السبت، 28 يناير 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (1)
بقلم : فخرى كرم
أعظم موعظة سمعتها آذان البشر في كل أجيالهم، لم يستطع مرور السنين أن يقلِّل من قيمتها ولا تعاقب الحضارات أن يضعف من تأثيرها، قيلت بكلمات بسيطة لشعب الجليل البسطاء لكن أعظم العقول تعلَّمت ومازلت تتعلم منها، نطق بها سيدي على مدارج «قرن حطين» الجبلية الجرداء لكنها نُقشت بالذهب في قصور أعظم الملوك على مدار التاريخ، بل بالأحرى نُقشت بالروح في قلوب ملايين البشر الذين وجدوا فيها خلاصاً لحياتهم ونوراً لسبيلهم.
كان يسوع قد بدأ خدمته في منطقة الجليل بدعوة الشعب للتوبة وقبول «ملكوت السماوات» (مت4: 17) وهذه الخدمة المؤيدة بأعمال الشفاء والرحمة اجتذبت الجموع حوله وأثارت بداخلهم تساؤلات عن ماهية ملكوت السماوات، ما هي طبيعة هذا الملكوت الذي يتكلم عنه يسوع ومن هم رعاياه؟! على أي أسس يُبنى هذا الملكوت وما هي القوانين السائدة فيه؟! من هو الملك في هذا الملكوت وكيف يمكن التواصل معه وارضاؤه؟!
لما وجد يسوع الجموع تتزايد جداً حوله وتترك كل مشغولياتها وتتبعه، ولما قرأ هذه الحيرة والتساؤلات في عيونهم، صعد إلى الجبل وجلس كعادة المعلمين في ذلك الزمان، وبدأ يجيب بكلمات بسيطة وواضحة عن كل تساؤلات قد تعتمل في قلوب الباحثين عن ملكوت السماوات، انسكبت النعمة على شفتيه وخرجت الكلمات من فمه كالنور الذي يقشع ظلام الجهل وينير سبيل البر والفرح والسلام، وكالبلسم الذي يشفي القلوب الحزينة ويداوي النفوس الجريحة، وكسيف ماضٍ ذي حدين يحارب قوى الشر والضلال والفريسية.
على غير المتوقع لم يتكلم يسوع عن أمور خارقة ستميز ملكوت السماوات ولا عن قوى شفاء معجزية أو معاملات إلهية فائقة للطبيعة، بل أتت كلماته بسيطة وعملية تمس الواقع اليومي الذي تعيشه الناس، تكلم عن سلوكيات نمارسها يومياً في علاقتنا مع الله ومع الآخرين، تكلم عن مشاعر إنسانية ومواقف حياتية نختبرها في كل يوم، لم يتكلم يسوع عن ملكوت سينزل علينا من فوق بل عن ملكوت يبدأ من أرض الإنسان ويصعد إلى فوق، ملكوت يبدأ ببذار حية تنغرس في قلب الإنسان وتنمو بقوة الروح القدس حتى تلمس قلب الله!!
وبعدما تكلم الرب بهذه الكلمات في بداية خدمته عاش لمدة ثلاث سنين يمارس أمام الجموع ما قاله لهم في موعظة الجبل، كانت حياته العملية وسلوكه بمثابة الشرح والتفسير لكلماته وتعاليمه، كانت حياته تؤكد أن ملكوت الله حقيقة قابلة للتنفيذ وواقع يمكننا أن نعيشه، فيسوع ليس من هذا النوعية من الوعاظ الذين ينطقون بكلمات فخمة لا سبيل لتنفيذها، ولا هو من هؤلاء المعلمين الذين يضعون على الناس أحمالاً عسرة الحمل ولا يريدون أن يحركوها بأصبعهم، بل هو المعلم الفريد على مدار التاريخ الذي عاش كل كلمة نطق بها وأطاع كل وصية قبل أن يوصي بها!!  

وبعدما أنهى يسوع خدمته على الأرض ارتفع على الصليب ليقدم ذبيحته نيابة عن هؤلاء الذين يريدون أن يدخلوا ملكوت السماوات، وليشتري لهم بدمائه امكانية سكنى الروح القدس في داخلهم ليعطيهم القدرة ليحيوا قوانين هذا الملكوت، وعندما انسكب الروح القدس في يوم الخمسين كالمياه على بذار موعظة الجبل المنغرسة في قلوب التلاميذ وجدناها تنمو وتزدهر، ورأى العالم كله ملكوت الله في داخل الكنيسة، رأى شعباً بسيطاً يعيشون مشيئة الله على الأرض ويصنعون إرادته، رأى قلوباً بشرية طبيعية تسمو لفوق لتلامس قلب الله!! ليت روح الله يعود ينسكب في قلوبنا على كلمات هذه الموعظة الخالدة لنعود نحياها بالحق في حياتنا اليومية (يتبع)

الجمعة، 6 يناير 2017

أحاديث من القلب

المُشرق من العلاء  
بقلم : فخرى كرم
«بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المُشرق من العلاء» (لو1: 78)
مصدر النور دائماً هو «العلاء» حيث محضر الله الذي عنده يسكن النور (دا2: 22) وهو الساكن في نور لا يُدنى منه (1تي6: 16) لا يوجد نور يصعد من الأرض بل فقط يشرق النور من العلاء، وتماماً كما تحيا الأرض بأشعة الشمس وتدب فيها الحياة هكذا يحدث معنا، عندما يشرق الله على حياتنا تستنير عيون أذهاننا وتدب الحياة في أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا. النور الآتي من الله ليس شيئاً سلبياً بل هو الحياة عينها (يو1: 4، 5) طاقة حياة ايجابية تطرد طاقات الموت السلبية وتخلق فينا القوة والنماء، انه ينير كل انسان وكل الإنسان (يو1: 9)
الأرض ليست مصدراً للنور بل لابد أن تواجه الشمس لتحصل على النور، أما إذا استدارت الأرض بعيداً عن مواجهة الشمس تغرق في الظلام، وهكذا نحن نحصل على النور إذا تواجهنا مع الله ورفعنا عيوننا إلى العلاء (أش40: 26) أما إذا تحولت عيوننا وأرواحنا بعيداً عن محضر الله فلابد أن نتخبط في ظلمة أفكارنا وعتمة أرواحنا، لابد أن نتيقن أن الإنسان لا يمكنه أن يكون مصدراً للنور الحقيقي المانح الحياة لكنه فقط يستطيع أن يستقبل هذا النور الحي من الله المُشرق من العلاء.
إذا تتبعنا أوقات الحياة المشرقة في تاريخ شعب الله في العهد القديم والجديد سنجد دائماً أن هذه الأوقات كانت تبدأ بشعاع نور يصل من الله إلى قلب إنسان ما، ويعوزنا الوقت إذا تكلمنا عن النور الذي وصل لإبراهيم وقاده في طريق لا يعرفها إلى أرض لا يعرفها، أو الشمس التي أشرقت ليعقوب في فنوئيل عندما نظر الله وجهاً لوجه (تك32: 30، 31) أو النور الذي لمع لموسى في العليقة وجعل منه أعظم قائد للشعب القديم، أو النور الذي أبرق حول شاول الطرسوسي فأسقط قشوراً من عينيه وجعله رسولاً عظيماً يفتح عيون الشعوب ليرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله (أع26: 18) ..الخ
لكن للأسف نفس التاريخ يخبرنا أن فترات الظلمة كانت أكثر من فترات النور في حياة شعب الله، وأن الأوقات التي أعطوا فيها لله القفا لا الوجه كانت أوقات شديدة الظلام يسودها الموت والخراب، التاريخ يفاجئنا بحقيقة مذهلة وهي أن الإنسان يحب الظلمة أكثر من النور (يو3: 19-21) دائماً الانسان يقاوم النور ويهرب من مواجهته ويحب أن يقبع في الظلام!! رغم كل أشعة النور التي أرسلها الله طوال العهد القديم إلا أن الشعب كان قبيل مجيء المسيح جالساً في الظلمة وظلال الموت!! ولا تسأل عن كيف استطاع الشعب أن يهرب من كل تأثيرات النور الذي وصل إليه ولا كيف استطاعوا تحويل النور في حياتهم إلى ظلام، فهذه قدرة مذهلة في الإنسان!! الإنسان قادر أن يتحايل على النور ويهرب منه لكي يعفي نفسه من المسئولية ويظل جالساً في ظلمته وظلال موته!!

قبيل ميلاد الرب يسوع تنبأ الروح القدس على لسان زكريا الكاهن بان الله سيعود في المسيح يشرق على الشعب الجالس في الظلمة، وأن هذا الإشراق سيكون الأكمل والأجمل في كل التاريخ البشري، وأن هذا الإشراق مؤسس فقط على رحمة الله ورأفته وليس على أي صلاح في الإنسان، فالشعب في ذاته لم يكن مستحقاً لأي نور جديد لأنه لم يكن أميناً على النور الذي أخذه قديماً، لكنها أحشاء رحمة إلهنا التي أرادت أن تشرق على البشرية بفجر جديد، فجر ميلاد النور الحقيقي شخص ربنا يسوع المسيح، وكل عام وأنتم بخير.

الأربعاء، 30 نوفمبر 2016

أحاديث ن القلب

الأوقات والأزمنة (15)
بقلم : فخرى كرم
«الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء» (أع3: 21)

 خلق الله كل شيء حسناً ووضع كل أمر في نصابه، وسلَّط الإنسان على منظومة الخليقة في الأرض لكي يرعاها ويحفظها، ولكن بدخول الخطية إلى العالم وسقوط الإنسان تحت سلطان إبليس أُفسدت هذه المنظومة وأُخضعت للبُطل (رو8: 20) لم يعد هناك شيء في مكانه، نزل الانسان من مركز السلطان وأصبح عبداً تحركه شهواته وتتحكم فيه غرائزه، بات ابليس بتسلطه على ارادة الإنسان هو السيد المتحكم في مجريات الأحداث، لم يعد الله هو السيد المعبود في الأرض بل أصبح ابليس فعلياً هو إله هذا الدهر ورئيس هذا العالم، اضطربت كل المنظومة وأصبحت كل الخليقة تئن وتتمخض معاً تطلب العتق والفداء.
تكلم الروح القدس على فم الرسول بطرس عن «أوقات الفرج» التي تبدأ بشكل فردي في حياة الإنسان حال إيمانه بالمسيح وتوبته عن الخطية، ولكن الروح يشير أيضاً بشكل نبوي إلى أزمنة آتية حينما يعمُّ الفرج كل الأرض والخليقة، هذه الأزمنة ستبدأ بمجيء المسيح ثانية إلى الأرض وتُسمى «أزمنة رد كل شيء» والكلمة المترجمة «رد» تعني أيضاً «تجديد» وهي نفس الكلمة التي استخدمها الرب عندما أشار إلى هذه الأزمنة المستقبلية بقوله لتلاميذه «الحق أقول لكم أنكم أنتم الذين تبعتموني، في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط اسرائيل الاثني عشر» (مت19: 28)
في هذه الأزمنة الآتية «يرد» الله كل شيء إلى مكانه الصحيح، سيرد الإنسان إلى مكانه الأول كتاج للخليقة متسلطاً على الأرض، سيرد إبليس إلى مكانه الذي يستحقه عندما يُلقي به في بحيرة النار والكبريت، سيرد لنفسه العبادة في كل الأرض عندما يجعل كل ركبة في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض تجثو باسم يسوع لمجد الله الآب، سيرد للكنيسة مجدها الذي تستحقه بعدما عاشت على الأرض أوقات ضيق واضطهاد (رؤ21: 2) سيرد للخليقة سلامها وابتهاجها بعدما ينقلها من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله (رو8: 21) سيجدد الله خليقة الأرض والسماوات ليسكن فيها البر (2بط3: 13، رؤ21: 1) ستمضي وتنتهي الخليقة الأولى بما فيها من ألم ودموع وموت وسنسمع الجالس على العرش يقول «ها أنا أصنع كل شيء جديداً» (رؤ21: 5)

لكن هذا التجديد الشامل الموعود يبدأ في حياتنا الأن ولو بصورة فردية محدودة، نحن الذين بمقتضى رحمة الله خلَّصنا بغُسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس (تي3: 5) ان التجديد الذي سيصنعه الروح القدس في الخليقة مستقبلاً يبدأ من الأن يصنعه في حياة المؤمنين، ينبغي أن ندع روح الله يرد كل شيء إلى مكانه الصحيح في حياتنا الأن قبل أن ننتظر أن يفعل هذا في الخليقة مستقبلاً، ينبغي أن يكون الله هو الإله المعبود وحده في حياتنا، ينبغي أن يعود لنا السلطان على حياتنا لنكرس كل قوانا لمجد الله، ينبغي أن يعود إبليس إلى مكانه الصحيح تحت أقدامنا، ينبغي أن نتوِّج يسوع رباً وسيداً على كل أمور حياتنا، ينبغي ان نطرح عنا كل ثقل والخطية المحيطة بنا، ينبغي أن ننقل صورة الله وخيره ورحمته لكل الخليقة المحيطة بنا ولو في حدودنا الشخصية الضيقة، بالاختصار نقول أن هذا التجديد ينبغي أن يظهر ويزداد وضوحاً في حياتنا كل يوم قبل أن ننتظر ظهوره بشكل كامل في مجيء ربنا يسوع المسيح الثاني، آمين.

السبت، 5 نوفمبر 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (14)
بقلم : فخرى كرم
«فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب» (أع3: 19)
كان الشعب اليهودي يعيش في أزمنة ضيق من كل الجهات، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وفي كلمات بطرس في الهيكل بعد اقامة مُقعد الباب الجميل يقدم الروح القدس روشتة للخلاص من الضيق ومجيء «أوقات الفرج» وهذه الروشتة ببساطة هي التوبة والرجوع للرب.
مشيئة الله للإنسان منذ بدء الخليقة هي أن يعيش في رحب وبركة، كانت هذه المشيئة مُعلنة في خلق الجنة بكل ما فيها من سعة وشبع، لكن بدخول الخطية إلى قلب الإنسان والانفصال عن الله خرج الإنسان من الجنة إلى عالم الضيق والألم، ولا يظن أحد أن الضيق مصدره الظروف الخارجية المحيطة بالإنسان، كلا، لقد شعر قايين بالضيق الشديد من أخيه وقتله رغم أن ظروفه كانت متيسرة والأرض ممتدة برحب أمامه، ان ضيق الإنسان موجود بداخله وليس خارجه، ومصدر آلامه هو عالمه الداخلي وليس العالم الخارجي!!
عندما خلق الله الإنسان خلقه كائناً محدوداً وليس مطلقاً، له سعة محدودة لا يتسع لأكثر منها، وله قوة محدودة لا يستطيع أن يتجاوزها، وله ذكاء ومعرفة محدودة لا يمكنه الارتقاء فوقها، وله أيام معدودة لا يستطيع أن يعيش بعدها، وطالما عاش الانسان في هذه الحدود المخلوق عليها شعر بالرضا والشبع، أبسط القوت والكسوة يعطيه الاحساس بالملء والشبع، وإذا استخدم قوته المحدودة الاستخدام الأمثل شعر بالرضا والقيمة، وإذا أدرك محدودية معرفته مهما اتسعت استطاع بسهولة أن يسلِّم لمعرفة الله غير المحدودة ويختبر راحة التسليم والإيمان، وإذا فهم احصاء أيامه كم هي زائلة اكتسب قلب حكمة يستطيع أن يتعامل مع متغيرات الأيام بإيجابية وصبر.
لكن إبليس ألقى في قلب الإنسان جوهر الخطية وهو: أن في إمكان الإنسان أن يصير كالله غير محدود، وعندما قبل الإنسان هذا المنطق الخاطئ صارت الجنة بالنسبة له ضيقة جداً!! شعر أن كل شجر الجنة غير كافي لإشباع جوعه وأنه في حاجة ماسة للشجرة الواحدة المنهي عنها!! لقد شعر آدم بالضيق في داخله وليس خارجه، شعر في قلبه بالحرمان رغم آلاف الأشجار المحيطة به!! أصبح الإنسان المحدود يريد أن يضع في جوفه كل الأمور بلا حدود، تماماً مثل الطفل الذي يريد بسذاجة متناهية واصرار لا يلين أن يضع البحر في جردله البلاستيك الصغير!! يريد أن يتمتع بقوة تفوقه قوته الحقيقية ويشعر بالضيق إذا وجد قوته تخونه، يعتقد أنه يعرف الكثير ويضيق جداً عندما يكتشف أنه يجهل أكثر مما يعرف، يريد أن يملأ معدته بأطعمة تفوق احتياجه ويشعر بالضيق عندما يمرض جسده وينهار، يشتاق أن يظل حياً ممتد الأيام ويشعر بضيق شديد إذا وجد الضعف يزحف إليه منذراً بنهاية وشيكة!!
كيف إذاً يتخلص الإنسان من أزمنة الضيق وتأتيه أوقات الرحب والفرج؟ الإجابة هي أن نتوب عن جوهر الخطية هذا ونرجع إلى الرب ونقبل الوضع الذي خلقنا عليه ونسعى لتتميم مشيئته في حياتنا، الله لا يعدنا في الوقت الحاضر بأوقات فرج تتحسن فيه الظروف الخارجية وتنعم فيه شعوبنا بالخصب والرخاء لكنه بالحرى يعدنا بالفرج الداخلي والإحساس بالرضا والشبع العميق إذا قدمنا توبة عن رغباتنا المحمومة وشهوات العالم التي لا تشبع ورجعنا إلى الله وقبلنا مشيئته لحياتنا ببساطة الإيمان والتسليم.
ولكن كلمات الوحي على فم بطرس تحمل أيضاً بُعداً نبوياً عن أوقات الفرج المُصاحبة لمجيء الرب الثاني، ولكننا نفرد لهذا حديثاً آخر (يتبع)     


السبت، 1 أكتوبر 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (13)
بقلم : فخرى كرم
«ولكن اعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة» (2تي3: 1)
إذا كان عاموس النبي تكلم عن «زمن ردئ» يسبق السبي البابلي فالرسول هنا يكلمنا عن «أزمنة صعبة» تسبق مجيء الرب الثاني، ولو تأملنا صفات هذه الأزمنة سنجد أنها تتحقق كلها في أيامنا الحاضرة:
فالناس اليوم أصبحوا يحبون أنفسهم بشكل فج وصريح، لا وجود لقيم مثل الإيثار أو البذل أو التضحية لأجل الآخرين، هذه القيم التي سمعنا عنها قديماً ولكنها فيما يبدو تنقرض أمام مد الأنانية الزاحف على المجتمع، ولأن الجميع يبحثون عن مصلحتهم الذاتية أصبح الجميع بالضرورة محبين للمال، لأن المال هو الوسيلة لتحقيق شهوات الناس واشباع أنانيتهم، وفي السباق المحموم نحو المال يصبح الانسان بالضرورة بلا حنو، فلا مجال لمشاعر الحنو والرفق تجاه المنافسين على لقمة العيش، بل يفقد الناس تدرجياً انسانيتهم ويصبحون شرسين وخائنين ومقتحمين، وإذا لم يحصلوا على ما يرضيهم تجدهم مجدفين يشتمون الناس والظروف التي تعاندهم ويتمردون على والديهم وعلى كل القوانين، وفي المقابل اذا استطاعوا أن يحصلوا على ما يريدون تجدهم يتعظمون على الآخرين ويستكبرون ويتصلفون معتدِّين بأنفسهم، لا يقدمون الشكر لمن ساعدهم بل ينسون الاحسان وينكرون الجميل، الانسان في كل ظروفه وأياً كانت أحواله يحب أن يفعل الشر!!
واحقاقاً للحق ينبغي أن نقول إن هذه الصفات الرديئة موجودة في الإنسان منذ وجوده على الأرض ولكن ما يميز الأيام الأخيرة هو ازدياد هذه الصفات انتشاراً ووضوحاً، في الأزمنة القديمة كانت قلة أعداد البشر بالقياس للموارد الطبيعية تقلِّص فرص الاحتكاك والتنافس، مما كان يعطي مجالاً لإظهار بعض الصفات الحسنة في البشر واخفاء بعض الصفات الرديئة، لكن مع تقدم الأيام وازدياد أعداد البشر مع بقاء الموارد الطبيعية محدودة ازدادت شراسة المنافسة مما جعل هذه الصفات الرديئة في الانسان تبرز وتزداد وضوحاً.
لكن الرسول يختم هذه الفقرة بأبشع صفة ستميز الأيام الأخيرة وتجعلها بالحق «أزمنة صعبة» ألا وهي «لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها»!! تماماً كما قال عاموس عن الزمن الرديء أن فيه تزداد الممارسات الدينية جنباً إلى جنب مع ازدياد الممارسات الشريرة هكذا الأمر في أيامنا الأخيرة تلك، يفاجئنا الرسول بقوله ان «صورة التقوى» ستغلف كل الأخلاق الرديئة التي ستظهر في البشر، سيحب الناس أنفسهم ولكنهم سيحاولون أن يجعلوا محبتهم لأنفسهم أمراً روحياً مؤيداً من الله! سيحبون المال ويقولون للناس ان مشيئة الله أن يكونوا أغنياء! سيبغضون الآخرين ويصورون هذه البغضة كأنها غيرة على الإيمان ودفاع عن الحق! سيتعظمون ويستكبرون ويتسلطون على الشعب تحت زعم أنهم مؤيدون بمواهب روحية فائقة! سيقتحمون حياة البسطاء بلا حنو وبلا نزاهة مستندين على تفسيرات باطلة للكلمة المقدسة!!!
ولئلا يعتقد أحد أن هذه الصفات الرديئة ستميز «الناس» في العالم وليس في داخل الكنائس لابد أن نقرأ رسالة الرب لملاك كنيسة لاودكية والتي تصور الكنيسة في الأيام الأخيرة، سنجد أن نفس هذا الداء منتشر في داخل الكنيسة، مع وجود كل الشقاء والبؤس والفقر والعمى والعُري نجد لسان حال ملاك الكنيسة «أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء»!! كل الانحدار الأخلاقي مع غطاء من الكبرياء الروحي الذميم!!

ما أصعب هذه الأيام الأخيرة!! ما أصعب أن تهرب من المعاناة في العالم الشرير إلى داخل الكنائس فتجد نفس المعاناة مع غطاء من التقوى المزيفة!! ليت إلهنا يرحمنا ويقصِّر تلك الأيام، وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

أحاديث من القلب

الأوقات والأزمنة (12)
بقلم : فخرى كرم
«لذلك يصمت العاقل في ذلك الزمان لأنه زمان رديء» (عا5: 13)

يحدثنا سفر عاموس عن «زمن رديء» عاشه الشعب القديم قبل السبي البابلي، زمان له سماته الخاصة والتي يمكن تحديدها في بعض النقاط:
       (1) ازدياد قسوة وتسلط الطبقة الغنية: قبل السبي عاش الشعب اليهودي بمملكتيه الشمالية والجنوبية فترات من الازدهار الاقتصادي والسياسي والعسكري في فترات حكم عُزيا ملك يهوذا ويربعام الثاني ملك السامرة، ولكن هذا الازدهار كان مقترناً بغياب العدالة الاجتماعية، فازدادت الطبقة الغنية رفاهية وتسلطت بعنف على الطبقات الفقيرة من الشعب، باعوا البار بالفضة والبائس لأجل نعلين، وضعوا تراب الأرض على رؤوس المساكين وصدوا سبيل البائسين، نساء السامرة صرن من الرفاهية سمينات مثل البقرات وبكل قسوة ظلمن المساكين وسحقن البائسين (2: 6، 7، 4: 1)
(2) اعوجاج القضاء وانحيازه للطبقة الغنية: عندما يتعرض المسكين لقسوة الأغنياء لا يصبح أمامه سوى اللجوء للقضاء، وكان القضاة في تلك الأيام يجلسون في أبواب المدن يقضون للشعب، ولكن للأسف هؤلاء الجالسون في الأبواب كانوا يبغضون مَن ينذرهم بالحق ويكرهون المتكلم بالصدق، إذا أتاهم المسكين في مسألة يدوسونه أكثر ويأخذون منه رشوة ليبنوا لأنفسهم بيوتاً من حجارة منحوتة، وأما البائس العاجز عن دفع الرشوة فيضايقونه ويصدُّونه حتى وإن كان باراً يستحق الانصاف (5: 10-12)
(3) ازدياد الممارسات الدينية: أكثر ما يجعل الزمن رديئاً هو ازدياد الممارسات الدينية بصورة شكلية بالتوازي مع الانحطاط الأخلاقي المتفشي في المجتمع، كلما أمعن الأغنياء في ظلم المساكين كلما بالغوا في الممارسات الدينية بشكل ملفت للنظر، وربما كان السبب في هذا هو التغطية على سلوكياتهم الخاطئة المملوءة ظلماً، وما أسوأ استخدام الدين كستار لتغطية انحرافات السلوك!! وما أبلغ كلمات الرب التي أرسلها على فم عاموس «بغضتُ كرهتُ أعيادكم ولست ألتذ باعتكافاتكم، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها، أبعد عني ضجة أغانيك ونغمة ربابكم لا أسمع» (5: 21-23)
في زمن مثل هذا يصبح الكلام والانذار بلا قيمة، لأن الضمائر قد ماتت والأذهان فسدت وحتى العبادة صارت مظهرية جوفاء، أصبح المجتمع يحوِّل الحق أفسنتيناً ويلقي البر إلى الأرض (5: 7) ولذلك يختار العاقل في هذا الزمن أن يصمت، فلم يعد هناك مجال للكلام بل للدينونة، ولذلك كان عاموس من الأنبياء المتنبئين بالسبي وطوال السفر كان يؤكد لشعوب يهوذا واسرائيل أن قضاء الرب آتٍ لا محالة، وأن الرخاء المؤقت الذي يعيشونه هو الهدوء الخادع الذي يسبق العاصفة، وأن يوم قضاء الرب سيأتي عليهم ظلاماً لا نوراً وقتاماً لا نور له (5: 16-20)!!
تكرر هذا الزمن الرديء مرة أخرى في وقت وجود الرب يسوع على الأرض، نفس الظلم الاجتماعي والفساد الأخلاقي والاسراف في الممارسات الدينية!! ولذلك صمت سيدي في أثناء محاكمته الأخيرة أمام القضاء المعوَّج لأنه «العاقل» الحقيقي الذي علم أن الكلام لم يعد له فائدة وأن الدينونة لا محالة قادمة!!

ألا تشعر أيها القارئ العزيز أننا نعيش زماناً مشابهاً؟!! ولكن لهذا حديثاً آخر(يتبع)