الأحد، 8 ديسمبر 2013

أحاديث من القلب



     الاسم العجيب (74)
 فخرى كرم
مازلنا بصدد الحديث عن ملكوت ربنا يسوع المسيح الذي سيُعلن في مجيئه الثاني، عندما يعرف الجميع اسمه المكتوب على فخذه «ملك الملوك ورب الأرباب»!! وقلنا أن ملكوت ربنا سيختلف جذرياً عن أي ملكوت آخر عرفته الأرض، فمن جهة «الشرعية» هو يستمد شرعيته من الله وليس من البشر، واليوم نضيف أن ملكوت ربنا يختلف أيضاً من جهة أخرى:
(2) امتداد الملكوت
كل ملوك الأرض حلموا بامتداد نفوذهم إلى كل الأرض، وسعوا لاتساع ملكوتهم بقدر المستطاع، ووصل بعضهم فعلاً إلى مشارف كل المسكونة مثل الإسكندر الأكبر، ولكن سرعان ما كانت أحلامهم تتكسَّر على صخور الواقع أو تنتهي حياتهم قبلما تتحقق تلك الأحلام، ولم تنمو مملكة وتتمدد إلا وسرعان ما تنكمش وتتفتت، ولم يصعد نجم ملك من ملوك الأرض إلا وكما صعد هوى وانطفأ، ورغم أن حلم السيطرة على الأرض كلها راود ومازال يراود العديد من القادة العسكريين وأصحاب الديانات والملوك إلا أنه سيظل حلماً بعيد المنال غير قابل للتحقيق في أرض الواقع. لكن الكتاب المقدس يخبرنا أن هذا الحلم المستحيل سيتحقق قريباً في ملكوت ربنا يسوع المسيح، إذ نسمعه له المجد يقول بروح النبوة:
«إني أخبر من جهة قضاء الرب، قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك،
اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض مُلكاً لك، تحطمهم
بقضيب من حديد، مثل إناء خزَّاف تكسّرهم» (مز2: 7-9)
 هذا النص الكتابي يؤكد لنا أمرين: أولهما أن ملكوت المسيح مستمد من الله وليس من البشر، وثانيهما أن هذا الملكوت سيمتد ليشمل كل الأمم وكل أقاصي الأرض، في نهاية الزمان ستنضوي الأرض وكل سكانها تحت راية واحدة وملكوت واحد كما يؤكد لنا زكريا النبي: «ويكون الرب ملكاً على كل الأرض، في ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده» (زك14: 9) لكن الكتاب يخبرنا في العهد الجديد بما هو أكثر من هذا، فملكوت ربنا لن يمتد ليشمل فقط هذه الأرض المادية وسكانها بل سيشمل أيضا العالم الروحي وسكانه:  
«لذلك رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع
كل ركبة ممن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف
كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (في2: 9-11)
هذا النص الكتابي يؤكد مرة أخرى أن الله هو الذي أعطى للمسيح هذا الملكوت لأنه أخلى نفسه وتنازل وأطاع حتى الموت موت الصليب، أي أنه ملكوت ذو شرعية إلهية وليست بشرية، ويؤكد هذا النص أيضاً على أن هذا الملكوت سيمتد ليشمل كل مَن هم في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، أي أن ملكوت ربنا يسوع المسيح سيمتد ليس فقط على الصعيد المادي ليشمل كل الأرض بل أيضاً سيمتد على الصعيد الروحي ليشمل كل الأرواح البارة في السماء من ملائكة وقديسين وكل الأرواح الشريرة في الجحيم من شياطين وأشرار!! ان كل النفوس ستخضع لمُلك ربنا سواء طوعاً أو كرهاً، وكل الألسنة ستعترف به رباً سواء بألحان الفرح والإبتهاج أو بصرخات الندم والإنكسار!! وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 2 نوفمبر 2013

أحاديث من القلب

الاسم العجيب (73)
فخرى كرم
قلنا أن أي ملكوت على الأرض يحتاج إلى شرعية تسنده وتعطيه الصلابة والاستمرارية، وقلنا أن هناك نوعين من الشرعية تعرفهما ممالك الأرض، أولهما هو «شرعية القوة» فمنذ القديم كانت الأمم التي تمتلك القوة تمتلك شرعية فرض نفوذها على الأمم الأخرى، واليوم نريد أن نضيف النوع الثاني من الشرعية:
«شرعية الانتخاب»: وهذه النوعية لم تعرفها الشعوب إلا حديثاً بعدما أتعبتها الحروب والصراعات وقررت أن تكون أكثر تحضراً ورُقيَّاً، وهذه الشرعية مستمدة من رضا الشعوب واختيارهم وليس من السيطرة عليهم وقهرهم، وفي هذه النوعية من الشرعية يحتاج الملك أو الرئيس إلى رضا الناس عليه وانتخابهم له من وسط آخرين ليكون ملكاً عليهم أو رئيساً لهم.
والآن دعونا نسأل: من أي النوعين ستكون شرعية ملكوت ربنا يسوع المسيح عندما يعود في مجيئه الثاني؟ هل سيفرض ربنا ملكوته باستخدام القوة القاهرة؟ أم سينتظر محبة الناس له وانتخابهم له ملكاً؟!! والإجابة هي: لا هذا ولا ذاك!! فالحقيقة أن ملكوت ربنا يسوع المسيح سيختلف تماماً في شرعيته عن أي ملكوت آخر عرفته الأرض، إن شرعية ملكوت ربنا ستكون
الشرعية الإلهية
إن مالك الأرض الشرعي هو الله وحده ولا سواه، والكتاب يعلمنا أن للرب الأرض وملؤها والمسكونة وكل الساكنين فيها (مز 24: 1) ومن يريد أن يملك على الأرض مُلكاً شرعياً حقيقياً لابد أن يستمد ملكوته من رضا الله وسلطانه.
اختار الشعب القديم شاول بن قيس ملكاً عليهم بسبب قامته وهيئته الحسنة في عيونهم، إذاً كان ملكوت شاول ملكوتاً يستمد شرعيته من رضا الناس وانتخابهم، لكن هذا الملكوت للأسف لم يحظَ برضا الله وتأييده شأنه شأن كل ملكوت آخر يستمد شرعيته من الناس، ولكن عندما اختار الله داود ملكاً على شعبه لم يكن داود وقتها يتمتع بالقوة القاهرة ولا برضا الناس وتأييدهم لأنه لم يكن بعد معروفاً منهم، إذاً لم تكن شرعية ملكوت داود هي شرعية القوة ولا شرعية الانتخاب بل شرعية إلهية مؤيدة برضا الله وسلطانه!!

ولذلك وعد الله داود أن ملكوته سيستمر إلى الأبد من خلال أبنائه وأحفاده (2صم7: 16) وعندما أتى ملء الزمان جاء ربنا في الجسد من نسل داود الملك، وأُرسل جبرائيل الواقف أمام الله برسالة لمريم العذراء تقول «وها أنتِ ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعى ويعطيه الرب الإله كرسيّ داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية» (لو1: 31-33) وكانت هذه هي أول إشارة في العهد الجديد تقول أن الله سيعطي لربنا يسوع المسيح مُلكاً أبدياً لا نهاية له، وأن ملكوت ربنا يتمتع بالشرعية الإلهية التي تجعله ملكوتاً أبدياً مؤيداً برضا الله وسلطانه، ثم توالت بعد ذلك الإشارات والإعلانات في العهد الجديد التي تؤكد على ملكوت ربنا يسوع المسيح وتزيده وضوحاً، وللحديث بقية (يتبع)   

الاثنين، 7 أكتوبر 2013

أحاديث من القلب

الاسم العجيب (72)
فخرى كرم
قلنا أن لقب «ملك الملوك ورب الأرباب» هو آخر ألقاب ربنا يسوع المسيح في الكتاب المقدس لأنه آخر لقب سيُعلن للعالم في نهاية الزمان، وقلنا أن ربنا يحمل هذا اللقب الآن ولكن بشكل سري غير مُعلن للعالم، فمن ينظر لممالك العالم الآن يرى أن البشر هم الملوك والأرباب المسيطرون على الأحداث، ومَن أعطته كلمة الله بصيرة روحية أعمق يرى أن هذه الممالك كلها قد دُفعت للشيطان ووُضعت فيه، وأن الشيطان هو رئيس هذا العالم فعلياً وإله هذا الدهر روحياً، لكن المستقبل سيكشف للجميع عن مفاجأة لم يتوقعها أحد وسيزيح الستار عن حقيقة مجيدة لم يدركها أحد، وهي أن ملك كل هؤلاء الملوك ورب كل هؤلاء الأرباب كان دائماً هو ربنا يسوع المسيح!! وأنه كان كل الوقت المسيطر الفعلي على كل مجريات الأمور في هذا العالم والمتحكم في مساره، وأن إبليس نفسه وكل أجناده كانوا تحت سلطانه وملكوته كل الوقت، وأنه تبارك اسمه كان يقود من وراء الستار كل الأشخاص والأحداث إلى النهاية المرسومة من الله!! عندها ستجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء (الملائكة والقديسين) ومَن على الأرض (البشر بمَن فيهم مِن الملوك والأرباب) ومَن تحت الأرض (إبليس ومملكته) ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (في 2: 10، 11) ونريد الآن أن نتحدث قليلاً عن مميزات ملكوت ربنا يسوع المسيح واختلافه جوهرياً عن كل ملكوت آخر عرفته الأرض، فملكوت ربنا يختلف تماماً في شرعيته وطبيعته واتساعه وامتداده.
 (1) شرعية الملكوت
كل ملكوت يحتاج إلى نوع ما من الشرعية تسنده وتعطيه الصلابة والسلطان، ولقد شهد عالمنا نوعين من الشرعية قامت عليهما الممالك وتأسست الدول:
 النوع الأول هو «شرعية القوة»: فمن يمتلك القوة يمتلك القدرة على بسط نفوذه وسلطانه على الشعوب، والغالبية العظمي من الممالك التي تأسست في أرضنا كانت تستمد شرعيتها من القوة، من يمتلك القوة يفرض سلطانه على الشعوب الأقل منه قوة، لذلك كانت هذه الممالك تزدهر في عصور قوتها وتزوي حين تنهار قوتها أو تظهر قوة أكبر منها، فرأينا مملكة أشور وعاصمتها نينوى تحكم العالم بالقوة والعنف ثم رأيناها تسقط أمام قوة الكلدانيين وعاصمتهم بابل وتسلم لهم السلطة على العالم، ثم رأينا مملكة بابل تنهار أمام قوة مادي وفارس وتلك بدورها سقطت أمام الإسكندر الأكبر القائد اليوناني الذي انكسر فجأة تاركاً الساحة لقوة المملكة الحديدية أي مملكة الرومان (دا 2: 31-45)  
 وحتى في عالمنا المعاصر نرى هذا النوع من الشرعية مازال سارياً ولو بشكل أكثر تحضراً!! فمن يمتلك القوة العسكرية والاقتصادية هو من يحكم العالم فعلياً، كلمته فاعلة ومشورته نافذة، إننا لا نزال نعيش بقانون الغابة وإن كنا نحاول أن نجعله أكثر تحضراً وقبولاً، ولذلك نرى صراع الشعوب على امتلاك السلاح بكل أشكاله الفتاكة، فالممالك القوية اليوم هي التي تمتلك فعلياً القدرة على الفتك بالآخرين!! وللحديث بقية (يتبع)


الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

أحاديث من القلب

الاسم العجيب (71)
فخرى كرم
بعدما تكلمنا عن بعض أسماء ربنا يسوع المسيح المذكورة في العهدين القديم والجديد أريد أن أختم معكم هذه السلسلة من المقالات بالحديث عن آخر أسماء الرب التي ذُكرت في سفر الرؤيا، الاسم الذي سيُعلن في يوم قريب أمام عيون كل البشر، الاسم الذي سيحمله ربنا في مجيئه الثاني إلى الأرض:
ملك الملوك ورب الأرباب
«ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يُدعى أميناً
وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب، وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة
وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو....وله على ثوبه وعلى فخذه
اسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب» (رؤ19: 11-16)
إن الذي أتى إلى عالمنا في مجيئه الأول يحمل اسم «العبد» لأنه أتى لكي يصنع مشيئة الذي أرسله، والذي سار في أرضنا يحمل لقب «حمل الله» أو «الخروف» لأنه كان مزمعاً أن يقدم حياته ذبيحة إثم لأجلنا، هذا الشخص المبارك عينه يجلس الآن عن يمين العظمة في الأعالي يحمل اسماً جديداً لا يعرفه أحد إلا هو، ولكن عندما يعود ليُظهر نفسه للعالم في مجيئه الثاني سيكون هذا الاسم الجديد مكتوباً على ثوبه وعلى فخذه لكي يراه ويعرفه الكل، هذا الاسم هو «ملك الملوك ورب الأرباب»!!
إن ربنا المعبود يحمل هذا الاسم منذ أن أقامه الآب من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يُسمَّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً وأخضع كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأساً فوق كل شيء (أف1: 20-22) إن العالم يحكمه الآن مجموعة من الرياسات والسلاطين والقوى السياسية والعسكرية، وإذا كان ربنا جالساً الآن فوق كل هؤلاء الملوك والأرباب التي تحكم الأرض إذاً فهو «ملك الملوك ورب الأرباب»!! إن ربنا متسلط في مملكة الناس الآن من خلال تسلطه على القوى المتحكمة في حياة البشر، ولكن هذا التسلط غير مُعلن للناس بل هو يعمل من خلف الستار ومن خلال القوى المنظورة، ولذلك فاسم «ملك الملوك ورب الأرباب» غير مُعلن في الزمن الحاضر بين البشر ولا يعرف أحد معناه ومدى قوته وسلطانه إلا ربنا نفسه، حتى أبناء الله أنفسهم غير مُعلن لهم مدى عظمة وعمق هذا الاسم في الوقت الحاضر، ولذلك نراهم يخافون ويضطربون ويحزنون كثيراً من جراء الأحداث والاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تدور حولهم، إننا لا نفهم حتى الآن معنى أن يكون ربنا جالساً فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة، لأننا لو فهمنا هذا الحق لهدأت نفوسنا واستقرت!!

لكن الكتاب يعلمنا أنه في وقت قريب سيأتي ربنا مرة أخرى إلى أرضنا، وعندما تُفتح له السماء سيراه العالم أجمع وهو جالس على فرس أبيض وتتبعه كل جند السماء، وسيرى العالم هذا الاسم معلناً بكل وضوح «ملك الملوك ورب الأرباب»!! ولعله مناسباً في هذا الوقت التي تتصارع فيه كل القوى حولنا على السلطة والنفوذ أن نتأمل قليلاً في عظمة ومجد هذا الملك العجيب والفريد: ربنا يسوع المسيح!! (يتبع)       

الأحد، 4 أغسطس 2013

أحاديث من القلب

الاسم العجيب (70)
فخرى كرم
قلنا أن أرفع وأعظم قامة يصل إليها العبد هي أن يخدم سيده عن حب وليس فقط عن التزام أو اضطرار، فالعبد الذي يحب سيده يبقى في بيته ويخدمه إلى الأبد، والعبد الذي يحب سيده لا يكتفي بأن يكون عبداً بطالاً يفعل ما يُأمر به بل يتحول إلى عبد «شريك» يشارك سيده أفكاره ومشاعره وقد يفعل أشياء كثيرة يريدها السيد حتى دون أن يطلبها منه!!
ولقد أعطينا أمثلة للعبد الشريك من حياة إبراهيم وموسى، ويعوزنا الوقت لو تكلمنا عن كل عبيد الرب المذكورين في الكتاب لكننا نريد أن نتوقف عند حياة ربنا يسوع المسيح لنرى كيف كان أعظم عبد شريك رأته البشرية:
«فأجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن
أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل...لأن الآب
يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله» (يو5: 19، 20)
الرب هنا يقرر أن العلاقة بينه وبين الآب هي علاقة الحب التي تجعل الآب يُري الابن جميع ما يعمله، والابن لا ينتظر هنا أوامر لكنه يبادر بعمل ما ينظر الآب يعمل، إنه «شريك» للآب في عمل مشيئته على الأرض، إن الابن المبارك لم يأتِ إلى الأرض مُحمَّلاً بأوامر لينفذها لكنه أتى ممتلئاً بمشيئة ليصنعها، والفرق بين الحالتين شاسع، فالأوامر تتعلق بالتفاصيل والعبد الذي ينفذ الأوامر ينتهي دوره عند تنفيذ التفاصيل المحددة ولا يستطيع أن يضيف من عنده شيئاً، أما العبد الشريك الممتلئ بالمشيئة فالآب لا يعطيه أوامر محددة بالتفاصيل بل يتركه يعمل ما يراه واثقاً أنه في النهاية سيعمل ما يرضيه لأنه ممتلئ بمشيئته، أو كما قال الرب أن الآب لا يدين أحداً بل أعطى الدينونة كلها للابن وأيضاً أعطى للابن أن يُحيي من يشاء(يو5: 19-23) فالابن لا يدين الناس بحسب أوامر من الآب بل بحسب رؤيته الشخصية وهذه الرؤية متفقة تماماً مع رؤية الآب، والابن لا يُحيي أحداً بحسب أوامر من الآب بل هو يُحيي «مَن يشاء» ومشيئته هذه بلا شك متوافقة تماماً مع مشيئة الآب، هذا هو العبد الشريك في أكمل وأجمل حالاته على مدار التاريخ كله!!

كما أظهر الرب لموسى على الجبل نموذجاً للهيكل وطلب منه أن ينزل يصنعه تماماً كما رآه، هكذا كان الأمر مع ربنا يسوع المسيح مع الفارق الشاسع في القياس، لقد أراه الآب ما يريد أن يصنعه في حياة البشر وأظهر له المحبة الكامنة في قلبه تجاه بني آدم ثم طلب منه أن ينزل يتمم هذه المشيئة تماماً كما رآها في قلب الآب، ولقد امتلأ الابن بهذه المشيئة وأتى إلى العالم ولسان حاله «هانذا أجئ لأفعل مشيئتك يا الله» (عب 10: 9) وفي كل يوم من حياته كان يختلي بالآب وينظر إلى قلبه ليعرف ما يريد الآب أن يعمله، والآب كان يُظهر له مشيئته ولا يُخفي عنه شيئاً، ثم يخرج إلى العالم ليصنع مشيئة الآب ويحوِّلها إلى واقع ملموس في حياة البشر، من خلال حياته وسلوكه وكلماته بل من خلال عرقه ودموعه ودمائه استطاع أن ينقل لنا محبة الآب وخلاصه، له كل المجد إلى الأبد!! (يتبع)  

السبت، 6 يوليو 2013

أحاديث من القلب

الاسم العجيب (69)
فخرى كرم
قلنا أن كمال العبودية هو أن يخدم العبد سيده عن محبة وليس فقط عن التزام ومسئولية، وبحسب شريعة العبد العبراني في العهد القديم كان العبد الذي يحب سيده يبقى في بيته إلى الأبد، ورأينا أن هذه الصفة اكتملت تماماً في حياة ربنا يسوع المسيح الذي لم تكن شريعة الله بالنسبة له التزاماً ومسئولية فحسب بل نُسجت في وسط أحشائه، واليوم نضيف شاهداً آخر لتأكيد الفكرة
«قال لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله» (يو4: 34)
في هذا الشاهد يقول ربنا أن عمل مشيئة الآب الذي أرسله هي بمثابة تناول الطعام بالنسبة له، فكما نشتهي نحن تناول الطعام عندما نكون جياعاً هكذا كان سيدنا «يشتهي» عمل مشيئة الله، وكما نجتهد بحثاً عن طعامنا ونبذل في سبيله العرق والمال هكذا كان سيدنا يتعب ويسافر ساعات طويلة لكي يصنع مشيئة الآب ويتممها، وكما نشعر بالراحة والاكتفاء عندما تناول الطعام هكذا كان سيدنا لا يشعر بالراحة والاكتفاء إلا عندما يصنع مشيئة الآب!! لم يكن سيدنا عبداً بطّالاً يفعل ما يُأمر به فقط بل كان عبداً محباً للآب يشاركه فعل مشيئته بكل سرور وفرح!!
العبد الشريك والعبد البطّال
«متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون» (لو17: 10)
يعلمنا الرب في هذا الشاهد أن العبد متى فعل كل ما يُطلب منه فهو عبد بطّال، لأنه فعل ما يجب عليه أن يفعله ولم يضف جديداً يستحق عليه الثناء، ولكننا عندما ننظر لحياة ربنا المبارك لا نجد عبداً بطّالاً أبداً بل عبداً أدخل السرور لقلب الآب واستحق كل الثناء والمديح، وذلك لأن محبة العبد لسيده تجعله لا يكتفي بأن يفعل كل ما يُطلب منه بل تجعله يتقدم ويشارك سيده مشاعره واهتماماته وقد تجعله يتقدم ويبادر بأعمال لم تُطلب منه لكنه يراها في قلب سيده، وهذا ما يمكننا أن نسميه «العبد الشريك»!!
ولو نظرنا إلى كل التاريخ المقدس لوجدنا أمثلة عديدة للعبيد «الشركاء» ولو بدرجات متفاوتة، عندما يخرج إبراهيم من أرضه وعشيرته ويذهب إلى أرض الموعد فهو مجرد عبد بطّال لأن فعل ما أمره به الرب، ولكن عندما نراه يأخذ عبيده ولدان بيته ويذهب ليحرر لوط من الأسر فهو هنا يفعل شيئاً لم يُأمر به لكنه رأي في قلب الله أن يعطي للوط فرصة أخرى لعله يُحسن الاختيار ويُصلح ما أفسده في الاختيار الأول،  وعندما نجده يقف أمام العلي يشفع في سدوم وعمورة لكي يخلِّص ابن أخيه فهو هنا أيضاً لا يفعل ما يُأمر به بل هو هنا «يشارك» قلب الله لأنه رأي في قلب الله خلاصاً للوط وإن كان مستتراً خلف التهديد بحرق سدوم وعمورة!! لم يكن إبراهيم إذاً عبداً بطّالاً بل عبداً شريكاً أحب إلهه من كل قلبه!!


عندما يتقدم موسى ليُخرج الشعب من مصر فهو هنا عبد بطال يفعل ما يُأمر به، ولكنه عندما يقف أمام غضب الله ليشفع للشعب ويقدم نفسه للموت معهم فهو هنا لا يفعل ما يُطلب منه بل يبادر بطلب فرصة أخرى للشعب يراها في قلب الله مستترة خلف تهديده بإبادتهم!! فموسى لم يكن عبداً بطالاً بل شريكاً في رحلة خلاص الشعب ودخوله لأرض الموعد!! وللحديث بقية(يتبع)