السبت، 5 نوفمبر 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (14)
بقلم : فخرى كرم
«فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب» (أع3: 19)
كان الشعب اليهودي يعيش في أزمنة ضيق من كل الجهات، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وفي كلمات بطرس في الهيكل بعد اقامة مُقعد الباب الجميل يقدم الروح القدس روشتة للخلاص من الضيق ومجيء «أوقات الفرج» وهذه الروشتة ببساطة هي التوبة والرجوع للرب.
مشيئة الله للإنسان منذ بدء الخليقة هي أن يعيش في رحب وبركة، كانت هذه المشيئة مُعلنة في خلق الجنة بكل ما فيها من سعة وشبع، لكن بدخول الخطية إلى قلب الإنسان والانفصال عن الله خرج الإنسان من الجنة إلى عالم الضيق والألم، ولا يظن أحد أن الضيق مصدره الظروف الخارجية المحيطة بالإنسان، كلا، لقد شعر قايين بالضيق الشديد من أخيه وقتله رغم أن ظروفه كانت متيسرة والأرض ممتدة برحب أمامه، ان ضيق الإنسان موجود بداخله وليس خارجه، ومصدر آلامه هو عالمه الداخلي وليس العالم الخارجي!!
عندما خلق الله الإنسان خلقه كائناً محدوداً وليس مطلقاً، له سعة محدودة لا يتسع لأكثر منها، وله قوة محدودة لا يستطيع أن يتجاوزها، وله ذكاء ومعرفة محدودة لا يمكنه الارتقاء فوقها، وله أيام معدودة لا يستطيع أن يعيش بعدها، وطالما عاش الانسان في هذه الحدود المخلوق عليها شعر بالرضا والشبع، أبسط القوت والكسوة يعطيه الاحساس بالملء والشبع، وإذا استخدم قوته المحدودة الاستخدام الأمثل شعر بالرضا والقيمة، وإذا أدرك محدودية معرفته مهما اتسعت استطاع بسهولة أن يسلِّم لمعرفة الله غير المحدودة ويختبر راحة التسليم والإيمان، وإذا فهم احصاء أيامه كم هي زائلة اكتسب قلب حكمة يستطيع أن يتعامل مع متغيرات الأيام بإيجابية وصبر.
لكن إبليس ألقى في قلب الإنسان جوهر الخطية وهو: أن في إمكان الإنسان أن يصير كالله غير محدود، وعندما قبل الإنسان هذا المنطق الخاطئ صارت الجنة بالنسبة له ضيقة جداً!! شعر أن كل شجر الجنة غير كافي لإشباع جوعه وأنه في حاجة ماسة للشجرة الواحدة المنهي عنها!! لقد شعر آدم بالضيق في داخله وليس خارجه، شعر في قلبه بالحرمان رغم آلاف الأشجار المحيطة به!! أصبح الإنسان المحدود يريد أن يضع في جوفه كل الأمور بلا حدود، تماماً مثل الطفل الذي يريد بسذاجة متناهية واصرار لا يلين أن يضع البحر في جردله البلاستيك الصغير!! يريد أن يتمتع بقوة تفوقه قوته الحقيقية ويشعر بالضيق إذا وجد قوته تخونه، يعتقد أنه يعرف الكثير ويضيق جداً عندما يكتشف أنه يجهل أكثر مما يعرف، يريد أن يملأ معدته بأطعمة تفوق احتياجه ويشعر بالضيق عندما يمرض جسده وينهار، يشتاق أن يظل حياً ممتد الأيام ويشعر بضيق شديد إذا وجد الضعف يزحف إليه منذراً بنهاية وشيكة!!
كيف إذاً يتخلص الإنسان من أزمنة الضيق وتأتيه أوقات الرحب والفرج؟ الإجابة هي أن نتوب عن جوهر الخطية هذا ونرجع إلى الرب ونقبل الوضع الذي خلقنا عليه ونسعى لتتميم مشيئته في حياتنا، الله لا يعدنا في الوقت الحاضر بأوقات فرج تتحسن فيه الظروف الخارجية وتنعم فيه شعوبنا بالخصب والرخاء لكنه بالحرى يعدنا بالفرج الداخلي والإحساس بالرضا والشبع العميق إذا قدمنا توبة عن رغباتنا المحمومة وشهوات العالم التي لا تشبع ورجعنا إلى الله وقبلنا مشيئته لحياتنا ببساطة الإيمان والتسليم.
ولكن كلمات الوحي على فم بطرس تحمل أيضاً بُعداً نبوياً عن أوقات الفرج المُصاحبة لمجيء الرب الثاني، ولكننا نفرد لهذا حديثاً آخر (يتبع)     


السبت، 1 أكتوبر 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (13)
بقلم : فخرى كرم
«ولكن اعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة» (2تي3: 1)
إذا كان عاموس النبي تكلم عن «زمن ردئ» يسبق السبي البابلي فالرسول هنا يكلمنا عن «أزمنة صعبة» تسبق مجيء الرب الثاني، ولو تأملنا صفات هذه الأزمنة سنجد أنها تتحقق كلها في أيامنا الحاضرة:
فالناس اليوم أصبحوا يحبون أنفسهم بشكل فج وصريح، لا وجود لقيم مثل الإيثار أو البذل أو التضحية لأجل الآخرين، هذه القيم التي سمعنا عنها قديماً ولكنها فيما يبدو تنقرض أمام مد الأنانية الزاحف على المجتمع، ولأن الجميع يبحثون عن مصلحتهم الذاتية أصبح الجميع بالضرورة محبين للمال، لأن المال هو الوسيلة لتحقيق شهوات الناس واشباع أنانيتهم، وفي السباق المحموم نحو المال يصبح الانسان بالضرورة بلا حنو، فلا مجال لمشاعر الحنو والرفق تجاه المنافسين على لقمة العيش، بل يفقد الناس تدرجياً انسانيتهم ويصبحون شرسين وخائنين ومقتحمين، وإذا لم يحصلوا على ما يرضيهم تجدهم مجدفين يشتمون الناس والظروف التي تعاندهم ويتمردون على والديهم وعلى كل القوانين، وفي المقابل اذا استطاعوا أن يحصلوا على ما يريدون تجدهم يتعظمون على الآخرين ويستكبرون ويتصلفون معتدِّين بأنفسهم، لا يقدمون الشكر لمن ساعدهم بل ينسون الاحسان وينكرون الجميل، الانسان في كل ظروفه وأياً كانت أحواله يحب أن يفعل الشر!!
واحقاقاً للحق ينبغي أن نقول إن هذه الصفات الرديئة موجودة في الإنسان منذ وجوده على الأرض ولكن ما يميز الأيام الأخيرة هو ازدياد هذه الصفات انتشاراً ووضوحاً، في الأزمنة القديمة كانت قلة أعداد البشر بالقياس للموارد الطبيعية تقلِّص فرص الاحتكاك والتنافس، مما كان يعطي مجالاً لإظهار بعض الصفات الحسنة في البشر واخفاء بعض الصفات الرديئة، لكن مع تقدم الأيام وازدياد أعداد البشر مع بقاء الموارد الطبيعية محدودة ازدادت شراسة المنافسة مما جعل هذه الصفات الرديئة في الانسان تبرز وتزداد وضوحاً.
لكن الرسول يختم هذه الفقرة بأبشع صفة ستميز الأيام الأخيرة وتجعلها بالحق «أزمنة صعبة» ألا وهي «لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها»!! تماماً كما قال عاموس عن الزمن الرديء أن فيه تزداد الممارسات الدينية جنباً إلى جنب مع ازدياد الممارسات الشريرة هكذا الأمر في أيامنا الأخيرة تلك، يفاجئنا الرسول بقوله ان «صورة التقوى» ستغلف كل الأخلاق الرديئة التي ستظهر في البشر، سيحب الناس أنفسهم ولكنهم سيحاولون أن يجعلوا محبتهم لأنفسهم أمراً روحياً مؤيداً من الله! سيحبون المال ويقولون للناس ان مشيئة الله أن يكونوا أغنياء! سيبغضون الآخرين ويصورون هذه البغضة كأنها غيرة على الإيمان ودفاع عن الحق! سيتعظمون ويستكبرون ويتسلطون على الشعب تحت زعم أنهم مؤيدون بمواهب روحية فائقة! سيقتحمون حياة البسطاء بلا حنو وبلا نزاهة مستندين على تفسيرات باطلة للكلمة المقدسة!!!
ولئلا يعتقد أحد أن هذه الصفات الرديئة ستميز «الناس» في العالم وليس في داخل الكنائس لابد أن نقرأ رسالة الرب لملاك كنيسة لاودكية والتي تصور الكنيسة في الأيام الأخيرة، سنجد أن نفس هذا الداء منتشر في داخل الكنيسة، مع وجود كل الشقاء والبؤس والفقر والعمى والعُري نجد لسان حال ملاك الكنيسة «أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء»!! كل الانحدار الأخلاقي مع غطاء من الكبرياء الروحي الذميم!!

ما أصعب هذه الأيام الأخيرة!! ما أصعب أن تهرب من المعاناة في العالم الشرير إلى داخل الكنائس فتجد نفس المعاناة مع غطاء من التقوى المزيفة!! ليت إلهنا يرحمنا ويقصِّر تلك الأيام، وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (12)
بقلم : فخرى كرم
«لذلك يصمت العاقل في ذلك الزمان لأنه زمان رديء» (عا5: 13)

يحدثنا سفر عاموس عن «زمن رديء» عاشه الشعب القديم قبل السبي البابلي، زمان له سماته الخاصة والتي يمكن تحديدها في بعض النقاط:
       (1) ازدياد قسوة وتسلط الطبقة الغنية: قبل السبي عاش الشعب اليهودي بمملكتيه الشمالية والجنوبية فترات من الازدهار الاقتصادي والسياسي والعسكري في فترات حكم عُزيا ملك يهوذا ويربعام الثاني ملك السامرة، ولكن هذا الازدهار كان مقترناً بغياب العدالة الاجتماعية، فازدادت الطبقة الغنية رفاهية وتسلطت بعنف على الطبقات الفقيرة من الشعب، باعوا البار بالفضة والبائس لأجل نعلين، وضعوا تراب الأرض على رؤوس المساكين وصدوا سبيل البائسين، نساء السامرة صرن من الرفاهية سمينات مثل البقرات وبكل قسوة ظلمن المساكين وسحقن البائسين (2: 6، 7، 4: 1)
(2) اعوجاج القضاء وانحيازه للطبقة الغنية: عندما يتعرض المسكين لقسوة الأغنياء لا يصبح أمامه سوى اللجوء للقضاء، وكان القضاة في تلك الأيام يجلسون في أبواب المدن يقضون للشعب، ولكن للأسف هؤلاء الجالسون في الأبواب كانوا يبغضون مَن ينذرهم بالحق ويكرهون المتكلم بالصدق، إذا أتاهم المسكين في مسألة يدوسونه أكثر ويأخذون منه رشوة ليبنوا لأنفسهم بيوتاً من حجارة منحوتة، وأما البائس العاجز عن دفع الرشوة فيضايقونه ويصدُّونه حتى وإن كان باراً يستحق الانصاف (5: 10-12)
(3) ازدياد الممارسات الدينية: أكثر ما يجعل الزمن رديئاً هو ازدياد الممارسات الدينية بصورة شكلية بالتوازي مع الانحطاط الأخلاقي المتفشي في المجتمع، كلما أمعن الأغنياء في ظلم المساكين كلما بالغوا في الممارسات الدينية بشكل ملفت للنظر، وربما كان السبب في هذا هو التغطية على سلوكياتهم الخاطئة المملوءة ظلماً، وما أسوأ استخدام الدين كستار لتغطية انحرافات السلوك!! وما أبلغ كلمات الرب التي أرسلها على فم عاموس «بغضتُ كرهتُ أعيادكم ولست ألتذ باعتكافاتكم، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها، أبعد عني ضجة أغانيك ونغمة ربابكم لا أسمع» (5: 21-23)
في زمن مثل هذا يصبح الكلام والانذار بلا قيمة، لأن الضمائر قد ماتت والأذهان فسدت وحتى العبادة صارت مظهرية جوفاء، أصبح المجتمع يحوِّل الحق أفسنتيناً ويلقي البر إلى الأرض (5: 7) ولذلك يختار العاقل في هذا الزمن أن يصمت، فلم يعد هناك مجال للكلام بل للدينونة، ولذلك كان عاموس من الأنبياء المتنبئين بالسبي وطوال السفر كان يؤكد لشعوب يهوذا واسرائيل أن قضاء الرب آتٍ لا محالة، وأن الرخاء المؤقت الذي يعيشونه هو الهدوء الخادع الذي يسبق العاصفة، وأن يوم قضاء الرب سيأتي عليهم ظلاماً لا نوراً وقتاماً لا نور له (5: 16-20)!!
تكرر هذا الزمن الرديء مرة أخرى في وقت وجود الرب يسوع على الأرض، نفس الظلم الاجتماعي والفساد الأخلاقي والاسراف في الممارسات الدينية!! ولذلك صمت سيدي في أثناء محاكمته الأخيرة أمام القضاء المعوَّج لأنه «العاقل» الحقيقي الذي علم أن الكلام لم يعد له فائدة وأن الدينونة لا محالة قادمة!!

ألا تشعر أيها القارئ العزيز أننا نعيش زماناً مشابهاً؟!! ولكن لهذا حديثاً آخر(يتبع)

السبت، 30 يوليو 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (11)
بقلم : فخرى كرم
«أهو وقت ٌلأخذ الفضة» ؟! (2مل 5: 26)
كلمات أليشع رجل الله لجيحزي تكشف لنا أهمية تمييز الوقت الذي نعيش فيه، لم يكن خطأ الغلام يكمن في طبيعة الأشياء التي أخذها بل في توقيتها، الفضة والثياب أمور مشروعة ونعمان قدَّمها عن طيب خاطر، وجيحزي متيقن في ضميره أن سيده يستحق أكثر منها بكثير، ولكن يبقى أن توقيت أخذها كان خطأ!!
 هذا يدفعنا لمراجعة طبيعة الزمن الذي عاشه أليشع، كانت الصبغة العامة التي تصبغ خدمة أليشع هي صبغة النعمة المتفاضلة، النعمة التي تعطي كل شيء بسخاء ولا تعيِّر، النعمة التي تفيض على الكل بغنى وبلا مقابل، أليشع الذي يعني اسمه «الرب يخلِّص» هو أقرب رجال العهد القديم في خدمته لخدمة الرب يسوع نفسه، وحتى المعجزات التي جرت على يديه كانت الأكثر شبهاً بمعجزات الرب يسوع.
بعد خدمة إيليا النارية أتت خدمة أليشع كنهر مياه منعشة، وبعد روح الغضب والقضاء التي تجسدت في إيليا كان ينبغي أن يجسد أليشع روح المحبة والرحمة، كان مطلوباً من إيليا أن يهدم أوضاعاً دينية فاسدة بينما كان المطلوب من أليشع أن يبني أوضاعاً جديدة صالحة، ولأن البناء يحتاج إلى مجهود مضاعف أكثر من الهدم لذلك طلب أليشع نصيب اثنين من روح إيليا.
عندما أتى نعمان إلى أليشع كان هدف الرب أن يعلن لهذا الإنسان عن إله النعمة الذي يُحسن حتى للأعداء، الإله الشافي والقادر وحده أن يعيد لحمه الميت إلى لحم صبي صغير، أنه إله القيامة والحياة، وهو يعمل هذا بنعمة خالصة ومجانية بلا مقابل، ولذلك رفض أليشع أن يأخذ أي شيء من هدايا نعمان رغم أن الشفاء الذي أخذه نعمان لا يُقدَّر بثمن، لكن جيحزي فشل في أن يميز هذا الزمان وطبيعة خدمة أليشع، ولما حسبها بمنطق الأخذ والعطاء وجد أنه من الطبيعي أن يركض خلف نعمان ويأخذ منه شيئاً، ولم يكن يعلم أنه بفعلته هذه سيفسد صورة النعمة المجانية التي أرادها الله أن تصل لنعمان وللشعب الأرامي.
عندما عاد جيحزي ليقف أمام سيده لم يعاتبه أليشع على كذبه ولا على رغبته في الامتلاك بل عاتبه على عدم تمييزه للوقت والخدمة التي يقوم بها، فالخطية ليست فقط السعي وراء أشياء خاطئة ولكنها قد تكون أيضاً السعي وراء أشياء بريئة ولكن في التوقيت الخطأ!!
ولهذا رتَّب الله موقفاً آخر لكي يعلن عن نعمته تجاه الأراميين بعد موقف نعمان، عندما أرسل ملك أرام خيلاً ومركبات وجيشاً ثقيلاً إلى دوثان ليلقوا القبض على أليشع ليلاً، فطلب أليشع أن يضربهم الرب بالعمى ثم اقتادهم إلى السامرة وعندما أعاد الرب إليهم البصر وجدوا أنفسهم محاصرين وسط السامرة حيث يسهل جداً القضاء عليهم، ووجدوا ملك اسرائيل يطلب الإذن من أليشع أن يبدأ الضرب، ولكن لدهشة الجميع رفض أليشع أن يقع بأعدائه أي ضرر بل طلب أن يصنعوا لهم وليمة عظيمة، وبعدما أكلوا وشربوا أطلقهم بسلام إلى سيدهم!! كانت هذه هي الفرصة الثانية التي أعدها الله ليرسل برسالة النعمة لملك أرام، وإن كانت صورة النعمة لم تصل كاملة لملك أرام في شفاء نعمان بسبب خطأ جيحزي فقد وصلت هذه المرة كاملة غير منقوصة، وكانت النتيجة كما يقول الكتاب أن جيوش أرام لم تعد تدخل اسرائيل (2مل 6: 8-23)

ما أجمل أن يكون هناك رجل لله يميز الأوقات والأزمنة!! لكن في المقابل ما أخطر ألا نميز الوقت والزمن الذي نعيش فيه، فقد نخطئ كثيراً ونحصد نتائج وخيمة ومريرة، وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 5 يوليو 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (10)
بقلم : فخرى كرم
في (حزقيال 16) قسَّم الرب تاريخ الشعب القديم إلى عدة مراحل زمنية متتابعة، رأينا منهم «زمن الميلاد» تحت وطأة الاضطهاد في أرض مصر، الاضطهاد الذي كان يقصد فناء الشعب لولا أن الرب أمر بحياتهم رغم الاضطهاد (ع 1-7) ثم بعد أربعمائة سنة في مصر أخذ الرب شعبه في «زمن الحب» حين أخرجهم بذراع رفيعة وأدخلهم أرضاً تفيض لبناً وعسلاً وكساهم من هيبته فتعظمت المملكة جداً وسط كل ممالك الأرض، وكانت قمة هذه المرحلة في عصر داود وسليمان عندما أراح الرب المملكة من كل جهة (ع8-14)                                    
  لكن للأسف يأتي بعد هذا زمن ثالث هو «زمن الكبرياء والخيانة» (ع15-34) عندما بدأ الشعب يشعر بالزهو والكبرياء بسبب المجد الذي منحه الرب اياه وبسبب الاسم العظيم الذي صار لهم، والعجيب أن كل ما كانوا يفتخرون به كان عطية مجانية من إلههم لا يستحقونها!! وبدأوا يتعاملون مع الشعوب المحيطة بهم ويفتحون أبوابهم لكل آلهة الأمم وشرائعهم وأساليب حياتهم النجسة، دخلهم الإعجاب بالحضارات والثقافات المحيطة بهم وفتحوا قلوبهم وأذهانهم لها، داسوا شرائع ونواميس إلههم وأرادوا أن ينسوا احسانه معهم ويكسروا نيره عن أعناقهم، وأحبوا أن يصطبغوا بصبغة الشعوب الأخرى.
والرب يشرح لنا أن النسيان هو سبب الخيانة، عندما يخاطبهم قائلاً «وفي كل رجاساتك وزناكِ لم تذكري أيام صباكِ إذ كنتِ عريانة وعارية وكنتِ مدوسة بدمك» الانسان يميل دائماً أن ينسى الإحسان، وهذا النسيان متعمد ومقصود وبكامل ارادة الانسان!! لأن الانسان لا يريد أن يشعر بالمديونية للرب، لا يحب أن يعيش وفي عنقه دين ينبغي أن يوفيه، يريد أن يتحرر من أي التزام أدبي أو أخلاقي، ورغم ان الإنسان لا ينسى الإساءة أبداً إلا أنه ينسى الإحسان سريعاً جداً!! ولعل داود كان يشعر بهذه الحقيقة عندما خاطب نفسه قائلاً «باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته» (مز103: 2) ليت الرب يحفظنا من هذا الداء الموجود في قلب كل انسان، داء نسيان إحسانات الرب والتفاخر بما لا نملكه ولا نستحقه!!
ولذلك كان ينبغي ان يجتاز الشعب فترة زمنية رابعة في تاريخه نستطيع أن نسميها «زمن العقاب»!! (ع 35-59) فلابد للخيانة من عقاب ودائماً يتبع الكسر الكبرياء، وكان عقاب الرب هو أن يُعيد الشعب إلى حالتهم الأولى التي كانوا عليها قبل احسان الرب لهم، أعادهم إلى وضع السبي والعبودية لكن ليس في أرض مصر هذه المرة بل في أرض بابل وأشور، خلع عنهم كل المجد الذي سبق وكساهم به، استرد كل العظمة التي سبق وأعطاها لهم، وهذا من صميم الحق والعدل، فمادام الاحسان لم يلقَ التقدير اللائق فمن حق المُحسن أن يسحب إحسانه!!
لكن ما يعزينا هو أن تاريخ الشعب لا ينتهي عند هذه المرحلة، بل هناك مرحلة خامسة وأخيرة تختم تاريخ معاملات الله مع شعبه، ألا وهي «زمن الغفران» (ع60-63) لا يمكن أن يفشل احسان الله، ومحبته لا تسقط أبداً!! ولذلك يعطي الله لحزقيال نبوة عن زمن آتٍ عندما يغفر الله لشعبه ويقيم لهم عهداً أبدياً لكي يعلموا أنه هو الرب الههم الذي هباته ودعوته هي بلا ندامة، وفي هذا الزمن سيذكر الشعب احسان الرب ولن يعود ينساه، وسيذكرون خيانتهم ويسلكون أمام الرب باتضاع والتزام.

من المفيد أن نرى هذه المراحل في تاريخ الشعب القديم ونتعلم منها لأنها كثيراً ما تتكرر في حياتنا كأفراد وجماعات، وللحديث بقية (يتبع)   

الثلاثاء، 31 مايو 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (9)
بقلم : فخرى كرم
«فمررت بك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب» (حز16: 8)
في الاصحاح السادس عشر من نبوة حزقيال يسرد الرب تاريخ شعب اسرائيل وعلاقة الرب بهم بصورة مجازية درامية غاية في الوضوح والتأثير، وفي هذه الصورة التعبيرية يتضح أن حياة الأفراد والشعوب تمر بأوقات وأزمنة مختلفة في سماتها وأحداثها.
زمن الميلاد: بدأ تكوين شعب اسرائيل في أرض غريبة هي أرض مصر، وفي أجواء من الرفض والاضطهاد نما هذا الشعب وازداد، ويصوِّر الرب هذه المرحلة بالطفلة الذي تولد محاطة بمشاعر الرفض والبغضة ممن حولها، لم تشفق عليها عين ولم يرقُّ لها قلب، لم تُقطع سرَّتها ولم تُغسل بماء للتنظيف، بل بمشاعر الكراهية لنفس هذه المولودة طرحوها على وجه الحقل لتموت!!
لكن في هذا الوقت الحرج مرَّ الرب مروره الأول على هذا الشعب، عبر الرب بمحبته على هذه المولودة المكروهة المحكوم عليها بالموت، نظر الرب بإشفاق الي هذه الأمة المطروحة على وجه حقول مصر مدوسة بالعبودية القاسية وغارقة في دم أبنائها الذين يموتون كل يوم ظلماً وعدواناً، وأمام هذا المشهد القاسي نطق الرب بكلمة الحياة، قال «بدمك عيشي»!! عيشي برغم دمائك التي تسيل في كل يوم، عيشي رغم أطفالك الذين يموتون في كل يوم، عيشي رغم إرادة الموت التي تحيط بك في كل يوم!! وكان لكلمة الحياة هذه كل السلطان على مشهد الموت المحيط بالشعب، فيقول الكتاب أنهم بحسب ما أذلوهم المصريون هكذا نموا وامتدوا (خر1: 12) كان زمن العبودية في أرض مصر «زمن ميلاد» للشعب بكلمة حياة من فم الرب!!
زمن الحب: لكن بعد اكتمال أربعمائة عام في أرض مصر عاد الرب يمر مرة ثانية على هذا الشعب، ولكن في هذه المرة كان الزمان قد تغيّر، لم يعد زمانهم زمن الميلاد بل «زمن الحب»، وزمن الحب بالنسبة للفتاة هو زمن النضوج للحب والزواج، ان هذه الطفلة التي كانت مدوسة بدمها قد كبرت ونضجت وصارت صالحة للزواج بفضل كلمة الحياة التي نطق بها الرب على حياتها، وفي هذا المرور الثاني لم ينطق الرب بكلمة حياة بل بكلمة عهد ارتباط بهذا الشعب، ومثل الرجل الذي يتقدم للارتباط بفتاة ناضجة تقدم الرب ليرتبط بهذا الشعب ارتباطاً أبدياً، في مروره الأول على هذا الشعب منحه حياة لكن في مروره الثاني منحه ذاته واسمه!! عندما أرسل الرب موسى ليُخرج الشعب من أرض مصر أعلن بالآيات والعجائب أن هذا الشعب ينتمي لـ «يهوه» رب السماء والأرض، ويا له من امتياز عظيم أن يحمل هذا الشعب البائس اسم وحضور «يهوه»!!
ولقد جمَّل الرب عروسه بكل أدوات الجمال والعز، غطَّى هذا الشعب في أثناء خروجه من مصر بكل الهيبة والمخافة، كل الشعوب سمعت بما فعله الرب مع هذا الشعب فذابت قلوبهم، أطعمهم في جوعهم وحفظهم في خوفهم وانقذهم من أعدائهم، لقد تحوَّل هذا الشعب تحت راية الرب من شعب مُهان الى شعب عظيم يصلح لمملكة، ولقد ختم الرب رحلتهم في البرية بإعطائهم الأرض لإنشاء مملكة اسرائيل التي ظهرت للعيان بعد أربعين سنة من خروجهم من أرض المذلة والعبودية.

ومَن منا لا يذكر «زمن الحب» الخاص به، الزمن الذي شعرنا فيه باحتياجنا للحب والاحتواء والحماية فوجدنا الرب يملأ كل هذه الاحتياجات بشخصه الكريم، عندما تقدم الرب لكل واحد منا ليرتبط معنا برباط أبدي ويعطينا ذاته واسمه؟! ليتنا نذكر دائماً «زمن الحب» ونصون العهد الذي يربطنا بالرب ولا نخون كما فعل الشعب القديم!! ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)     

الخميس، 26 مايو 2016

الخضوع بداية النهضة
بقلم : أ . و . توزر

النهضة هي سريان حياة الرب يسوع المسيح في داخل قلب الإنسان ، إن يسوع دائما منتصر ، لا ينهزم أبدا و لا تنكسر قوته إطلاقا ، و إذا كنا في شركة حقيقية معه فلابد أن تسري قوته تلك إلى داخل قلوبنا و حياتنا و خدمتنا و حياته المنتصرة ستملؤنا و تفيض فينا إلى الآخرين ، و هذه هي النهضة في جوهرها .
الخضوع لمشيئته
و لكن إذا أردنا أن نكون في شركة حقيقية مع شخصه المبارك ينبغي أول كل شئ أن نتعلم كيف نخضع مشيئتنا لمشيئته هو . إن الخضوع هو بداية انتعاش حياتنا و نهضتها . قد يكون الخضوع مؤلما و مكلفا ، لكنه الطريق الوحيد للانتصار . ببساطة ينبغي أن يكون شعارنا : " لا أحيا أنا بل المسيح يحيا في " ( غل 2 : 20 ) .
و الرب لا يستطيع أن يحيا فينا بالكامل و يعلن نفسه من خلالنا إلا إذا انكسرت الذات المنتصبة في داخلنا . و إننا نقصد بالذات تلك النفس الصلبة غير القابلة للخضوع ، النفس التي تحابي نفسها ، و تطالب دائما بحقوقها و تسعى لمجدها الشخصي . هذه النفس ينبغي أن ترفع أنظارها إلى مشيئة الله و تعترف بخطأ مسلكها و ترفضه و تسعى في طريق يسوع ، لا تطالب بحقوقها بل بحق الله ولا تسعى لمجدها بل ليكون الرب يسوع هو الكل في الكل ، و هذا هو ما نسميه " الموت عن الذات " .
و لو نظرنا بأمانة إلى حياتنا المسيحية لوجدنا الكثير من الذات بداخل كل منا . الذات التي تحاول دائما أن تحيا الحياة المسيحية بمجهودها الشخصي ، الذات التي تقوم بكل العمل داخل الكنيسة ، الذات التي تملؤنا بالتوتر و القلق و الضجر و السخط ، الذات المتصلبة التي ترفض الخضوع للآخرين ، الذات غير المروضة و التي لا تشعر إلا بنفسها و لا تحترم إلا فكرها .
لا مفر من الانكسار ، فطالما بقيت الذات غير خاضعة بقي الله غير فاعل بحرية في حياتنا ، لأن ثمار الروح التي يريد الله أن يملأنا بها تضاد تماما ثمار الذات الموجودة بداخلنا.
هل سنقول " نعم يا رب " ؟!
إن انكسار الذات و الخضوع لمشيئة الله هو عمل الله و عملنا في آن واحد . الله من جهته يسلط الضوء على المناطق الصلبة في ذواتنا ، ثم يترك لنا حرية التجاوب مع هذا النور . عندئذ يمكننا أن نصلب أعناقنا و نرفض الاعتراف و التوبة و حينئذ يتألم قلبه و يحزن روحه فينا ، و قد نحني الرأس و نقول بكل خضوع : " نعم يا رب ، لتكن مشيئتك " .
إن الانكسار هو خضوع لفكر الله في حياتنا اليومية ، و كلما كان فكر الله يصل إلينا باستمرار فنحن نحتاج أن يكون خضوعنا مستمرا متواصلا و ربما كان هذا مكلفا إذا نظرنا إلى كم التنازلات و التضحيات و الاعترافات التي قد نضطر لتقديمها .
يسوع خضع لأجلنا
و لهذا السبب لا يمكننا أن ننكسر و نخضع إلا عند صليب يسوع . إن خضوع يسوع و قبوله للموت من أجلنا هو الدافع الوحيد القادر أن يجعلنا نخضع نحن أيضا لمشيئة الله في حياتنا . إن الرب يسوع و هو في صورة الله أخلى نفسه و أخذ صورة عبد ووضع نفسه و أطاع حتى الموت موت الصليب ، نعم ، رغم كونه في صورة الله عاش عبدا لله و للناس !!
هل تراه و هو لا يطلب لنفسه حقا ؟ لا بيت و لا ممتلكات ، يترك الناس يشتمونه و لا يشتم عوضا ، و لا ينتقم لنفسه بل يخضع و يذهب إلى الجلجثة ليكفر عن خطايا الإنسان و يحمل في جسده آثامنا على الخشبة .
بروح النبوة قال كاتب المزمور على لسان الرب " أما أنا فدودة لا إنسان " ( مز 22 : 6 ) . و علماء الأحياء يقولون لنا أن هناك فرقا كبيرا بين الحية و الدودة ، فعندما تحاول أن تهاجم الحية و تهدد بضربها تجدها تلتف حول نفسها و تبدأ في الفحيح و تستعد للانقضاض و تقابل الهجوم بهجوم ، إنها صورة حقيقية للذات !! أما الدودة فعلى النقيض من ذلك لا تبدي أي مقاومة للهجوم ، إنها تسمح لك بأن تفعل بها ما تشاء ن تضربها أو تسحقها تحت قدميك إذا شئت ، أليست هذه صورة حقيقية للانكسار ؟!
لقد خضع الرب يسوع بهذه الصورة من أجلنا و لقد فعل هذا لأنه رآنا في هذه الصورة عينها ، ديدان فقدت كل حق لها بالخطية و صارت فريسة لكل قوى الشر تعبث بها كما تشاء و تسحقها بلا رحمة ، لقد صار دودة من أجلنا لكي يرفعنا معه للمجد !! لذلك لا توجد قوة تجعلنا نخضع له إلا رؤيتنا لشخصه و هو يخضع من أجلنا ، فليكن خضوعنا خضوعا مستمرا .