الخميس، 6 سبتمبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (20)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم انه قيل للقدماء لا تحنث.. أما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة» (مت5: 33، 34)
ينتقل ربنا للحديث عن وصية أخرى من وصايا الناموس التي يتعامل معها الناس بسطحية شديدة وسذاجة، ألا وهي الوصية الثالثة «لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يُبرئ مَن نطق باسمه باطلاً» (خر20: 7)
كلنا نحب حين نتكلم أن نُكسب حديثنا مصداقية وقبولاً لدى السامعين، نريد أن يكون لكلماتنا سلطانها على الأخرين وأن يعيروها انتباههم، وهناك أساليب شتى لتحقيق هذا الغرض مثل تغيير نغمة الصوت وارتفاع النبرة واستخدام تعبيرات الوجه وحركات الأيدي أثناء الحديث...، لكن أشهر هذه الأساليب وأكثرها استخداماً هو «الحلف» الذي هو ببساطة ربط الكلام بأمر أو باسم مقدس لإكساب كلامنا قدسية ومصداقية.
والمشكلة هنا أن أحاديثنا لا يمكن أن ترتقي لمستوى القداسة والتنزيه، فناهيك عن الكذب المتعمد في أحيان كثيرة هناك دائماً الكثير من القصور والمحدودية والجهل يشوب أفضل أحاديثنا وأكثرها صدقاً!! فلذلك ينبغي ألا نضفي على أحاديثنا قداسة لا تستحقها ولا نسعى لإكسابها سلطاناً ليس لها.
ولقد اعتاد الأمم المحيطون بشعب إسرائيل أن يحلفوا دائماً بآلهتهم ليؤكدوا أقوالهم رغم احتوائها على الكثير من الأكاذيب والمغالطات، وفي الوصية الثالثة يحذِّر «يهوه» شعبه من استخدام اسمه بهذا الأسلوب لأن اسمه أقدس من أن يقترن بكلامنا الناقص وأعظم من أن يُستخدم ليعطي مصداقية لأقوالنا المملوءة بالأخطاء، وتأكيداً لهذا المعنى عاد موسى ليؤكد على الشعب أنه إذا أقسم أحدهم قسماً مستخدماً اسم الله فينبغي ألا يحنث بل يوفي ما أقسم عليه لئلا يقع تحت طائلة كسر الوصية (عد30: 1، 2)
لكن الشعب بكل التواء وخبث حاول أن يلتف على هذه الوصية ويجردها من معناها، فاستمروا يحلفون لتأكيد كلامهم لكنهم بدلاً من استخدام لفظ الجلالة في حلفهم استخدموا أسماء أخرى مثل «السماء» و«الأرض» و«أورشليم» و«رؤوسهم» أو «رؤوس» أبائهم!! محاولين بذلك أن يستمروا في الحلف واضفاء مصداقية على أقوالهم الممتلئة بالأكاذيب مع تجنب الإساءة لاسم الله!! لكن ربنا يفاجئهم بأن كل الأسماء التي يحلفون بها هي تنتمي أيضاً لله، وبالتالي استخدامهم لأسماء أخرى في الحلف لا يعفيهم من الوقوع تحت طائلة إهانة اسم الله.
ثم ينتقل ربنا بسامعيه إلى الهدف الأساسي لهذه الوصية والتحقيق الأكمل لها وهو أن يكون كلامنا صادقاً وبسيطاً فلا نحتاج لتأكيده بالحلف أو القسم، أن نقول «نعم» حين يكون الصدق هو «نعم» ونقول «لا» حين يكون الصدق هو «لا»، مع الأخذ في الاعتبار أن معرفتنا محدودة ونسبية، وبالتالي فما أراه صدقاً الآن قد أكتشف فيما بعد عدم صدقه، وأقوالي التي أعتقد اليوم أنها كاملة قد أكتشف غداً نقصها وعدم نفعها، فلماذا إذاً نزج باسم الله الكامل والمطلق لنؤكد أقوال ناقصة ومعيبة؟! 
ولقد لخَّص لنا يعقوب في رسالته هذا الحق قائلاً «يا إخوتي لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر بل لتكن نعمكم نعم ولاكم لا لئلا تقعوا تحت الدينونة» (يع5: 12) إن طبيعة الله هي الاستقامة والحق والصدق، ليس فيه ظلمة البتة، ليس عنده تغيير أو دوران، وبالتالي فهو يريد لأبناء ملكوته أن يكونوا مثله، أن يطرحوا عنهم الكذب ويتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه (أف4: 25) وللحديث بقية (يتبع)


الاثنين، 6 أغسطس 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (19)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم انه قيل للقدماء لا تزنِ...» (مت5: 27-32)
مازال ربنا يواصل حديثه عن كيفية فهم العمق الحقيقي لوصايا الناموس والوصول لتطبيقها الكامل عملياً، وكما نزل بوصية «لا تقتل» إلى جذورها العميقة فنهانا عن البغضة والاستهانة بالغير، ها هو يصل بوصية «لا تزنِ» إلى عمقها الحقيقي فينهانا عن الشهوة.
لقد ظن الانسان أن الله ينهى عن فعل الزنى فقط، فترك للشهوة الردية العنان لترتع في فكره ونظره وقلبه وظن أنه في مأمن طالما لم يرتكب الزنى عملياً، بل أوجد منفذاً شرعياً من خلال الطلاق لكسر رباط الزواج والارتباط بأخريات، فاذا تمكنت الشهوة من القلب تجاه امرأة أخرى بخلاف الزوجة فانه يقدم للزوجة كتاب طلاق ويذهب ليتزوج بالأخرى، وهو يشعر أنه بذلك لم يكسر الوصية!!
لكن الرب يفاجئ سامعيه أن غاية الوصية هو النهي عن الشهوة الردية التي لا تشبع ولا تكتفي بالزوجة ولا تقيم وزناً لقصد الله من وراء الزواج وتكوين الأسرة، لقد خلق الله في البدء آدم ثم بنى من أحد أضلاعه حواء، وهكذا صنع الله أول أسرة في تاريخ البشر من رجل واحد وامرأة واحدة، وكان قصد الله أن يختبر الرجل والمرأة في نطاق الأسرة معاني المحبة والاتحاد والمشاركة في ولادة الأبناء وتربيتهم، هذه هي المعاني السامية التي قصدها الله من وراء الغريزة الجنسية المغروسة في أجسادنا، وهي المعاني التي ينسفها تماماً وقوع الطلاق أو الانفصال بين الزوجين (مت19: 4-8)
إن كل خليقة الله صالحة إذا استخدمناها في نطاقها الصحيح، وهذا الحق ينطبق تماماً على الغريزة الجنسية، فهي متى أُستخدمت بشكل صحيح في نطاق الأسرة تصبح مادة بناء واشباع وتقدم، أما إذا خرجت الغريزة الجنسية عن السيطرة وتحولت إلى شهوة لا تفرغ تطلب لنفسها إشباعاً متجدداً، تصبح عندئذ أكبر تهديد يواجه استقرار الأسرة، عندئذ يصبح اشباع الغزيرة هو الهدف في حد ذاته وليس تكوين الأسرة واستقرارها، وهذا هو الزنى في عمقه وجذوره!!
فإذا سمح الرجل لقلبه وعينه ان تشتهي امرأة أخرى بخلاف زوجته فهو في نظر الله قد ارتكب الزنى، وإذا أراد أن يُكسب فعلته هذه شرعية فأعطى لزوجته كتاب طلاق ليتزوج بأخرى فهو يزني ويدفع مُطلقته للزنى (مت5: 32، مت19: 9) فالزنى في نظر يسوع هو كل ما يهدم مخطط الله تجاه الأسرة المكوَّنة من رجل واحد وامرأة واحدة، وهذا هو فكر الله من البدء، وإن كان قد سمح بالطلاق في العهد القديم فلأنه كان لا يزال يعطي مساحة لقساوة قلب الإنسان وبطء فهمه لمقاصد الله وعدم اكتراثه بتتميمها، أما في العهد الجديد فأبناء الملكوت ينبغي أن يعرفوا فكر الله الأصيل ويتعلَّموا كيف يتحكمون في غرائزهم ويستخدمونها بما يتمم مشيئة الله على الأرض!!
  ولأن ربنا يعلم أن هذه الغريزة متأصلة في جسد الإنسان استخدم تعبيرات قوية تحثنا على عدم التهاون مع الميول الخاطئة لهذه الشهوة، مثل اقتلاع العين وقطع اليد!! وهذه بلا شك تعبيرات مجازية لأن ربنا نفسه يعلِّمنا أن مصدر الزنى هو قلب الإنسان وليس أعضاء جسده (مر7: 21-23) لكن ربنا يريدنا أن نحكم بحسم وبشدة على أي تحرك غريب للشهوة بداخلنا كما لو أننا نتخذ قراراً باقتلاع العين أو قطع اليد!! وللحديث بقية (يتبع)

الخميس، 5 يوليو 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (18)
بقلم : فخرى كرم
«فاترك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك» (مت5: 24)
عندما أعطى الله الناموس قديماً كان هدفه هو الوصول بشعبه إلى حياة تحب «الحق والرحمة والإيمان» (مت23: 23) فهذا هو جوهر الناموس وأثقله على النفس البشرية التي لا تحب بطبيعتها الساقطة الحق والرحمة والإيمان، حتى أن ربنا لخَّص لنا وصايا الناموس كلها في وصيتين عُظمتين: «تحب الرب إلهك» و«تحب قريبك كنفسك» (مت22: 37-40) لو أحب الإنسان الرب إلهه من كل القلب وأحب قريبه كنفسه يكون قد وصل إلى جوهر الناموس وتمَّم مقصده الحقيقي، ولابد أن تمتلئ حياته بالقيم والسلوكيات العملية المتفقة مع الحق والرحمة والإيمان، وسيجد نفسه يتمم كل وصايا الناموس ببساطة وتلقائية بدون معاناة أو تظاهر.
لكن الإنسان دائماً يحاول الالتفاف على وصايا الله وتجريدها من جوهرها ومضمونها الحقيقي!! فترك قادة الشعب جوهر الناموس وأثقله واهتموا بالحفاظ على ظاهر الوصايا التي يراها الناس، خلت قلوبهم من محبة الله والقريب ولكنهم أمعنوا في اظهار تدقيقهم في تعشير النعنع والشبث!! اهتموا بتقديم الذبائح في الهيكل أكثر من اهتمامهم برحمة الأبوين واكرامهم!! والسبب وراء هذا الاهتمام بالعبادة الظاهرية هو رغبتهم في الوصول الى «البر» في عيون الناس وليس «البر» في عيني الله، حتى أن ربنا واجههم بتشخيص دقيق لحالتهم بقوله «هكذا أنتم أيضاً تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثماً» (مت23: 28)
واهتمام الانسان بحصوله على صفة «البر» في عيون الناس يهدف الى المصلحة الشخصية، فهذا البر يعطيه سلطاناً على نفوس الناس وقدرة على التحكم بهم وتسييرهم بحسب هواه، ويجعله يجني الكثير من المكاسب المادية من وراء انجذابهم خلفه، أما البر في عيني الله فلا يعطي صاحبه كل هذه المكاسب الشخصية والمادية، فلذلك لا يهتم الانسان الساقط كثيراً بأن يكون باراً في عيني الله!!
في موعظة الجبل يؤكد ربنا لسامعيه على جوهر الوصية ومضمونها رغبة منه في تكميل الناموس والوصول به إلى غايته الحقيقية، ولكي يؤكد على حقيقة أن الله يهتم في المقام الأول بمضمون الوصية وليس بمظهرها أدهش ربنا سامعيه بقوله «ان قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدم قربانك»!! ربنا يؤكد هنا أن الله يعنيه أن يكون هناك سلام في الخفاء بين الأخوين أكثر مما يعنيه أن يتصاعد دخان الذبيحة الى السماء أمام عيون جمهور العابدين!! الله يهتم أن يتنسم رائحة سرور من المحبة المتبادلة بين القلوب أكثر مما يهتم برائحة الشواء التي تملأ الانوف!!
ولنلاحظ أن ربنا لم يقل إن التصالح مع الأخ يُغني عن تقديم الذبيحة، بل بعد التصالح لابد أن يعود ويقدم ذبيحته، فتحقيق جوهر الوصية ليس بديلاً عن الاهتمام بتطبيق الجانب الظاهر للوصية، فربنا لم يأت لينقض أياً من وصايا الناموس بل ليصل بها إلى الكمال، السر كله يكمن في كلمة «أولاً»، فلابد أن نعرف ترتيب الأولويات في عيني الله، الباطن أولاً ثم الظاهر، الخفي أولاً ثم المُعلن، المحبة والحق والرحمة والإيمان أولاً ثم الطقس، وللحديث بقية (يتبع)

الجمعة، 1 يونيو 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (17)
بقلم : فخرى كرم
«إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات» (مت5: 20)
هناك رغبة عميقة في قلب كل انسان للوصول إلى «البر»، أي الوصول إلى حالة التبرير وعدم الإدانة، فالبر هو عكس الخطية والذنب، والانسان بدون أن يشعر يبذل مجهوداً كبيراً طوال حياته ليظل مُبرراً في عيني نفسه وعيون الآخرين، ولذلك كان الكتبة والفريسيين يبذلون مجهودات كثيرة ليحفظوا ويتمموا وصايا الناموس لكي يصلوا إلى الإحساس بالبر.
ولكن ربنا يلفت نظرنا هنا إلى أن «البر» له مستويات مختلفة، فهناك البر في عيون الناس وهو نوعية بر الكتبة والفريسيين، وهناك البر في عيني الله وهو نوعية بر أبناء الملكوت، وهذه النوعية من البر تزيد كثيراً عن نوعية بر الكتبة والفريسيين. والذي يحدد أية نوعية من البر سيسعى إليها الإنسان هو اجابته على السؤال: في عينيّ مَنْ يريد أن يكون باراً؟!
إذا أحب الإنسان أن يكون باراً في عيون الناس فسيكتفي بحفظ ظاهر الوصية الخارجي وقشورها السطحية، بل قد يبالغ في تدقيق تفاصيل صغيرة ليست لها قيمة حقيقية، وسيكون حريصاً دائماً أن يكون في مرمى عيون الناس وتحت نظرهم، وإذا لمس تقدير الناس واعجابهم به يشعر براحة عميقة في ضميره واحساس داخلي بالتبرير والقداسة.
أما نوعية البر الذي ينشده أبناء الملكوت فهو البر بحسب عيني الله وحكمه، ولذلك هم لا يكتفون بظاهر الوصية بل بجوهرها، ولا ينشغلون بالتفاصيل السطحية التي يراها الناس بقدر انشغالهم بالحقيقة الداخلية التي يراها الله، ولا يعنيهم تقدير الناس وتبريرهم لأنهم يعلمون أن حكم الناس كثيراً ما يكون خاطئاً ومُضللاً!!
لو كنتُ أنشد البر في عيون الناس فسأكتفي بعدم مد يدي للقتل حتى لو كان قلبي ممتلئاً بالحقد والرغبة في التشويه، تماماً كما خطط الكتبة والفريسيين لقتل يسوع ولكن بأيدي الأمم ليظلوا محتفظين بإحساسهم المزيف بالبر لأنهم لم يمدوا أياديهم فعلياً للقتل!! سأحرص في تعاملي مع الآخرين أن يكون اسلوبي ناعماً وكلماتي رقيقة وتصرفاتي محسوبة لكي أظل باراً في عيونهم حتى لو كان قلبي يموج بالغضب والحقد وإرادة القتل!!
أما لو أردتُ أن أكون من أبناء الملكوت الذين ينشدون رضا الله وتبريره فعندئذ لابد أن يزيد بري عن هذا المستوى السطحي المملوء بالزيف والخداع، حينئذ سأدرك أن الوصية لا تنهاني فقط عن فعل القتل بل بالأحرى عن دوافعه وجذوره، وقتها سأهتم بأن يكون قلبي (الذي يراه الله لا الناس) خالياً من الغضب الباطل والاستهانة بالآخرين والرغبة في تجريحهم وتشويه سيرتهم.

وهكذا يقدم لنا ربنا مثالاً لكيفية الوصول بالوصية إلى الكمال، فهو لم يأتِ لينقض وصية الناموس التي تنهى عن القتل بل بالحري ليصل بها إلى مقصد الله الكامل من وراء هذه الوصية، فالله لا يريدنا أن نحمل في قلوبنا للآخرين غضباً أو تجريحاً أو اقصاءً، الله يريد أن يمنع القتل من بداياته الأولى ويقتلع شجرة الموت من جذورها الدفينة، الله يريد أن يخلق في المسيح شعباً باراً بالحق وليس مجرد قبور مُبيضة من الخارج، وللحديث بقية (يتبع)  

الجمعة، 4 مايو 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (16) 

بقلم : فخرى كرم

«قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل» (مت5: 21)

بعد تأكيد الرب لسامعيه أنه لم يأتِ لينقض الناموس والأنبياء بل ليكملهما، يتقدم ربنا في حديثه ليشرح لنا معنى اكمال الناموس والأنبياء، ويقدم لنا أمثلة من وصايا الناموس التي تحتاج أن تكتمل في الأذهان وبالتالي في الحياة العملية لأبناء الملكوت.
المثال الأول هو الوصية التي تنهي عن القتل، لقد حفظ اليهود هذه الوصية حرفياً وجاهدوا لكي يتمموها، وكانت ضمائرهم تشعر بالراحة لمجرد أنهم لم يمدوا أياديهم لقتل أي إنسان، ولكن ضمائرهم هذه عينها كانت لا تشعر بأي غضاضة في أن يملأ الغضب قلوبهم تجاه اخوتهم في الإنسانية، أقرباء كانوا أم أعداء، بل كان الأتقياء فيهم يحرصون على تأكيد تقواهم بإظهار غضبهم من الشرور المنتشرة في المجتمع والنطق بكلمات الإدانة والتحقير من شأن المخطئين والإسراع بالحكم والقضاء بقسوة عليهم.
والرب يؤكد أن حفظ اليهود لهذه الوصية أمر جيد بلا شك، بل أنه حماية للمجتمع من جرائم كثيرة، لكن هذه الوصية تحتاج الى مزيد من الوعي والإدراك، فحين أوصى الله بهذه الوصية في الناموس لم يكن ينهانا عن القتل كفعل مادي حرفي فقط بل كان ينهانا عن جذور هذا الفعل ودوافعه الرديئة.
الدافع الخفي للقتل هو اعتداد الانسان بذاته ومحبته لها وسعيه لإظهارها وتمجيدها، منذ أن سقط الإنسان في الجنة أصبح بداخل كل واحد منا «إله» يبحث عن المجد والسلطان، لقد ألقى إبليس في قلب الإنسان جذر الخطية ألا وهو الاعتقاد بأنه يستطيع أن يصير مثل الله، ومنذ ميلادنا في هذا العالم أصبحنا نمتلك هذه الذات الرديئة التي تعتقد أنها الأفضل والأعظم، ذات تحب نفسها جداً وتريد أن يخضع الجميع لأفكارها ورغباتها، هذه الذات المنتفخة هي الدافع الخفي وراء القتل.
هذه الذات تغضب جداً من كل مَن لا يخدم أغراضها ولا يلبِّي رغباتها، تحقد على من يخالفها الرأي لأنه باختلافه معها يحطم تقديسها لذاتها واعتدادها برأيها، وهذا الغضب يدفع الذات لمحاولة تشويه صورة الآخر المختلف عنها وإظهاره بصورة السفيه والأحمق، ليس لأنه هكذا فعلاً لكن لأنها تريد أن تقول إنها هي العارفة بالخير والشر ورأيها هو وحده الجدير بالاعتبار!!
اعتداد قايين بذاته وبعمله جعله يغضب من أخيه لمجرد أنه مختلف عنه، لم تحتمل هذه الذات الرديئة أن يكون هناك فرد واحد على الأرض يختلف عنها في معتقده وفعله، لأنه في اختلافه عنها يحطم اعتدادها بذاتها واعتقادها بصحة ما تعمله!! رغم أن هابيل لم يفعل أي شيء يضر بأخيه إلا أن الغضب تمكَّن من قلب قايين حتى قام على هابيل وقتله!! هذا هو أول مثال في تاريخ الإنسان للغضب «الباطل» الذي ينهانا الرب عنه هنا، والذي يستوجب نفس عقوبة القتل لأنه الدافع الحقيقي وراء القتل!!
خلف كل جريمة قتل توجد ذات غاضبة لأنها لم تستطع أن تصل لما تريد!! ذات تجلس على عرش الإله في قلب الإنسان وتريد أن كل الأشخاص والظروف تعمل لخيرها، ذات لا تتورع أن تجرح وتهين كل مَن يعطل مجدها أو يجذب الأضواء بعيداً عنها، ذات تعتقد أن من حقها أن تمد يدها بالقضاء والحكم بالموت على الآخرين لمجرد أنهم مختلفون عنها!! وسيحتاج هذا الحديث لبقية (يتبع)   

الثلاثاء، 3 أبريل 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (15)

 بقلم : فخرى كرم

«لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل أكمِّل»(مت5: 17)

بعدما تكلم الرب عن صفات أبناء الملكوت وسبب وجودهم في العالم لا شك أن تساؤلات كثيرة بدأت تثور في أذهان سامعيه: ما هذه التعاليم الجديدة التي يتكلم بها يسوع؟ هل يسوع ينادي بإله جديد له شرائع جديدة تختلف عن ناموس إله اسرائيل؟ هل يسوع يعلن فشل المخطط الإلهي القديم الذي بدأه يهوه مع شعبه ولذلك هو ينقض هذا المخطط القديم ويقيم مخططاً جديداً؟! ولأن ربنا كان يرى هذه الظنون في أذهان السامعين بدأ يجيب عنها في المقطع التالي من موعظة الجبل.
يبدأ الرب كلامه بنفي هذه الظنون من أذهان السامعين، فالإله الذي ينادي به يسوع هو نفسه إله اسرائيل، وشريعته التي أعطاها لشعبه قديماً لا يمكن أن تُنقض، ولم يأتِ يسوع ليضيف تعاليم جديدة إلى الناموس بل ليسير به إلى الكمال!! يسوع هنا يعلمنا أن نؤمن بوحدة الكتاب المقدس بعهديه وبوحدة الإعلان الإلهي فيه وبوحدة القصد الإلهي من نحو الإنسان عبر التاريخ كله!!
حين أعطى الله الناموس للشعب القديم كان في قلبه قصد صالح من نحو الإنسان، كان يريد أن يخلِّص الانسان من السقوط الذي حصل في جنة عدن ويعود به إلى مشيئة الله ورضاه، وهذا القصد الإلهي لا يمكن أن يفشل أو يتغير قط، بل لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة منه حتى يكون الكل، ولم يأتِ يسوع إلى أرضنا إلا ليصل بهذا القصد الإلهي إلى الكمال!!
كان الله يريد من وراء الناموس أن يقدِّس لنفسه شعباً خاصاً يكون اعلاناً عنه لكل الأرض، وهذا تماماً ما أتى يسوع ليكملِّه، وصايا الناموس كانت ترسم للانسان خطوات الرجوع إلى رضا الله ومحضره، ويسوع أتى ليسير في هذه الخطوات ويزيدها وضوحاً وعمقاً، طقوس الناموس كانت تهدف لغرس بغضة للنجاسة وطلب للقداسة في نفوس العابدين، وهذا ما غرسه يسوع في نفوس تلاميذه بعمل روحه القدوس، ذبائح الناموس كانت ترسِّخ لمبدأ أن أجرة الخطية موت ولعنة أما رضا الله فهو حياة وبركة، وهذا بالضبط ما استطاع يسوع أن يعلنه في صليبه وقيامته!!
ما يعلنه يسوع هنا هو أن اعلان الله واحد في جوهره ولكنه متدرج نحو الكمال عبر التاريخ البشري، فاذا كان جوهر اعلان الله في الناموس باقٍ لا يمكن أن يُنقض إلا أنه في المسيح تقدم نحو الكمال، مقاصد الله من وراء الناموس صارت أكثر وضوحاً وامكانية للتنفيذ من خلال حياة يسوع وتعاليمه وعمله الكفاري، يسوع لم يأت ليسير في خط موازٍ أو متقاطع مع الخط الذي سار فيه الله مع شعبه القديم، لكنه أتى ليسير في نفس الخط وليصل فيه إلى الكمال.

لقد أحسن الكتبة والفريسين صنعاً عندما تمسكوا بالناموس باعتباره شريعة الله وقدِّسوا كلماته بل وحروفه ونقاطه!! لكنهم أخطأوا حينما ظنوا أن الناموس هو مجرد النصوص والكلمات ولم يدركوا أن المهم حقاً هو المعاني والمقاصد الإلهية التي تحملها النصوص والكلمات!! أحسنوا عندما افتخروا بأنهم الشعب الذي استأمنه الله على الناموس ولكنهم أخطأوا عندما ظنوا أن هذا الناموس هو آخر اعلانات الله للانسان ولا يمكن الاضافة اليه أو التقدم به نحو اعلان أكمل وأعظم!! وسيبدأ الرب في الأجزاء التالية من موعظة الجبل يشرح لنا كيف يمكن التقدم بوصايا الناموس نحو كمال تحقيقها، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)     

الجمعة، 2 مارس 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (14)
بقلم : فخرى كرم
«لكن إن فسد الملح فبماذا يُملَّح؟ ..لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعةعلى جبل ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال» (مت5: 13، 15)

كل امتياز يحمل في طياته مسئولية وكل نعمة تستلزم بالضرورة جهاد!! ولذلك أضاف الرب في حديثه عن امتيازات أبناء الملكوت إشارات واضحة عن مسئولياتهم وتحذير شديد من فشلهم في القيام بها، فإذا كان من امتياز أبناء الملكوت أنهم ملح للأرض فمسئوليتهم أن لا يفقدوا ملوحتهم، وإن كانوا نوراً للعالم فينبغي ألا يختفوا عن عيون الناس!!
تكلمنا قبلاً عن معنى «الملح» و«النور» ولكن تحذيرات الرب تدفعنا لنسأل عن مصدرهما، من أين نكتسب الملح والنور؟ هل أبناء الملكوت يحملون في ذواتهم البشرية أي ملح أو نور؟ كلا البتة، فأبناء الملكوت مثلهم مثل سائر البشر لا يمتلكون في ذواتهم أي صلاح (مت19: 17) إن مصدر الملوحة والنور هو روح الله الذي يحل في داخلهم بالإيمان بالمسيح، روح الله هو الذي يحمل طبيعة الله الصالحة المنيرة إلى أعماقنا المظلمة، روح الله هو وحده مصدر الملوحة التي تصنع الخير في حياة الناس وتقاوم انتشار الفساد بينهم، روح يسوع فقط هو النور الحقيقي الذي يطرد الظلمة وينير البصائر والأذهان. 
الملح يفسد من داخله أما النور فيُحجب عن الأنظار بعوامل خارجية مثل المكيال، إذاً فالرب يحذرنا هنا من خطر مزدوج: داخلي وخارجي!! الداخلي هو توقف عمل روح الله في داخلنا، والخارجي هو فشلنا في اظهار هذا العمل للآخرين. إذاً فأبناء الملكوت لابد أن يسيروا زمان غربتهم بخوف مزدوج، الخوف من أن يفقدوا تقديس الروح المستمر في داخلهم والخوف من فشل ارساليتهم للعالم، وطالما استمر هذا الخوف المقدس يلازمهم استمرت حياتهم مملحة بملح مشرقة بنور للعالم.

† الخطر الداخلي: إذا تهاون المؤمن في تعامله مع روح الله وتسبب ذلك في حزن الروح أو إنطفائه فسوف يفقد المؤمن فوراً تأثيره كملح للأرض، ولا توجد أي قوة تستطيع أن تعيد الملوحة للقلب الذي انطفأ فيه عمل الروح، فكل قوى النفس والجسد لا يمكنها أن تعوض غياب قوة الروح القدس، ولو ظن المؤمن المستهين أنه يستطيع بمهارته ومواهبه الطبيعة أن يعوِّض غياب عمل الروح القدس فهو واهم، والحقيقة أنه لم يعد يصلح لشيء إلا أن يُطرح خارجاً ويُداس من الناس!!
وكم من أمثلة نعرفها عن مؤمنين كانت حياتهم مؤثرة في العالم حينما كان لروح الله سلطاناً على الحياة وبعد انحسار هذا السلطان الإلهي اختفى تأثيرهم الإيجابي على حياة الآخرين رغم بقاء نشاطاتهم ومواهبهم الطبيعية كما هي، بل أحياناً قد يلجأ المؤمن لزيادة النشاط والاجتهاد في محاولة لتعويض لمسة الروح وتأثيره، ولكن هيهات!! فالرب يؤكد أن الملح إذا فسد لا يمكن لأي شيء على الأرض أن يُصلحه لأن مصدر الملوحة إلهي وليس انساني!!
الحل الوحيد للمؤمن الذي فقد ملوحته هو أن يتوب عن استهانته ويرجع يضع حياته مرة أخرى تحت سلطان الروح القدس، وإذا عاد سلطان الروح وعمله في القلب أعاد خلق ملوحة جديدة في الحياة، لا تضيع وقتك في محاولة اصلاح الملح الذي فسد لكن أطلب من الروح ملئاً جديداً وملحاً جديداً!!

† الخطر الخارجي: قد لا يخطئ المؤمن ضد الروح العامل بداخله لكنه يسمح للظروف والمخاوف الخارجية أن تمنع شهادته عن عمل الروح داخله، وهذا أيضاً فشل مؤلم!! لقد بنى الرب كنيسته على جبل لكي يراها العالم كله، أراد الرب لنوره الذي تركه في الكنيسة أن ينتشر إلى كل الناس، لم يوقد الرب سراج الكنيسة لكي يضعه تحت مكيال المشغوليات بل على منارة الشهادة ليضيء لجميع الذين في البيت، أرسل تلاميذه إلى العالم أجمع ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، طلب منهم أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم ويعلِّموهم أن يحفظوا جميع وصاياه، أمرهم أن ينادوا على السطوح بكل ما سمعوه منه في المخادع، لم يطلب الرب قط من تلاميذه أن ينكفئوا على أنفسهم ويحجبوا نوره عن الآخرين!!

آه، كم أخطأنا في حق الرب وفي حق أنفسنا حين سمحنا لهموم العالم ومخاوفه أن يحجبوا نور الروح الذي أشرق به داخلنا ومنعنا وصوله للآخرين!! كم من مكيال مشغولية وُضع على مصباحنا وكم من جدران مخاوف بناها العدو في محاولة لإخفاء المدينة التي وضعها الرب على جبل!! ليت الرب يوقظ كنيسته لتعود ملحاً للأرض ونوراً للعالم!! وللحديث بقية (يتبع)