الجمعة، 2 فبراير 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (13)
بقلم : فخرى كرم

«أنتم نور العالم» (مت5: 14)

يكمل سيدنا تفسيره لوجود أبناء الملكوت وسط هذا العالم الموضوع في الشرير، ويضيف إلى جانب أنهم ملح الأرض حقيقة أخرى وهي أنهم أيضاً نور للعالم، والنور هو طاقة إيجابية تساعد الإنسان أن يرى الأشياء التي حوله، فبدون النور لا يمكننا أن ندرك بشكل كامل حقيقة الأشياء المحيطة بنا، أما الظلمة فهي شيء سلبي لا وجود حقيقي لها، فالظلمة هي ببساطة غياب النور!!
الرب يؤكد هنا أن أبناء ملكوت السماوات هم مصدر المعرفة الصحيحة في هذا العالم، بدون أبناء الملكوت لا يمكن للبشر أن يدركوا حقيقة الأشياء التي تحيط بهم وتحدث لهم في هذا العالم، روح الله هو الطاقة الإيجابية التي تعمل من خلال أبناء الله لتوضيح وكشف الحقائق بخصوص حياة الناس وأبديتهم.
يسوع المسيح هو النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم لينير كل انسان (يو1: 9) وكل من يتبعه لا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة (يو8: 12) هو بذاته النور الكامل الذي أنار حقائق الحياة والخلود (2تي1: 10) وهو شمس البر الذي ينبثق منه النور ويتوزع إلى كل أبنائه في هذا العالم (مل4: 2) وكل واحد من هؤلاء الأبناء يصبح بالتالي نوراً للعالم في المكان والزمان الموجود فيه بحسب مقدار النور الذي أخذه من يسوع.
النور هو طبيعة الله نفسه (1يو1: 5) أي إنه ليس مجرد معرفة عقلية أو إدراك ذهني يمكن أن يمتلكه الإنسان ويعيش به منفصلاً عن روح الله، إن النور هو طاقة روحية حية تتدفق في روح الانسان وتجعله يدرك الأمور المحيطة به يوم بيوم وساعة بساعة، إنه استنارة داخلية متواصلة بمقدار تواصل الإنسان مع يسوع بواسطة روح الله، إن النور الحقيقي هو حياة تنبض بداخل أرواحنا وتنمو وتتزايد إلى النهار الكامل (أم4: 18)
كم من أناس أخذوا نوراً من الله في أرواحهم وأدركوا أموراً ثمينة لكنهم فيما بعد ترجموها إلى أفكار في أذهانهم وظنوا أن هذا الأفكار هي نفسها النور!! وأنهم بنقل هذه الأفكار إلى الأخرين ينقلون النور إلى العالم، وهذه محض كذبة!! فالنور الحقيقي هو قوة حياة في الأرواح وليس أفكاراً ميتة في الأذهان، النور الحقيقي هو طبيعة الله نفسه ولا يمكن ترجمته إلى أفكار مجردة، النور الحقيقي ينبغي أن يتدفق لحظة بلحظة في روح كل إنسان ولا يمكن وضعه في هيئة أفكار محفوظة تُختزن في الأذهان ليستخدمها الإنسان وقتما شاء وكيفما شاء، سيظل النور دائماً ملكاً لله وحده ولن يصير يوماً ملكاً للإنسان!!
أما الظلمة فهي شيء سلبي يملأ كل مجال لم يملأه النور، إذا كان النور يكشف الحق عن كل الأمور فالظلمة هي غياب الحق وانتشار الضلال والخداع والكذب عن ذات الأمور، كل أمر لا تستطيع أن تراه في نور الله ستضطر أن تقبل عنه مفاهيم خاطئة وكاذبة وتعيش بذهن تسوده الظلمة عن هذا الأمر، ولأن الظلمة شيء سلبي ميت فهي بعكس النور يمكن انتقالها بسهولة بين البشر، الظلمة لا تحتاج إلى تدخل روحي فوقي لكي تنتشر في العالم بل يكفي اختلاط وتعامل الناس بعضهم ببعض لكي تنتشر الظلمة وتنتقل من ذهن إلى ذهن ومن نفس إلى نفس ومن روح إلى روح!!

إذا كان الله هو رأس ملكوت النور ومصدره الوحيد فإبليس يؤسس ملكوته على الظلمة التي تسود هذا العالم (أف6: 12) لأنه الكذاب وأبو الكذب (يو8: 44) ولذلك يترك الله أبناء النور في الأرض لكي يضيئون بين الناس كأنوار في العالم (في2: 15) وللحديث بقية (يتبع) 

الخميس، 11 يناير 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (12)
بقلم : فخرى كرم
«أنتم ملح الأرض» (مت5: 13)
بعدما تكلم ربنا في التطويبات عن الصفات وأعمال البر التي تميز أبناء ملكوت الله، وختم كلامه بأنهم سيتعرضون للطرد والتعيير والمقاومة بسبب هذا البر عينه، لابد أن سؤالاً ثار في أذهان السامعين: «لماذا إذاً يسمح الله أن يعيش أبناء الملكوت في هذا العالم الشرير الخاضع لسلطان الشيطان؟ ولماذا يعملون البر إذا كان العالم يرفض هذا البر ويقاومهم بسببه؟» والرب هنا يستأنف كلامه ويجيب عن هذا السؤال المنطقي.
الرب يقول إنه يتركنا نعيش في هذا العالم لكي نكون ملحاً للأرض، والرب هنا يشير إلى مادة شائعة يستخدمها كل بيت في إسرائيل لكي يشرح لنا معانٍ في غاية السمو، فالملح في تلك الأيام القديمة كان له تأثير في حياة الناس اليومية، كان يعمل أولاً على إضافة طعم مقبول للطعام وثانياً كان يقاوم انتشار الفساد في الأغذية المحفوظة، وهكذا تماماً يعمل أبناء الملكوت!!
الله يترك أبناءه في العالم لكي يجعل حياة البشر أفضل ويمكن احتمالها، فالحياة لا يمكن تصورها ولا احتمالها بدون أبناء الملكوت!! هل يمكنك تصور حياة غارقة في الماديات المنظورة فقط بدون مساكين بالروح يطلبون الله ويسعون نحوه لأجل أنفسهم والمحيطين بهم؟ هل تستقيم الحياة في المجتمع إذا كان الكل يهتم بما لنفسه فقط ولا يوجد من يحزن لأجل الآخرين ويتعاطف معهم؟ هل يمكنك العيش في مجتمع يتصارع ليلاً ونهاراً لأجل امتلاك الأرض بدون وجود ودعاء ينشرون المحبة والتسامح؟ هل هناك طعم لحياة خالية من أعمال البر والرحمة والتكافل الأخوي؟ هل نحتمل الحياة إذا كان الكل يكذب ويخدع ولا وجود للصدق ونقاء القلب؟ بل هل يمكننا تخيل التاريخ البشري بدون صانعي السلام الذين أطفأوا نيران الخصومات والحروب بين الأفراد والجماعات والشعوب؟!
هل يمكن تخيل تاريخ البشرية بدون رجل مثل إبراهيم قرر أن يرفع عينيه إلى فوق وينظر إلى المساكن الأبدية ويرفض أن يتعلق قلبه بمساكن على الأرض؟ رجل زرع بذرة الإيمان في حياة البشر معلماً إياهم أن هناك عالماً غير منظور له أساسات أثبت وأعظم من العالم المنظور، رجل منع بحياته سريان تيار المادية والانكباب على المنظور.   
هل يمكن تصور مستقبل شعب إسرائيل المُستعبد في مصر وهو يتعرض لكل صنوف الإذلال والإبادة بدون وجود إنسان مثل موسى رجل الله؟ ألم يكن موسى ملحاً للأرض في تلك الأيام القديمة عندما أعطى لشعبه رجاءً وسار به إلى حياة أفضل؟ ألم يكن ملحاً عندما منع انتشار فساد فرعون واتمام مخططه الشرير؟ بلى، كان موسى ملحاً للأرض رغم تعرضه للمقاومة من أعدائه ومن شعبه على حد سواء!!
هل يمكننا التنبؤ بأي منقلب ردئ كانت ستنقلب إليه مملكة إسرائيل المنقسمة لولا ظهور رجل مثل إيليا؟ الرجل الذي أعاد اسم الرب إلى ألسنة وقلوب الشعب المرتد، وتعامل بالنار والدينونة مع كل اسم غريب أراد أن يستشرى ويسود في وسط الشعب المغلوب على أمره!!

وماذا نقول أيضاً لأنه يعوزنا الوقت إن تكلمنا عن كل أبناء الملكوت في كل عصر وجيل، بل في كل مملكة ومدينة، بل في كل شارع وزقاق وبيت!! كانوا بشراً مثلنا لكنهم استطاعوا بحياتهم أن يضيفوا ألواناً بهيجة لحياة الناس المعتمة الكئيبة، ومن الناحية الأخرى استطاعوا أن يقفوا ضد تيار الشر الذي ما فتئ يحاول تدمير حياة البشر، لقد كانوا حقاً ملحاً للأرض!! وللحديث بقية (يتبع)  

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (11)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات» (مت5: 10)
إن أبناء ملكوت الله لا يعيشون في عالم خاص بهم لكنهم يعيشون في وسط هذا العالم الشرير، ورئيس هذا العالم هو إبليس نفسه، والصفات والأخلاق السائدة في هذا العالم مختلفة بل مضادة تماماً لصفات وأخلاق ملكوت الله، وهذا يضع مسئولية مضاعفة على أبناء الملكوت، فالمطلوب منهم ليس فقط أن يعيشوا البر بل أن يعيشوه في وسط عالم يبغض هذا البر ويقاومه طوال الوقت!! مطلوب أن يعيشوا أخلاق ملكوت الله في قلب عالم لا يفهم هذه الأخلاق ويسلك بأخلاق إبليس نفسه!! ولو استطاع أبناء الملكوت أن يواجهوا هذا التحدي ويتمموا هذه المسئولية الصعبة يكونون مستحقين لتطويب جديد وأجر عظيم في السماوات!!
إذا كان أبناء الملكوت الإلهي يمتازون بالروح المسكينة المتضعة التي تشعر كل الوقت بالاحتياج الشديد لله فأبناء ملكوت إبليس يتميزون بالاعتداد والتفاخر بالذات، هذا الاعتداد عينه الذي أخرج إبليس قديماً من ملكوت الله، وهذا الاعتداد يجعلهم يتعاملون بجفاء وتعالي مع كل مَن يختلف عنهم، بل يصل الأمر إلى العنف والقسوة تجاه من يخالفهم المبدأ والرأي.
إذا كان أبناء الله يتعاطفون مع الآخرين وتمتلئ قلوبهم بالحزن لأجلهم فأبناء هذا الدهر لا يمكنهم أن يحزنوا لأجل الآخرين لأن قلوبهم ممتلئة بأنفسهم وذواتهم تحتل كل اهتمامهم، وإذا كانت صفة الوداعة تميز أبناء الله حتى أنهم يحبون ويقبلون حتى الأعداء فطبيعة أبناء إبليس هي على النقيض تماماً من الوداعة، إنهم يعيِّرون من يختلف عنهم ويطردونه من وسطهم بل يقولون عليه بالكذب كل كلمة شريرة لكي يبرروا أنفسهم ويخدعوا ضمائرهم.
إذا كان أبناء الملكوت يجوعون للبر ويسعون طول الوقت لفعله فأبناء هذا العالم يطردونهم وينبذونهم لأجل هذا البر عينه!! وإذا كانت الرحمة تميِّز طبيعة أبناء الملكوت فأبناء هذا العالم يميزهم القسوة والعنف تجاه الآخرين، أبناء الملكوت يهتمون أن يرفعوا الأحمال عن كاهل الناس أما منهج أبناء إبليس فهو أن يحزموا أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس (مت23: 4)
وإذا كان الرب يطالب أتباعه بأن يكونوا أنقياء القلب يهتمون بطهارة أعماقهم أكثر من اهتمامهم بجمال مظهرهم، فملكوت هذا العالم هو ملكوت الزيف والخداع الذي يهتم بالمظهر البرَّاق ويهمل العمق المظلم، نحن نعيش في عالم مزيف يهتم بنقاء خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة (مت23: 25)
وإذا كان أبناء الله هم صنَّاع السلام في هذا العالم فأبناء إبليس هم صنّاع الخصام والانشقاق بين الإخوة (أم6: 19) فبينما يسعى أبناء الملكوت للتجميع وحفظ وحدانية الروح برباط السلام يسعى ابليس وأتباعه كل الوقت لبذر بذور الانقسام والعداوة في كل مكان.

ربنا يؤكد لنا في ختام التطويبات أن كل الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى العالم على مدار التاريخ تعرضوا للرفض والإهانة من معاصريهم، مما يؤكد أن الصراع بين هاتين المملكتين هو قديم قدم التاريخ نفسه، فلم يكن هناك وقت تصالح فيه العالم مع ملكوت الله!!  كما يؤكد ربنا أيضاً أن أجرنا سيكون عظيماً في السماء إذا استطعنا أن نعيش مبادئ ملكوت الله رغم مقاومة وتهديد إبليس وأتباعه، مقتدين بسيدنا الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا نكل ونخور في أنفسنا (عب12: 3) وللحديث بقية (يتبع)     

الجمعة، 3 نوفمبر 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (10)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون» (مت5: 9)
إن الرب يسوع هو نموذجنا الكامل في صنع السلام، ولكي نفهم معنى صنع السلام لابد أن نقرأ كلمات الرسول «لأنه هو سلامنا الذي جعل الإثنين (اليهودي والأممي) واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الإثنين في نفسه انساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً، ويصالح الإثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به» (أف 2: 14-16)
 لقد كانت هناك عداوة شديدة بين اليهودي والأممي بسبب ناموس الوصايا والفرائض، اليهودي كان يشعر بالتميُّز والتفوُّق على الأممي لأنه يمتلك الناموس ويريد أن يتبرر به، لكن عندما أبطل ربنا بذبيحته ناموس الوصايا والفرائض جمع اليهودي والأممي ليكونوا واحداً في شخصه، وهكذا صنع سلاماً ونقض حاجز العداوة القائم بينهما. وبنفس ذبيحته قتل يسوع العداوة التي كانت قائمة بين الإنسان (اليهودي والأممي) وبين الله، عندما جمع ربنا جميع البشر في نفسه انساناً واحداً وقدم عنهم ذبيحة مقبولة أمام الله، وهكذا انتهت العداوة القائمة بين الله وبين الكيان الخاطئ لكل إنسان يستتر في ذبيحة المسيح، سواء كان يهودي أو أممي.
نفهم من هذا النموذج الكامل أن صناعة السلام هي خلق حالة من التوافق بين الأطراف المتخاصمة ونقض جدران العداوة الفاصلة بين الأطراف المتباعدة، كما جمعنا الرب وصالحنا في شخصه رغم اختلافاتنا الكثيرة هكذا يريدنا أن نتمثل به ونسعى في حياتنا لجمع الأطراف المختلفة معاً صانعين بينهم سلاماً، وكما بذل الرب دمه ليصنع سلامنا هكذا نحن قد ندفع ثمناً غالياً لنصنع السلام ولكننا بهذا نبرهن عملياً أننا أبناء الله ولسنا أبناء إبليس، لأن منهج ابليس الذي يزرعه في هذا العالم يختلف جذرياً عن منهج صناعة السلام.
 ان منهج إبليس هو خلق الخصومة والعداوة بين الأطراف المتصالحة، انه النموذج الكامل لكل «زارع خصومات بين اخوة» (أم 6: 19) أنه الأب الروحي لكل خصام وبغضة وعداوة وقتل (يو8: 44) انه يسعى لبناء جدار عازل بين كل اثنين متجاورين ويحاول أن يخلق خصومة بين كل متحابين!! يسعى دائماً لتحويل الاختلاف إلى خلاف وتحويل الخلاف إلى خصومة وتحويل الخصومة إلى عداوة وتحويل العداوة إلى قتل!! انه يقتدر في تأجيج أعظم النار من مستصغر الشرر ويعرف كيف يفتح كل السبل أمام الكراهية كي تنتشر وتسود، إن ابليس يتبع منهج «فرَّق تسد»!! ان سبيله للسيطرة على العالم هو اضعاف الإنسان وتدمير قوته من خلال العداوة المزروعة بين الجميع.
 ان نظرة واحدة للأحداث الجارية حولنا تثبت لنا أن منهج إبليس ومملكته هو السائد اليوم في العالم عموماً وفي مجتمعنا خصوصاً، نستطيع أن نرى بوضوح انتشار الخصومات والبغضة بين البشر في كل مكان، جدران العزلة والتجنب ترتفع في كل بيت بين أفراد الأسرة الواحدة، سياج البغضة والإقصاء يتعاظم في كل يوم بين أفراد المجتمع الواحد، تستطيع أن ترى ذلك بوضوح في الوجوه الشاحبة والعيون الدامعة والدماء الصارخة من الأرض من دم هابيل وحتى يومنا هذا!!
 الأمل الوحيد لمجتمعنا المتألم هو في أبناء ملكوت الله الذين يتبعون منهج يسوع في صناعة السلام، الذين يسعون في حياتهم لهدم الحواجز ومسح الدموع وزرع المحبة، قد يدفعون ثمناً باهظاً لصناعة هذا السلام لكن طوبى لهم لأنهم أبناء الله يُدعون!! وللحديث بقية (يتبع)


الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (9)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله» (مت5: 8)
كينونة الإنسان تتكون من كيانين أساسيين، الكيان الخارجي الظاهر والكيان الداخلي الخفي (2كو4: 16) الكيان الخارجي هو سلوكيات الإنسان التي يراها الناس أما الكيان الداخلي فتتجمع فيه أفكار ودوافع الإنسان الخفية التي لا يراها الناس، وهذا الكيان الباطن الخفي هو ما يسميه الكتاب «القلب» وعن هذا قال السيد «لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: زنى فسق قتل سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل، جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان» (مر7: 21-23)
وعادة يهتم الإنسان بكيانه الخارجي أكثر من كيانه الداخلي، والسبب هو أن الناس ترى الكيان الخارجي ومن خلاله تحكم على صاحبه ايجاباً أو سلباً، ولأن الإنسان يهتم كثيراً بحكم الناس وبصورته أمامهم لذلك هو يهتم بتزيين كيانه الخارجي أكثر من اهتمامه بنقاء كيانه الداخلي، وفي هذا قال السيد «أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس والقصعة وأما باطنكم فمملوء اختطافاً وخبثاً، يا أغبياء أليس الذي صنع الخارج صنع الداخل أيضاً؟!» (لو11: 39، 40)
أما الله فعلى العكس من الناس لا ينظر كثيراً إلى خارج الإنسان بقدر ما ينظر إلى قلبه «لأنه ليس كما ينظر الإنسان، لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فينظر إلى القلب» (1صم16: 7) الله يهتم أكثر بصلاح القلب لأن صلاح القلب يحتِّم بالضرورة جمال الخارج أما تزيين الخارج فلا يعني بالضرورة صلاح القلب!! الكيان الداخلي دائماً يؤثر وينعكس على الكيان الخارجي لكن العكس ليس صحيحاً، فالإناء ينضح بما فيه أو كما قال السيد «من فضلة القلب يتكلم الفم، الانسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يُخرج الصالحات» (مت12: 34، 35) فلا يمكننا بتزيين السلوك الخارجي أن نُصلح القلب في الداخل، بل أن الواقع العملي يؤكد أننا قد ننجح في تنقية الخارج ويظل الداخل فاسداً وقد يستطيع الإنسان أن يكرم الله بشفتيه ويظل القلب مبتعداً عنه بعيداً (مر7: 6) وهذا ما يسميه الرب «الرياء»!!
في التطويب السادس يؤكد الرب أن أبناء ملكوت الله يتميزون بنقاء القلب، انهم على العكس من أبناء العالم لا يهتمون بصورتهم أمام الناس بقدر اهتمامهم بنقاء قلوبهم أمام الله، عندما يفحص الروح أعماقهم الخفية يجد أفكاراً نقية ونوايا طاهرة ودوافع شريفة، لسان حالهم دائماً يقول «قلباً نقياً اخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي» (مز51: 10) وأيضاً «اختبرني يا الله واعرف قلبي امتحني وأعرف أفكاري» (مز139: 23) وهذا لا يعني أبداً أنهم يهملون في سلوكياتهم أمام الناس لأننا اتفقنا أن الداخل النقي لابد أن ينضح على صورتهم الخارجية بزينة مقدسة خالية من الرياء.

والرب يؤكد أيضاً أن نقاء القلب هو الطريق لرؤية الله في حياتنا، الله كلي الصلاح والنقاء وليس فيه أي اعوجاج أو رياء، ولكي نستطيع أن نتعامل مع الله وجهاً لوجه لابد أن نمتلك قلوباً صالحة ونقية ولو في حدها الأدنى، فأبسط قواعد العلاقة الصحيحة بين طرفين هو الحد الأدنى من التوافق والانسجام بين قلبيهما، لا يمكن لإلهنا الصالح أن يعلن عن نفسه أو يدخل في علاقة حميمة مع قلب غير صالح وغير نقي!! إن الطريق الوحيد لنختبر حضور الله في حياتنا هو أن نترك روح الله ينقي قلوبنا من كل دنس، أما إذا أهملنا نقاء قلوبنا فلابد أن نعاني من عدم رؤيتنا لله عاملاً في حياتنا بوضوح، وللحديث بقية (يتبع)      

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (8)
بقلم : فخرى كرم 
«طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون» (مت5: 7)
الرب هنا يشير إلى صفة جديدة تميز أبناء الملكوت وهي أنهم رحماء، والرحمة في أبسط معانيها هي رفع الأثقال عن كاهل الآخرين، فالرحيم هو الشخص الذي يشعر بأثقال الناس ويعمل دائماً لرفعها عنهم أو على الأقل تخفيفها، مقتدياً بسيده الذي كان يجول يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم ابليس، يسوع الذي دعا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال لكي يريحهم، يسوع الذي نراه في آخر لحظات حياته لا يتوانى أن يرفع ثقل الخطية عن كاهل اللص المعلَّق بجواره، يسوع وهو يتوجع مصلوباً لم ينسَ أن يرفع عن أمه هموم الأيام التالية عندما طلب من يوحنا أن يأخذها إلى خاصته !! فأثقال الناس قد تكون ذات طبيعة روحية مثل خطايا اللص المصلوب وقد تكون ذات طبيعة نفسية مثل ثقل الحزن والوحدة الذي كانت الأم المكلومة تنوء تحته!!
الرحمة هي أن تفعل الخير للآخرين بغض النظر عن استحقاقهم للخير أو عدم استحقاقهم، إذا قدمنا الخير للمستحقين فقط فلا يُعد عملنا هذا رحمة، عمل يسوع الرحمة مع الأحباء والأعداء، مع الأبرار والأشرار    وعلَّمنا ألا نحب الذين يحبوننا فقط بل نحب أعداءنا ونُحسن إليهم ونصلي لأجلهم، وفي مَثَل السامري الصالح علَّمنا يسوع أن نصنع الرحمة مع القريب ومع العدو، فالدافع الأوحد للرحمة هو صلاح الراحم وليس صلاح من تتجه إليهم الرحمة!!
والرحمة هي أن ترفع أثقال الآخرين دون أن تنتظر منهم مقابلاً أو تتوقع منهم امتناناً، فالراحم يرحم بسرور لأن هذه هي طبيعته ودون انتظار لأي مجازاة، سروره الحقيقي أنه يتشبه بسيده ويتمم مشيئته!!
الله يريد أن يرى الرحمة في كل سلوكياتنا، بل أنه يعتبر الرحمة هي جوهر العبادة المقبولة، وبدون الرحمة تصبح عبادتنا ممارسات جوفاء لا معنى لها!! قدم الشعب قديماً صوماً لله لكن الرب لم ينظر إليهم ولم يستجب، ولما تساءل الشعب «لماذا صمنا ولم تنظر؟ ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ؟» كانت إجابة الرب لهم على فم إشعياء «أليس هذا صوماً أختاره: حلَّ قيود الشر، فك عقد النير وإطلاق المسحوقين أحراراً وقطع كل نير، أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك، إذا رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك» (أش 58)
هذه القائمة من الأعمال هي ببساطة أعمال الرحمة التي ينتظر منا الرب أن نعملها مع الجميع، لقد ظن الشعب أنه يستطيع أن يقدم للرب طقوساً دينية مقبولة دون أن تظهر في حياتهم اليومية أعمال الرحمة، لقد أخطأوا فهم طبيعة إلههم وظنوه يُسر بالتقدمات والذبائح مثل آلهة الأمم الباطلة، بينما الحقيقة هي أن إلهنا لا يرضى إلا بكل ما يتفق مع طبيعته الصالحة والرحيمة. ولقد أشار الرب يسوع لكلمات اشعياء هذه عندما قال مرة لمنتقديه «اذهبوا وتعلَّموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة» (مت9: 13) ما أسهل أن يقدم الإنسان ذبيحة لكن ما أصعب أن يقدم رحمة!!                                                          ووعد الرب للرحماء أنهم بلا شك يُرحمون، وهذا تأكيد للقانون الإلهي «لا تضلوا، الله لا يُشمخ عليه (لا يُخدع) فان الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً» (غل6: 7) مَن يختار أن يُرضي الله ويتوافق معه في عمل الرحمة لابد أن يجد رحمة الله تحيطه من كل جهة، أما مَن يظن أنه يستطيع أن يقدم عبادات لله دون أن يتخذ الرحمة منهجاً لسلوكه فهو يظن أنه يستطيع أن يخدع الله، وهذا هو الضلال بعينه!! وللحديث بقية (يتبع)