الثلاثاء، 5 أبريل 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (7)
فخرى كرم
«كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا عليَّ
الأيادي ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة»(لو22: 53)
كان يسوع يعرف أن لكل شيء في حياته وقت، وأن لكل عمل ساعة محددة في مشيئة الآب، ومعرفته هذه جعلته يعمل كل أموره «للوقت» بحسب التعبير الشائع في الأناجيل، أي في الوقت المناسب والمتوافق مع توقيت الآب، ومعرفته هذه جعلته يمسك بزمام الأمور ويتحكم في الأحداث ويتصرف بالفعل وليس رد الفعل!!
عدم معرفتنا بالأوقات والأزمنة يجعلنا غير قادرين على توقع الأحداث وبالتالي غير قادرين على التحكم في ردود أفعالنا، مما يجعلنا دائماً في حالة «مفاجأة» وانزعاج مما يحدث حولنا، وهذه الحالة تفقدنا القدرة على التحكم في مجريات الأحداث بل نصير محمولين بها إلى حيث لا نريد، وفي هذه الأوقات نحن نتصرف برد الفعل وليس بالفعل!!
 والدليل الأكبر على هذه الحقيقة هو اجتياز ربنا لأحداث الصليب، إن أي إنسان عادي يتعرض لنفس ما تعرض له يسوع من غدر وخيانة وظلم في الساعات القليلة التي تسبق الصليب لابد أن يفقد اتزانه النفسي ويصاب بالانهيار العصبي والذهني، لابد أن تصدر منه تصرفات غير محسوبة وردود أفعال طائشة، لكن ما أعجب ما رأينا من الرب في تلك الساعات، رأيناه رابط الجأش يتحكم في مجرى الأحداث، يتصرف بثقة وثبات جعلت أعداءه يسقطون أمامه، رأيناه مرفوع الرأس في مواجهة حسد وخبث رؤساء الكهنة وظلم وقسوة الملوك وعربدة العسكر والعبيد، رأيناه يغمس اللقمة ويقدمها بحب للتلميذ الذي يسلِّمه، ورأيناه يلتفت وينظر برحمة شديدة للتلميذ الذي ينكره، رأيناه يحتوي كل أعدائه بغفرانه وهم يعلقونه على الصليب، لم يصدر منه تصرف واحد غير محسوب، لم تخرج من فمه كلمة واحدة طائشة، في كل أحداث الصليب كان يسوع فاعلاً وليس مفعولاً به، كان يضع نفسه من تلقاء ذاته ولم يستطع أحد أن يأخذها منه عنوة!!
 ما هو سر ثبات الرب في وسط أحداث الصليب الرهيبة؟ السر هو معرفة الرب بالأوقات والأزمنة!! لقد عرف يسوع أن الآب قد أعطاه وقتاً للتعليم والخدمة وسط الشعب، وفي هذا الوقت لم يستطع أحد أن يلقي عليه الأيدي، رغم أنه كان يعلِّم في مجامعهم كل يوم ورغم أن عداوتهم له كان متوفرة كل يوم لكن «ساعته» لم تكن قد أتت بعد، ولكن لما أتت ساعة الصليب عرف يسوع أن الآب قد حدد «ساعة» يعطي فيها للإنسان حرية التصرف والرد على محبة الآب التي ظهرت في يسوع المسيح، بعد ثلاث سنوات قدم فيها يسوع للإنسان كل المحبة والرعاية والخدمة كان لابد أن يُعطى الإنسان «ساعة» يعبِّر فيها عن رد فعله تجاه يسوع، أن يعطوه أجرة خدمته لهم (زك11: 12) وكانت هذه الأجرة هي «الصليب»!!
كانت هذه الساعة في الأساس «ساعتهم» أي ساعة الإنسان، ولكن لأن الإنسان أسلم نفسه للشيطان أصبحت أيضاً ساعة لسلطان الظلمة، ومعرفة يسوع لهذه الساعة جعلته يستعد جيداً لها وبالتالي استطاع أن يواجهها بثبات، معرفته بأن هذه الساعة هي في صميم مشيئة الآب جعلته يقبلها برضا وخضوع، لم يُفاجأ يسوع بالأحداث التي تجري حوله بل كان يتوقعها لذلك استطاع أن يجتازها بسلام بل ويتمم مشيئة الآب فيها!!

ليت الرب يفتح عيوننا على طبيعة الأوقات والأزمنة التي نجتازها في حياتنا الخاصة وفي بلادنا لكي نستطيع أن نجتازها بثبات بدون اضطراب ونتمم مشيئة الله فيها، وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 2 مارس 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (6)
فخرى كرم
«صنع الكل حسناً في وقته» (جا3: 11)
يفرد حكيم الأجيال جزءاً كبيراً من سفر الجامعة للحديث عن قيمة الوقت وأهمية الزمن، وعن ضرورة تمييزنا للأوقات والأزمنة، وكيف أن الله وضع لكل شيء زماناً ولكل أمر تحت السماء وقتاً، وإذا صنعنا كل أعمالنا في وقتها الصحيح سنختبر كيف أن الكل حسن في وقته.
قد يكون العمل في حد ذاته صحيحاً لكن إذا حاولنا أن نعمله في غير وقته لن نحصد النتائج المرجوة، لا يكفي أن يكون العمل صحيحاً بل ينبغي أن يكون توقيته أيضاً صحيحاً، وكم من أعمال مشروعة عملناها ولم نشعر بأنها حسنة لأننا لم نعملها في وقتها الذي عيّنه الله!!
 ما يؤكد هذه الحقيقة هو أن ربنا له المجد عاشها في حياته على الأرض، كان يفعل كل شيء «للوقت»، بمعنى أنه كان يفعل كل أعماله في وقتها الصحيح بحسب رأي الآب، لم يكن يفعل أي شيء في أي وقت بل كل ما يرى الآب يفعل فهذا يفعله أيضاً، كانت كل أعماله متوافقة في توقيتها مع ما يعمله الآب.
«لم تأتِ ساعتي بعد» (يو2: 4)
في أول معجزة صنعها يسوع في عرس قانا الجليل نرى هذا الحق جلياً، عندما فرغ الخمر من العرس وقالت المطوَّبة مريم ليسوع «ليس عندهم خمر» أجابها يسوع «مالي ولك يا امرأة، لم تأتِ ساعتي بعد»!! فيسوع لا يتحرك للعمل مدفوعاً بالظروف الخارجية ولا بطلب أحبائه بل فقط بمشيئة الآب، وما يحدد توقيت العمل بالنسبة له ليس هو الاحتياج الموجود ومدى إلحاحه بل فقط توقيت الآب، وقد يكون توقيت الآب ليس بعيداً جداً بل بعد دقائق معدودة ولكنه في النهاية التوقيت الصحيح!!
نحن دائماً نقيس الأمور بتوقيتنا الخاص ونريد كل شيء بسرعة ولذلك كثيراً ما نعتقد أن الله يتأخر في الاستجابة، لكن الحقيقة التي ينبغي أن نؤمن بها هي أن الله لا يتأخر أبداً بل هو يفعل كل شيء في توقيته الصحيح، لكن المشكلة هي أننا دائماً متعجلون جداً!!
«ان وقتي لم يحضر بعد» (يو7: 6)
في عيد المظال الأخير في حياة ربنا على الأرض طلب منه اخوته أن يصعد معهم إلى أورشليم لكي يُظهر نفسه لتلاميذه هناك، ولكن الرب أجابهم بأن يصعدوا هم للعيد لأن وقتهم في كل حين حاضر أما وقته هو فلم يحضر بعد!! الإنسان العادي يشعر أن وقته ملكه، يستطيع أن يفعل به ما يشاء، يستطيع أن يفعل أي شيء في أي وقت، أما انسان الله فيدرك أن وقته ملك لله، لا يستطيع أن يتصرف فيه إلا بحسب مشيئة الله!! يستطيع اخوة الرب أن يصعدوا إلى العيد في أي وقت يشاؤون أما يسوع فلا يصعد إلا في توقيت الآب، حتى ولو كان توقيت الآب بعد توقيتهم بساعات قليلة!!
كان عرس قانا الجليل في بداية خدمة ربنا العلانية على الأرض وكان صعوده إلى عيد المظال في نهاية هذه الخدمة المباركة، من البداية إلى النهاية ظل سيدنا أميناً لتوقيت الآب ومشيئته، لم تفلح ضغوط الأعداء ولا طلبات الأصدقاء أن تجعله يسير حسب توقيتات البشر، لقد عرف سيدنا قيمة أن يفعل كل شيء في توقيته الصحيح، ففعل كل شيء حسناً في وقته!!

 ليتك تعلمنا يا سيدي أن نقتدي بك في خضوعك لتوقيت الآب ومشيئته!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 3 فبراير 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (5)

فخرى كرم

«كُن مُراضياً لخصمك سريعاً ما دمت معه في الطريق» (مت5: 25)
عندما يقول الرب «سريعاً» فهو يلفت انتباهنا لأهمية الوقت وخطورة الزمن، كان الرب يتكلم في هذا الجزء من موعظة الجبل عن الخطأ في حق الأخوة، وكيف أن الله لن يقبل ذبيحتنا قبل أن نصطلح معهم، فلا يمكننا أن نستتر وراء علاقة ظاهرية مع الله لنُخفي علاقات مكسورة مع البشر، وهذا الصُلح مع الآخرين ينبغي أن يكون سريعاً بدون تسويف، حتى أن الرب يقول أن الذبيحة من الممكن أن تُؤجل بينما الصُلح لا يمكن أن يُؤجل!!
ويواصل الرب كلامه ليشرح لنا سبب الاسراع في طلب الصلح مع الأخ الذي أخطأت في حقه، والسبب هو أن هناك وقتاً لطلب الغفران ينبغي ألا يضيع من بين أيدينا، لأنه إذا انتهى هذا الوقت تنتهي معه فرصة الغفران، وبانتهاء وقت الغفران يبدأ وقت آخر هو وقت القضاء والتأديب!! وغني عن البيان أننا نتكلم هنا عن الغفران الزمني وليس الغفران الأبدي الذي حصلنا عليه بدم المسيح.
إن لكل شيء تحت السماء وقت، ويُخطئ كثيراً مَن يظن أن الوقت يمر بعشوائية أو أن الأيام كلها تتشابه، ويُخطئ كثيراً مَن يعتقد أن ما ينبغي أن يفعله اليوم يمكنه أن يفعله غداً أو بعد غد، لقد حدَّد الله وقتاً لكل شيء تحت السماء، وهذه الأوقات تتغيَّر وتتبدل بسلطان الله المطلق، وبحسب كلمات الرب فان الخطأ في حق الأخوة قد يمر بثلاثة مراحل مختلفة، ولكل مرحلة مداها الزمني والقوى الروحية المسئولة عنها.
المرحلة الأولى هي مرحلة طلب الغفران، وفي هذه المرحلة نحن نتعامل مع الأخوة الذين أخطأنا في حقهم، ويتعامل معنا روح الله بالتبكيت والحث على الاتضاع وطلب الغفران، ولكن لو مضت هذه المرحلة دون أن أصطلح مع أخي تبدأ عندئذ مرحلة أخرى هي مرحلة القضاء الإلهي، ومرحلة القضاء هذه تختلف تماماً عن المرحلة السابقة، في هذه المرحلة أتقابل مع قضاء الله وعدله وليس مع أناته وغفرانه، وإذا أصدر الله قضاءه عليَّ يسلمني إلى مرحلة أخرى هي مرحلة الوقوع تحت التأديب، وفي هذه المرحلة نحن لا نتعامل مع الأخوة ولا مع الله القاضي بل مع ما يسميه الرب «الشرطي» أي القوات الروحية المسئولة عن تنفيذ قضاء الله في العالم، وهذه المرحلة لا يمكن الهروب منها إلا بعد أن يتم عدل الله وحقه حتى الفلس الأخير!!
ان الرب هنا يكرر نفس حقيقة «سنة الرب المقبولة» و«يوم الإنتقام لإلهنا» ولكن على صعيد العلاقة الفردية مع الأخوة، فكما أن هناك زمن للنعمة يعقبه وقت للدينونة هكذا الأمر بشكل مصغَّر في علاقتنا بعضنا مع بعض، هناك وقت يطالبنا الرب فيه بأن نحب بعضنا بعضاً ونتواضع بعضنا لبعض، ولكن اذا لم  نسلك هكذا فلابد أن نحصد ثماراً مُرَّة!!

يؤسفنا أن نقول أن كثيرين من الأخوة يعانون من التأديب بسبب ضياع الفرص والاستهانة بمرور الوقت، أخطأوا ولم يسرعوا بطلب الغفران من أخوتهم وظنوا أن الرب لا يراقب ولا يقضي، وبدلاً من أن يشبعوا كل يوم بالاستيقاظ على شبه الرب تفزعهم هيئة «الشرطي» المتجهم ليلاً ونهاراً!! ليت الرب يعطينا ادراكاً لقيمة الوقت وخطورة مرور الزمن، وليته يملأنا محبة وتواضعاً لجميع الأخوة، وللحديث بقية (يتبع) 

الخميس، 31 ديسمبر 2015

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (4)
فخرى كرم
«ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه» (غل4:4)
دعوة الله للإنسان مُمثلاً في شعبه القديم هي دعوة للتمتع بميراث سماوي كامل، ولكن بسبب أن ادراك الإنسان للأمور السماوية كان ادراكاً قاصراً قرر الله أن يضع الشعب القديم تحت أوصياء ووكلاء إلى الوقت المؤجل منه، قرر الرب أن تمر دعوته للإنسان في مرحلتين رئيسيتين، المرحلة الأولى وهي مرحلة الناموس ومرحلة أخيرة وهي مرحلة النعمة، ولقد عيّن الله وقتاً محدداً لكل مرحلة لا يمكن تخطيه.
في المرحلة الأولى قرر الرب أن يضع الإنسان تحت وصاية الناموس ليكون مؤدباً للإنسان إلى المسيح (غل3: 23، 24) كان هدف الناموس هو زيادة وعي الإنسان وادراكه للأمور الروحية السماوية، كان يتعامل مع الإنسان بمنطق الأمور المادية التي يسميها الرسول «أركان العالم» لكي يصل بالإنسان للأمور غير المادية المُذخرة له في ميراثه الكامل، كان الناموس بطقوس القداسة الجسدية يهدف لقيادة الإنسان لمعرفة أن الله قدوس لا يقبل الخطية، تمهيداً للإنسان لكي يطلب قداسة روحية أكثر عمقاً من قداسة الطقوس الخارجية، القداسة الحقيقية التي أتى بها يسوع من خلال سكنى الروح القدس.
كان الناموس من خلال مجموعة ضخمة من الوصايا والتشريعات يحاول أن يُنمِّي داخل الإنسان ضرورة السلوك بالبر أمام الله، ورغم أن وصايا الناموس وفرائضه لا تصنع براً حقيقياً كاملاً إلا أن المقصود منها أن تدفع الإنسان إلى طلب البر الحقيقي الذي سيأتي به المسيح.
وكان كل يوم يمر في تاريخ الشعب القديم يقتطع من الفترة الزمنية المحددة من الله لاكتمال زمن الناموس، كان الزمن محدداً أمام الله حتى أن النبوات أشارت إلى زمن مجيء المسيا بدقة شديدة، وفي (غل4:4) يشبِّه الرسول زمان الناموس بإناء فارغ تتساقط فيه حبات رمل بشكل منتظم، كل يوم يمر تضاف حبة رمل للإناء، ورغم أن حبة الرمل الواحدة قد تبدو للعيان تافهة وبلا قيمة إلا أن انتظام تساقط حبات الرمل يؤدي لامتلاء الإناء، كل يوم يمر كان يقترب بنهاية زمن الناموس وبداية زمن النعمة، إلى أن جاء يوم امتلأ الأناء بآخر حبة رمل، لم يعد الإناء قادراً على استيعاب المزيد!! 
كانت حبة رمل عادية مثل أي حبة أخرى لكنها كانت الأخيرة، كان يوم مجيء يسوع يوماً عادياً مثل أي يوم آخر قضاه الشعب تحت وصاية الناموس، لكنه بحسب توقيت الله كان اليوم الأخير في زمن الناموس، كان هذا اليوم هو «ملء الزمان»!! لقد «امتلأ» زمن الناموس ولا يمكن اضافة يوم واحد إليه!! لن يقبل الله من الإنسان ولو ليوم واحد آخر الاستمرار تحت قداسة الناموس الطقسية وبره الظاهري، لن يقبل الله مرة أخرى دم تيوس وعجول بعدما أتى يسوع ليدخل بدم نفسه إلى الأقداس الحقيقية ويجد لنا فداءً أبدياً، لن يتسامح الله ولا ليوم واحد آخر مع تنقية خارج الصحفة والكأس بينما الداخل ممتلئ اختطاف ودعارة، لن يقبل الله ولا ليوم واحد آخر منهج تصفية البعوضة وابتلاع الجمل!!

وتبقى المأساة الحقيقية أن الإنسان لا يميِّز الأوقات والأزمنة، لقد ظن قضاة الشعب ورؤساؤه أن زمن الناموس مستمر لا يمكن أن ينتهي، وانتظروا مسيحاً يأتي ليخضع معهم لنفس منهاج الناموس القديم، لم يتوقعوا قط أن يغيِّر الله الأوقات والأزمنة، ولقد بذلوا جهوداً مستميتة واستخدموا كل الطرق الشرعية وغير الشرعية لإبقاء تعاليمهم الطقسية ثابتة أمام تعاليم المسيح الروحية لكن هيهات!! لقد امتلأ الزمان وانتهى عصر الناموس ولا يمكن أن ترجع عقارب الساعة للوراء!! وللحديث بقية (يتبع) 

الاثنين، 7 ديسمبر 2015

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (3)
فخرى كرم
«روح السيد الرب عليَّ لأن الرب مسحني... لأنادي بسنة
 مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا» (أش61: 1، 2)
احدى النبوات الرائعة التي تنبأ بها اشعياء عن ربنا المعبود من قبل مجيئه للأرض بمئات السنين، يتنبأ فيها عن أن الروح القدس سيمسح يسوع للخدمة وسط شعبه، وهذه الخدمة ستنقسم إلى مرحلتين زمنيتين، المرحلة الأولى يُرمز إليها بـ «سنة» أي أنها مرحلة زمنية طويلة وممتدة وتشمل أقسام وفصول مختلفة، انها «سنة الرب المقبولة» وهي تشير إلى زمن النعمة الذي بدأ بالمجيء الأول لربنا إلى العالم، وهذه المرحلة تتميز بأن الله «يقبل» فيها الإنسان مهما كانت حالته منحطة ومزرية، في هذه المرحلة يتنبأ اشعياء أن الرب سيبشِّر المساكين ويعصب منكسري القلوب وينادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق.
أما المرحلة الثانية فيُرمز لها بـ «يوم» أي أنها مرحلة قصيرة وليست ممتدة، انها «يوم انتقام لإلهنا» وهي تشير إلى وقت الدينونة الذي سيبدأ بالمجيء الثاني لربنا المبارك، انه الوقت الذي سينتقم فيه الرب من الأشرار الذين أساءوا إلى شعبه وأذاقوهم مرارة الحزن والعبودية، ولأن الرب ليس فقط مُنعم ومُخلِّص لكنه أيضاً محب للعدل ويبغض المختلس بالظلم فلابد أن يكون هناك وقت للانتقام من الشر، والغريب أن نفس الشخص الممسوح ليكرز بسنة النعمة هو نفسه الممسوح لتتميم يوم الإنتقام، انه ربنا يسوع المسيح له كل المجد، ولأن اشعياء يرى الأحداث بمنظور نبوي نجده يتكلم عن هاتين المرحلتين كما لو أنهما متقاربتين رغم أن الفرق بينهما زمنياً مئات السنين!!
ومرت السنين وأتى ربنا في مجيئه الأول وعاش وسط شعبه المُذل والمُهان، وعندما أكمل الثلاثين من عمره ذهب للمعمودية من يوحنا لكي يُكمل كل بر، وهناك انسكب عليه روح السيد الرب ومسحه للخدمة، وكانت هذه هي بداءة تتميم نبوة اشعياء في شقها الأول، مرحلة زمن النعمة الذي يفتح الله فيها أحضانه للإنسان المُعذَّب ليجد الراحة والسلام، وعندما جاء ربنا إلى الناصرة حيث كان قد تربَّى ودخل المجمع وقم ليقرأ دُفع إليه سفر اشعياء النبي، وبقيادة إلهية فتح السفر فوجد الموضع الذي كان مكتوباً فيه هذه النبوة العظيمة، وقرأ ربنا بحكمة شديدة أقوال النبوة حتى «سنة الرب المقبولة» ولم يُكمل الجملة المكتوب فيها «يوم انتقام لإلهنا»، ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس.
كان ربنا يعرف معنى الأوقات والأزمنة ويعرف كيف يميِّز بينها، كان يعرف أنه في مجيئه الأول سيكرز بسنة الرب المقبولة فقط، وسيسلِّم للكنيسة مهمة هذه الكرازة بعد صعوده للسماء، وأن هذه «السنة» ستمتد لفترات طويلة وستمر بمراحل كثيرة لكل مرحلة سماتها المختلفة، ولذلك لم يقرأ «يوم انتقام لإلهنا» لأن هذا الانتقام مؤجل حتى موعد مجيئه الثاني إلى الأرض، عندما يرجع ليس كالمخلص المُنعم بل كديان الأرض كلها!!

اننا مازلنا في مرحلة «سنة الرب المقبولة» وإن كنا نقترب بشدة من نهايتها الوشيكة، ليتنا نعرف كيف نميز زمن افتقادنا ونتعلق بنعمة الرب التي مازلت تفتح أحضانها للإنسان، قبل فوات الوقت وضياع الفرص وتغيُّر الزمان، حين لا يبقى أمام الإنسان سوى مواجهة انتقام الله المخيف!! وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

عظات مختارة للأخ : فخرى كرم . روابط مباشرة .

الرابط التالى مرفوع عليه 14 عظة صوتية مختارة للأخ : فخرى كرم . بروابط مباشرة .
https://archive.org/details/yousefsaad2003_gmail_201511



الرابط التالى مرفوع عليه  44 عظة صوتية مختارة للأخ : فخرى كرم . بروابط مباشرة .
https://archive.org/details/yousefsaad2003_gmail_20151130