الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (4)
فخرى كرم
«كُفَّ عني لأن أيامي نفخة!! ما هو الإنسان حتى تعتبره؟ وحتى تضع عليه قلبك؟ وتتعهَّده
كل صباح وكل لحظة تمتحنه؟ حتى متى لا تلتفت عني ولا ترخيني ريثما أبلع ريقي؟»( أي 7: 16-19)
قد يوجد في أرواحنا قدراً من محبة الله ورغبة في السير معه والجلوس تحت ظله، وهذه المحبة هي من عمل روح الله في داخل أرواحنا، لكن هذا لا ينفي أنه في ذات الوقت يوجد جهل مطبق بالله في داخل أنفسنا، الاستنارة التي يصنعها الروح في داخل أرواحنا لا تصل بسهولة إلى أعماق مشاعرنا وأفكارنا، لأن لكل من الروح والنفس طبيعة مختلفة، أرواحنا تستقبل بسهولة عمل الروح القدس وإعلاناته بينما نفوسنا تجد صعوبة شديدة في ذلك، أرواحنا قريبة للروح القدس بحكم طبيعتها المأخوذة منه أما نفوسنا وأجسادنا فهي قريبة أكثر للعالم المادي وتمتلئ بسهولة بمنطق الإنسان وأفكاره، لذلك كثيراً ما نرى بداخلنا صراع بين أرواحنا ونفوسنا، فبينما أرواحنا تريد أن تأخذنا بقرب الله نجد أنفسنا تبتعد بنا بعيداً عنه!!
عندما تعرَّض أيوب للتجربة المريرة خرج من داخله موقفان: أحدهما من روحه التي تحب الله وتثق فيه والآخر من نفسه التي تجهل كل شيء عن الله وتتعامل معه بمنطق الإنسان وأفكاره، وعلى مَن يقرأ أقوال أيوب أن يميز كل الوقت بين ما تنطق به روح أيوب وبين ما تقوله نفسه، فالاختلاف بينهما كبير ويدعو للدهشة!!
أمام التجربة اتخذت روح أيوب موقف السكوت البليغ الذي يعني التسليم لمشيئة الله وقبول كل الأمور من يديه بشكر، السكوت الذي يعني تقديم المجد لله سواء أعطى أو أخذ، السكوت الذي يعني اعتراف الإنسان بعجزه عن فهم كل ما يجري حوله وجهله بالكثير من القوى المحيطة بحياته والمؤثرة فيها، السكوت الذي ينشر عبق الطاعة وبخور التسليم ليغطي على دخان الشكوى الذي يريد العدو أن ينشره في الأجواء المحيطة، السكوت الذي يجعل السلام يسود في المنطقة التي أراد العدو أن يعمَّها الفوضى والاضطراب.
  لكن هذا العبق الجميل الخارج من روح أيوب لم يستمر طويلاً، فبعد سبعة أيام بدأ يتكلم بما في نفسه ومشاعره، بدأت النفس الإنسانية تتكلم بمنطقها وتستعرض أفكارها، فوجدنا صبغة الكلام تختلف ووجهة النظر تتغير، تبدلت نغمة الخضوع والتسليم في كلامه ووجدنا نغمة الرثاء للذات تملأ أقواله، وعوضاً عن صبغة تمجيد الله التي صبغت أيام التجربة الأولى رأينا صبغة الشكوى من الله وتصويره كإله جبار يتسلط على حياة الإنسان بعنف غير مبرر، وبدل اشتياق الروح للاقتراب من محضر الله والتمتع بلمسته رأينا النفس تريد الابتعاد عنه حتى أنها تقول بجسارة غريبة: «كفّ عني..حتى متى لا تلتفت عني ولا ترخيني»!!

روح أيوب ترى الله إلهاً صالحاً ممجداً حين يعطي وحين يأخذ بينما نفسه التي تربَّت على أفكار العالم ترى الله إلهاً قاسياً ممتلئاً بالعنف والشدة، روح أيوب تشعر بالأمان في عين الله الساهرة عليها أما نفسه فتتمنى أن تلتفت عين الله بعيداً عنها وتتركها، روح أيوب تشعر بالامتنان والفخر لأنه عاش حياته في رفقة هذا الإله العظيم وتعترف انها اخذت منه الكثير من الخير، أما نفسه فتشعر بالمرارة الشديدة تجاه حياته وتتساءل لماذا أعطاه الله حياةً ولماذا لم يمت وهو بعد جنين في رحم أمه، وكلماته هذه تعني أنه لم يجد في حياته الطويلة مع الله يوماً واحداً يستحق أن يحياه، كما لو أن هذا الإله العظيم لم يضف لحياته أي شيء جميل يجعل الحياة تستحق أن تُعاش!! أليست هذه الكلمات مملوءة بحماقة شديدة وجحود ونكران جميل مفرطين؟! كيف يخرج من الإنسان الواحد ماءً عذباً منعشاً وماءً عكراً شديد المرارة، كيف تهدأ الروح وتسكت بينما تصر النفس أن تملأ الأجواء ضجيجاً وتنشر دخان الشكوى وضباب الجهل في كل مكان؟! لكن على كل حال هذا هو الإنسان في كل زمان ومكان، وإختبارنا اليوم لا يختلف في شيء عن إختبار هذا القديس الذي عاش في زمان قديم!(يتبع)  

الخميس، 7 أغسطس 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (3)
فخرى كرم
«في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه...
بعد هذا فتح أيوب فاه وسبَّ يومه» (أي2: 10، 3: 1)
تعرَّض أيوب لسلسلة من الأحداث المتوالية ذات السيناريو المتشابه بما يشي بأنها أحداث مدبَّرة وليست عشوائية، أحداث يقف وراءها عقل واحد جبار وذراع قادرة على الشر، أحداث تؤكد أن مَن يقف وراءها يبغض أيوب بغضة شديدة ويريد أن يسحقه سحقاً، أحداث حولته في فترة زمنية قصيرة من أغنى بني المشرق إلى أكثرهم مدعاة للشفقة والرثاء!!
لم يكن الإعلان الروحي والكتابي كاملاً في وقت أيوب بل كانت هناك معرفة بدائية عن وجود إله يتحكم في الكون، لم يكن هناك إعلان عن الشيطان الذي يشتكي على أبناء الله ليلاً ونهاراً، ولا عن قدرة مملكته الشريرة على تحريك البشر والرياح وكل الظروف لصناعة الموت والدمار، ولا عن قدرة هذه القوات الشريرة على تسبيب الأمراض والعلل في جسد ونفس الإنسان.
عندما نقرأ سفر أيوب يكشف لنا الوحي عما كان يدور في السماويات وما ترتب عليه من أحداث في الأرض، لكن هذه الحقائق لم تكن واضحة في ذهن أيوب ولا في روحه، معرفته البدائية عن الأمور الروحية لم تستطع أن تفسر له ما يحدث، عدم معرفته بوجود مملكة شريرة في السماويات جعله ينسب كل ما يجري لله وحده، وهو نفس التوجُّه الفكري الذي اتخذه أصدقاؤه عندما حاولوا أن يفسروا ما جرى له، وهذا القصور في المعرفة الروحية خلق للجميع معضلة صعبة تستعصي على الحل، ألا وهي: كيف يكون الله بهذه القسوة غير المبرَّرة؟ وكيف يمكن الجمع بين صورة الله الجميلة في خيال البشر وبين المفاسد التي تحدث في أرض الواقع؟ كيف يظل الإنسان يؤمن بعدالة الله ومحبته في ظل المآسي التي يتعرض لها كل يوم؟!
وأفضل حل لهذه المعضلة هو أن يعترف الإنسان بعجزه عن حلها!! كم هو مريح للإنسان أن يقرُّ بقصور معرفته ومحدودية إدراكه، كم هو جميل أن يتواضع الإنسان أمام جبروت هذه الأحداث القاهرة ويسلِّم بجهله وعجزه عن فهم ما يدور حوله، كم هو رائع أن يتخذ الإنسان موقف الفطيم الضعيف الذي يلوذ بحضن أمه ويجد فيه كل العزاء رغم عدم فهمه لما يدور حوله، كم هو حسن أن يتعلَّم الإنسان كيف يهدِّئ ويسكِّت نفسه ويتجنب كبرياء النفس الذي يدفعه للخوض بحماقة في العظائم والعجائب التي فوقه، إن السكوت المصحوب بالتسليم لإرادة وحكمة الله في هذه المواقف هو الأكثر بلاغة من أي كلام، السكوت المقترن بالثقة في صلاح الله والانتظار لإعلانه هو الأكثر مرضاة لله من أي مماحكات كلام باطلة.
لكن يبدو أن السكوت ليس أمراً سهلاً، بل أنه أحياناً يكون شديد الصعوبة!! لقد استطاع أيوب أن يسكت لبعض الوقت ولم يخطئ بشفتيه، وفي هذا الوقت القصير كان مازال متمسكاً بكماله أمام الله مسلماً بحكمة الله وصلاحه، لكن تحت وطأة المرض الذي مسّ جسده وعيون أصحابه الممتلئة بالشك والاتهام قرر أيوب أن يتكلم ويتصدى لمحاولة تفسير ما يجري له من أحداث، وهنا فقط بدأ التدهور من خطأ إلى خطأ ومن حماقة إلى أخرى، وكشفت كلماته عن مكنون قلب الإنسان الجاهل بطبيعة الله والممتلئ بالشك في صلاحه، للأسف لم تستمر بلاغة السكوت في حياة أيوب أكثر من سبعة أيام وبعدها بدأت حماقة الكلام!! ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الأربعاء، 2 يوليو 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (2)
فخرى كرم
«يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعلِ عيناي ولم أسلك في العظائم ولا في عجائب فوقي، بل هدَّأت وسكَّت
نفسي كفطيم نحو أمه، نفسي نحوك كفطيم» (مز131: 1، 2)
كثيراً ما تمر حياتنا بظروف لا نفهمها، ونجتاز في أحداث غريبة لا نعرف القوى المتحكمة فيها ولا المعاني التي تقف وراءها، والحقيقة أننا كائنات ضئيلة الشأن جداً تتحكم فينا قوى خفية تحركنا مثل قطع الشطرنج على رقعة صغيرة لتحقيق أهداف خفية لا ندرك كنهها، والإنسان الذي يظن في نفسه أنه يفهم مجريات الأمور وأبعادها هو إنسان مرتفع القلب ومنتفخ من قِبِل ذهنه الباطل، والإنسان الذي يتكلم كثيراً في محاولة لشرح الأحداث ووضع التفسيرات لكل ما يجري حوله هو في الحقيقة إنسان مغرور لدرجة تثير الشفقة والضجر، فالإنسان لا يدرك إلا نسبة ضئيلة جداً مما يحدث في حياته وهو في معظم الوقت مفعول به لا فاعل، تحركه قوات أعلى منه وأكثر ذكاء مما يتصور، ومحاولة الاطلاع على هذه العجائب والعظائم التي فوقنا محاولة فاشلة بكل المقاييس إلا إذا أنار الروح القدوس أعيننا وجلى بصيرتنا لنبصر (ولو بقدر محدود) هذه العوالم الخفية.
وهذه القوى الخفية التي تتحكم في حياتنا تنقسم إلى قوى شريرة وأخرى صالحة، فكما ان هناك مملكة ضخمة للشر تسود وتعمل في أبناء المعصية لتتميم مشيئة الشيطان، هناك أيضاً ملكوت الله الذي يعمل من خلال أبنائه لتتميم مشيئة الله الصالحة على الأرض، فسلطان الله على البشر ومحاصرة روح الله للإنسان في كل أحواله وأوضاعه أمر يفوق خيالنا ولا نستطيع تصوره، قال عنه داود «من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت عليّ يدك،  عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها، أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب؟» (مز139) إن معرفة الله لتفاصيل حياتنا الدقيقة وتحكّمه فيها أمور ترتفع فوق ادراكنا ولا نستطيع فهمها بالكامل واستيعابها.
لكننا للأسف لا نكفُّ أبداً عن حماقة اعتقادنا أننا نفهم كل شيء!! نرتئي دائماً فوق ما ينبغي أن نرتئي ونظن في أنفسنا أننا نملك ناصية المعرفة ومفاتيح الفهم، حتى أننا لا نتوانى عن محاولة شرح الأحداث والتفاصيل التي تمر بها حياتنا وحياة المحيطين بنا، فننسب هذا للشيطان وذاك لله وتلك للإنسان...، ونتقدم أكثر في كبريائنا فنُسدي النصيحة للواحد بأن يفعل هذا وللآخر بأن يتصرف هكذا، وكأننا المدركين لبواطن الأمور والفاهمين لمسارات الأحداث والمطّلعين على نهاياتها، لعن الله كبرياء الإنسان وغروره في كل زمان ومكان!!
لكن الأكثر مدعاة للأسف أننا ندخل إلى محضر الله بذات الروح المتعالية التي تظن أنها تعرف كل شيء وهي في الغالب لا تعرف أي شيء، ونحن أمام الله لا نكف عن الكلام في ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون، نحاول أن نملأ وقت صلاتنا بأحاديث عن ما يصح وما لا يصح، عن ما ينبغي أن يفعله الله وما لا يجوز أن يسمح به، نحمل حكمتنا ونرفعها بكبرياء أمام عرش الله، بل قد تجدنا في ذات الوقت نشكِّك في حكمة الله وصواب أفعاله بتصلُّف وغباء لا نُحسد عليه، غباء الجُبلة حين تحاول التعديل على جابلها والتشكيك في حكمته!!

داود يعلمنا أنه عندما نمر بأحداث لا نفهمها ويقصر إدراكنا على الإلمام بأبعادها فهذا هو الوقت المناسب لنتعلم السكوت أمام الله!! عندما تدخل النفس إلى محضر الله وترفع إليه عينين دامعتين ولا تنطق بكلمة فهذا السكوت هو أبلغ من أي كلام، السكوت هنا يحمل معانٍ لا تستطيع الكلمات مهما كانت بلاغتها أن تحملها، عندما نهدئ ونسكِّت نفوسنا أمام الله فالسكوت هنا يحمل معنى إدراكي أني صغير جداً عن فهم ما يجري حولي، صغير مثل الفطيم الذي لا يعرف من الحياة إلا صدر أمه وبعض اللعب والعرائس، ولكني رغم صغري المتناهي أؤمن أن ليّ إلهاً يرعاني كالأم الرؤوم التي تفوقني فهماً وإدراكاً، الأم التي لم ولن ينقصها قط المحبة والإرادة أن تفعل لي أفضل الأشياء وتختار لي أفضل المسارات، هذا السكوت يقول أني لن يرتفع قلبي وتستعلي عيناي وأخوض في العظائم والعجائب التي ترتفع فوقي، لن أحاول أن أتكلم بجهل عن الأسرار الروحية التي تجري في السماويات طالما الله لم يعلنها لي، السكوت يقول اني لن أحاول بغباء أن أشتكي على صلاح وحكمة الله تماماً مثل الفطيم الذي لا يمكنه مهما كان جهله وغباؤه أن يشكِّك في صلاح أمه التي أرضعته كل الخير في كل أيام حياته، السكوت هنا يحمل الكثير من المعاني التي ربما نتكلم عنها في المرات القادمة (يتبع)            

الثلاثاء، 3 يونيو 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (1)
فخرى كرم
«للسكوت وقت وللتكلم وقت» (جا3: 7)
البلاغة هي القدرة على «ابلاغ» المعنى للمتلقِّي، وكلما كان الإنسان قادراً على توصيل المعنى الذي يقصده للآخرين بدقة وبوضوح كلما كان «بليغاً»، ولا شك أن البشر يتفاوتون في درجة بلاغتهم تفاوتاً كبيراً، ففئة الأدباء والشعراء هم أكثر الناس قدرة على تبليغ المعاني والمشاعر التي تختلج داخلهم للآخرين، يمتلكون أدواتهم من الألفاظ والتشبيهات والصور الذهنية التي يستخدمونها بحِرَفية وبراعة لتوصيل أفكارهم للآخرين، فالأديب الحقيقي اذا قرأت له أو استمعت إليه تجد نفسك قد امتلأت بفكر وأحاسيس ووجهة نظر جديدة لم تكن تمتلكها من قبل، ولكن هناك آخرون أقل بلاغة من هؤلاء يجدون صعوبة في توصيل ما يقصدونه للآخرين ولا تستطيع التواصل معهم إلا بمعاناة، ناهيك عن بعض الناس الذين تنقصهم البلاغة تماماً حتى أنك تصاب بالارتباك والضجر إذا حاولت فهمهم وبالتالي تفضِّل الابتعاد عنهم وتجنُّب الحديث معهم!!  
وللبلاغة وسائط كثيرة وإن كان أشهرها هو الألفاظ والكلمات، حتى ظن البعض ان فن البلاغة قاصر على الأدب المكتوب، لكن هناك مَن يستطيع أن يكون بليغاً ويعبِّر عما بداخله بتعبيرات وجهه أو بابتسامته الرقيقة أو بصرخة غضب مكتوم أو بحركة معبِّرة من جسده، حتى أن الكثيرون من أشقائنا في المجتمع من أصحاب الإعاقة أصبحوا يتواصلون بلغة الإشارة التي تتكون من مجموعة من الحركات الجسدية المقنَّنة، ومن أشهر فنون البلاغة هو فن الباليه الذي يعتمد على الموسيقى المصاحبة لحركات الجسد الرشيقة للتعبير عن المعاني المقصودة دون استخدام للكلمات والألفاظ إلا في أضيق الحدود.
لكن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن السكوت أحياناً يكون أكثر بلاغةً من أي كلمات أو تعبيرات، والشخص الحكيم حقاً يعلم أن للسكوت وقت كما أن للتكلُّم وقت، والبليغ فعلاً يعرف أن يعبِّر بسكوته عما لا تستطيع الكلمات أن تعبِّر عنه، وما لا يعلمه الكثيرون أيضاً أن الجاهل هو الذي يُكثر الكلام (جا10: 14) كما أن كثرة الكلام لا تخلو من معصية (أم10: 19) وأن مَن يحب أن يتخذ موضع المُعلِّم ويتكلم كثيراً يأخذ دينونة لنفسه لأنه في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع3: 1، 2)

وللأسف فإن احدى الآفات التي أصابت مجتمعنا المصري في الآونة الأخيرة هي كثرة الكلام، وللأسف أيضاً أن الكنيسة لم تنجو من هذه الآفة المدمرة، أصبح الكلام سلعة تُباع وتُشترى، بل أصبح الكلام حرفة للبعض تجلب لهم الرزق، وأصبح التنافس بين الجميع على مَن يستطيع أن يتكلم أكثر من الآخرين ومَن يرفع صوته فوق الآخرين، أصبحنا نشعر أننا في «مكلمة» كبيرة تبتلع الأمة كلها وتصيبها بالارتباك والانقسام والتشرذم، كل هذا يحدث بينما الواقع على الأرض يتدهور من سيء إلى أسوأ في كل يوم، مما يعطي مؤشراً واضحاً لكوننا لا نفهم القيمة الحقيقية للكلام والهدف منه ومدى جدواه، ومما يؤشِّر أيضاً لكوننا نحتاج أن نفهم قيمة السكوت وبلاغته وتوقيت اللجوء إليه، وهذا ما سنحاول أن نناقشه في المرات القادمة مسترشدين بكلمة الله التي تُنير وتُعقِّل الجُهَّال (يتبع)     

الاثنين، 5 مايو 2014

أحاديث من القلب

المهنة: قاتل!!
فخرى كرم
«أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن
تعملوا، ذاك كان قتَّلاً للناس من البدء» (يو8: 44)
أناس كثيرون في بلدي امتلأوا بشهوة القتل، قتل على كل شكل ولون، قتل مادي وقتل معنوي، قتل على خلفيات كثيرة ولأسباب متعددة، قتل لأسباب إجرامية وأسباب عرقية وأسباب سياسية وأسباب دينية... وأحياناً بدون أسباب!! لم يعد القتل فعلاً شاذاً عارضاً في بلادنا بل أصبح عند الكثيرين منهجاً للحياة واسلوباً للتفكير، صار القتل للبعض مهنة يمتهنها وحرفة تجلب له المال، وصار للبعض الآخر وسيلة لإثبات القوة وطريق للوصول للمركز والنفوذ، وثالثة الأثافي أن البعض أصبح يعتقد أن القتل هو طريقة الوصول لرضا الله ونعيمه!! البعض صار يوثِّق لجرائم القتل التي يرتكبها بالصوت والصورة لكي يضيفها لسجل شرفه المهني، لم يعد القتل سباباً للخزي والتواري خجلاً بل مادة للمجد والتباهي فخراً!! أصبح الكثيرون في بلدي يستحقون عن جدارة أن يُكتب في بطاقات هويتهم «المهنة: قاتل»!!
وإذ أرفع عيني من على هذا الواقع المرير الذي صرنا نعيشه جميعاً وأرجع لكلمة الله التي بين أيدينا وأسكب حيرتي وتساؤلاتي عند أقدام سيدي أجده يعلِّمني ما يجلو بصيرتي ويبدِّد حيرتي، أجده يخبرني أن القتل هو شهوة إبليس وعمله منذ بدء الخليقة، هو الذي يقف وراء كل جرائم القتل منذ البداية وحتى الآن، وهو ينفذ مشيئته القبيحة هذه من خلال أبنائه الذين يمتلئون بشهوات أبيهم ويعملونها، حتى أنك إذا سمعتَ في مكانٍ ما صراخاً وعويلاً ورأيتَ دموعاً وعذاباً فلتتأكد أن إبليس مرَّ من هناك أو أن أحد أبنائه خطا في هذا المكان!!
وإذ أُقلِّب صفحات الوحي أجد سيدي يعلِّمني أيضاً أن البغضة هي الأم الشرعية للقتل والمنشأ الأول لهذه الجريمة، القتل يبدأ داخل الإنسان بمشاعر الكراهية والاستهانة بالآخر، وإذ تترسب هذه المشاعر داخل قلب الإنسان وتتراكم وتتزايد وتتغذَّى وتتقوَّى بمناخ البغضة وثقافة الكراهية السائدة في مجتمعنا يتكوَّن لدينا «قاتل» جديد، إن لم يقتل بيديه فسوف يقتل بلسانه وبمشاعره وبأفكاره وبدعمه المادي والمعنوي للقاتلين، ولذلك يعلِّمني سيدي أيضاً أن الله يحسب البغضة قتلاً ويعتبر مَن يقبل مشاعر سلبية تجاه الآخرين أنه مستوجب نار جهنم!!

وإذ أعترف أن كلمات الوحي هي الحق الكامل والنور الحقيقي الذي ينير الواقع الحاصل في بلدي، وإذ أُصادق على أن مناخ الكراهية للغير والاستهانة بمعتقدات الآخر هو الجذر لكل القتل والموت الذي نشده اليوم في كل مكان، أجد نفسي أتضرع أمام عرش النعمة: «إملأني يا سيدي بروح المحبة والفرح والسلام، روح الحياة الذي يبذر بذور الخير في كل مكان، روح محبة الأعداء ومباركة اللاعنين، روح الوداعة التي تقبل الآخر وتحترم فكره حتى وإن اختلف عن فكري، فروحك المبارك هو وحده القادر أن يقف ضد روح القتل والموت المنتشر في بلادنا، ولا تسمح يا سيدي أن يُكتب في بطاقة هويتي في أي يوم من الأيام وبأي معنى من المعاني: المهنة قاتل»!!

السبت، 5 أبريل 2014

أحاديث من القلب


يا صـاحب !!
فخرى كرم

«يا صاحب، لماذا جئت؟ يا يهوذا، أبقبلة تسلِّم ابن الإنسان؟» (مت26: 50، لو22: 48)

يا صاحب!! نعم، لقد اخترتك منذ ثلاث سنوات لكي «تصاحبني» في كل تفاصيل حياتي اليومية، أدخلتك إلى الدائرة الضيقة من تلاميذي واستأمنتك على ما يخصني، كنت أقصد من وراء هذا أن ترى فيَّ ما يجعلك تحبني وتختارني نصيباً لك وتقرِّر أن ترفض عبوديتك للمال وتختار أن تكون ابناً حقيقياً لله وتلميذاً أميناً لي، لكنك للأسف قرَّرت أن تظل كما أنت: مجرد صاحب!!

لماذا جئت؟! لقد انتهت مصاحبتك لي هناك في العلية عندما قدمت لك آخر أعمال محبتي وأنت رفضتها، لابد أن تعلم أن الإبن فقط هو الذي يبقى في البيت إلى الأبد أما «الصاحب» فلابد أن تأتي لحظة حين لا يستطيع أن يكمل المسير معي، أنا هنا الآن لكي أُكمل مشيئة أبي أما أنت فقد اخترت أن تصنع مشيئتك، لا يمكن ان تصاحبني فيما بعد، فلماذا جئت؟!

أبقبلة تسلِّم ابن الانسان؟! هل إلى هذه الدرجة يمكن أن يكون الانسان مخادعاً؟! هل علَّمك الشرير كيف تغلِّف أحط خيانة بأرق مشاعر؟! ألم تتعلم مني في كل هذه السنين كيف تكون صادقاً وأميناً؟! كيف استطعت أن تضيِّع كل هذه الفرص للتعلُّم والتغيُّر؟! كيف يستطيع الإنسان أن يفقد كل الفرص المقدمة له للخلاص ويخسر كل أعمال المحبة التي تعتني به في كل يوم؟! علَّمتك أن يكون كلامك نعم نعم ولا لا، فكيف تأتي اليوم لتسلِّم ابن الإنسان للموت بقبلة محبة؟!

يا صاحب، لقد كان ولاؤك دائماً لنفسك وسعيك دائماً لمصلحتك، لم تستطع أبداً أن تتحرَّر من أسر ذاتك وقيود أنانيتك، ظللت تصاحبني طالما كانت هناك مصالح في السير معي ولكن عندما بدأت سفينتي تتعرض للأمواج الصاخبة والرياح المضادة قررت أن تقفز من السفينة وتنجو بنفسك بأي مكسب تستطيع الحصول عليه، لكني أريدك أن تعلم أن سفينتي مهما تعرضت للمقاومة والإضطراب فلابد أن ترسو يوماً بآمان على الشاطئ لأني في كل حين أفعل مشيئة الذي أرسلني، أما مَن يقفز من سفينتي فهو يلقي بنفسه إلى أعماق الظلمة حيث لا فرصة قط للنجاة!!

 يا صاحب، ربما كنت تخدع نفسك بأنك تستطيع أن تتوب وترجع إذا تحسنت الأحوال وهدأت الأمواج، لكن للأسف أريدك أن تعلم أن مَن أُستنير مرة وذاق الموهبة السماوية وصار شريكاً للروح القدس وذاق كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي ثم قرر أن يسقط ويرتد لا يمكن تجديده أيضاً للتوبة، لأن الأرض التي شربت المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وأخرجت شوكاً وحسكاً فهي مرفوضة وقريبة من اللعنة، ستندم وتشعر بالخسارة لكنك لن تعرف طريقاً للرجوع لأنك رفضتني أنا الطريق والحق والحياة، وستشعر يومها أنه كان من الأفضل لك لو لم تُولد!!

يا صاحب، يؤسفني أن هناك الكثيرين الذين سيتبعون طريقك ويسلكون مسلكك في كل أجيال الكنيسة، «يصاحبون» المؤمنين الحقيقيين في حياتهم وعبادتهم وخدمتهم، لهم صورة التقوى ولكنهم ينكرون قوتها، يملأون الكنائس طالما هناك مصلحة وعند أول اضطراب أو اضطهاد يتحينون الفرصة للقفز من السفينة، كم يعتصرني الحزن على مصيرهم وأشفع لأجلهم ليلاً ونهاراً لعلهم يتحولون إلى مؤمنين حقيقيين وتلاميذ أمناء لي قبل فوات الآوان!!