السبت، 3 أكتوبر 2015

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (1)
فخرى كرم
«هو يغيّر الأوقات والأزمنة، يعزل ملوكاً وينصّب ملوكاً» (دا2: 21)
يعلِّمنا الكتاب المقدس أن الله يقسِّم تاريخ الأفراد والشعوب إلى أوقات وأزمنة محددة ومميَّزة، فمشيئة الله في حياة الأفراد والشعوب تمر في طريق تنفيذها بعدة مراحل متعاقبة، كل مرحلة تتميز بطبيعة وسمات تختلف عن سواها من المراحل، وكل مرحلة لها أهداف تختلف عن المراحل السابقة واللاحقة، وكل مرحلة تنتهي متى حققت أهدافها لتسلم الأمور لمرحلة تالية، وكل مرحلة يكون مسئولاً عن تنفيذها قوى سماوية وأرضية تختلف عن القوى المسئولة عن تنفيذ المراحل الأخرى، فسفر دانيال يعلمنا أن الله له الحكمة والجبروت وأنه وحده له السلطان أن يغيِّر الأوقات والأزمنة، وهو يغيِّر هذه الأوقات والأزمنة بواسطة أنه يعزل ملوكاً وينصِّب ملوكاً، وهؤلاء الملوك ليسو فقط ملوك الأرض بل الملوك الموجودون في السماء أيضاً، أي القوات الروحية الملائكية والشيطانية (دا10: 12-21)!!
«ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه» (أع1: 7)
ليس لأحد من البشر القدرة ولا السلطان أن يعرف بدايات ونهايات هذه الأوقات والأزمنة، فتحديد بدايات ونهايات وأهداف هذه المراحل الزمنية هو في سلطان الآب فقط، ونتعلم هذا من إجابة الرب على سؤال التلاميذ بخصوص نهاية زمان «العبودية» بالنسبة للشعب اليهودي وبداية زمان آخر هو زمان «رد المُلك لإسرائيل» (أع1: 6) ووقتها أجابهم الرب بأنهم غير مسئولين عن معرفة بدايات ونهايات الأزمنة لكنهم مسئولون فقط عن تنفيذ المطلوب منهم في المرحلة الحاضرة وهو أن يكونوا له شهود في أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض!!
«يا مراؤون تعرفون أن تميِّزوا وجه الأرض والسماء وأما هذا الزمان فكيف لا تميزونه؟!» (لو 12: 56)
الرب لا يطالبنا بأن نعرف متى يبدأ زمان ما أو متى ينتهي لكنه في نفس الوقت يطالبنا بأن نميِّز الزمان الذي نحن فيه ونتجاوب معه، فالإنسان الذي يهتم بأن يعرف ويميز وجه الأرض والسماء ينبغي ان يهتم بمعرفة وجه الزمان الذي يعيش فيه، قال ربنا هذا الكلام لجيل يميّز أن غده سيكون مطيراً إذا رأى سُحب تطلع من المغارب (الحدود الغربية لأرض فلسطين هي البحر المتوسط) ويتوقع طقساً حاراً إذا وجد الريح تهب من الجنوب (الحدود الجنوبية لأرض فلسطين هي الصحراء العربية) بينما هذا الجيل المرائي لم يستطع أن يلاحظ سُحب النعمة المحمَّلة بالبركات التي غطت سماء إسرائيل في وقت خدمة ربنا يسوع المسيح، الذي كان يجول «يُمطر» خيراً وشفاءً لكل نفس تحتاج إليه!! وهذا الجيل الملتوي لم يعرف أن يميز الريح الساخنة الآتية من الصحراء الجرداء الموجودة في نفوس الكهنة والقادة المقاومين لخدمة ربنا المبارك، تلك الرياح التي كانت تنذر بأيام شديدة الحرارة ستحرق الأخضر واليابس في أرض إسرائيل!!

كيف يصل الغباء بالإنسان حتى أنه لا يميّز معاملات الله معه ولا يتجاوب معها، كيف نظن أننا نفهم في أحوال الطقس وقوانين الطبيعة ودهاليز السياسة وطبائع البشر..ألخ  بينما نحن لا نفهم ما يقوله الله لنا مرات كثيرة وبطرق متعددة؟! الإنسان الذي لا يميز مشيئة الله في زمانه لن يستطيع أن يتجاوب معها بالشكل الصحيح ولن ينفذها في وقتها المناسب، وبالتالي ستمر أيامه بلا جدوى وتضيع الفرص الثمينة من يديه وتنتهي حياته دون تحقيق الغرض منها!! ليتنا نتعلم يا إخوتي أن نميز زماننا قبل فوات الفرصة!! (يتبع)   

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

أحاديث من القلب

 بلاغة السكوت (15)

فخرى كرم

«ولما فتح الختم السابع حدث سكوت في السماء نحو نصف ساعة» (رؤ8: 1)
بعدما تكلمنا عن عدة حالات من السكوت البليغ في أرض الإنسان دعونا نختم هذه السلسلة بحالة سكوت أخيرة سيكون مكانها هذه المرة في السماء، عند فتح الختم السابع والأخير وقبل انسكاب ويلات الأبواق السبعة على الأرض، وهذا التوقيت في السماء يتزامن مع بداية الضيقة العظيمة بتوقيت الأرض.
السماء كان فيها عدة أصوات آن لها أن تسكت!! ولعل أول هذه الأصوات هو صوت المشتكي الذي كان يشتكي على اخوتنا نهاراً وليلاً بلا توقف، صوت مزعج احتمله الله بصبر لسنوات طويلة وبطول أناة عظيمة، صوت قبيح دأب على تشويه صورة أبناء الله أمام عرش أبيهم، صوت كان يستعدي عليهم غضب الله وسخطه، في هذه اللحظة سيسكت هذا الصوت مرة وإلى الأبد، وفي هذا السكوت قمة البلاغة لأنه يعلن فشل شكاية العدو وانهزامه أمام اكتمال خطة الله في فداء وتبرير أبنائه، وهذا السكوت يُعلن أيضاً أن المشتكي لم يعد له مكان في السماء وسيُطرح إلى الأرض، وهذا الطرح سيتزامن مع ويلات الأبواق السبعة التي ستسبب للأرض ضيقة عظيمة لم يكن مثلها منذ بدء الخليقة ولن يكون.
والسماء كان فيها صوت آخر آن له أيضاً أن يسكت، أنه صوت القديسين والشهداء الذين تألموا من الشر الموجود على الأرض ويصرخون أمام العرش طلباً للقصاص، لقد تأنى الرب كثيراً عليهم حتى تكتمل فرص النعمة التي يمنحها للأرض، ولكن مع بداية الأبواق السبعة يعلن الله أنه سيستجيب لكل صلوات ودموع وصراخ عبيده المتألمين منذ بداية الخليقة، وسيكون في غضبه المنسكب على الأرض شفاء لكل جراحهم وأنينهم، وعند رؤيتهم لعدالة الله وعقابه ستسكت أصواتهم المطالبة بالقصاص مرة وإلى الأبد!!
لكن للأسف فإن أجمل الأصوات في السماء سيسكت أيضاً!! إنه صوت الشفيع العظيم الذي لم يكف لحظة عن شفاعته فينا وفي الأرض وحتى في الأشرار، أمام شكاية العدو الدائمة كانت هناك أيضاً شفاعة دائمة، ان الأرض والسماء الموجودة حالياً محفوظة بتلك الكلمة المتشفعة، ان ربنا المبارك هو الحامل لكل الأشياء بكلمة شفاعته المقتدرة، وأمام كل محاولة للمشتكي أن يقتل ويُهلك كانت هذه الشفاعة تعطي نجاة وفرص جديدة للحياة، وأمام كل أمر بقطع الشجرة غير المثمرة كان صوت المتشفع يمنحها سنة أخرى مقبولة!!

ولكن في هذه اللحظة سيسكت هذا الصوت الجميل في السماء، سكوت بليغ يعلن كمال شفاعته ونجاح مقاصده، سيسكت بعدما نجحت شفاعته في خلاص شعبه ورفعهم للمجد وبعدما رفضت الأرض آخر فرص نعمته الممنوحة لها، سيسكت صوت شفيعنا المبارك بعدما أتم عمله بنجاح باهر وأصبح من حقه أن يستريح ويبدأ احتفاله بزفافه إلى عروسه المزينة التي اشتراها بدمه وجمعها من كل قبيلة وأمة وشعب ولسان، سيسكت أجمل الأصوات التي سمعتها السماء على الإطلاق لكن لكي يبدأ بعدها بقليل صوت الفرح والإبتهاج والتهليل الأبدي الذي لن ينتهي إلى الأبد!! إنها نصف ساعة من السكوت في السماء لكنه سكوت بليغ تقشعر من معانيه الأبدان!! (تمت)   

الاثنين، 3 أغسطس 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (14)
فخرى كرم
«لكي يستد كل فم أمامه ويصير كل العالم تحت قصاص من الله»

(رو3: 19)
«فقال له: يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس
 العرس؟! فسكت» (مت22: 12)

لعلها حالة السكوت البليغ الوحيدة في الكتاب المقدس التي لا أتمناها لنفسي ولا لقارئي العزيز!! عندما يسأل الله عن سبب عدم قبول الإنسان للنعمة المجانية فلا يجد الإنسان إجابة ولا يستطيع أن يرد ولا بكلمة واحدة!!
الإنسان بطبعه فصيح جداً في دفاعه عن نفسه ويستثمر كل طاقاته اللغوية والبلاغية والشعورية لتبرئة نفسه واكتساب رضا الناس وتعاطفهم، نحن نعرف جيداً كيف نقلب الحقائق ونلفق الأكاذيب ونخترع التفاصيل حتى نتنصل من المسئولية ونبرَّر أنفسنا من الذنب ونهرب من العقاب، حتى أن الكذب أصبح الصناعة الوحيدة التي نجيدها ونبرع فيها، نكذب على الكل: على القريب والبعيد، على العدو والصديق، بل أحياناً نكذب على أنفسنا!! نحن نفرح حين نشعر أننا كنا بارعين في الكذب على الآخرين لدرجة أننا أقنعناهم ببراءتنا واكتسبنا تعاطفهم، بل في بعض الأحيان نحن نبرع في الكذب والتمثيل لدرجة أننا نصدق أنفسنا ونتبرر في أعين ذواتنا!!
لكن ما لا يعرفه الإنسان أنه ستأتي لحظة لن يستطيع فيها أن يستخدم مهارته في المراوغة والتبرير، هناك سؤال لن يستطيع له إجابة وهناك إتهام لن يستطيع منه هروباً، وإذا أمكنه خداع الناس كلها فستأتي ساعة يقف فيها أمام مَن لا يمكن خداعه، وإذا عاش عمره كله يخادع ضميره ويقنع نفسه ببره الزائف فستأتي لحظة لن يستطيع أن يفعل هذا، ووقتها سيضطر الإنسان آسفاً -ربما لأول مرة -أن يسكت!! إنه سكوت العجز عن المراوغة والفشل في التبرير، سكوت الذهول عندما تنجلي الحقيقة في نور الإله الحق، سكوت الرعب عندما يرى أعماقه ودوافعه وأفكاره التي أخفاها عن الجميع عريانة ومكشوفة لعيني ذلك الذي معه أمرنا!!
أرسل الله الناموس للإنسان لكي يرشده إلى الطريق الصحيح للتمتع برضا الله وبركته، لكن الإنسان فشل في إلتزام هذا الطريق وحاد عنه، ولو حاكم الله الناس بحسب الناموس فلابد أن يستد كل فم أمامه ويصير كل العالم تحت قصاص من الله!! لكن في ملء الزمان تدخلت النعمة في هذا المشهد البائس وظهر بر الله بدون الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء، بر الله بالإيمان بيسوع المسيح، لقد قدم الله لنا عطية أن نصير متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، وأصبح من حق الإنسان الخاطئ أن يخلع ثياب نجاسته ويرتدي ثياب بر المسيح مجاناً، وعندئذ يصبح من حقه أن يدخل إلى الأقداس ويقف أمام الله ويحظى بكل القبول والرضا والحياة الأبدية، يالها من نعمة مجانية عظيمة!! لكن ما رأيكم فيما يستحقه الإنسان إذا رفض هذه النعمة ولم يقبل بر الله المُقدم له؟! وإذا كان الإنسان قد برَّر كسره للناموس بصعوبة الوصايا وقسوتها فبماذا يبرِّر رفضه للنعمة في لطفها ومجانيتها؟!


ولقد حكى لنا الرب هذه الحقائق ببساطة في مَثَل الملك الذي صنع عرساً لإبنه وقال لعبيده أن يذهبوا إلى مفارق الطرق ويدعوا كل من يجدوه إلى العرس، وأن يخلعوا عن المدعوين ثيابهم القذرة ويعطونهم مجاناً ثياب عرس تليق بالوجود في حضرة الملك، ولكننا نندهش عندما نجد إنساناً يقرر أن يرفض هذه الدعوة السخية ويحاول أن يدخل إلى حضرة الملك بثيابه القذرة رافضاً ثياب بر المسيح المقدمة له مجاناً!! لقد وجّه له الملك بكل وداعة السؤال الذي لا يمكن لإنسان أن يجيب عنه «يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا وليس عليك ثياب العرس»؟! وعندئذ سكت لأنه لا يمكن أن يجد الإنسان كلمات يبرر بها رفضه لنعمة الله المجانية، وللأسف إنه السكوت الأخير الذي يعلن أن فرصة التواصل مع الله قد إنتهت إلى الأبد، وإن الإنسان ماضٍ إلى أرض السكوت الأبدي!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 1 يوليو 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (13)
فخرى كرم
«جيد أن ينتظر الإنسان ويتوقع بسكوت خلاص الرب، جيد للرجل أن يحمل النير
في صباه، يجلس وحده ويسكت لأنه قد وضعه عليه» (مراثي3: 26-28)
أحياناً يكون السكوت عن الشكوى هو علامة نضج لشخصية الخادم، فكثيراً ما كانت ظروف وطبيعة الخدمة التي يضعها الرب على كاهلنا مؤلمة وصعبة، ولو استسلم الخادم للشكوى والتذمر ومقارنة نفسه بالآخرين فلن يستطيع القيام بخدمته، بل تكون الشكوى في هذه الحالة علامة على عدم نضج الخادم وعدم قدرته على تحمل المسئولية.
أكثر رجال الله تحملاً للألم بسبب خدمته كان أرميا بلا منازع، كانت حياته كلها سلسلة متصلة من الآلام، دعاه الرب للخدمة وهو بعد صبي صغير لا يزيد عن العشرين سنة، وبينما كان جميع أقرانه يستقبلون الحياة بصدر رحب وأذرع مفتوحة كان هو ينحني بكتفيه تحت نير ثقيل، نير الرسالة التي وضعها عليه الرب والتي ستضعه في مواجهة صادمة مع كل فئات المجتمع اليهودي آنذاك، كانت الرسالة التي في فمه رسالة قضاء ودينونة لكل فئات الشعب، وكانت نبواته تنذر بالخراب والسبي الوشيك، أبغضه إخوته بنو أمه وتآمروا عليه (أر12: 6) أبغضه الكهنة زملاء مهنته وطالبوا بعزله من الخدمة وعقابه (أر 20، 26) أبغضه الملوك وقادة الجيش ونكَّلوا به مرات عديدة (أر37: 15) حتى أن الفئة الوحيدة التي عاملته باحترام كانت فئة البابليين الغزاة!!
وقد واجه أرميا كل هذه الظروف المضادة بالسكوت البليغ!! كان رجلاً في تحمُّله للمسئولية، كان في كل مراحل خدمته ينتظر بصبر ويتوقع بسكوت خلاص الرب، كان قابلاً للجلوس دائماً وحده بلا شريك أو معين، أمره الرب ألا يتزوج ولا يكون له بنين أو بنات (أر16: 1) قضى حياته منبوذاً من شعبه ومات غريباً في أرض مصر على غير إرادته!!
ولو أضفنا إلى كل هذه المعاناة طبيعة أرميا النفسية لوجدنا هذه الآلام تتضاعف عدة مرات!! فطبيعة أرميا النفسية التي نفهمها من الوحي المقدس كانت طبيعة شديدة الحساسية مليئة بفيض من المشاعر الرقيقة تجاه كل افراد شعبه، كان انساناً مرهف الحس كثير البكاء، كان شخصيته أقرب للشاعر الأديب منها للمقاتل الصنديد، ولو نظرنا لسفر المراثي في لغته الأصلية لوجدناه مكتوباً بصيغة شعرية غاية في الروعة والجمال، مما يدفعنا للتساؤل: ما علاقة هذا الشاعر الرقيق بكل هذه الحروب والآلام؟!
 والإصحاح الثالث في سفر المراثي هو قصيدة شعرية كتبها أرميا عن معاناته هو الشخصية، لقد رثى في كل كتاباته جميع فئات الشعب ولكنه في هذا الإصحاح الفريد يرثي نفسه!! يسترجع في نهاية حياته التي قاربت على الثمانين ما تألم به منذ صباه، وفي هذه المرثاة الجميلة يكشف لنا أرميا عن سر سكوته طوال حياته، كيف لم يملأ الدنيا ضجيجاً وشكوى من الظلم الذي يتعرض له، وكان السر هو أنه أحب الرب ووثق في أمانته الكثيرة، قَبِل النير من يده وأراد أن يتمم مشيئته للنهاية، كان يردد دائماً في قلبه أنه من إحسانات الرب أننا لم نفن لأن مراحمه لا تزول، في كل صباح كان ينتظر مراحم جديدة لأنه يؤمن أن السيد لا يرفض إلى الأبد وأنه ولو أحزن يعود يرحم حسب كثرة رحمته!!

ليتك يا سيدي تصنع في حياتي رجلاً ناضجاً يحمل النير بصمت ويتوقع بسكوت خلاصك القريب، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 6 يونيو 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (12)
فخرى كرم
«الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون» (خر14: 14)
«بالرجوع والسكون تخلصون، بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم» (أش30: 15)
في بعض حروبنا الروحية يكون السكوت أحد الأسلحة المؤثرة في إحراز الانتصار!!
خاض موسى وهارون معركة طويلة لخلاص الشعب الإسرائيلي من تحت حكم فرعون مصر وخروجهم لأرض الموعد، ولقد شهدت هذه المعركة مراحل كثيرة ولكل مرحلة أسلحتها المستخدمة، فقد كانت هناك مرحلة الإعلان المنطوق عن إله العبرانيين الذي يأمر بإطلاق سراح الإسرائيليين ليخرجوا ويعبدوه في أرض جديدة، وفي هذه المرحلة كانت الضربات والعجائب التي أجراها الرب بأرض مصر هي السلاح المستخدم لإثبات صدق الإعلان الذي في فم موسى وهارون، وكان الهدف من هذه المرحلة أن يستجيب فرعون لأمر الرب ويخضع ويطلق الشعب، لكن الانتصار لم يُحسم في هذه المرحلة لأن فرعون اختار أن يعصى أمر الرب ويتمرد على سلطانه.
 وهنا انتقلت الحرب إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة التأديب والترويض لكبرياء فرعون وقادته وجنوده، فإذا كانت الضربات التسعة الأولى هدفها تأكيد الإعلان الذي في فم موسى إلا أن الضربة العاشرة شهدت نقلة نوعية حيث كانت تهدف إلى تأديب فرعون على ما فعله ببني إسرائيل في عبوديته القاسية، الضربات التسعة أظهرت سلطان الرب على الطبيعة المحيطة بفرعون أما الضربة العاشرة فأظهرت سلطان الرب على بيت فرعون وحياته وحياة أسرته، الضربات التسعة كانت قابلة للرفع إذا تجاوب فرعون معها لكن الضربة العاشرة كانت قاصمة غير قابلة للرفع!!
وبعد أن سمح فرعون تحت تأثير الضربة العاشرة بخروج الشعب، وبعد أن اعتقد موسى وشعبه أن الحرب قد انتهت، فوجئ الجميع أن الحرب مازالت في أوجها!! وجد الشعب نفسه محصوراً بين البحر من ناحية وجيش فرعون من الناحية الأخرى، لقد سمح الرب لفرعون أن يتمرد مرة أخرى على سلطان الله وإرادته ويراهن في هذه المرة على قوته العسكرية في مواجهة قوات رب الجنود، كان الرب يريد أن ينقل الحرب مع فرعون إلى مرحلة أخيرة هي مرحلة العقاب الشامل والنهائي، مرحلة يعرف فيها فرعون معنى الغرق في أعماق البحر مثلما فعل بأبناء الإسرائيليين، فالعقاب يكون غالباً من نفس جنس العمل!!
في كل هذه المراحل كان الدور الوحيد المطلوب من الشعب لإحراز الانتصار هو «الصمت»!! كان دور الرب أن يقاتل عنهم وكان دورهم أن يصمتوا!! الصمت الإيجابي الذي يعطي للرب فرصته الكاملة لإظهار قوته وبره في مواجهة قسوة وشر فرعون، الصمت المعبِّر عن التواضع والاعتراف بأن الحرب أكبر منهم ومن قدرتهم على الفهم، الصمت المملوء بالإيمان بكفاية الرب على حسم المعركة لصالحهم، ولا شك أن صمتهم كان سيجعل الحرب أكثر سهولة على موسى وهرون، صمتهم كان سيمنح موسى صفاء الذهن وسكون النفس الذي يجعله أكثر قدرة على التركيز والاستماع للرب ومعرفة مشيئته.

لكن يبدو أن السكوت أمراً في منتهى الصعوبة على الإنسان!! لقد أبى الشعب إلا أن يملأ الدنيا ضجيجاً وشكوى، وفي كل مراحل الحرب كان على موسى أن يواجه بمفرده شر فرعون من ناحية وتذمر الشعب من الناحية الأخرى، لقد أحاطوا ذهن موسى بأسئلة لا إجابات لها ووضعوا في طريقه عراقيل لا يملك لها حلاً، بعدم صمتهم وضعوا على كاهله حملاً ثقيلاً تنوء تحته الجبال، وللحديث بقية (يتبع)   

السبت، 2 مايو 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (11)
فخرى كرم
«يسكت في محبته» (صف3: 17)
«احسبوا أناة ربنا خلاصاً» (1بط3: 15)
يدهشني جداً سكوت السيد عن توجيه أي لوم أو عتاب أو تحذير ليهوذا الأسخريوطي طوال فترة وجوده ضمن دائرة التلاميذ لمدة ثلاث سنوات، لقد اختاره السيد ضمن التلاميذ وهو يعلم أنه «شيطان» اي «مُقاوِم» و«مُشتكي»، كان في الظاهر يتبع الرب في الطريق مع بقية التلاميذ لكنه في الحقيقة كان مقاوماً لهذا الطريق ومُشتكياً عليه ومعرقلاً للسائرين فيه، فهناك دائماً اسلوبان لمقاومة أي طريق: (1) الأسلوب الظاهر وهو أن تظل خارج هذا الطريق وتقاومه علانية وتنتقده بوضوح، أما (2) الأسلوب الخفي الأشد خطراً فهو أن تنضم ظاهرياً للسائرين في هذا الطريق لكي تظل بينهم بوقاً للشكوى ومصدراً للإنزعاج ومثيراً للخصومات!!
كان الرب يعلم أن يهوذا يأخذ الأموال التي توضع في الصندوق ومع ذلك لم نسمعه يلومه أو يفضح سلوكه أمام التلاميذ، كان الهدف من الأموال التي تُوضع في الصندوق هو أن تسدد احتياجات التلاميذ المادية وبالتالي تجعل اتباعهم للرب أكثر سهولة، وعندما كان يهوذا يأخذ هذه الأموال لم يكن يقصد فقط مجرد السرقة لكنه في الحقيقة كان يقصد أن يجعل حياة التلاميذ أكثر صعوبة ويضع العراقيل أمام متابعة سيرهم مع الرب!!
لقد انتقد الرب بطرس في أكثر من مناسبة ووجَّه له اللوم علانية لكنه أبداً لم يفعل هذا مع يهوذا، لقد واجه السيد كل خيانة يهوذا والسرقات التي كان يرتكبها بسكوت بليغ!! كانت طبيعة بطرس هي طبيعة التلميذ الذي يحب سيده ويرغب في اتباعه، ومثل هذا التلميذ إذا وجَّه إليه سيده اللوم فإنه يتقبله بصدر رحب ويتعلم من أخطائه، ولهذا لم يخشَ السيد من توجيه اللوم لبطرس أكثر من مرة عالماً أنه سيقبله ويستفيد منه، أما يهوذا فلم تكن طبيعته هي طبيعة التلميذ بل طبيعة اللص التي تنفر من النور وتهرب من اللوم، السيد يعلم أن طبيعة السارق والخائن هي الخوف والجُبن والاختباء في الظلام، رأس مال اللص هو أن يظل مختفياً عن الأنظار لا يراه أحد أما إذا شعر بأن هناك من يراه فإنه فوراً يلوذ بالهرب، كان السيد يعلم أن أي لوم سيوجهه ليهوذا سيكون بمثابة النهاية لوجوده بين التلاميذ، السيد يعلم أن يهوذا سيلوذ بالفرار مع أول إشارة تكشف خيانته، ولأن السيد كان يحب يهوذا ويريده أن يبقى أطول فترة ممكنة داخل دائرة النعمة قرر أن يسكت في محبته!! سكت السيد عن اللوم لكي يمنح يهوذا فرصة النعمة كاملة لعله يستغلها ويتوب.
وعندما يسكت الرب في محبته عن توجيه اللوم لنا فهذا يحمِّلنا مسئولية أن نحسب أناته خلاصاً ونستغل الفرصة ونتوب ونتغيَّر، لكن للأسف لم يحسب يهوذا أناة ربنا خلاصاً، لم يحسب أن الرب يسكت في محبته بل اعتقد أن الرب يسكت لأنه يجهل خيانته، لقد اعتقد يهوذا أنه استطاع خداع يسوع والتلاميذ فاستمر في خيانته إلى النهاية، وعندما وجَّه إليه الرب اللوم في بستان جثسيماني كانت هذه هي المرة الأولي ولكنها أيضاً كانت المرة الأخيرة!! كان الوقت قد فات وفرصة النعمة قد إنتهت!!

اعطني يا سيدي أن أحسب أناتك وسكوتك عن أخطائي خلاصاً وفرصة أقتنصها للتوبة والنجاة، ولا تسمح أبداً أن أحسب سكوتك فرصة لاستمراء الخطأ والاستمرار فيه، وللحديث بقية (يتبع)