السبت، 2 مايو 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (11)
فخرى كرم
«يسكت في محبته» (صف3: 17)
«احسبوا أناة ربنا خلاصاً» (1بط3: 15)
يدهشني جداً سكوت السيد عن توجيه أي لوم أو عتاب أو تحذير ليهوذا الأسخريوطي طوال فترة وجوده ضمن دائرة التلاميذ لمدة ثلاث سنوات، لقد اختاره السيد ضمن التلاميذ وهو يعلم أنه «شيطان» اي «مُقاوِم» و«مُشتكي»، كان في الظاهر يتبع الرب في الطريق مع بقية التلاميذ لكنه في الحقيقة كان مقاوماً لهذا الطريق ومُشتكياً عليه ومعرقلاً للسائرين فيه، فهناك دائماً اسلوبان لمقاومة أي طريق: (1) الأسلوب الظاهر وهو أن تظل خارج هذا الطريق وتقاومه علانية وتنتقده بوضوح، أما (2) الأسلوب الخفي الأشد خطراً فهو أن تنضم ظاهرياً للسائرين في هذا الطريق لكي تظل بينهم بوقاً للشكوى ومصدراً للإنزعاج ومثيراً للخصومات!!
كان الرب يعلم أن يهوذا يأخذ الأموال التي توضع في الصندوق ومع ذلك لم نسمعه يلومه أو يفضح سلوكه أمام التلاميذ، كان الهدف من الأموال التي تُوضع في الصندوق هو أن تسدد احتياجات التلاميذ المادية وبالتالي تجعل اتباعهم للرب أكثر سهولة، وعندما كان يهوذا يأخذ هذه الأموال لم يكن يقصد فقط مجرد السرقة لكنه في الحقيقة كان يقصد أن يجعل حياة التلاميذ أكثر صعوبة ويضع العراقيل أمام متابعة سيرهم مع الرب!!
لقد انتقد الرب بطرس في أكثر من مناسبة ووجَّه له اللوم علانية لكنه أبداً لم يفعل هذا مع يهوذا، لقد واجه السيد كل خيانة يهوذا والسرقات التي كان يرتكبها بسكوت بليغ!! كانت طبيعة بطرس هي طبيعة التلميذ الذي يحب سيده ويرغب في اتباعه، ومثل هذا التلميذ إذا وجَّه إليه سيده اللوم فإنه يتقبله بصدر رحب ويتعلم من أخطائه، ولهذا لم يخشَ السيد من توجيه اللوم لبطرس أكثر من مرة عالماً أنه سيقبله ويستفيد منه، أما يهوذا فلم تكن طبيعته هي طبيعة التلميذ بل طبيعة اللص التي تنفر من النور وتهرب من اللوم، السيد يعلم أن طبيعة السارق والخائن هي الخوف والجُبن والاختباء في الظلام، رأس مال اللص هو أن يظل مختفياً عن الأنظار لا يراه أحد أما إذا شعر بأن هناك من يراه فإنه فوراً يلوذ بالهرب، كان السيد يعلم أن أي لوم سيوجهه ليهوذا سيكون بمثابة النهاية لوجوده بين التلاميذ، السيد يعلم أن يهوذا سيلوذ بالفرار مع أول إشارة تكشف خيانته، ولأن السيد كان يحب يهوذا ويريده أن يبقى أطول فترة ممكنة داخل دائرة النعمة قرر أن يسكت في محبته!! سكت السيد عن اللوم لكي يمنح يهوذا فرصة النعمة كاملة لعله يستغلها ويتوب.
وعندما يسكت الرب في محبته عن توجيه اللوم لنا فهذا يحمِّلنا مسئولية أن نحسب أناته خلاصاً ونستغل الفرصة ونتوب ونتغيَّر، لكن للأسف لم يحسب يهوذا أناة ربنا خلاصاً، لم يحسب أن الرب يسكت في محبته بل اعتقد أن الرب يسكت لأنه يجهل خيانته، لقد اعتقد يهوذا أنه استطاع خداع يسوع والتلاميذ فاستمر في خيانته إلى النهاية، وعندما وجَّه إليه الرب اللوم في بستان جثسيماني كانت هذه هي المرة الأولي ولكنها أيضاً كانت المرة الأخيرة!! كان الوقت قد فات وفرصة النعمة قد إنتهت!!

اعطني يا سيدي أن أحسب أناتك وسكوتك عن أخطائي خلاصاً وفرصة أقتنصها للتوبة والنجاة، ولا تسمح أبداً أن أحسب سكوتك فرصة لاستمراء الخطأ والاستمرار فيه، وللحديث بقية (يتبع) 

الأحد، 5 أبريل 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (10)
فخرى كرم
«يسكت في محبته» (صف3: 17)
أحياناً يكون السكوت هو أبلغ تعبير عن المحبة!! عندما نسكت عن تذكير الآخرين بخطاياهم وتكرار لومهم على سقطات الماضي فنحن نعلن محبتنا لهم ونساعدهم على نسيان الماضي والنهوض من ضعفاته!!
للأسف نحن نميل بطبعنا إلى كثرة الكلام عن أخطاء وسلبيات الآخرين، أرجلنا سريعة إلى سفك الدم، نظن أنه بكثرة ذكر خطايا الآخرين نبرِّر أنفسنا!! وإن أخطأ إلينا أحدهم لا نكفُّ عن لومه وتقريعه وتذكيره دائماً بخطئه، وكثيراً ما كان سم الأصلال تحت ألسنتنا ونحن نتحدث عن ضعفات الآخرين ونقائصهم، كثيراً ما جرحنا الآخرين جروحاً غائرة بكلمات كان بإمكاننا أن نسكت عنها، وكثيراً ما منعنا نهوض البعض من ضعفهم لأننا دائماً نتكلم عنهم بسلبية ونذكِّرهم بفشلهم السابق.
ما هو الحل لكثرة كلامنا السلبي هذا؟! إنها المحبة ولا شيء آخر!! المحبة التي تعرف أن تستر كثرة من خطايا، المحبة التي إن وجدت أن الكلام لن يكون مفيداً للآخرين لا تنطق به، المحبة التي تتمنى للخاطئ أن يعود وللضعيف أن يقوى وللفاشل أن ينجح، المحبة التي تعرف متى توبِّخ المخطئ على خطئه ومتى تسكت عن التوبيخ لكي تعطيه فرصة أن يخرج من ماضيه ويبدأ بداية جديدة، فكثرة التوبيخ قد تربط المخطئ بماضيه وتقيِّده وتمنعه من النهوض.
عندما عاد الابن الضال بعدما أنفق أموال أبيه بعيش مسرف وجدنا الأب يركض ويقع على عنقه ويقبِّله دون أن يوجه إليه أية كلمة!! لقد سكت الأب عن كلام كثير كان يمكن أن يقال، ما أكثر كلمات اللوم والتوبيخ التي يمكن أن تقال في موقف مثل هذا، ما أكثر الأسئلة المحرجة التي يمكن أن يوجهها الأب لابنه عن أين كان ومع مَن عاش وكيف خسر أمواله، وكل هذه الكلمات كان يمكن ادراجها تحت بند التأديب الأبوي وحق الأب في أن يعرف كل شيء عن ابنه وعن أمواله، لن يلوم أحد الأب إن نطق بكلمات شديدة وجارحة في هذا الموقف، لكن الأب الصالح قرَّر أن يسكت تماماً ولا يوجِّه لابنه كلمة واحدة، إنه سكوت المحبة الأكثر بلاغة من أية كلمات، لقد لاحظ الأب بنظرة محبته أن ابنه منهك ومتألم ولا يحتمل أي ألم إضافي فقرر أن يسكت لكي لا يزيد ألمه، ولقد لاحظ ثانياً أن ابنه قد أدرك خطأه وندم عليه فقرر أن يسكت عن لوم لن يضيف جديداً، ولاحظ ثالثاً أن ابنه العائد يتمنى أن يبدأ بداية جديدة ينسى فيها ماضيه الشائن فقرر أن يسكت لكي يساعده على النسيان!!

انكار بطرس في ليلة الصليب كان خطأ جسيم بلا شك، وما أكثر الكلمات التي يمكن أن تقال له بعد هذا السقوط المدوي، حتى أننا في أيامنا هذه لا نكف في أحاديثنا عن ذكر هذه الحادثة وتفنيدها من كل الجوانب، ولا نملُّ إطلاقاً في كل مواعظنا من التذكير بسقطة بطرس الشهيرة وبكائه المر، ومن حسن الحظ أن بطرس لم يقع بين أيدينا نحن في أيامنا الأخيرة هذه وإلا ما استطاع قط أن ينهض من سقطته!! لقد وقع بطرس بين يدي الرب الصالح الذي لم يذكر الكتاب أنه وجَّه إلى بطرس أية كلمة لوم أو عتاب على سقطته، بل لم يذكرها أمامه فيما بعد!! وكان هذا هو أكبر دافع لبطرس لكي ينسى فشله وينهض من سقطته ويعود إلى خدمته ويصير رسول المسيح وخادم كنيسة أورشليم الأمين، هل سألنا أنفسنا لماذا لم يذكر بطرس سقطته هذه في أيٍ من أحاديثه في سفر العمال أو رسائله الرعوية بعد ذلك؟! كيف استطاع أن ينفك من أسر الماضي ويسير للأمام ولا يعود يذكر سقوطه المؤلم؟! لقد نسي الماضي لأن الرب لم يذكره أمامه ولو بكلمة واحدة!! لقد سكت الرب في محبته لبطرس عن ذكر ضعفه وسقوطه فاستطاع بطرس أن ينساهما ويبدأ من جديد!!  وللحديث بقية (يتبع)      

الأحد، 1 فبراير 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (9)
فخرى كرم
«صمتُّ، لا أفتح فمي، لأنك أنت فعلتَ» (مز39: 9)
هناك دائماً وقت لسكب شكوانا أمام الله، في هذا الوقت يمكننا أن نقول ما نريد ونعرض وجهة نظرنا ونطالب بما نراه حقاً وعدلاً، في هذا الوقت تنسكب مشاعرنا أمام إلهنا وتنزرف دموعنا وقد يتعالى أنيننا وصراخنا، والكتاب المقدس يزخر بالكثير من هذه الأوقات في حياة رجال الله، بل أن الكثير من هذه الأوقات غيَّرت مجرى التاريخ وأحدثت انقلابا في الأحداث، ويكفينا مثالاً صلاة ربنا المعبود في بستان جثسيماني قبيل الصليب عندما قدَّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلِّصه من الموت، عندما صار عرقه ينزل كقطرات دمٍ من شدة الصراع النفسي والروحي والجسدي الذي كان يجتازه، إن مثل هذه الأوقات رغم صعوبتها ستظل علامات فارقة في تاريخ البشرية جمعاء.
لكن هذا الوقت له حدود بعدها يقرر الله أن يصنع مشيئته الصالحة الكاملة المرضية في حياتنا، بعدما استمع بكل محبته لما في قلوبنا تبقى الكلمة الأخيرة لشخصه لا سواه، وحينئذ تمتد يده لتُجري أحكامها وقضاءها في ظروفنا وأحداثنا، وهنا لابد أن يبدأ وقت آخر في حياتنا، وقت الصمت المقدس!! الصمت البليغ الذي يعلن أننا نقبل حكم الله وقضاءه في حياتنا، وأننا نثق تماماً في حكمته وعدالته مهما كانت وجهة نظرنا في الأمور، نحن نشكر الله لأنه يعطينا وقتاً نعبِّر فيه عن مشاعرنا وأفكارنا لكن هذا لا يعني أن نتمسك بمشاعرنا وأفكارنا هذه حتى بعدما يُجري الله أحكاماً قد تختلف عما تريده مشاعرنا وأفكارنا!! هناك فرق كبير بين التعبير عن وجهة نظرنا أمام الله وبين أن نظل نتمسك بوجهة النظر هذه حتى بعدما يقرر الله شيئاً آخر، هناك فرق كبير بين أن نعبِّر عن مشاعرنا وبين أن نتشبث بها ونعتبر أنها الصواب المطلق، إن كل أفكارنا ومشاعرنا محدودة وقاصرة جداً بطبعها الإنساني ولا يمكن أن ترتقي لترى الأمور في كمالها كما يراها الله، ورغم هذا القصور فان الله يحترم أفكارنا ومشاعرنا ويسمح لنا أن نعبِّر عنها ويستمع لها بصبر وأناة ولكنه في النهاية لابد أن يحكم بما يراه هو وليس بما نراه نحن، وفي هذا الوقت لابد أن نتعلم كيف نسكت ونقبل ما فعله الله ليس عن إحساس بالقهر بل عن ثقة أن ما فعله هو الحق المطلق والعدالة الكاملة!! وهذا هو المعنى الثالث لصمت الرب في وقت محاكمته:
† ثالثاً: السكوت يعبِّر عن خضوع الابن لمشيئة الآب: بعدما سكب ربنا مشاعره الإنسانية أمام الآب في جثسيماني وصارع كثيراً في مدى إمكانية أن تعبر عنه هذه الكأس لكيلا يشربها، شعر في روحه أن وقت الصراع قد انتهى، وأن الآب قد أصدر حكماً بأن تكتمل أحداث الصليب وان يُسلَّم ربنا في أيدي الخطاة إلى الموت، هنا وجدنا ربنا المعبود ينهض من صلاته ويتقدم بثبات لكي يتناول ويشرب الكأس من يد أبيه بكل رضا وسرور، لقد انتهى وقت الكلام وجاء وقت السكوت الذي يعلن ثقة الابن في عدالة وحكمة الآب السماوي، لم يحاول الابن المبارك أن يتنصل من الصليب بعدما تأكد أن الآب هو الذي حكم له بالصليب، لقد صمت ولم يفتح فاه لأن الآب قد فعل، لقد اعتبر ربنا أن أي كلمة سيقولها دفاعاً عن نفسه في وقت المحاكمة ستكون محاولة للهروب من مشيئة أبيه، وهو الأمر الذي لا يريده بالمرة، ولذلك قرر أن يسكت كالنعجة الصامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه!!    


ليتنا نتعلم التمييز بين وقت الكلام وسكب الشكوى وبين وقت السكوت احتراماً لقضاء الله واحكامه!! وللحديث بقية (يتبع)

الأحد، 4 يناير 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (8)
فخرى كرم
«فقال لهم يسوع: ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا» (لو20: 8)
ليس بالضرورة أن يكون السكوت هو عدم النطق بأي كلام على الإطلاق لكنه أحياناً يكون عدم النطق بالكلام الذي يريد الآخرون أن يسمعوه!! في الموقف الذي أمامنا كان يسوع في الهيكل يعلِّم الشعب ويبشِّر فوقف رؤساء الكهنة والكتبة مع الشيوخ وسألوه قائلين «بأي سلطان تفعل هذا؟ أو مَن هو الذي أعطاك هذا السلطان؟» وبدلاً من أن يجيبهم الرب سألهم سؤالاً يحتاج إلى إجابة بكلمة واحدة «معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس»؟ وعندما أجابوه بأنهم لا يعلمون من أين كانت معمودية يوحنا قرَّر يسوع أن يسكت ولا يجيبهم عن سؤالهم بل ويُزيد حيرتهم وجهلهم!!
ولكي نفهم بلاغة سكوت الرب في هذا الموقف لابد أن نرجع إلى إرسالية يوحنا ومعموديته، لقد أرسل الله يوحنا برسالة التوبة للشعب، ولم يؤيد الله يوحنا بأي سلطان ملموس مثل الآيات والمعجزات لأن رسالته تستمد سلطانها من الشريعة والناموس، فهو لم يأتي بأية تعاليم جديدة بل كان يدعو الشعب للعودة لتعاليم وسلوكيات الناموس، وحتى طقس المعمودية الذي مارسه لم يكن جديداً بالمرة بل هو مستمد من حادثة شفاء نعمان السرياني عندما أمره إليشع أن يغطس في نهر الأردن سبعة مرات فعاد لحمه كلحم صبي صغير، أراد يوحنا أن يستخدم نفس الممارسة لكي يطبع في ذهن الشعب أن خطاياهم تشبه البرص القاتل الذي ينبغي أن يتخلصوا منه بالتوبة لكي تسترد الأمة عافيتها وتعود لقوة ونقاء صباها وشبابها المبكِّر!!
السلطان الوحيد الذي صاحب إرسالية يوحنا كان سلطان تبكيت الروح القدس على نفوس الشعب، إذ يقول الكتاب «أن جميع الشعب إذ سمعوا والعشارين برَّروا الله معتمدين بمعمودية يوحنا» (لو7: 29) لكن للأسف رغم هذا السلطان المؤثر ورغم الرسالة التي تستمد تأييدها من جوهر الناموس ولا تحتاج لأي تأييد خارجي إلا أن الكتاب يخبرنا «أما الفريسيون والناموسيون فرفضوا مشورة الله من جهة أنفسهم غير معتمدين منه» (لو7: 30) كبرياء هذه الفئات من الشعب واعتدادهم ببرهم الذاتي جعلهم لا يخضعون لمعمودية يوحنا لأنها تحتِّم عليهم الاعتراف بأنهم خطاة يحتاجون للتطهير، ورغم أنهم لم يستطيعوا أن يتهموا يوحنا بأية تهمة ولم يتجاسروا أن يقولوا أن معموديته ليست من السماء إلا أنهم أيضاً لم يخضعوا لها!!
كانت خدمة يوحنا ومعموديته تمهيداً وإعداداً لخدمة يسوع وإرساليته، وكانت إرسالية يسوع مؤيدة بالآيات والعجائب لأنها تحتوي على تعاليم جديدة لا تستمد سلطانها من الناموس بل ترتفع فوقه بمراحل، ولكن رغم كل التأييد المعجزي لإرسالية الرب لم يخضع رؤساء الشعب لإرساليته، لأن رؤساء الشعب لم يقبلوا إرسالية يوحنا فكان لابد بالضرورة ألا يقبلوا إرسالية الرب المؤسَّسة على إرسالية يوحنا والمبنية عليها، رفض مشورة الله رغم وضوحها وتأثيرها يجعل الإنسان غير مؤهل لفهم أية مشورات جديدة، وعندما قرّر الرب أن يسكت ولا يجيب عن سؤال رؤساء الشعب كان يؤكد على الحقيقة التي تكلمنا عنها المرة السابقة ألا وهي: لا كلام جديد مع مَن رفض الكلام الأول، ولا فهم جديد لمشورات الله لمن رفض مشورة الله الأولى من جهة نفسه!!
كم هو مخيف ان تسكت السماء ولا تجيب على حيرة قلب الإنسان، كم هو مخيف أن يترك الله الإنسان يتخبط في جهله وظلمته لأنه رفض مشورة الله الأولى من جهة نفسه!! لا تسمح يا سيدي أن يأتي يوم أرفض فيه مشورتك من جهة نفسي، ولا تسمح أبداً أن يأتي يوم ترفض فيه أن تتكلم معي!! وللحديث بقية (يتبع)  

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (7)
فخرى كرم
«وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء» (لو23: 9)
كان هيرودس يريد من زمان طويل أن يرى يسوع لكن كبرياءه الملكي منعه من أن يذهب إليه، كان يريد أن يراه ويسمعه ويبصر آياته لأن ضميره المُثقَّل بمقتل المعمدان كان يطارده بفكرة أن يسوع ليس سوى يوحنا المعمدان وقد عاد للحياة ولذلك تُعمل به القوات (مت14: 1، 2) وعندما حانت الفرصة وأرسل بيلاطس إليه يسوع مُقيداً ومُتهماً فرح هيرودس جداً واعتبر أن الوقت قد حان لكي يستريح ضميره من عناء الشكوى ويقف على حقيقة هذا الشخص الغريب الذي سمع عنه كثيراً، ولذلك ما إن وقف أمامه يسوع حتى بادره بأسئلة وكلام كثير، ولكن كانت المفاجأة أن يسوع التزم الصمت ولم يجبه بشيء!!       
عدة أمور كانت تدفع الرب للرد على أسئلة هيرودس، أولها وجوب الخضوع للسلطة الحاكمة، فالرب يقف هنا موقف المتهم أمام الحاكم الذي يملك سلطة ادانته أو تبرئته، والمتهم في تلك الأزمنة القديمة لم يكن يملك ترف أن يختار بين أن يجيب أو لا يجيب عن أسئلة الحاكم، وثانيها الرحمة المعروفة عن ربنا والتي تدفعه للتجاوب مع نفس متعبة تحتاج أن تسمع منه ما يشبع فضولها ويبدد حيرتها، وثالثها أن يتجنب إثارة غضب الثعلب الكامن في أعماق هذا الحاكم المنفلت الأخلاق، فالرب يعلم تماماً أن بداخل هيرودس وحشاً إذا غضب سيتحول إلى النهش والإهانة بدون وازع من عقل أو ضمير، ورغم كل هذه الدوافع يفاجئنا الرب بالصمت التام!! كان سكوت سيدنا في هذا الموقف بليغاً جداً كما تعودنا منه، وإن كنا قد تعلمنا منه درس ألا نتكلم حين لا يكون للكلام فائدة ففي هذا الموقف نتعلم منه درساً آخر:
† ثانياً: لا كلام جديد مع مَن استهان بالكلام الأول!! في يوم من الأيام أرسل الله يوحنا المعمدان ووضع في فمه رسالة خاصة لهيرودس الملك الماجن، كان ملخص الرسالة أنه: لا يحلُّ أن تكون له هيروديا امرأة أخيه (لا18: 16) ولا شك انها نعمة جزيلة وامتياز عظيم أن يرسل الله رسالة إلى إنسان لكي يمنعه من الانزلاق إلى مهاوي الخطية والفساد، وأن تكون هذه الرسالة على فم نبي هو الأعظم بين المولودين من النساء فهذا يجعل النعمة مضاعفة والامتياز أعظم، لكن هيرودس لفرط ضعفه أمام شهوته قرر ألا يخضع لهذه الرسالة السماوية، ولشدة خضوعه لسلطان هيروديا امرأة أخيه فيلبس قرر أن يلقي بيوحنا في السجن لكي لا يعود يتجرأ ويتكلم معه بمثل هذه الرسالة، وفي يوم أسود من تاريخه وتحت تأثير نفس الشهوة ونفس الامرأة قرر أن يقطع رأس يوحنا المعمدان، الرأس التي اهتمت بصالح حياته الزمنية والأبدية، الرأس التي حملت له فكر الحق الإلهي وطريق البر العملي، هذه الرأس المباركة قرر هيرودس أن يمد يده الأثيمة ويقطعها، لقد مزَّق الرسالة وداسها بقدميه ثم تحوَّل ليقطع رأس الرسول لكي لا يعود يحمل له المزيد من الرسائل الإلهية!!
وتدور الأيام ويجد هيرودس نفسه أمام رب يوحنا المعمدان ومُرسله، فيسوع هو صاحب الرسالة التي أعطاها ليوحنا وأرسله أمامه ليُعدُّ له الطريق، انه بذاته جوهر الحق الذي نطق به يوحنا ورفضه هيرودس ومزَّق المتكلم به شرَّ تمزيق، والآن هيرودس يتكلم كثيراً ويحاول أن يجعل يسوع يتكلم معه، يسأله كثيراً ويُبدي شعوراً مزيفاً بأنه يريد أن يسمع منه إجابات شافية وحقائق وافية، لكن سيدي بصمته البليغ كان يقول له ولنا بصوت عالٍ كالرعد «لا كلام جديد مع مَن رفض واستهان بكلامي الأول»!!

 ألا يحمل لنا سكوت السيد درساً مهماً في أيامنا هذه؟! ألا نختبر كثيراً صمت السماء عن كلام جديد والسبب أننا لم نكن أمناء بما يكفي في الكلام الأول الذي قيل لنا؟! ولكن لهذا حديثاً آخر (يتبع)  

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (6)
فخرى كرم
«كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه» (أش53: 7)
كان سيدنا عظيماً وبليغاً في سكوته تماماً كما كان عظيماً وبليغاً في كلامه، كان نموذجاً للإنسان الكامل الذي يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، حتى استحق أن يُذكر صمته في النبوة قبل مجيئه بمئات السنين.
عندما تعرَّض أيوب لمحاكمة أصحابه واتهاماتهم لم يستطع أن يظل معتصماً بالصمت بل اندفع يتكلم لكي يبرِّر نفسه وينفي عنها الاتهام، وفي معرض دفاعه عن نفسه وجدنا الكثير من القصور بل والحماقة في الكلام، وهذا القصور وتلك الحماقة موجودة بكثرة في داخل كل واحد منا لكن ربما تحتاج إلى ظروف ضاغطة لكي تُخرجها للعلن.
ولقد تعرَّض سيدنا لمحاكمة أكبر بكثير من محاكمة أيوب ووجِّهت له اتهامات أخطر وأفظع من تلك التي وُجِّهت لأيوب لكنه مع ذلك استطاع أن يظل متمسكاً بصمته المملوء إيماناً وتسليماً لمن يقضي بعدل، أصحاب أيوب تكلموا معه بالمنطق والحجة فلم يحتمل كلماتهم أما سيدنا فقد تكلم معه الحكام بالأكاذيب والإهانات والشتائم، واستخدموا التهديد والسخرية والاستهزاء، ولجأوا للعنف والضرب والتعذيب، وانتهوا بالصلب والموت والسحق، لكن رغم كل ذلك لم تخرج من فمه كلمة لا تمجِّد الله أو تنسب له حماقة، ولقد كان هذا الصمت شديد البلاغة وعميق الدلالة، يحمل الكثير من المعاني التي ينبغي أن نتأمل فيها قليلاً:
† أولاً: لا ينبغي التكلم حين لا يكون للكلام قيمة!! قيمة الكلام أن يكون له تأثير ايجابي في نفوس سامعيه، لقد قال ربنا «ان كل كلمة بطَّالة (بلا فائدة) يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين» (مت12: 36) ويذكر الرسول بولس نفس المعنى في قوله «لا تخرج كلمة ردِّية من أفواهكم بل كل ما كان صالحاً للبنيان حسب الحاجة كي يعطي نعمة للسامعين» (أف4: 29) ولكي يكون للكلام قيمة إيجابية ينبغي أن تتوفر النية للاستفادة من الكلام (ولو في حدها الأدنى) في نفوس السامعين، كان الرب دائماً يتوجه بكلامه لمن عندهم «أذن للسمع» أي لديهم ولو الحد الأدنى من الرغبة في الاستماع والاستعداد للاستفادة من الكلام.

في أثناء محاكمة الرب بل وقبل المحاكمة بأسبوع لم يعد لقادة اليهود «أذن للسمع» ليسمعوا أقوال الرب، لقد عقدوا النية أن يقتلوه، وفي كل مرة كانوا يتكلمون معه لم يكن الهدف أن يستفيدوا من أقواله بل أن يصطادوه بكلمة لكي يشتكوا عليه، كانوا يستدرجوه لكي يتكلم ونيتهم معقودة على اتخاذ كلماته حجة ضده، أياً كان الكلام الذي سيقوله كان سيستخدم ضده، وبالتالي فأي كلمات سيقولها الرب في موقف المحاكمة لن يكون لها تأثير ايجابي في نفوس سامعيه، لذلك قرر الرب أن يصمت لكي يعلمنا درساً مهماً وهو أننا إذا استشعرنا أن كلماتنا لن تؤثر في شيء فلا داعي للنطق بها، فما قيمة كلمات تنطق بها أمام قاضٍ قرَّر بالفعل ما سيصدره من أحكام؟! وما الهدف من كلمات تقولها إذا كان المستمعون قد عقدوا العزم ألا يستفيدوا منها؟! وللحديث بقية (يتبع)