الجمعة، 3 يوليو 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (41)
بقلم : فخرى كرم

«لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)
تكلمنا عن مفهوم التجربة وعرفنا أنها ترتيب شيطاني يهدف لاجتذابنا للوقوع في الخطية والإنفصال عن الله، وبهذا المفهوم يكون من البديهي أن نصلي لكي لا ندخل في تجربة، لكن عبارة «لا تدخلنا في تجربة» تحمل معنى أعمق، أنها تعني أن دخولنا في التجربة أو عدم دخولنا هو تحت سلطان الله المطلق، فرغم تأكيدنا أن الرب ليس هو مصدر التجربة لأنه إله صالح لا يجرب أحداً بالشرور، ورغم يقيننا بأن سقوطنا في التجربة هو بسبب انجذابنا نحن وانخداعنا من شهواتنا غير المحكوم عليها (يع1: 13-15) إلا أننا لابد أن نتأكد تماماً من سلطان الله المطلق على كل الأمور، فإلهنا له مطلق السلطان على إبليس وترتيباته ويستطيع أن يمنعه إن شاء أو يضع له حدوداً لا يتجاوزها، كما أن إلهنا له مطلق السلطان علي قلوبنا وظروفنا ويستطيع أن يمنع دخولنا التجربة أو يسمح لنا بدخولها، وإلا فما المعنى أن نصلي قائلين «لا تدخلنا في تجربة» إن كان الله ليس مسئولاً عن دخولنا في التجربة أو عدم دخولنا؟!
وهذا يقودنا إلى أن نسأل: هل معنى هذا أن الله قد يسمح أحياناً أن ندخل في تجربة؟ والإجابة كما نجدها في كلمة الله هي بالتأكيد «نعم»!! وهذا يعطينا فهماً لحرف الاستدراك «لكن» الذي وضعه الرب بين الطلبة الأولى والطلبة الثانية، فبعد أن أوصانا أن نصلي الطلبة الأولى: «لا تدخلنا في تجربة» نجده يستخدم حرف الإستدراك «لكن» والذي يعني أنه أحياناً قد يسمح أبونا السماوي أن ندخل في تجربة، وإن كان هذا هو الإستثناء وليس القاعدة، وفي هذه الحالة ينبغي أن نطلب الطلبة الثانية: «نجنا من الشرير»!! أي أننا يمكننا أن نقرأ هذا المقطع من الصلاة هكذا: «لا تدخلنا في تجربة، ولكن إذا سمحت عنايتك بأن ندخل التجربة فلتنجنا من مشورة الشرير ومقاصده وتعطنا نصرة على هذه التجربة»!! فلو كانت الطلبة الأولى: «لا تدخلنا في تجربة» مُستجابة دائماً طوال الحياة فلا معنى إذاً للطلبة الثانية: «نجنا من الشرير» لأننا لن نواجه الشرير أبداً طالما لن ندخل في التجربة أبداً!!
الحق الكتابي المستقيم يعلِّمنا أن الله في حكمته الأبدية قد يسمح أحياناً أن نجتاز في تجارب متنوعة، ليس لكي نسقط في الخطية، حاشا، بل لكي يُمتحن إيماننا ويتزكى، ويُنشئ الروح فينا صبراً وعملاً تاماً لنكون تامين وكاملين غير ناقصين في شيء، وفي النهاية ننال إكليل الحياة (يع1: 2-12) (1بط1: 6، 7) فلو كانت حياتنا خالية دائماً من التجارب فستكون خالية أيضاً من الانتصارات!! والكتاب يعلمنا أن هذه التجارب تكون خاضعة دائماً لسلطان الله وحكمته وتقديره بحيث لا تزيد عن احتمالنا ولا تخرج عن أهدافها ويكون معها دائماً المنفذ (1كو10: 13) فرغم أن إبليس يرتب لنا التجربة لكي يدمر حياتنا إلا أن إلهنا عندما يسمح بأن ندخل هذه التجربة يكون قصده أن نتعلق به أكثر فيزداد إدراكنا الروحي وتتعمق شركتنا معه أكثر، وبالتالي نخرج من هذه التجربة وقد إزداد نقاء إيماننا كما يزداد لمعان الذهب حين يجتاز في النار!!
أحياناً يرى الآب السماوي أن التجربة التي يرتبها ابليس لنا أكبر من قامتنا الروحية وقد نسقط إذا دخلنا فيها، عندئذ يستجيب أبونا السماوي للطلبة الأولى ولا يدخلنا في التجربة، ولكن أحياناً أخرى قد يرى أبونا السماوي أن عمله فينا يكفي للانتصار إذا دخلنا في التجربة وعندئذ يستجيب للطلبة الثانية ويسمح بأن ندخل في التجربة لكنه ينجينا من الشرير، فنخرج من التجربة أكثر نقاءً وإيماناً وانتصاراً!! وللحديث بقية (يتبع) 

الاثنين، 1 يونيو 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (40)
بقلم : فخرى كرم

«ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)

بعد أن علَّمنا سيدنا أن نطلب من الله احتياج أجسادنا من «خبز» واحتياج نفوسنا من «غفران»، ها هو يعلمنا أن نطلب أيضاً احتياج أرواحنا للنجاة من «التجربة» ومن «الشرير». ولكي نفهم أبعاد هذه الطلبة لابد أن نفهم أولاً بعض الحقائق الكتابية الهامة:
ما هي التجربة؟
نفهم من كلمة الله أن التجربة هي الظروف والأحداث التي يرتبها إبليس لكي يدفعنا للسقوط في الخطية والابتعاد عن الله، فلا يوجد منشأ للتجربة إلا إبليس ولا يوجد هدف للتجربة إلا السقوط في الخطية والارتباط بها إلى حد الانفصال عن الله الذي هو الموت الأبدي (يع1: 13-15).
والتجربة هي عمل إبليس الذي لا يتوانى عن عمله نهاراً وليلاً، فهو كالأسد يجول دائماً ملتمساً مَن يبتلعه (1بط5: 8) مع أول صفحات الكتاب رأيناه يتسلل إلى الجنة لينصب فخاً للإنسان الأول وللأسف نجح في اسقاطه في العصيان وابتعد به وبنسله عن الله، وطوال التاريخ يكشف لنا الكتاب عن محاولاته الدؤوبة لتجربة البشر بطرق وأساليب وخدع لا حصر لها، حتى نصل للصفحات الأخيرة في الكتاب لنجد أن إبليس قد نجح للأسف في أن يُضل كل الأمم والشعوب حتى صارت الأرض مستحقة لضربات القضاء الإلهي العادل.
بل وفي ملء الزمان عندما أتى الإنسان الثاني، ربنا يسوع المسيح، وجدناه يذهب إلى البرية بعد المعمودية مباشرة لكي يُجرب من إبليس، وإذا كان آدم الأول قد سقط أمام غواية الحية إلا أن آدم الأخير قد انتصر على التجربة وتمسك بارتباطه بالآب السماوي والخضوع له وتتميم مشيئته (مت4: 1-10)
ويعلمنا الكتاب أن إبليس هو كائن حكيم بطبعه (حز28: 12) ولذلك هو لا يتحرك في تجاربه بعشوائية غير مدروسة، بل هو يحبك ويصوغ التجربة بخبث شديد حتى تناسب كل واحد بحسب شهواته ونقاط ضعفه، ولهذا يشعر الإنسان عادة بالضعف أمام التجربة وبالميل للسقوط فيها، قد يستخدم الحية للإيقاع بحواء ويستخدم حواء لإسقاط آدم، قد يستخدم كثرة المال لإهلاك زكا ويستخدم قلة المال للإيقاع بالمرأة الخاطئة، قد يستخدم ضعف وصغر النفس لتدمير المرأة السامرية ويستخدم الاحساس بالقوة وغرور السلطة للإيقاع بداود!! أحياناً يتكلم بأكاذيب وبهتان وأحياناً يستخدم آيات من الكتاب المقدس!! يمكنه أن يستخدم القوة وأيضاً الضعف، الجمال والقبح، الفقر والغنى، الفرح والحزن، المكسب والخسارة، فلا توجد ظروف لا يستطيع ابليس أن يستغلها للإيقاع بنا في حبائله!!
إن كل واحد منا يتعرض لهذه التجارب في كل يوم دون أن يدري أو يلاحظ!! الظروف والملابسات التي نظنها عشوائية كثيراً ما كانت مدبرة بحكمة تفوق ادراكنا، منذ أن نستيقظ صباحاً هناك من ينسج حولنا خيوطاً غير منظورة للإيقاع بنا، قد يستخدم الأشخاص الذين نقابلهم، والكلمات التي نسمعها، والأفكار التي تطرأ فجأة على أذهاننا، والمشاعر التي تكتنفنا دون مبرر، وكل هذا قد نجتاز فيه دون أن ننتبه حتى نهدأ إلى أنفسنا في نهاية اليوم فنكتشف أننا ابتعدنا كثيراً عن فكر إلهنا ومشيئته، ونبدأ نفهم أن العدو نجح في اقتناصنا بحبائل لم نلاحظها وأبعدنا عن خطة الله ليومنا!! وماذا نستطيع أن نفعل عندئذ سوى أن نصرخ بألم وتضرع: «لا تدخلنا في تجربة»!! وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 4 أبريل 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (39)
بقلم : فخرى كرم

«كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا» (مت6: 12)
في (مت18: 23-35) يحكي لنا الرب مثلاً يشرح فيه الرابط بين غفران الله الأبوي لذنوبنا وغفراننا نحن للمذنبين إلينا، في هذا المثل نرى عبداً مديوناً للملك بمبالغ طائلة لا يمكنه سدادها بأي حال من الأحوال، وكان الحُكم العادل أن يُباع هو وأسرته وممتلكاته لكي يُوفى الدين، وأن «يُباع» تعني أن يُخرجه الملك من دائرة ملكيته إلى ملكية سيد آخر، أي أن تنقطع علاقته بسيده إلى الأبد، وهذا العبد يشبه كل واحد منا في حالة المديونية الأبدية لله، أجرة خطايانا كانت تحتم أن ننفصل عن الله إلى الأبد ويمتلكنا سيد آخر الذي هو إبليس ونُطرح معه في الظلمة الخارجية، وهذه الأجرة تحتاج إلى غفران أبدي.
 وأمام عجز وتوسل هذا العبد لسيده لكي يرحمه من هذا المصير المرعب نجد الملك يقدم نعمة عظيمة لعبده، نجده يقدم له غفراناً أبدياً لخطيته ويمنحه عفواً لمديونيته ويطلق سراحه بلا قيد أوشرط!! إنها صورة جميلة لنعمة الله التي اتجهت لنا في المسيح، النعمة المجانية التي تغفر لنا خطايانا مهما كان حجمها وتعطينا تبريراً كاملاً من ثقل مديونيتنا الأبدية، وهذا الغفران الأبدي مجاني وليس له مقابل سوى أن نعترف بعجزنا ونضع ثقتنا في رحمة الله التي ظهرت في الصليب!!
لكن كان من البديهي والمتوقع أن تنشيء هذه النعمة الغنية إحساساً عميقاً بالشكر والإمتنان في قلب هذا العبد، وأن يدفعه هذا الإحساس للاقتراب أكثر من سيده والإلتصاق به وتنفيذ مشيئته وأفكاره، وإذا كان هذا العبد قد أدرك أن مشيئة سيده هي الرحمة والغفران للمذنبين فكان البديهي أن نراه يحب هذه المشيئة ويسعى في كل حياته لتقديم الرحمة والغفران للمذنبين، وهو لا يفعل هذا من عندياته بل من الرحمة والغفران الذي أخذهما من سيده، إنه في الحقيقة يسعى فقط لتمرير النعمة التي أخذها إلى الأخرين، فالإنسان لا يمكنه أن يكون مصدراً للنعمة لكن أقصى ما يستطيعه أن يكون قناة تنتقل فيها نعمة الله للأخرين!!
لكن للأسف يحكي لنا السيد أن هذا العبد لم يقدّر نعمة الملك ولم يلتصق بقلبه ولم ينفذ مشيئته الغافرة للمذنبين، بل اختار أن يضع نفسه في موضع غريب ويقف في أرض بعيدة عن أرض سيده، اختار أن يتخذ موقف الدائن الذي يطالب بالدين دون رحمة أو غفران، أحب أن يقف على أرض القسوة والتلذذ بتذكير الأخرين بمديونيتهم وعجزهم، وما أبعد المسافة التي تفصل هذه الأرض عن الأرض التي يقف عليها إلهنا الرحوم!!
كان موقف هذا العبد من العبد رفيقه موقفاً خاطئاً يحتاج إلى غفران جديد من الملك، ليس الغفران الأبدي هذه المرة بل الغفران الأبوي الذي يعيده للشركة والتوافق مع ارادة سيده، لأن هذا الموقف حدث في دائرة ملكوت السيد وتجاه عبد من عبيده، وهذا الموقف الردئ ينشر في ملكوت السيد روحاً غريبة ومضادة لروح السيد نفسه، أي أن هذا العبد عندما اختار أن لا يغفر للعبد رفيقه كان في الحقيقة يقاوم مشيئة الملك ويمنع انتشار روح نعمته في دائرة ملكوته!! لكن هل من المعقول أن ننتظر من السيد أن يغفر لهذا العبد خطأه تجاه العبد رفيقه طالما ظل هذا العبد واقفاً في هذه الأرض المضادة لمشيئة سيده؟ بالطبع كلا!! لذلك نرى السيد لا يغفر لهذا العبد خطأه الجديد بل يأمر بتعذيبه حتى يتوب ويصحح موقفه من السيد أولاً ثم من العبد رفيقه ثانياً!! إن غفراننا للأخرين يعني أننا نقدّر غفران الله لنا ونختار أن نرتبط به ونعمل مشيئته ونمرر نعمته للأخرين، وهكذا يمكن لله أن يغفر لنا ذنوبنا ويعيدنا إلى شركته الأبوية!! وللحديث بقية (يتبع) 


الأحد، 1 مارس 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (38)
بقلم : فخرى كرم

«.. كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا» (مت6: 12)
يربط الرب بهذه الكلمات بين غفران الله لذنوبنا وغفراننا نحن للمذنبين إلينا، كما عاد وأكد هذا الارتباط في نهاية الصلاة بقوله «فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم» (ع14، 15) ولكي نفهم معنى هذا الارتباط لابد أن نفهم أولاً أن ربنا لا يتكلم هنا عن الغفران الأبدي بل عن الغفران الأبوي، فكل خطية نعملها كأبناء للملكوت لها وجهان: وجه قضائي أبدي ووجه علاقاتي أبوي، وبالتالي هي تحتاج إلى وجهين للغفران: غفران أبدي وغفران أبوي!!
 (1) الغفران الأبدي: قضائياً خطيتنا تستلزم قصاصاً أبدياً لأن أجرة الخطية هي الموت، والموت هو الإنفصال الأبدي عن الله، وبالتالي فغفران الخطية أبدياً يحتاج إلى ذبيحة كفارية أبدية تُقدم أمام الله عن الخطايا، وقد قدم يسوع نفسه كذبيحة خطية أمام الآب عن كل خطايانا مرة وإلى الأبد، وبالتالي فحصولنا على الغفران الأبدي لذنوبنا لا يتوقف على أية أعمال نعملها مهما كانت بل يتوقف فقط على قبولنا لذبيحة المسيح المقدمة عنا ودخولنا تحت ستر دماه التي سُفكت عنا على الصليب!!
إذاً عبارة «وإغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا» لا تعني الغفران الأبدي لذنوبنا لأن الغفران الأبدي لا يؤسس على غفراننا للأخرين ولا على أي شيء آخر سوى على نعمة الله التي ظهرت لنا في صليب المسيح، وما يؤكد هذه الحقيقة هو أن الرب علمنا أن نقول في بداية الصلاة «آبانا الذي..» أي أننا نخاطب الله باعتبارنا أبنائه بالفعل، وهذا يتضمن بالضرورة حصولنا على الغفران الأبدي لخطايانا، فلا يُعقل أن نكون منفصلين أبدياً عن الله ونخاطبه قائلين «آبانا الذي»!! لكن للغفران وجه آخر:
(2) الغفران الأبوي: علاقاتياً الخطية تفصلنا عن الشركة الحميمة مع أبينا السماوي، لأن كل خطية نعملها في دائرة الملكوت تعني أننا اتخذنا موقفاً مخالفاً للموقف الذي يتخذه الآب السماوي، وخطونا خطوة مبتعدة عن المسار الذي يخطو هو فيه، واعتنقنا فكراً مغايراً لفكره تعالى، وتصرفنا بطبيعة مضادة للطبيعة الموجودة في شخصه، وهذا يؤدي بالضرورة لفقدان قدرتنا على التواصل اليومي معه وسماعنا لصوته ومشاركتنا في أفكاره، ليس لأنه هو تغير من نحونا لكن لأننا نحن ابتعدنا عنه في قلوبنا وأفكارنا ومشاعرنا، ووضعنا أنفسنا في مناخ لا يتوافق مع المناخ الموجود في محضره!!
ان طبيعة الله هي الغفران، هو يحب أن يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والظالمين، المناخ الموجود في محضره هو مناخ الرحمة والمحبة والغفران، الصلاح هو جوهر أفكاره ومشاعره، الخير هو طبيعة وجوده وأعماله، وفي كل مرة نختار أن لا نغفر للمذنبين إلينا، ونختار أن نغضب ونحقد وننتقم، نكون فعلياً قد اختارنا أن ننفصل عن شركتنا مع أبينا السماوي، ونكون عملياً قد ابتعدنا عن علاقتنا الحميمة به، ونصبح عندئذ عاجزين عن التوافق معه والتجاوب مع إرادته وأفكاره، بل قد نصبح _ بقصد أو بجهل _ مقاومين لمشيئته ومعطلين لتنفيذها!!
ولذلك نحن نحتاج أن نغفر دائماً للمذنبين إلينا لكي نحفظ أنفسنا في توافق مع طبيعة الله الغافرة، وبالتالي يسهل أن يغفر لنا أبونا السماوي ذنوبنا ليس بالمعنى الأبدي للغفران بل بمعنى أن يعيدنا إلى شركته الأبوية ويحفظنا دائماً في حالة التوافق الحميم مع أفكاره ومشاعره، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 8 فبراير 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (37)
بقلم : فخرى كرم

«واغفر لنا ذنوبنا» (مت6: 12)
قلنا أن الإنسان في سعيه الدائم لاشباع احتياجه للتبرير قد يلجأ لوسائل مخادعة للحصول على تبرير مزيف يحاول به أن يشبع جوعه النفسي، مثل «التبرير الذاتي» الذي يبرر فيه الإنسان نفسه أمام ضميره أو«التبرير أمام الأخرين» الذي يحاول فيه أن يظهر للناس بمظهر البار خلافاً لما يبطن، أو بتجاهل حقيقة الدينونة وإنكار وجود الديان، ولكن ها هو السيد يقودنا إلى الطريق السهل والمباشر للحصول على التبرير الحقيقي، وهو أن نتقدم مباشرة إلى الله معترفين باتضاع بذنوبنا وطالبين ببساطة الغفران.
وغني عن البيان أن المقصود بعبارة «اغفر لنا ذنوبنا» ليس أن نرددها بشكل روتيني منتظم خالٍ من الاحساس، لكن المقصود بالحري أن نخصص وقتاً في صلاتنا اليومية للاعترف بذنوبنا وطلب المغفرة من الله، مثل ذلك العشار الذي صعد إلى الهيكل ليصلي ولم يشأ أن يرفع عينيه نحو السماء بل قرع على صدره صارخاً «اللهم ارحمني أنا الخاطئ» (لو 18: 13) فنزل إلى بيته مستمتعاً بالتبرير الإلهي الحقيقي!!
ورغم ان الاعتراف بالخطية وطلب المغفرة هو الطريق الأسهل والأقصر للحصول على التبرير إلا أنه عملياً يبدو صعباً للغاية!! حتى أننا لا نجد اليوم في حياة المؤمنين أي صلوات اعتراف أو طلب للمغفرة، وكلمات مثل «آسف» أو «أنا مخطئ» أصبحت من أثقل الكلمات على ألسنتنا، ومشاعر الندم والخزي التي ظهرت في صلاة العشار لم يعد لها مكاناً في حياتنا وصلواتنا الممتلئة بالكلمات الجوفاء والبر الذاتي!!
ولا غرابة في هذا، ألسنا أولاد آدم؟! آدم الذي عندما أخطأ لم يتخذ الطريق السهل المباشر ويذهب يعترف بخطأه لله بل فضَّل طريق الهروب والإختباء، حتى أن الله هو الذي ذهب ليبحث عنه ويطلب سلامته!! آدم الذي اختار الطرق الصعبة الملتوية عندما حاول تبرير ذاته بإلقاء التهمة على الآخرين، فإتهم حواء بأنها السبب في سقوطه بل وأشار ضمنياً لإتهام الله الذي صنع له حواء!! آدم الذي اختار أن يبذل مجهوداً شاقاً في خياطة أوراق الشجر ليستر «الخارج» ويظهر بمظهر حسناً للأخرين بينما «الداخل» أصبح عارياً ومشوهاً!!
إن آدم حتى اليوم لم يعترف بخطيته!! إن آدم (ممثلاً في أبنائه) مازال حتى اليوم يختبئ من الله ويستتر وراء مظاهر كاذبة ويبرر نفسه بإلقاء اللوم على الأخرين، إن آدم (ظاهراً في نسله) مازال يبذل مجهوداً شاقاً في كل يوم ليبدو للناس بصورة حسنة بينما الموت والخزي يضرب عميقاً في جذوره!!
إن طبيعة آدم أبينا مازلت تسري فينا مسرى الدم وتتحكم في تصرفاتنا وردود أفعالنا تجاه الخطية، عندما نخطئ (وهذا يحدث مرات عديدة في اليوم الواحد) تأخذنا هذه الطبيعة الرديئة في طريق الهروب والإختباء بعيداً عن الله، تجعلنا نبحث عن مبررات نستتر وراءها وأشخاص نعلق عليهم فشلنا، تدفعنا لنلقي اللوم على الظروف والناس والبيئة والشيطان وحتى الله، ولكنها لا تعرف أن تلقي اللوم على نفسها أبداً!!
سيظل أصعب قرار نتخذه عندما نخطئ هو أن نتقدم نحو محضر الله بشعور الذنب والندم، نتقدم لنقف في دائرة النور بكل عرينا وإثمنا، نتقدم نحو الله ولا نهرب منه، ونلقي بأنفسنا على رحمته طالبين منه الغفران والتطهير، سيظل هذا أصعب قرار نتخذه لأنه مضاد لطبيعة آدم التي ورثناها، لكن ها هو السيد يعلمنا أن نتقدم نحو أبينا السماوي في كل يوم بل في كل موقف قائلين «اغفر لنا ذنوبنا»، ها هو السيد يشير لنا على الطريق السهل والمستقيم للتبرير لعلنا نكف عن طرقنا الملتوية المملوءة خداعاً وكذباً!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 1 يناير 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (36)
بقلم : فخرى كرم

«واغفر لنا ذنوبنا» (مت6: 12)
قلنا أن الإنسان في سعيه الدائم لاشباع جوعه النفسي للشعور بالتبرير قد يلجأ لاشباع نفسه بـ «البر الذاتي» الناشئ من خداعه لضميره، وهو بر مزيف لا قيمة له أمام الله، ولكنه أيضاً قد يلجأ لأنواع أخرى مزيفة من التـبرير:
(2) التبرير في عيون الآخرين (مت6: 5): في هذه الحالة يسعى الإنسان لاكتساب تبرير الناس له لكي يريح ضميره ويشعر بالرضا عن نفسه، يجتهد جداً ليكون باراً في عيون الآخرين ويشعر بالشبع إذا نجح في نوال مديحهم واعجابهم، نفسه تبحث عن نظرة اعجاب من المحيطين به كما يبحث الجسد الجائع عن الخبز، في كل أعماله وكلماته يريد أن يلفت النظر إلى فضائله ونجاحاته، إذا تحدث الناس عنه باعجاب شعر بالامتلاء والفخر وإذا تجاهلوه وأبدوا اعجابهم بآخر شعر بالانكسار والخواء!!
ولأن الناس لا ترى إلا الظاهر فهو يهتم بأن يكون في الظاهر بلا لوم بغض النظر عن حقيقة ما يبطن، لا تعنيه الحقيقة التي يراها الله في قلبه بقدر ما تعنيه المظاهر التي يراها الناس في ظاهره، وعن هؤلاء تكلم السيد قائلاً أنهم يهتمون بتنقية «خارج» الكأس والصحفة بينما هما من «داخل» مملوآن اختطافاً ودعارة، ويحرصون على تبييض قبورهم من الخارج وإن ظلت من الداخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة (مت22: 25-28) وقال السيد أيضاً عنهم أنهم يستوفون أجرهم بمجرد حصولهم على تبرير الناس، وعندما تأتي الساعة ويقفون أمام الديان العادل سيكتشفون لحسرتهم زيف التبرير الذي أشبعوا به أنفسهم، وأنه لا أجر لهم ولا بر أمام الله لأنهم لم يهتموا قط بالتبرير الحقيقي الذي يمنحه ويقبله الله!!
 (3) التبرير بانكار وجود الدينونة (مز14: 1-3): أحياناً يلجأ الانسان لحيلة خبيثة لكي يريح نفسه من تبكيت الضمير، وهي أن ينكر وجود دينونة لأعماله سواء بانكاره لوجود الله أصلاً أو باعتقاده بوجود إله لا يدين الخطية!! وهذه الحيلة قديمة قدم الإنسان نفسه منذ أن قالت الحية لحواء «لن تموتا» والتي تعني «لن يكون هناك دينونة لكسر الوصية»!! عندئذ شعرت حواء براحة مزيفة في ضميرها دفعتها لتأكل من الشجرة وأن تعطي رجلها ليأكل معها، ولكن للأسف استيقظ ضميرهما فجأة على حقيقة مفزعة ألا وهي أن هناك عواقب مريرة لكسر الوصية، وهي العواقب التي مازلنا نعاني منها حتى اليوم!!
وعلى مدار التاريخ استخدم كثيرون هذه الكذبة لاعطاء ضمائرهم راحة مزيفة واستمتاع مؤقت بالخطية، كثيراً ما قال الجاهل في قلبه «ليس إله» لكي يفسد بأفعاله، وانتشرت هذه الكذبة المميتة حتى زاغ الجميع وفسدوا ولم يعد هناك من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد!! وفي أيامنا هذه نلاحظ انتشار أمواج الإلحاد بين الشباب مما يدفعنا للتساؤل: لماذا يقبل الشباب ويتحمس لفكرة عدم وجود إله رغم عدم منطقية هذه الفكرة واستحالتها؟ والإجابة للأسف هي نفسها على مدار التاريخ: لكي يفسدوا بأفعالهم دون ازعاج من ضمائرهم!!
ومشكلة هؤلاء أن ضمائرهم ستستيقظ يوماً على حقيقة أن هناك إله يشرف من السماء على بني البشر ويستحضر كل أعمالهم للدينونة، على كل خفي، إن كان خيراً أو شراً (جا12: 14) والمأساة أن يأتي هذا الاستيقاظ متأخراً بعد فوات الوقت المقبول وضياع فرص التوبة!! ليت الرب يرحمنا من محاولة اشباع نفوسنا بتبرير مزيف وخداع ضمائرنا بأكاذيب مميتة!! وللحديث بقية (يتبع)


السبت، 30 نوفمبر 2019

أحديث من القلب


موعظة الجبل (35)
بقلم : فخرى كرم

«واغفر لنا ذنوبنا» (مت6: 12)

بعد أن علَّمنا الرب أن نطلب خبز الكفاف لأجسادنا نجده يعلّمنا أن نعطي وقتاً في صلاتنا للاعتراف بخطايانا وطلب المغفرة من الآب السماوي، وهذه الطلبة تعبِّر عن احتياج أساسي لنفوسنا لا يقل أهمية عن احتياج أجسادنا للخبز، فأجسادنا تحتاج للخبز لتكتسب الطاقة اللازمة للنشاط الجسدي ونفوسنا تحتاج إلى الشعور بالغفران والتبرير لتكتسب الطاقة اللازمة للنشاط النفسي، وإذا كانت أجسادنا تحتاج للخبز عدة مرات في اليوم الواحد هكذا نفوسنا تحتاج للغفران والتبرير عدة مرات في كل يوم!!
إن طعام النفس هو الشعور بالدفء والأمان والمحبة، ولذلك فالشعور بالذنب والإدانة والرفض هو أقسى شعور تواجهه النفس البشرية، ويشبه تماماً شعور الجسد بالحرمان من الطعام، وإذا استمرت النفس لفترات طويلة تحت وطأة الإحساس بالذنب فإنها تضعف وتمرض بل وتموت!!
وإذا كانت صحة أجسادنا ترتبط بشكل مباشر بطبيعة وقيمة الطعام الذي نتناوله فصحة نفوسنا ترتبط أيضاً بطبيعة وقيمة التبرير الذي نشعر به، وكما أن تناول الإنسان لطعام مغشوش يصيب جسده بالأمراض هكذا أيضاً نفوسنا تمرض إذا تغذت على أنواع مغشوشة من التبرير!! والكتاب المقدس يكلمنا عن أنواع مغشوشة من التبرير قد يلجأ إليها الإنسان ليسد بها جوعه النفسي:
(1) التبرير الذاتي (لو18: 10-14): الكثير من الناس يتغذى على تبريره هو لذاته، ذهنه كل الوقت في حالة دفاع مستميت عن تصرفاته، وضميره دائماً يلتمس الأعذار لكل أخطائه، وفي نفس الوقت يتلذذ باصطياد الأخطاء للأخرين ليبدو أمام نفسه باراً، إنه مثل ذلك الفريسي الذي وقف في الهيكل يعدد محاسنه ويدين باقي الناس، ولقد وصف الرب بالحق صلاة ذلك الفريسي عندما قال إنه وقف ليصلي «في نفسه»!! أنها صلاة المنكفئ على ذاته، الباحث عن تبريره لذاته وليس عن تبرير الله له، إنه يصلي أمام نفسه وليس أمام الله، يهتم بأن يرضي ضميره ولا يعنيه رضا الله، إنه يغذي نفسه بطعام مغشوش لا يمكن أن يعطيه إشباعاً حقيقياً للنفس، ولذلك قال الرب أنه نزل إلى بيته دون الحصول على أي تبرير حقيقي!!
إننا لا نجد في صلاة الفريسي أي اعتراف بأية أخطاء، فبالنسبة لهذه النوعية من الناس يكون الاعتراف بالخطأ أمراً في منتهى الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً!! إنهم لا يريدون أن يظهروا أمام ذواتهم مخطئين، يخشون من احساسهم بالخطأ أكثر من خشيتهم من الخطأ نفسه!! يضعون لأنفسهم مقاييس وموازين للصواب والخطأ ويقيسون أنفسهم عليها، وعادة ما تكون هذه المقاييس مغشوشة وغاشّة ولكنهم يشعرون بالراحة متى توافقوا معها، أما مقاييس الله وموازينه فلا يعرفونها ولا يعنيهم أن يعرفوها!!
مأساة هؤلاء القوم أنهم في اليوم الأخير سيقفون للمحاكمة أمام الله وليس أمام ضمائرهم، وهناك سيكتشفون أنهم يحاسبون بحسب مقاييس الله وليس مقاييسهم، وحياتهم توضع في موازين الحق وليس موازينهم المغشوشة، وعندئذ سيكون عليهم أن يواجهوا الحقيقة المريرة التي عاشوا عمرهم كله يتجنبون مواجهتها، حقيقة أنهم خاطئون وغير مبررين أمام الله!! وللحديث بقية (يتبع)