعمل من خلال عبيده الأمناء على الأرض حتى تكمل مشيئة الله في الأرض بصورة تامة ونهائية، وهذا ما سنحاول أن نتأمله في المرات القادمة (يتبع)    


الأحد، 10 مارس 2013



الاسم العجيب (66)
فخرى كرم
قلنا أن أول صفات العبد هي أنه لا يعمل مشيئته الخاصة بل مشيئة سيده، ورأينا كيف انطبقت هذه الصفة تمام الانطباق على حياة ربنا له المجد، الذي عاش يعمل مشيئة الآب الذي أرسله ويتمم عمله، وكان شعاره دائماً «لا يكن ما أريد أنا بل ما تريد أنت» وقلنا أيضاً أن ثاني صفات العبد أنه يقدم كل ما لديه مجاناً لأنه لا يعمل بالأجرة بل يعمل لأنه مُشترى بثمن، ونريد الآن أن نرى كيف تحققت هذه الصفة في حياة ربنا يسوع المسيح:
قدَّم كل حياته..بلا مقابل!!
«لأجلهم أُقدس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق» (يو17: 19)
عندما أتى ربنا إلى الأرض وجدناه يقدم كل حياته لتتميم مشيئة الآب الذي أرسله، لم يبخل بشيء ولم يحتفظ لنفسه بشيء، كل ساعات يومه منذ الصباح الباكر كانت لخدمة الناس وتسديد احتياجاتهم المادية والروحية، كل طاقته كانت تُنفق في التجوال وصُنع الخير وشفاء جميع المتسلط عليهم إبليس، كل مشاعره كانت تتدفق لحساب النفوس المسكينة التي وضعها الآب بين يديه، حتى قال لهم يوماً «ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه» لقد وضع نفسه وكرَّس ذاته لأجلنا لنكون نحن أيضاً مقدسين في الحق.
 لم نراه يوماً يؤثر راحته أو يطلب شيئاً لنفسه، لم نراه يضع مالاً في جيبه أو يختزن متاعاً لمستقبله، عاش بالكفاف وعلَّم تلاميذه أن يطلبوا الكفاف في صلاتهم، ولعل أبلغ تعبير عن حياته المبذولة هو كسر الخبز الذي صنعه أمام تلاميذه في الليلة الأخيرة معهم، لقد كسر الخبز وأعطاهم ليأكلوه ثم قال لهم أن هذا هو جسده المكسور لأجلهم، وأعطاهم الكأس لكي يشربوا منها كلهم قائلاً أن هذا هو دمه المسفوك لأجلهم، لقد مزَّق جسده وسفك دمه وأعطانا لكي نشبع ونرتوي، ماذا تبقَّى له إذاً؟ لا شيء، لقد قدم لنا كل ما يملك: جسده ودمه!!
ودعونا الآن نسأل: ماذا كان المقابل لكل هذا العطاء؟ والإجابة هي«لا شيء»!! فالإنسان يعرف أن يأخذ لكنه لا يعرف أو لا يستطيع أن يقدم المقابل، فأمام كل محبة ربنا للإنسان لم يأخذ إلا الغدر والخيانة، لقد قدَّم حياته للناس فقدموا له الموت!! لقد رفع شأنهم وأعاد لهم الكرامة فاحتقروه وبصقوا في وجهه!! اقترب منهم واتخذهم أحباء فهربوا منه وأنكروا أنهم يعرفوه!! أراد أن يكتب أسماءهم في سفر الحياة فوضعوا اسمه ليُحصى بين الأثمة!!
«إن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا، فوزنوا أجرتي
ثلاثين من الفضة، فقال لي الرب ألقها إلى الفخاري»(زك11: 12، 13)
في هذه النبوة نجد الله يسبق ويخبرنا قبل مئات السنين بما سيحدث في ملء الزمان، يخبرنا عن الراعي الصالح الذي طلب منه الآب أن يرعى غنمه الذليلة التي أذلَّها رعاة الشعب الكذبة، ويخبرنا أن هذا الراعي سيرعى الشعب بالنعمة وروابط المحبة، ويخبرنا أن بعد هذه الخدمة ستكون الأجرة مبلغاً زهيداً هو ثلاثين من الفضة، وأن حتى هذه الأجرة لن يضعها في جيبه بل سيذهب ليعطيها للفخاري في بيت الرب، أي أن هذه الرعاية الكاملة والمحبة الباذلة كانت بلا ثمن، لقد عاش يخدم الشعب بلا مقابل، وهذا بالتحديد هو سلوك العبد الكامل الذي لا يعمل لأجل أجرة بل فقط لأجل رضا سيده، لقد كانت أجرة يسوع الوحيدة هي أن مسرَّة الآب بيده تنجح!!
مَن مِن البشر يستطيع أن يقدم كل ما لديه مجاناً؟! مَن منا يستطيع أن يظل يعطي دونما مقابل؟! مَن يستطيع أن يستمر يحب حين لا يحصد في المقابل إلا الغدر والخيانة؟! والإجابة هي بالتأكيد «لا أحد»، لأن الإنسان في طبيعته «أجير» وليس «عبد»، ليتنا نقترب من سيدنا ونتعلم منه كيف نعيش صفات العبد في حياتنا وخدمتنا!! وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 2 فبراير 2013


الاسم العجيب (65)
فخرى كرم
مازلنا بصدد لقب «العبد» الذي اتخذه ربنا يسوع المسيح عند تجسده ودخوله إلى العالم، وقلنا أن أول صفات العبد هي أنه لا يفعل مشيئته الخاصة بل مشيئة سيده، ورأينا كيف تحققت هذه الصفة في حياة ربنا تمام التحقيق، فرأيناه في كل أيامه يفعل مشيئة الآب الذي أرسله ويتمم عمله، سواء كانت المشيئة العامة الموجودة في الناموس أو المشيئة الخاصة به كمخلِّص العالم، واستعرضنا باختصار المعاناة البالغة التي تكبدها ربنا لكي يتمم هذه المشيئة الخاصة، له كل المجد!!
واليوم نريد أن نضيف إلى صفات العبد أيضاً:
(ثانياً) العبد يعطي كل ما عنده مجاناً!!
«لأنكم قد اُشتريتم بثمنٍ، فمجدوا الله في
أجسادكم وأرواحكم التي هي لله»(1كو6: 20)
هناك فرق بين سلوك الأجير وسلوك العبد، الأجير يعطي من قوته وإمكانياته بما يساوي الأجر الذي سيحصل عليه، وهو دائماً يحاول أن يُقلل ما يقدمه ويُزيد ما يحصل عليه، ولو استطاع أن يحصل على الكثير دون أن يقدم إلا القليل لاعتبر هذا قمة النجاح!! أما سلوك العبد فيختلف تماماً، العبد يقدم «كل» قوته وإمكانياته بدون انتظار لمقابل لأنه يعتبر نفسه مُلكاً لسيده هو وكل ما يملك، لقد اشتراه سيده وبالتالي فهو بكل إمكانياته يعمل كل الوقت لحساب سيده!!
الأجير يحصل على أجرته بعد أن يتمم العمل المطلوب منه، أما العبد فيعمل ليسدد الثمن الذي دُفع فيه مُسبقاً، الأجير يعمل وعينه على المجازاة القادمة أما العبد فيعمل وعينه على القيمة التي دفعها سيده ليشتريه، الأجير يعمل لأجل نفسه أما العبد فيعمل لأجل سيده، شبع الأجير بحصوله على أجرته أما شبع العبد فبحصوله على رضا سيده!!
والإنسان بطبعه يميل لمسلك الأجير أكثر من مسلك العبد، لو لاحظنا أنفسنا سنجد أن منطق الأجير يسكن في أعماق طبيعتنا البشرية ويتحكم في كل تصرفاتنا، أننا نقدم المجهود والطاقة في المجال الذي نتوقع منه المجازاة، وحجم المجهود الذي نقدمه يتناسب دائماً مع حجم المجازاة التي نتوقع الحصول عليها، ولو شعرنا أن المجازاة لن تُرضي طموحاتنا سنجد أننا نقلل من حجم المجهود الذي نبذله، سواء كان هذا المجال عملاً أو علاقات إنسانية أو حتى خدمة دينية!! إن منطق الربح والخسارة يتحكم في كل سلوكياتنا حتى دون أن ندري، لو لم نتأكد أن هناك ربحاً ما سيعود علينا من وراء العمل المطلوب منا فلن نجد في داخلنا الطاقة الكافية للقيام بهذا العمل، سواء كان هذا الربح مادياً أو معنوياً، إننا نقدم الحب بمقدار ما سيعود علينا من حب، ونقدم الاهتمام بمقدار ما سيعود علينا من اهتمام، ونقدم مجهودنا بمقدار ما نتوقع من مجازاة، ونحن عادة لا نقدم «كل» ما عندنا بل نميل دائماً للاحتفاظ لأنفسنا بأفضل ما لدينا ونقدم للآخرين ما فضل عنا!!
إننا بالطبيعة غرباء عن منطق العبد ولا نستطيع أن نفهمه بسهولة، إننا لا نستطيع أن نفهم كيف نعيش لحساب شخص آخر ولا كيف نكرِّس كل قوانا لرضا شخص آخر، إننا لا نفهم كيف نعمل باجتهاد دون انتظار لمقابل، ولا كيف نبذل «الكل» دون أن نرجو مجازاة، إننا نحتاج نعمة من الله لكي نفهم أننا لا نعمل لأجل أجرة قادمة بل لنوفي ديناً باهظاً دُفع لأجلنا سابقاً، لقد اُشترينا بثمن ولابد أن نمجِّد الله في أجسادنا وأرواحنا التي صارت ملكاً لله وليست ملكاً لنا فيما بعد!! وسنحاول أن نرى في المرات القادمة كيف عاش ربنا المبارك بمنطق العبد في أيام تجسده، وكيف كان عبداً كاملاً في مسلكه وليس أجيراً، له كل المجد (يتبع)

الثلاثاء، 1 يناير 2013


رئيس السلام
فخرى كرم
«يُدعى اسمه .. رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام لا نهاية»(أش9: 6، 7)
«المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة» (مت2: 14)
في أيام صعبة أتى يسوع إلى العالم، في أيام تفتقر للراحة والسلام وتمتلئ بالحزن والانزعاج، أوضاع سياسية مضطربة وأحوال اقتصادية متدهورة، دماء بريئة تسيل هنا وهناك بدون رحمة أو تبرير، فئات من الساسة يحكمون قبضتهم على مقدرات الدولة ويهمِّشون الآخرين، طبقات من المتاجرين بالدين يعملون لحساب أنفسهم ولا يبالون بالمساكين، يحيكون المؤامرات في كل يوم للإيقاع بالأبرياء، يضعون أحمالاً ثقيلة على أكتاف الناس ولا يريدون أن يحركونها بأصابعهم، ظلام عقلي يطبق على أذهان الناس ويجعلهم أسرى لقيود فكرية وعقائدية لا تُسمن ولا تُغني من جوع، انقسامات حادة بين طبقات المجتمع تفتُّ في عضد الأمة وتزداد اتساعاً في كل يوم، وما أشبه اليوم بالبارحة!!
في تلك الأيام الصعبة أتى يسوع ليصنع سلاماً على الأرض!! أتى ليُبشر المساكين ويشفي منكسري القلوب وينادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر ويرسل المنسحقين في الحرية، أتى لينشر ثقافة المحبة والرحمة بين طبقات المجتمع المختلفة، أراد أن يعلِّم الناس كيف يغفرون ويسامحون بعضهم بعضاً، نشر نوره في العقول المظلمة ليحررها من القيود الفكرية التي هي أقسى من سلاسل الحديد، نادى للناس بأبوة الله ومحبته للخطاة نافياً عن قلوبهم الخوف منه وداعياً للارتماء في أحضان رحمته، فتح للمساكين أبواب الرجاء ونوافذ الأمل في مستقبل أفضل في ملكوت السماوات حين يملك الله على قلوبهم وأرواحهم بالسلام، وفي نهاية حياته قدم نفسه ثمناً لتحقيق هذا السلام!!
لقد أتى يسوع للعالم ليكون هو رئيس السلام، إن السلام الذي صنعه على الأرض لا يتحقق إلا تحت رياسته، وعلى كل من يريد أن ينعم بالسلام أن يقبل يسوع رباً ورئيساً لحياته، لقد صنع المصالحة بين الله والإنسان بدم صليبه، لقد مزَّق جسده ليجعلنا مع بعضنا جسداً واحداً وسفك دمه ليجعلنا مع الله روحاً واحداً، لقد اشترى لنا السلام مع الله والآخرين بذبيحة نفسه، لذلك لا وجود للسلام إلا تحت رياسته.
ورياسته هذه تنمو باستمرار وباضطراد، في كل يوم لابد أن تزداد رياسة الرب على حياتنا اتساعاً وعمقاً، وكلما نمت الرياسة كلما نما معها السلام، إن حجم السلام الذي تنعم به في حياتك يساوي تماماً حجم سيادة يسوع على حياتك، كل مساحة في ذهنك دخلها يسوع بنوره هي مساحة ممتلئة بالسلام، وكل منطقة في مشاعرك وُضعت تحت سلطان يسوع هي منطقة ممتلئة بالسلام، وكل مجال في حياتك قررت أن تطيع فيه يسوع هو مجال ممتلئ بالسلام، أما إذا كنت تعاني من انزعاج واضطراب في أية مساحة من حياتك فلابد أن يسوع لا يسود في تلك المساحة!!
يعلمنا الكتاب أنه لا نهاية لنمو رياسة الرب وسلامه، ستظل رياسة الرب تنمو حتى تملأ الأرض كلها وعندئذ سيسود السلام في كل أرجاء المسكونة، ووقتها ستتحقق أنشودة الملائكة ويكون المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام ويتمتع الناس برضا الله ومسرته، عندما تمتلئ الأرض من معرفة مجد الرب كما تغطي المياه البحر، لقد بدأت هذه الأنشودة منذ ميلاد يسوع لكنها مازالت تنمو في كل يوم نحو التحقيق الكامل!!
نحن نعيش الآن في بلادنا أياماً تفتقر للسلام، لذلك نحن في أشد الاحتياج أن نعود إلى رئيس السلام، نحتاج أن تنمو رياسة الرب على حياتنا بقدر ما تنمو المشاكل والتحديات حولنا، نحتاج أن ينمو في أعماقنا سلام الله الذي يفوق كل عقل ممتلكاً مساحات جديدة فينا وحافظاً قلوبنا وأفكارنا في المسيح يسوع، وكل عام وأنتم بخير.

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012



الاسم العجيب (64)
فخرى كرم
تكلمنا عن معاناة ربنا يسوع المسيح التي قاساها باعتباره عبد يهوه الكامل، فلقد اختار سيدنا عند دخوله إلى العالم أن يكرِّس حياته لعمل مشيئة الآب السماوي، وكإنسان كامل الإنسانية سار في درب العبودية الكاملة للآب لكي يفتح لنا طريقاً لطاعة الله يمكننا أن نسير فيه وراءه، ويرسم بحياته البشرية أمامنا نموذجاً للعبودية المقدسة لله يمكننا كبشر إتباعه، ولقد رأيناه يتألم في هذا السبيل من عدة اتجاهات: رأيناه يتعب ليعرف هذه المشيئة كل يوم، ورأيناه يعاني من مقاومة المجتمع له، ورأيناه يقاسي من مقاومة إبليس ومملكته، واليوم نختم هذه الجزئية بقولنا أنه تألم أيضاً
(4) من طبيعة المشيئة المُكلف بتنفيذها
كانت مقاومة البشر والشياطين مؤلمة لربنا المبارك إلا أن الألم الذي شعر به من طبيعة المشيئة الإلهية المُكلف بتنفيذها كان أشد وأقسى بما لا يُقاس!! كانت مشيئة الله أن يكون نائباً وبديلاً عن البشر الخطاة، أن يقف في مكانهم ويحتمل قصاصهم، أن يتحد بهم أمام عدالة الله ويدفع أجرة خطاياهم، أن يجعل نفسه ذبيحة إثم تكفيراً عن عصيانهم، أن يعاني من احتجاب وجه الآب عنه حين توضع عليه جميع آثامهم، أن يقبل في نفسه كل الغضب الإلهي على شر الإنسان وزيغانه، أن يشعر بسيف القضاء الإلهي يخترق أحشاءه ويمزقها كما تفعل السكين الحادة بالذبيحة!!
ومَن يستطيع أن يدرك أبعاد هذه المعاناة؟ من يستطيع أن يشرح لنا معنى الوقوع تحت غضب الله؟! لا أحد، لأنه لا يوجد إنسان اجتاز هذه المعاناة بشكلها الكامل من قبل، فالإنسان لا يستطيع أن يحتمل الوقوع تحت غضب الله لأنه مخيف هو الوقوع بين يدي الله الحي، أي إنسان منا لابد أن ينسحق لو تُرك ليشعر بثقل إثم واحد من آثامه، ولولا نعمة الله التي ترفع عنا سريعاً إحساسنا بالذنب لسحق الألم عظامنا!!
 عندما تعامل الله مع ضمير قايين وشعر بفداحة الجُرم الذي اقترفه رأيناه يصرخ «ذنبي أعظم من أن يُحتمل» وعندما تكلم الله إلى ضمير داود من خلال ناثان النبي وجعله يشعر بدناءة التصرف الذي فعله في قضية أوريا الحثي سقط داود لفترة تحت الإحساس بالذنب، وما أقساه من إحساس!! صار يعوِّم كل يوم سريره بدموعه وبليت عظامه من زفيره اليوم كله، انكسر قلبه وانسحقت روحه، ولولا نعمة الله التي «نقلت» عنه خطيته إلى شخص البديل المبارك لمات داود تحت ثقل شعوره بالذنب!! وعندما استيقظ ضمير يهوذا الإسخريوطي وشعر بحجم الخيانة التي ارتكبها في حق سيده الذي أحسن إليه مضى وخنق نفسه، فالإنسان يُفضِّل الموت على أن يُترك ليقاسي عذاب الضمير!!
وإذا كنا نحن الخطاة بالطبيعة نشعر بهذا الألم فكم يكون شعور مَن كانت طبيعته هي القداسة والطهر؟! إذا كان الإحساس بالإثم ثقيلاً على مَن ألِف الإثم ونُسجت الخطية في نسيج حياته منذ مولده فكم يكون وقع هذا الإحساس على من لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه كذباً؟! كيف يشعر مَن لم يعرف خطية عندما يجعله الله خطية أمامه؟! لذلك نجد ربنا المبارك يحتمل كل أنواع الألم ولا يصرخ أو يتوجع من قسوة الإنسان وشر الشيطان ولكن عندما حجب الآب وجهه عنه وجدناه يصرخ بصوت عظيم «إلهي إلهي لماذا تركتني» فهذا هو الألم الذي لا يستطيع احتماله صامتاً!!
كل البشر إذا وقعوا تحت غضب الله لا يستطيعون أن يسألوا «لماذا» لأنهم يعلمون جيداً أنهم مستحقون لهذا الغضب، وداود عندما سقط تحت القصاص لم يسأل «لماذا» بل قال «لأني عارف بمعاصيّ وخطيتي أمامي دائماً» لكن هناك إنسان واحد فقط من حقه أن يسأل في مواجهة غضب الله «لماذا» لأنه الطاهر القدوس الذي لم يفعل قط شيئاً ليس في محله، وهذا السؤال ليس للاستفسار لأن ربنا يعلم جيداً أنه يتألم كنائب عن البشر لكنه للتعبير عن عمق الألم الذي يشعر به في أعماقه، له كل المجد إلى الأبد!! وللحديث بقية (يتبع)    

السبت، 3 نوفمبر 2012



الاسم العجيب (63)
فخرى كرم
عاش ربنا على الأرض كإنسانٍ كامل الإنسانية لا يهتم إلا بأن يعمل مشيئة الآب الذي أرسله ويتمم عمله، عاش الثلاثين سنة الأولى من عمره يضع نفسه «تحت الناموس» يتمم وصاياه وفرائضه، وفي المعمودية مُسح بالروح القدس ليتمم مشيئة خاصة لله على الأرض، وكم اجتهد وتعب لتتميم هذه المشيئة الخاصة!! فرأيناه أولاً يتعب ويجتهد كإنسان كامل لكي يعرف ويقبل هذه المشيئة في كل يوم، وثانياً رأيناه يتعب ويتألم من مقاومة الناس والمجتمع له، واليوم نضيف أنه أيضاً تعب وتألم من
(3) مقاومة الشيطان ومملكته
إذا كان الشيطان يقاوم المؤمنين بشكل عام ويجول دائماً يلتمس مَن يبتلعه إلا أن مقاومته تزداد قسوة وشراسة للمؤمن الذي يسعى لتتميم مشيئة الله في حياته، فالمؤمن الذي يريد أن يصنع مشيئة خاصة لله ينبغي أن يتوقع مقاومة خاصة من الشيطان، لأن المؤمن الذي يستأمنه الله على عمل خاص في الأرض يشكِّل خطراً داهماً على مملكة الشر!!
لذلك كان أول عمل للرب بعدما مُسح بالروح في المعمودية هو أنه ذهب للبرية لكي يُجرَّب من إبليس!! إننا نعرف جيداً أن إبليس يذهب للناس ويجرِّبهم لكننا لأول مرة نجد إنساناً يذهب لإبليس ويعطيه الفرصة كاملة لكي يجرِّبه!! كانت هذه المواجهة دليلاً على أن يسوع قد أتى للأرض لكي يتحدى رئيس هذا العالم وينقض أعماله، فإذا كان الشيطان يجول يصنع الشر ويبتلع النفوس فيسوع كان مزمعاً أن يجول يصنع الخير ويشفي النفوس.
إبليس يشبه رب البيت القوي الذي يحرس بيته متسلحاً، والبيت هنا هو العالم فالكتاب يعلِّمنا أن إبليس هو رئيس هذا العالم، ونفوس الناس الموجودين في العالم هي الأمتعة التي تقع تحت سلطان إبليس، وهو يسهر ويجتهد كل الوقت لكي تظل هذه النفوس تحت سلطانه، ولكي يحرر الرب هذه النفوس كان ينبغي أن يتواجه مع هذا القوي أولاً وينتصر عليه ويربطه ثم يأخذ أمتعته (مت12: 29)
لذلك رأينا مقاومة مملكة الشر للرب يسوع طوال حياته على الأرض، فبعدما انتصر ربنا عليه في الجبل يقول الكتاب أن الشيطان فارقه إلى حين، وعندما نزل ربنا إلى ساحة المعركة وبدأ يحرر النفوس من قبضة هذا العدو القاسي عاد إبليس يقاومه بعدة طرق مختلفة، فأحياناً يستخدم هياج قوى الطبيعة مثل البحر والريح لكي يُغرق سفينة التلاميذ، ومن انتهار الرب للبحر والرياح نفهم أن هناك قوى شيطانية عاقلة كانت وراء هذا الهياج!! وأحياناً أخرى يستخدم نفوس الأشرار والقادة العميان، فمنذ أول عظة له في مجمع الناصرة وجدنا الناس تأخذه لترميه من فوق الجبل!! وطوال خدمته تعرض للمكائد والأحابيل لكي يجدوا فرصة يشتكون عليه، ولقد كشف الرب أن إبليس هو الواقف وراء مجادلاتهم ومعارضتهم عندما قال لهم «أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا» (يو8: 44) ولقد وصلت هذه المقاومة إلى ذروتها في الصليب عندما رفع الرب نظره إلى الأحداث الآتية عليه وقال «رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء» (يو14: 30) ووقتها رأينا المقاومة واضحة في مؤامرات قادة اليهود وقسوة عسكر الرومان وتعييرات عامة الشعب، لكن الأشد إيلاماً كان أن الشيطان أحياناً قاوم الرب من خلال أحبائه!! رأيناه ينطق على لسان بطرس ويدخل في قلب يهوذا ويدفع بقية التلاميذ للتخلي عن الرب في أصعب أوقات حياته!!
 من الصعب أن يسير الإنسان كل حياته ضد مقاومة إبليس ومملكته، إبليس هو رئيس سلطان الهواء ومن الصعب أن تسير كل الوقت وأنت تشعر أن الهواء المحيط بك يقاومك!! لكن عبد يهوه الكامل احتمل هذه المقاومة في نفسه حتى أكمل عمله بالتمام، له كل المجد، وللحديث بقية (يتبع)