الأحد، 1 فبراير 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (9)
فخرى كرم
«صمتُّ، لا أفتح فمي، لأنك أنت فعلتَ» (مز39: 9)
هناك دائماً وقت لسكب شكوانا أمام الله، في هذا الوقت يمكننا أن نقول ما نريد ونعرض وجهة نظرنا ونطالب بما نراه حقاً وعدلاً، في هذا الوقت تنسكب مشاعرنا أمام إلهنا وتنزرف دموعنا وقد يتعالى أنيننا وصراخنا، والكتاب المقدس يزخر بالكثير من هذه الأوقات في حياة رجال الله، بل أن الكثير من هذه الأوقات غيَّرت مجرى التاريخ وأحدثت انقلابا في الأحداث، ويكفينا مثالاً صلاة ربنا المعبود في بستان جثسيماني قبيل الصليب عندما قدَّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلِّصه من الموت، عندما صار عرقه ينزل كقطرات دمٍ من شدة الصراع النفسي والروحي والجسدي الذي كان يجتازه، إن مثل هذه الأوقات رغم صعوبتها ستظل علامات فارقة في تاريخ البشرية جمعاء.
لكن هذا الوقت له حدود بعدها يقرر الله أن يصنع مشيئته الصالحة الكاملة المرضية في حياتنا، بعدما استمع بكل محبته لما في قلوبنا تبقى الكلمة الأخيرة لشخصه لا سواه، وحينئذ تمتد يده لتُجري أحكامها وقضاءها في ظروفنا وأحداثنا، وهنا لابد أن يبدأ وقت آخر في حياتنا، وقت الصمت المقدس!! الصمت البليغ الذي يعلن أننا نقبل حكم الله وقضاءه في حياتنا، وأننا نثق تماماً في حكمته وعدالته مهما كانت وجهة نظرنا في الأمور، نحن نشكر الله لأنه يعطينا وقتاً نعبِّر فيه عن مشاعرنا وأفكارنا لكن هذا لا يعني أن نتمسك بمشاعرنا وأفكارنا هذه حتى بعدما يُجري الله أحكاماً قد تختلف عما تريده مشاعرنا وأفكارنا!! هناك فرق كبير بين التعبير عن وجهة نظرنا أمام الله وبين أن نظل نتمسك بوجهة النظر هذه حتى بعدما يقرر الله شيئاً آخر، هناك فرق كبير بين أن نعبِّر عن مشاعرنا وبين أن نتشبث بها ونعتبر أنها الصواب المطلق، إن كل أفكارنا ومشاعرنا محدودة وقاصرة جداً بطبعها الإنساني ولا يمكن أن ترتقي لترى الأمور في كمالها كما يراها الله، ورغم هذا القصور فان الله يحترم أفكارنا ومشاعرنا ويسمح لنا أن نعبِّر عنها ويستمع لها بصبر وأناة ولكنه في النهاية لابد أن يحكم بما يراه هو وليس بما نراه نحن، وفي هذا الوقت لابد أن نتعلم كيف نسكت ونقبل ما فعله الله ليس عن إحساس بالقهر بل عن ثقة أن ما فعله هو الحق المطلق والعدالة الكاملة!! وهذا هو المعنى الثالث لصمت الرب في وقت محاكمته:
† ثالثاً: السكوت يعبِّر عن خضوع الابن لمشيئة الآب: بعدما سكب ربنا مشاعره الإنسانية أمام الآب في جثسيماني وصارع كثيراً في مدى إمكانية أن تعبر عنه هذه الكأس لكيلا يشربها، شعر في روحه أن وقت الصراع قد انتهى، وأن الآب قد أصدر حكماً بأن تكتمل أحداث الصليب وان يُسلَّم ربنا في أيدي الخطاة إلى الموت، هنا وجدنا ربنا المعبود ينهض من صلاته ويتقدم بثبات لكي يتناول ويشرب الكأس من يد أبيه بكل رضا وسرور، لقد انتهى وقت الكلام وجاء وقت السكوت الذي يعلن ثقة الابن في عدالة وحكمة الآب السماوي، لم يحاول الابن المبارك أن يتنصل من الصليب بعدما تأكد أن الآب هو الذي حكم له بالصليب، لقد صمت ولم يفتح فاه لأن الآب قد فعل، لقد اعتبر ربنا أن أي كلمة سيقولها دفاعاً عن نفسه في وقت المحاكمة ستكون محاولة للهروب من مشيئة أبيه، وهو الأمر الذي لا يريده بالمرة، ولذلك قرر أن يسكت كالنعجة الصامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه!!    


ليتنا نتعلم التمييز بين وقت الكلام وسكب الشكوى وبين وقت السكوت احتراماً لقضاء الله واحكامه!! وللحديث بقية (يتبع)

الأحد، 4 يناير 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (8)
فخرى كرم
«فقال لهم يسوع: ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا» (لو20: 8)
ليس بالضرورة أن يكون السكوت هو عدم النطق بأي كلام على الإطلاق لكنه أحياناً يكون عدم النطق بالكلام الذي يريد الآخرون أن يسمعوه!! في الموقف الذي أمامنا كان يسوع في الهيكل يعلِّم الشعب ويبشِّر فوقف رؤساء الكهنة والكتبة مع الشيوخ وسألوه قائلين «بأي سلطان تفعل هذا؟ أو مَن هو الذي أعطاك هذا السلطان؟» وبدلاً من أن يجيبهم الرب سألهم سؤالاً يحتاج إلى إجابة بكلمة واحدة «معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس»؟ وعندما أجابوه بأنهم لا يعلمون من أين كانت معمودية يوحنا قرَّر يسوع أن يسكت ولا يجيبهم عن سؤالهم بل ويُزيد حيرتهم وجهلهم!!
ولكي نفهم بلاغة سكوت الرب في هذا الموقف لابد أن نرجع إلى إرسالية يوحنا ومعموديته، لقد أرسل الله يوحنا برسالة التوبة للشعب، ولم يؤيد الله يوحنا بأي سلطان ملموس مثل الآيات والمعجزات لأن رسالته تستمد سلطانها من الشريعة والناموس، فهو لم يأتي بأية تعاليم جديدة بل كان يدعو الشعب للعودة لتعاليم وسلوكيات الناموس، وحتى طقس المعمودية الذي مارسه لم يكن جديداً بالمرة بل هو مستمد من حادثة شفاء نعمان السرياني عندما أمره إليشع أن يغطس في نهر الأردن سبعة مرات فعاد لحمه كلحم صبي صغير، أراد يوحنا أن يستخدم نفس الممارسة لكي يطبع في ذهن الشعب أن خطاياهم تشبه البرص القاتل الذي ينبغي أن يتخلصوا منه بالتوبة لكي تسترد الأمة عافيتها وتعود لقوة ونقاء صباها وشبابها المبكِّر!!
السلطان الوحيد الذي صاحب إرسالية يوحنا كان سلطان تبكيت الروح القدس على نفوس الشعب، إذ يقول الكتاب «أن جميع الشعب إذ سمعوا والعشارين برَّروا الله معتمدين بمعمودية يوحنا» (لو7: 29) لكن للأسف رغم هذا السلطان المؤثر ورغم الرسالة التي تستمد تأييدها من جوهر الناموس ولا تحتاج لأي تأييد خارجي إلا أن الكتاب يخبرنا «أما الفريسيون والناموسيون فرفضوا مشورة الله من جهة أنفسهم غير معتمدين منه» (لو7: 30) كبرياء هذه الفئات من الشعب واعتدادهم ببرهم الذاتي جعلهم لا يخضعون لمعمودية يوحنا لأنها تحتِّم عليهم الاعتراف بأنهم خطاة يحتاجون للتطهير، ورغم أنهم لم يستطيعوا أن يتهموا يوحنا بأية تهمة ولم يتجاسروا أن يقولوا أن معموديته ليست من السماء إلا أنهم أيضاً لم يخضعوا لها!!
كانت خدمة يوحنا ومعموديته تمهيداً وإعداداً لخدمة يسوع وإرساليته، وكانت إرسالية يسوع مؤيدة بالآيات والعجائب لأنها تحتوي على تعاليم جديدة لا تستمد سلطانها من الناموس بل ترتفع فوقه بمراحل، ولكن رغم كل التأييد المعجزي لإرسالية الرب لم يخضع رؤساء الشعب لإرساليته، لأن رؤساء الشعب لم يقبلوا إرسالية يوحنا فكان لابد بالضرورة ألا يقبلوا إرسالية الرب المؤسَّسة على إرسالية يوحنا والمبنية عليها، رفض مشورة الله رغم وضوحها وتأثيرها يجعل الإنسان غير مؤهل لفهم أية مشورات جديدة، وعندما قرّر الرب أن يسكت ولا يجيب عن سؤال رؤساء الشعب كان يؤكد على الحقيقة التي تكلمنا عنها المرة السابقة ألا وهي: لا كلام جديد مع مَن رفض الكلام الأول، ولا فهم جديد لمشورات الله لمن رفض مشورة الله الأولى من جهة نفسه!!
كم هو مخيف ان تسكت السماء ولا تجيب على حيرة قلب الإنسان، كم هو مخيف أن يترك الله الإنسان يتخبط في جهله وظلمته لأنه رفض مشورة الله الأولى من جهة نفسه!! لا تسمح يا سيدي أن يأتي يوم أرفض فيه مشورتك من جهة نفسي، ولا تسمح أبداً أن يأتي يوم ترفض فيه أن تتكلم معي!! وللحديث بقية (يتبع)  

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (7)
فخرى كرم
«وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء» (لو23: 9)
كان هيرودس يريد من زمان طويل أن يرى يسوع لكن كبرياءه الملكي منعه من أن يذهب إليه، كان يريد أن يراه ويسمعه ويبصر آياته لأن ضميره المُثقَّل بمقتل المعمدان كان يطارده بفكرة أن يسوع ليس سوى يوحنا المعمدان وقد عاد للحياة ولذلك تُعمل به القوات (مت14: 1، 2) وعندما حانت الفرصة وأرسل بيلاطس إليه يسوع مُقيداً ومُتهماً فرح هيرودس جداً واعتبر أن الوقت قد حان لكي يستريح ضميره من عناء الشكوى ويقف على حقيقة هذا الشخص الغريب الذي سمع عنه كثيراً، ولذلك ما إن وقف أمامه يسوع حتى بادره بأسئلة وكلام كثير، ولكن كانت المفاجأة أن يسوع التزم الصمت ولم يجبه بشيء!!       
عدة أمور كانت تدفع الرب للرد على أسئلة هيرودس، أولها وجوب الخضوع للسلطة الحاكمة، فالرب يقف هنا موقف المتهم أمام الحاكم الذي يملك سلطة ادانته أو تبرئته، والمتهم في تلك الأزمنة القديمة لم يكن يملك ترف أن يختار بين أن يجيب أو لا يجيب عن أسئلة الحاكم، وثانيها الرحمة المعروفة عن ربنا والتي تدفعه للتجاوب مع نفس متعبة تحتاج أن تسمع منه ما يشبع فضولها ويبدد حيرتها، وثالثها أن يتجنب إثارة غضب الثعلب الكامن في أعماق هذا الحاكم المنفلت الأخلاق، فالرب يعلم تماماً أن بداخل هيرودس وحشاً إذا غضب سيتحول إلى النهش والإهانة بدون وازع من عقل أو ضمير، ورغم كل هذه الدوافع يفاجئنا الرب بالصمت التام!! كان سكوت سيدنا في هذا الموقف بليغاً جداً كما تعودنا منه، وإن كنا قد تعلمنا منه درس ألا نتكلم حين لا يكون للكلام فائدة ففي هذا الموقف نتعلم منه درساً آخر:
† ثانياً: لا كلام جديد مع مَن استهان بالكلام الأول!! في يوم من الأيام أرسل الله يوحنا المعمدان ووضع في فمه رسالة خاصة لهيرودس الملك الماجن، كان ملخص الرسالة أنه: لا يحلُّ أن تكون له هيروديا امرأة أخيه (لا18: 16) ولا شك انها نعمة جزيلة وامتياز عظيم أن يرسل الله رسالة إلى إنسان لكي يمنعه من الانزلاق إلى مهاوي الخطية والفساد، وأن تكون هذه الرسالة على فم نبي هو الأعظم بين المولودين من النساء فهذا يجعل النعمة مضاعفة والامتياز أعظم، لكن هيرودس لفرط ضعفه أمام شهوته قرر ألا يخضع لهذه الرسالة السماوية، ولشدة خضوعه لسلطان هيروديا امرأة أخيه فيلبس قرر أن يلقي بيوحنا في السجن لكي لا يعود يتجرأ ويتكلم معه بمثل هذه الرسالة، وفي يوم أسود من تاريخه وتحت تأثير نفس الشهوة ونفس الامرأة قرر أن يقطع رأس يوحنا المعمدان، الرأس التي اهتمت بصالح حياته الزمنية والأبدية، الرأس التي حملت له فكر الحق الإلهي وطريق البر العملي، هذه الرأس المباركة قرر هيرودس أن يمد يده الأثيمة ويقطعها، لقد مزَّق الرسالة وداسها بقدميه ثم تحوَّل ليقطع رأس الرسول لكي لا يعود يحمل له المزيد من الرسائل الإلهية!!
وتدور الأيام ويجد هيرودس نفسه أمام رب يوحنا المعمدان ومُرسله، فيسوع هو صاحب الرسالة التي أعطاها ليوحنا وأرسله أمامه ليُعدُّ له الطريق، انه بذاته جوهر الحق الذي نطق به يوحنا ورفضه هيرودس ومزَّق المتكلم به شرَّ تمزيق، والآن هيرودس يتكلم كثيراً ويحاول أن يجعل يسوع يتكلم معه، يسأله كثيراً ويُبدي شعوراً مزيفاً بأنه يريد أن يسمع منه إجابات شافية وحقائق وافية، لكن سيدي بصمته البليغ كان يقول له ولنا بصوت عالٍ كالرعد «لا كلام جديد مع مَن رفض واستهان بكلامي الأول»!!

 ألا يحمل لنا سكوت السيد درساً مهماً في أيامنا هذه؟! ألا نختبر كثيراً صمت السماء عن كلام جديد والسبب أننا لم نكن أمناء بما يكفي في الكلام الأول الذي قيل لنا؟! ولكن لهذا حديثاً آخر (يتبع)  

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (6)
فخرى كرم
«كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه» (أش53: 7)
كان سيدنا عظيماً وبليغاً في سكوته تماماً كما كان عظيماً وبليغاً في كلامه، كان نموذجاً للإنسان الكامل الذي يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، حتى استحق أن يُذكر صمته في النبوة قبل مجيئه بمئات السنين.
عندما تعرَّض أيوب لمحاكمة أصحابه واتهاماتهم لم يستطع أن يظل معتصماً بالصمت بل اندفع يتكلم لكي يبرِّر نفسه وينفي عنها الاتهام، وفي معرض دفاعه عن نفسه وجدنا الكثير من القصور بل والحماقة في الكلام، وهذا القصور وتلك الحماقة موجودة بكثرة في داخل كل واحد منا لكن ربما تحتاج إلى ظروف ضاغطة لكي تُخرجها للعلن.
ولقد تعرَّض سيدنا لمحاكمة أكبر بكثير من محاكمة أيوب ووجِّهت له اتهامات أخطر وأفظع من تلك التي وُجِّهت لأيوب لكنه مع ذلك استطاع أن يظل متمسكاً بصمته المملوء إيماناً وتسليماً لمن يقضي بعدل، أصحاب أيوب تكلموا معه بالمنطق والحجة فلم يحتمل كلماتهم أما سيدنا فقد تكلم معه الحكام بالأكاذيب والإهانات والشتائم، واستخدموا التهديد والسخرية والاستهزاء، ولجأوا للعنف والضرب والتعذيب، وانتهوا بالصلب والموت والسحق، لكن رغم كل ذلك لم تخرج من فمه كلمة لا تمجِّد الله أو تنسب له حماقة، ولقد كان هذا الصمت شديد البلاغة وعميق الدلالة، يحمل الكثير من المعاني التي ينبغي أن نتأمل فيها قليلاً:
† أولاً: لا ينبغي التكلم حين لا يكون للكلام قيمة!! قيمة الكلام أن يكون له تأثير ايجابي في نفوس سامعيه، لقد قال ربنا «ان كل كلمة بطَّالة (بلا فائدة) يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين» (مت12: 36) ويذكر الرسول بولس نفس المعنى في قوله «لا تخرج كلمة ردِّية من أفواهكم بل كل ما كان صالحاً للبنيان حسب الحاجة كي يعطي نعمة للسامعين» (أف4: 29) ولكي يكون للكلام قيمة إيجابية ينبغي أن تتوفر النية للاستفادة من الكلام (ولو في حدها الأدنى) في نفوس السامعين، كان الرب دائماً يتوجه بكلامه لمن عندهم «أذن للسمع» أي لديهم ولو الحد الأدنى من الرغبة في الاستماع والاستعداد للاستفادة من الكلام.

في أثناء محاكمة الرب بل وقبل المحاكمة بأسبوع لم يعد لقادة اليهود «أذن للسمع» ليسمعوا أقوال الرب، لقد عقدوا النية أن يقتلوه، وفي كل مرة كانوا يتكلمون معه لم يكن الهدف أن يستفيدوا من أقواله بل أن يصطادوه بكلمة لكي يشتكوا عليه، كانوا يستدرجوه لكي يتكلم ونيتهم معقودة على اتخاذ كلماته حجة ضده، أياً كان الكلام الذي سيقوله كان سيستخدم ضده، وبالتالي فأي كلمات سيقولها الرب في موقف المحاكمة لن يكون لها تأثير ايجابي في نفوس سامعيه، لذلك قرر الرب أن يصمت لكي يعلمنا درساً مهماً وهو أننا إذا استشعرنا أن كلماتنا لن تؤثر في شيء فلا داعي للنطق بها، فما قيمة كلمات تنطق بها أمام قاضٍ قرَّر بالفعل ما سيصدره من أحكام؟! وما الهدف من كلمات تقولها إذا كان المستمعون قد عقدوا العزم ألا يستفيدوا منها؟! وللحديث بقية (يتبع)   

الجمعة، 10 أكتوبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (5)
فخرى كرم
ولكني قد نطقت بما لم أفهم، بعجائب فوقي لم أعرفها» (أي42: 3)
خطأ الكلام لا يكمن عادة في الكلمات المجردة التي ننطق بها بل في دافع الكلام وروحه وهدفه، يكمن في اعتقاد الإنسان انه يفهم كل شيء وأنه مؤهل لإسداء النصائح والتوجيهات، الإنسان يظن أن بعض المعلومات السطحية التي عنده تعطيه الحق أن يصدر قرارات وأحكام على الظروف والأشخاص وحتى على الله نفسه، وكل من أيوب وأصحابه الثلاثة وقع في هذا الخطأ.
أيوب أصدر أحكاماً على حياته وعلى يوم ميلاده، حَكَم على حياته بأنها لا تستحق أن تُعاش وأن قرار مجيئه إلى الدنيا كان قراراً خاطئاً، ورغم أنه تحاشى في البداية أن يتهم الله بالقساوة بكلمات صريحة وتجنَّب أن ينسب الخطأ لله بشكل مباشر إلا أن روح الكلام وهدفه الخفي هو أن ينسب انعدام الحكمة والقساوة لشخص الله!! إذا كنا نؤمن أن الميلاد والحياة والموت بيد الله فتكون شكايتنا على يوم ميلادنا أو على ظروف حياتنا هي شكاية على الله نفسه!! بعض الأحداث الخارجية التي حدثت لأيوب جعلته يعتقد أنه مؤهل لإصدار الأحكام على الحياة والأيام والميلاد والموت وهي كلها أمور من شأن الله وحده الذي بيده آجالنا، أيوب لا يفهم لماذا سمح الله له أن يأتي إلى هذه الحياة ولا لماذا سمح له بالظروف التي مرت به ولا يعلم ما سوف تنتهي إليه الأحداث في المستقبل ولا البركة التي ذخرها الله له في نهاية الأيام، ورغم كل هذا الجهل وعدم الفهم إلا أنه تكلم بما لم يفهم وخاض في عجائب فوقه لم يعرفها.
المدقق في كلمات أصحاب أيوب الثلاث يكتشف أنها خالية من أي أخطاء لاهوتية أو تعليمية، بمنطق الكلمات المجردة هي كلمات صحيحة تحمل معانٍ ومفاهيم في غاية الروعة، كلماتهم تحاول أن تبرر الله وتنزهه عن كل خطأ أو ظلم، أقوالهم تعتبر نموذجاً للخطاب الديني الممجد لله والداعي لطريقه القويم، ومع ذلك نجد الله يدين أقوالهم هذه ويأمرهم أن يعتذروا عنها لأيوب ويطلبوا صفحه عنهم وصلاته لأجلهم!! أين الخطأ إذاً؟! مرة أخرى نؤكد أن الخطأ ليس في نص الكلمات أو فحواها بل في إدعاء الفهم لبوطن الأمور واصدار الأحكام بدون معرفة.
 رؤية أصحاب أيوب للأحداث التي حاقت به جعلتهم يعتقدون أنه بلاشك ينال عقوبة من الله عن شرور مستترة، وبدأوا يتكلمون معه بروح المعلم الذي يفهم ما يجري وهم في الحقيقة غير فاهمين لحقيقة ما جرى لأيوب، وكان كلامهم بدافع إلصاق التهم بأيوب ودفعه دفعاً للتوبة عن شر غير موجود ولا يدري أيوب عنه شيئاً، لقد كانت كلامتهم صحيحة وتحمل تعاليم رائعة لكن مع ذلك كانت أحاديثهم خاطئة ينبغي الإعتذار عنها!! لكي يكون كلامنا صحيحاً لا يكفي أن يكون مضمونه صحيحاً بل ينبغي أن يكون مضمونه صحيحاً ويُقال للشخص الصحيح في التوقيت الصحيح!! كلام أصحاب أيوب كان كلاماً يحمل مضموناً صحيحاً لكنه لم يُقال للشخص الصحيح ولا في التوقيت الصحيح، لم يكن أيوب هو الشخص الخاطئ الذي في مخيلتهم ولم يكن في هذا التوقيت يحتاج إلى مَن يُكيل له الإتهام ويضيف على ضيقه ضيقاً، كان أيوب في هذا الوقت يحتاج لمَن يرثي له ويجلس بجانبه في سكوت بليغ لكي يساعده أن يهدأ ويرفع نظره إلى الله لعل الله يكشف له سر البلاء الذي أصابه، لكن الإنسان في غروره يأبى أن يسكت ولا يرضى إلا بأن يلعب دور الفاهم والعارف ببواطن الأمور.

لقد استذنب أيوب الرب لكي يبرر نفسه وكان في هذا مخطئاً، ولقد إستذنب الأصدقاء الثلاثة أيوب لكي يبرروا الله وكانوا في هذا مخطئين أيضاً!! لم يكن ثمة خطأ من جانب الله أو أيوب، لقد كان الله باراً في كل ما سمح به وكان أيوب أيضاً باراً في حدود فهمه وعلمه كانسان، لقد دخل أيوب التجربة باراً بشهادة الرب وخرج منها وهو أكثر براً!! لم يكن هناك خطأ أصلاً يحتاج إلى تبرير سواء من جانب الله أو من جانب أيوب، هل تتصور أن كل المجادلات والحوارات في سفر أيوب هي في الحقيقة محاولة لتبرير خطأ غير موجود أصلاً!! لكن هذا هو دأب الإنسان وولعه الشديد بالكلام وإدعاء الفهم، وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (4)
فخرى كرم
«كُفَّ عني لأن أيامي نفخة!! ما هو الإنسان حتى تعتبره؟ وحتى تضع عليه قلبك؟ وتتعهَّده
كل صباح وكل لحظة تمتحنه؟ حتى متى لا تلتفت عني ولا ترخيني ريثما أبلع ريقي؟»( أي 7: 16-19)
قد يوجد في أرواحنا قدراً من محبة الله ورغبة في السير معه والجلوس تحت ظله، وهذه المحبة هي من عمل روح الله في داخل أرواحنا، لكن هذا لا ينفي أنه في ذات الوقت يوجد جهل مطبق بالله في داخل أنفسنا، الاستنارة التي يصنعها الروح في داخل أرواحنا لا تصل بسهولة إلى أعماق مشاعرنا وأفكارنا، لأن لكل من الروح والنفس طبيعة مختلفة، أرواحنا تستقبل بسهولة عمل الروح القدس وإعلاناته بينما نفوسنا تجد صعوبة شديدة في ذلك، أرواحنا قريبة للروح القدس بحكم طبيعتها المأخوذة منه أما نفوسنا وأجسادنا فهي قريبة أكثر للعالم المادي وتمتلئ بسهولة بمنطق الإنسان وأفكاره، لذلك كثيراً ما نرى بداخلنا صراع بين أرواحنا ونفوسنا، فبينما أرواحنا تريد أن تأخذنا بقرب الله نجد أنفسنا تبتعد بنا بعيداً عنه!!
عندما تعرَّض أيوب للتجربة المريرة خرج من داخله موقفان: أحدهما من روحه التي تحب الله وتثق فيه والآخر من نفسه التي تجهل كل شيء عن الله وتتعامل معه بمنطق الإنسان وأفكاره، وعلى مَن يقرأ أقوال أيوب أن يميز كل الوقت بين ما تنطق به روح أيوب وبين ما تقوله نفسه، فالاختلاف بينهما كبير ويدعو للدهشة!!
أمام التجربة اتخذت روح أيوب موقف السكوت البليغ الذي يعني التسليم لمشيئة الله وقبول كل الأمور من يديه بشكر، السكوت الذي يعني تقديم المجد لله سواء أعطى أو أخذ، السكوت الذي يعني اعتراف الإنسان بعجزه عن فهم كل ما يجري حوله وجهله بالكثير من القوى المحيطة بحياته والمؤثرة فيها، السكوت الذي ينشر عبق الطاعة وبخور التسليم ليغطي على دخان الشكوى الذي يريد العدو أن ينشره في الأجواء المحيطة، السكوت الذي يجعل السلام يسود في المنطقة التي أراد العدو أن يعمَّها الفوضى والاضطراب.
  لكن هذا العبق الجميل الخارج من روح أيوب لم يستمر طويلاً، فبعد سبعة أيام بدأ يتكلم بما في نفسه ومشاعره، بدأت النفس الإنسانية تتكلم بمنطقها وتستعرض أفكارها، فوجدنا صبغة الكلام تختلف ووجهة النظر تتغير، تبدلت نغمة الخضوع والتسليم في كلامه ووجدنا نغمة الرثاء للذات تملأ أقواله، وعوضاً عن صبغة تمجيد الله التي صبغت أيام التجربة الأولى رأينا صبغة الشكوى من الله وتصويره كإله جبار يتسلط على حياة الإنسان بعنف غير مبرر، وبدل اشتياق الروح للاقتراب من محضر الله والتمتع بلمسته رأينا النفس تريد الابتعاد عنه حتى أنها تقول بجسارة غريبة: «كفّ عني..حتى متى لا تلتفت عني ولا ترخيني»!!

روح أيوب ترى الله إلهاً صالحاً ممجداً حين يعطي وحين يأخذ بينما نفسه التي تربَّت على أفكار العالم ترى الله إلهاً قاسياً ممتلئاً بالعنف والشدة، روح أيوب تشعر بالأمان في عين الله الساهرة عليها أما نفسه فتتمنى أن تلتفت عين الله بعيداً عنها وتتركها، روح أيوب تشعر بالامتنان والفخر لأنه عاش حياته في رفقة هذا الإله العظيم وتعترف انها اخذت منه الكثير من الخير، أما نفسه فتشعر بالمرارة الشديدة تجاه حياته وتتساءل لماذا أعطاه الله حياةً ولماذا لم يمت وهو بعد جنين في رحم أمه، وكلماته هذه تعني أنه لم يجد في حياته الطويلة مع الله يوماً واحداً يستحق أن يحياه، كما لو أن هذا الإله العظيم لم يضف لحياته أي شيء جميل يجعل الحياة تستحق أن تُعاش!! أليست هذه الكلمات مملوءة بحماقة شديدة وجحود ونكران جميل مفرطين؟! كيف يخرج من الإنسان الواحد ماءً عذباً منعشاً وماءً عكراً شديد المرارة، كيف تهدأ الروح وتسكت بينما تصر النفس أن تملأ الأجواء ضجيجاً وتنشر دخان الشكوى وضباب الجهل في كل مكان؟! لكن على كل حال هذا هو الإنسان في كل زمان ومكان، وإختبارنا اليوم لا يختلف في شيء عن إختبار هذا القديس الذي عاش في زمان قديم!(يتبع)