الأحد، 6 سبتمبر 2020

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (43)

بقلم : فخرى كرم

«ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير»(مت6: 13)

في بستان جثسيماني طلب الرب من تلاميذه قائلاً: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة، أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف» (مت26: 41) وإذا وضعنا هذه الآية بجوار الآية موضوع تأملنا لوصلنا لاستنتاج حتمي: أن عدم دخولنا للتجربة لا يتحقق فقط بمجرد أن نطلب من الآب السماوي ألا يدخلنا في تجربة، بل ينبغي أن نسهر على حياتنا الروحية ونكون منتبهين ومراقبين للخيوط التي ينسجها العدو حولنا.

ان إرادة الآب السماوي العامة هي ألا ندخل في التجربة، لكن لابد أن تكون هذه هي إرادتنا أيضاً!! لا يمكن أن يحفظنا الله من الدخول في التجربة إذا كنا نحن نحبها ونتجاوب معها ولا نبالي بسلامة حياتنا الروحية!! ما معنى أن نصلي قائلين «لا تدخلنا في تجربة» ثم نضيع أوقاتنا في طرق هذا العالم ودهاليزه الممتلئة بكل فخاخ وأكاذيب العدو؟! ما معنى أن نطلب «احفظنا من الشرير» ونحن لا نغلق أبوابنا أمام الشرير ولا نصرف الوقت الكافي للتعلق بالرب والإحتماء به؟!

يسوع لم يكن يريد أن يدخل تلاميذه في تجربة الخوف والهروب والإنكار المشين الذي حدث ليلة الصليب، لكن هذا كان يستلزم منهم سهراً وانتباهاً وصلاة، ولما لم يقوموا بدورهم سارت الأمور بالشكل السيء الذي سارت به، ولا نستطيع أن نقول أن الآب هو الذي أدخلهم لهذه التجربة لكن هم دخلوها بسبب عدم يقظتهم الروحية وبسبب استسلامهم لضعف الجسد الذي يميل للراحة ويستهين بالخطر!! ولولا أن الرب كان متوقعاً منهم هذا الضعف وسبق فصلى لأجلهم لكي لا يفنى ايمانهم لسارت الأحداث إلى نهايات أسوأ بكثير!!

من يستطيع أن يلوم الرب لأنه لم يحفظ شمشون من التجربة التي أودت بحياته وهو بعد في شرخ الشباب؟ حاشا!! إن إلهنا غير ملوم البتة، لأنه أكثر من مرة أعلن عن إرادته الصالحة في حفظ شمشون من التجارب والفخاخ التي نصبها له العدو، بل وأخرجه منها بانتصارات ومكاسب!! ولكن الرب كان ينتظر من شمشون (وهو النذير المُستخدم من الروح القدس) أن تتوافق إرادته مع إرادة الله ويظهر اهتماماً بخدمته وسهراً على حياته الروحية ورغبة في النجاة من التجارب لكي يستطيع أن يتمم إرادة إله إسرائيل، وبالتالي يهتم بأن يتجنب مواضع الشبهات ويغلق النوافذ التي قد تتسرب منها التجربة، لكن للأسف وجدناه يستهين بكل شيء حتى بعهد انتذاره لله ويسكب وقته وقوته عند أعتاب الشهوة الرديئة!! في هذه الحالة لا نستطيع أن نقول أن دخول شمشون للتجربة كان بإرادة من الله لكن ينطبق عليه كلمات الرسول يعقوب «لا يقل أحد إذا جُرب إني أُجرب من قبل الله... لكن كل واحد يُجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته» (يع1: 13)

نفس الأمر نراه يتكرر في خطية داود مع إمرأة أوريا، هل نستطيع أن نتسائل لماذا لم يحفظ الله داود من هذه التجربة؟ أو لماذا أدخله الله إلى هذه التجربة التي عصفت ببقية حياته كلها وأعملت السيف والموت في كل أسرته؟! حاشا، إن الله لم يُدخل داود إلى هذه التجربة بل هو أدخل نفسه فيها باستسلامه لشهوات الجسد الذي جعله يستهين بكل المحظورات و يتعدى كل الحدود، في الوقت الذي كان ينبغي أن يسهر ويصلي رأيناه يصعد للسطح ليتسلى، وفي الوقت الذي كان ينبغي أن يتطلع باشفاق إلى خراف رعيته المسكينة نجده يتطلع بعين الذئب الباحث عن فريسة!! خلاصة القول أننا لا نستطيع أن نصلي قائلين «لا تدخلنا في تجربة» إلا إذا أرفقنا هذه الصلاة بحياة ساهرة ومتيقظة ومتحذرة من كل فخاخ العدو!! وللحديث بقية (يتبع)

الجمعة، 31 يوليو 2020

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (42)

بقلم : فخرى كرم

 

«ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)

قلنا أن ربنا يعلمنا في الجزء الأول من هذه الطلبة أن تكون صلاتنا الدائمة هي أن يحفظنا الله من الدخول في التجارب التي يحيكها العدو حولنا كل الوقت لتدمير حياتنا، ولكن الرب يعود ويستدرك في الجزء الثاني من الطلبة معلناً أن الآب السماوي قد يسمح لنا أحياناً بالدخول في التجربة، وفي هذه الحالة تكون صلاتنا أن ينجينا الله من مقاصد العدو الشريرة من وراء التجربة. وهنا لابد أن يبرز في أذهاننا سؤال: لماذا يسمح الآب الصالح أن ندخل في تجربة يهدف من ورائها العدو لتدمير حياتنا؟! وكلمة الله تجيب عن هذا السؤال في أكثر من موضع بأن هدف الله من اجتيازنا في التجربة هو تزكية إيماننا.

يقول الرسول بطرس «الذي به تبتهجون مع أنكم الآن إن كان يجب تُحزنون يسيراً بتجارب متنوعة لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح» (1بط1: 6، 7) تؤكد كلمة الله هنا أننا قد نجتاز في تجارب متنوعة (متنوعة في طبيعتها: آلام جسدية أو ضغوط نفسية أو حروب روحية أو ظروف خارجية...) وهذه التجارب تسبب لنا الحزن والضيق وتستهدف في المقام الأول تدمير علاقتنا مع الله، لكن الله يسمح لنا بالدخول في هذه التجارب لأنه يريد أن يجعل إيماننا به أكثر نقاءً وثباتاً، تماماً مثل الذهب الذي يحتوي أحياناً على بعض الشوائب التي لا يمكن اكتشافها والتخلص منها إلا بأن نضع الذهب في النار!!

 أدرك أيوب هذا الحق في عمق آلامه وتجربته فقال «لأنه يعرف طريقي، إذا جربني أخرج كالذهب» (أي23: 10) رغم آلاف السنين التي تفصل بين أيوب وبطرس إلا أن الوحي استخدمهما لاعلان نفس الحق: أن الله يرى في إيماننا قطعة ثمينة من الذهب تحتاج باستمرار أن تجتاز في النار لكي تصير أكثر قيمة ولمعاناً!! وادراك هذا الحق على مر الأجيال كان هو الملجأ والصخرة التي حفظت إيمان أبناء الله في قلب بوتقة الألم ونيران التجربة!! وتشبيه الإيمان بالذهب هو تشبيه عبقري يحمل العديد من المعاني:

(أولاً) أن قيمة الذهب ومجده يرتبط مباشرة بدرجة نقائه وطهارته، وكذلك قيمة إيماننا وقدرته على التأثير في حياتنا وحياة الأخرين هو في قدرتنا على اجتياز التجارب بنجاح، أما إذا كنا لا نريد أن نجتاز في التجارب فنحن نحكم على أنفسنا بأن نظل أطفالاً في علاقتنا بالله ليس لنا تأثير أو وزن في العالم الروحي.

(ثانياً) لابد أن نتأكد أن قصد الله وراء ادخال الذهب إلى النار هو دافع صالح يهدف للخير وليس للشر، ابليس يحاول في أثناء التجربة أن يحيطنا بمناخ من التذمر والشكاية على أنفسنا أو على الأخرين أو على الله، ليتنا نتعلم أن نرفض مناخ الشكاية هذا ونتمسك باليقين في صلاح إلهنا، فهذا اليقين هو الحصن الذي يحفظ ايماننا في مثل هذه الأوقات الصعبة!!

(ثالثاً) النار التي يوضع فيها الذهب تكون محسوبة بدقة، لا يمكن أن تقل أو تزيد في درجتها أو مدتها، كذلك نحن لسنا متروكين للمجرب يفعل بنا ما يشاء بل كل شيء مقدر ومحكوم في يد مَن معه أمرنا!!

(رابعاً) النار مؤقتة وتنتهي بانتهاء المقصود منها أما النقاء الذي يكتسبه الذهب فأبدي، يظل يتألق ويثمر إلى الأبد، وهذا ما قاله الرسول «لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً» (2كو4: 17) فالضيقة وقتية أما المجد فأبدي!! وللحديث بقية (يتبع)


الجمعة، 3 يوليو 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (41)
بقلم : فخرى كرم

«لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)
تكلمنا عن مفهوم التجربة وعرفنا أنها ترتيب شيطاني يهدف لاجتذابنا للوقوع في الخطية والإنفصال عن الله، وبهذا المفهوم يكون من البديهي أن نصلي لكي لا ندخل في تجربة، لكن عبارة «لا تدخلنا في تجربة» تحمل معنى أعمق، أنها تعني أن دخولنا في التجربة أو عدم دخولنا هو تحت سلطان الله المطلق، فرغم تأكيدنا أن الرب ليس هو مصدر التجربة لأنه إله صالح لا يجرب أحداً بالشرور، ورغم يقيننا بأن سقوطنا في التجربة هو بسبب انجذابنا نحن وانخداعنا من شهواتنا غير المحكوم عليها (يع1: 13-15) إلا أننا لابد أن نتأكد تماماً من سلطان الله المطلق على كل الأمور، فإلهنا له مطلق السلطان على إبليس وترتيباته ويستطيع أن يمنعه إن شاء أو يضع له حدوداً لا يتجاوزها، كما أن إلهنا له مطلق السلطان علي قلوبنا وظروفنا ويستطيع أن يمنع دخولنا التجربة أو يسمح لنا بدخولها، وإلا فما المعنى أن نصلي قائلين «لا تدخلنا في تجربة» إن كان الله ليس مسئولاً عن دخولنا في التجربة أو عدم دخولنا؟!
وهذا يقودنا إلى أن نسأل: هل معنى هذا أن الله قد يسمح أحياناً أن ندخل في تجربة؟ والإجابة كما نجدها في كلمة الله هي بالتأكيد «نعم»!! وهذا يعطينا فهماً لحرف الاستدراك «لكن» الذي وضعه الرب بين الطلبة الأولى والطلبة الثانية، فبعد أن أوصانا أن نصلي الطلبة الأولى: «لا تدخلنا في تجربة» نجده يستخدم حرف الإستدراك «لكن» والذي يعني أنه أحياناً قد يسمح أبونا السماوي أن ندخل في تجربة، وإن كان هذا هو الإستثناء وليس القاعدة، وفي هذه الحالة ينبغي أن نطلب الطلبة الثانية: «نجنا من الشرير»!! أي أننا يمكننا أن نقرأ هذا المقطع من الصلاة هكذا: «لا تدخلنا في تجربة، ولكن إذا سمحت عنايتك بأن ندخل التجربة فلتنجنا من مشورة الشرير ومقاصده وتعطنا نصرة على هذه التجربة»!! فلو كانت الطلبة الأولى: «لا تدخلنا في تجربة» مُستجابة دائماً طوال الحياة فلا معنى إذاً للطلبة الثانية: «نجنا من الشرير» لأننا لن نواجه الشرير أبداً طالما لن ندخل في التجربة أبداً!!
الحق الكتابي المستقيم يعلِّمنا أن الله في حكمته الأبدية قد يسمح أحياناً أن نجتاز في تجارب متنوعة، ليس لكي نسقط في الخطية، حاشا، بل لكي يُمتحن إيماننا ويتزكى، ويُنشئ الروح فينا صبراً وعملاً تاماً لنكون تامين وكاملين غير ناقصين في شيء، وفي النهاية ننال إكليل الحياة (يع1: 2-12) (1بط1: 6، 7) فلو كانت حياتنا خالية دائماً من التجارب فستكون خالية أيضاً من الانتصارات!! والكتاب يعلمنا أن هذه التجارب تكون خاضعة دائماً لسلطان الله وحكمته وتقديره بحيث لا تزيد عن احتمالنا ولا تخرج عن أهدافها ويكون معها دائماً المنفذ (1كو10: 13) فرغم أن إبليس يرتب لنا التجربة لكي يدمر حياتنا إلا أن إلهنا عندما يسمح بأن ندخل هذه التجربة يكون قصده أن نتعلق به أكثر فيزداد إدراكنا الروحي وتتعمق شركتنا معه أكثر، وبالتالي نخرج من هذه التجربة وقد إزداد نقاء إيماننا كما يزداد لمعان الذهب حين يجتاز في النار!!
أحياناً يرى الآب السماوي أن التجربة التي يرتبها ابليس لنا أكبر من قامتنا الروحية وقد نسقط إذا دخلنا فيها، عندئذ يستجيب أبونا السماوي للطلبة الأولى ولا يدخلنا في التجربة، ولكن أحياناً أخرى قد يرى أبونا السماوي أن عمله فينا يكفي للانتصار إذا دخلنا في التجربة وعندئذ يستجيب للطلبة الثانية ويسمح بأن ندخل في التجربة لكنه ينجينا من الشرير، فنخرج من التجربة أكثر نقاءً وإيماناً وانتصاراً!! وللحديث بقية (يتبع) 

الاثنين، 1 يونيو 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (40)
بقلم : فخرى كرم

«ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)

بعد أن علَّمنا سيدنا أن نطلب من الله احتياج أجسادنا من «خبز» واحتياج نفوسنا من «غفران»، ها هو يعلمنا أن نطلب أيضاً احتياج أرواحنا للنجاة من «التجربة» ومن «الشرير». ولكي نفهم أبعاد هذه الطلبة لابد أن نفهم أولاً بعض الحقائق الكتابية الهامة:
ما هي التجربة؟
نفهم من كلمة الله أن التجربة هي الظروف والأحداث التي يرتبها إبليس لكي يدفعنا للسقوط في الخطية والابتعاد عن الله، فلا يوجد منشأ للتجربة إلا إبليس ولا يوجد هدف للتجربة إلا السقوط في الخطية والارتباط بها إلى حد الانفصال عن الله الذي هو الموت الأبدي (يع1: 13-15).
والتجربة هي عمل إبليس الذي لا يتوانى عن عمله نهاراً وليلاً، فهو كالأسد يجول دائماً ملتمساً مَن يبتلعه (1بط5: 8) مع أول صفحات الكتاب رأيناه يتسلل إلى الجنة لينصب فخاً للإنسان الأول وللأسف نجح في اسقاطه في العصيان وابتعد به وبنسله عن الله، وطوال التاريخ يكشف لنا الكتاب عن محاولاته الدؤوبة لتجربة البشر بطرق وأساليب وخدع لا حصر لها، حتى نصل للصفحات الأخيرة في الكتاب لنجد أن إبليس قد نجح للأسف في أن يُضل كل الأمم والشعوب حتى صارت الأرض مستحقة لضربات القضاء الإلهي العادل.
بل وفي ملء الزمان عندما أتى الإنسان الثاني، ربنا يسوع المسيح، وجدناه يذهب إلى البرية بعد المعمودية مباشرة لكي يُجرب من إبليس، وإذا كان آدم الأول قد سقط أمام غواية الحية إلا أن آدم الأخير قد انتصر على التجربة وتمسك بارتباطه بالآب السماوي والخضوع له وتتميم مشيئته (مت4: 1-10)
ويعلمنا الكتاب أن إبليس هو كائن حكيم بطبعه (حز28: 12) ولذلك هو لا يتحرك في تجاربه بعشوائية غير مدروسة، بل هو يحبك ويصوغ التجربة بخبث شديد حتى تناسب كل واحد بحسب شهواته ونقاط ضعفه، ولهذا يشعر الإنسان عادة بالضعف أمام التجربة وبالميل للسقوط فيها، قد يستخدم الحية للإيقاع بحواء ويستخدم حواء لإسقاط آدم، قد يستخدم كثرة المال لإهلاك زكا ويستخدم قلة المال للإيقاع بالمرأة الخاطئة، قد يستخدم ضعف وصغر النفس لتدمير المرأة السامرية ويستخدم الاحساس بالقوة وغرور السلطة للإيقاع بداود!! أحياناً يتكلم بأكاذيب وبهتان وأحياناً يستخدم آيات من الكتاب المقدس!! يمكنه أن يستخدم القوة وأيضاً الضعف، الجمال والقبح، الفقر والغنى، الفرح والحزن، المكسب والخسارة، فلا توجد ظروف لا يستطيع ابليس أن يستغلها للإيقاع بنا في حبائله!!
إن كل واحد منا يتعرض لهذه التجارب في كل يوم دون أن يدري أو يلاحظ!! الظروف والملابسات التي نظنها عشوائية كثيراً ما كانت مدبرة بحكمة تفوق ادراكنا، منذ أن نستيقظ صباحاً هناك من ينسج حولنا خيوطاً غير منظورة للإيقاع بنا، قد يستخدم الأشخاص الذين نقابلهم، والكلمات التي نسمعها، والأفكار التي تطرأ فجأة على أذهاننا، والمشاعر التي تكتنفنا دون مبرر، وكل هذا قد نجتاز فيه دون أن ننتبه حتى نهدأ إلى أنفسنا في نهاية اليوم فنكتشف أننا ابتعدنا كثيراً عن فكر إلهنا ومشيئته، ونبدأ نفهم أن العدو نجح في اقتناصنا بحبائل لم نلاحظها وأبعدنا عن خطة الله ليومنا!! وماذا نستطيع أن نفعل عندئذ سوى أن نصرخ بألم وتضرع: «لا تدخلنا في تجربة»!! وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 4 أبريل 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (39)
بقلم : فخرى كرم

«كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا» (مت6: 12)
في (مت18: 23-35) يحكي لنا الرب مثلاً يشرح فيه الرابط بين غفران الله الأبوي لذنوبنا وغفراننا نحن للمذنبين إلينا، في هذا المثل نرى عبداً مديوناً للملك بمبالغ طائلة لا يمكنه سدادها بأي حال من الأحوال، وكان الحُكم العادل أن يُباع هو وأسرته وممتلكاته لكي يُوفى الدين، وأن «يُباع» تعني أن يُخرجه الملك من دائرة ملكيته إلى ملكية سيد آخر، أي أن تنقطع علاقته بسيده إلى الأبد، وهذا العبد يشبه كل واحد منا في حالة المديونية الأبدية لله، أجرة خطايانا كانت تحتم أن ننفصل عن الله إلى الأبد ويمتلكنا سيد آخر الذي هو إبليس ونُطرح معه في الظلمة الخارجية، وهذه الأجرة تحتاج إلى غفران أبدي.
 وأمام عجز وتوسل هذا العبد لسيده لكي يرحمه من هذا المصير المرعب نجد الملك يقدم نعمة عظيمة لعبده، نجده يقدم له غفراناً أبدياً لخطيته ويمنحه عفواً لمديونيته ويطلق سراحه بلا قيد أوشرط!! إنها صورة جميلة لنعمة الله التي اتجهت لنا في المسيح، النعمة المجانية التي تغفر لنا خطايانا مهما كان حجمها وتعطينا تبريراً كاملاً من ثقل مديونيتنا الأبدية، وهذا الغفران الأبدي مجاني وليس له مقابل سوى أن نعترف بعجزنا ونضع ثقتنا في رحمة الله التي ظهرت في الصليب!!
لكن كان من البديهي والمتوقع أن تنشيء هذه النعمة الغنية إحساساً عميقاً بالشكر والإمتنان في قلب هذا العبد، وأن يدفعه هذا الإحساس للاقتراب أكثر من سيده والإلتصاق به وتنفيذ مشيئته وأفكاره، وإذا كان هذا العبد قد أدرك أن مشيئة سيده هي الرحمة والغفران للمذنبين فكان البديهي أن نراه يحب هذه المشيئة ويسعى في كل حياته لتقديم الرحمة والغفران للمذنبين، وهو لا يفعل هذا من عندياته بل من الرحمة والغفران الذي أخذهما من سيده، إنه في الحقيقة يسعى فقط لتمرير النعمة التي أخذها إلى الأخرين، فالإنسان لا يمكنه أن يكون مصدراً للنعمة لكن أقصى ما يستطيعه أن يكون قناة تنتقل فيها نعمة الله للأخرين!!
لكن للأسف يحكي لنا السيد أن هذا العبد لم يقدّر نعمة الملك ولم يلتصق بقلبه ولم ينفذ مشيئته الغافرة للمذنبين، بل اختار أن يضع نفسه في موضع غريب ويقف في أرض بعيدة عن أرض سيده، اختار أن يتخذ موقف الدائن الذي يطالب بالدين دون رحمة أو غفران، أحب أن يقف على أرض القسوة والتلذذ بتذكير الأخرين بمديونيتهم وعجزهم، وما أبعد المسافة التي تفصل هذه الأرض عن الأرض التي يقف عليها إلهنا الرحوم!!
كان موقف هذا العبد من العبد رفيقه موقفاً خاطئاً يحتاج إلى غفران جديد من الملك، ليس الغفران الأبدي هذه المرة بل الغفران الأبوي الذي يعيده للشركة والتوافق مع ارادة سيده، لأن هذا الموقف حدث في دائرة ملكوت السيد وتجاه عبد من عبيده، وهذا الموقف الردئ ينشر في ملكوت السيد روحاً غريبة ومضادة لروح السيد نفسه، أي أن هذا العبد عندما اختار أن لا يغفر للعبد رفيقه كان في الحقيقة يقاوم مشيئة الملك ويمنع انتشار روح نعمته في دائرة ملكوته!! لكن هل من المعقول أن ننتظر من السيد أن يغفر لهذا العبد خطأه تجاه العبد رفيقه طالما ظل هذا العبد واقفاً في هذه الأرض المضادة لمشيئة سيده؟ بالطبع كلا!! لذلك نرى السيد لا يغفر لهذا العبد خطأه الجديد بل يأمر بتعذيبه حتى يتوب ويصحح موقفه من السيد أولاً ثم من العبد رفيقه ثانياً!! إن غفراننا للأخرين يعني أننا نقدّر غفران الله لنا ونختار أن نرتبط به ونعمل مشيئته ونمرر نعمته للأخرين، وهكذا يمكن لله أن يغفر لنا ذنوبنا ويعيدنا إلى شركته الأبوية!! وللحديث بقية (يتبع) 


الأحد، 1 مارس 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (38)
بقلم : فخرى كرم

«.. كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا» (مت6: 12)
يربط الرب بهذه الكلمات بين غفران الله لذنوبنا وغفراننا نحن للمذنبين إلينا، كما عاد وأكد هذا الارتباط في نهاية الصلاة بقوله «فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم» (ع14، 15) ولكي نفهم معنى هذا الارتباط لابد أن نفهم أولاً أن ربنا لا يتكلم هنا عن الغفران الأبدي بل عن الغفران الأبوي، فكل خطية نعملها كأبناء للملكوت لها وجهان: وجه قضائي أبدي ووجه علاقاتي أبوي، وبالتالي هي تحتاج إلى وجهين للغفران: غفران أبدي وغفران أبوي!!
 (1) الغفران الأبدي: قضائياً خطيتنا تستلزم قصاصاً أبدياً لأن أجرة الخطية هي الموت، والموت هو الإنفصال الأبدي عن الله، وبالتالي فغفران الخطية أبدياً يحتاج إلى ذبيحة كفارية أبدية تُقدم أمام الله عن الخطايا، وقد قدم يسوع نفسه كذبيحة خطية أمام الآب عن كل خطايانا مرة وإلى الأبد، وبالتالي فحصولنا على الغفران الأبدي لذنوبنا لا يتوقف على أية أعمال نعملها مهما كانت بل يتوقف فقط على قبولنا لذبيحة المسيح المقدمة عنا ودخولنا تحت ستر دماه التي سُفكت عنا على الصليب!!
إذاً عبارة «وإغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا» لا تعني الغفران الأبدي لذنوبنا لأن الغفران الأبدي لا يؤسس على غفراننا للأخرين ولا على أي شيء آخر سوى على نعمة الله التي ظهرت لنا في صليب المسيح، وما يؤكد هذه الحقيقة هو أن الرب علمنا أن نقول في بداية الصلاة «آبانا الذي..» أي أننا نخاطب الله باعتبارنا أبنائه بالفعل، وهذا يتضمن بالضرورة حصولنا على الغفران الأبدي لخطايانا، فلا يُعقل أن نكون منفصلين أبدياً عن الله ونخاطبه قائلين «آبانا الذي»!! لكن للغفران وجه آخر:
(2) الغفران الأبوي: علاقاتياً الخطية تفصلنا عن الشركة الحميمة مع أبينا السماوي، لأن كل خطية نعملها في دائرة الملكوت تعني أننا اتخذنا موقفاً مخالفاً للموقف الذي يتخذه الآب السماوي، وخطونا خطوة مبتعدة عن المسار الذي يخطو هو فيه، واعتنقنا فكراً مغايراً لفكره تعالى، وتصرفنا بطبيعة مضادة للطبيعة الموجودة في شخصه، وهذا يؤدي بالضرورة لفقدان قدرتنا على التواصل اليومي معه وسماعنا لصوته ومشاركتنا في أفكاره، ليس لأنه هو تغير من نحونا لكن لأننا نحن ابتعدنا عنه في قلوبنا وأفكارنا ومشاعرنا، ووضعنا أنفسنا في مناخ لا يتوافق مع المناخ الموجود في محضره!!
ان طبيعة الله هي الغفران، هو يحب أن يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والظالمين، المناخ الموجود في محضره هو مناخ الرحمة والمحبة والغفران، الصلاح هو جوهر أفكاره ومشاعره، الخير هو طبيعة وجوده وأعماله، وفي كل مرة نختار أن لا نغفر للمذنبين إلينا، ونختار أن نغضب ونحقد وننتقم، نكون فعلياً قد اختارنا أن ننفصل عن شركتنا مع أبينا السماوي، ونكون عملياً قد ابتعدنا عن علاقتنا الحميمة به، ونصبح عندئذ عاجزين عن التوافق معه والتجاوب مع إرادته وأفكاره، بل قد نصبح _ بقصد أو بجهل _ مقاومين لمشيئته ومعطلين لتنفيذها!!
ولذلك نحن نحتاج أن نغفر دائماً للمذنبين إلينا لكي نحفظ أنفسنا في توافق مع طبيعة الله الغافرة، وبالتالي يسهل أن يغفر لنا أبونا السماوي ذنوبنا ليس بالمعنى الأبدي للغفران بل بمعنى أن يعيدنا إلى شركته الأبوية ويحفظنا دائماً في حالة التوافق الحميم مع أفكاره ومشاعره، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 8 فبراير 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (37)
بقلم : فخرى كرم

«واغفر لنا ذنوبنا» (مت6: 12)
قلنا أن الإنسان في سعيه الدائم لاشباع احتياجه للتبرير قد يلجأ لوسائل مخادعة للحصول على تبرير مزيف يحاول به أن يشبع جوعه النفسي، مثل «التبرير الذاتي» الذي يبرر فيه الإنسان نفسه أمام ضميره أو«التبرير أمام الأخرين» الذي يحاول فيه أن يظهر للناس بمظهر البار خلافاً لما يبطن، أو بتجاهل حقيقة الدينونة وإنكار وجود الديان، ولكن ها هو السيد يقودنا إلى الطريق السهل والمباشر للحصول على التبرير الحقيقي، وهو أن نتقدم مباشرة إلى الله معترفين باتضاع بذنوبنا وطالبين ببساطة الغفران.
وغني عن البيان أن المقصود بعبارة «اغفر لنا ذنوبنا» ليس أن نرددها بشكل روتيني منتظم خالٍ من الاحساس، لكن المقصود بالحري أن نخصص وقتاً في صلاتنا اليومية للاعترف بذنوبنا وطلب المغفرة من الله، مثل ذلك العشار الذي صعد إلى الهيكل ليصلي ولم يشأ أن يرفع عينيه نحو السماء بل قرع على صدره صارخاً «اللهم ارحمني أنا الخاطئ» (لو 18: 13) فنزل إلى بيته مستمتعاً بالتبرير الإلهي الحقيقي!!
ورغم ان الاعتراف بالخطية وطلب المغفرة هو الطريق الأسهل والأقصر للحصول على التبرير إلا أنه عملياً يبدو صعباً للغاية!! حتى أننا لا نجد اليوم في حياة المؤمنين أي صلوات اعتراف أو طلب للمغفرة، وكلمات مثل «آسف» أو «أنا مخطئ» أصبحت من أثقل الكلمات على ألسنتنا، ومشاعر الندم والخزي التي ظهرت في صلاة العشار لم يعد لها مكاناً في حياتنا وصلواتنا الممتلئة بالكلمات الجوفاء والبر الذاتي!!
ولا غرابة في هذا، ألسنا أولاد آدم؟! آدم الذي عندما أخطأ لم يتخذ الطريق السهل المباشر ويذهب يعترف بخطأه لله بل فضَّل طريق الهروب والإختباء، حتى أن الله هو الذي ذهب ليبحث عنه ويطلب سلامته!! آدم الذي اختار الطرق الصعبة الملتوية عندما حاول تبرير ذاته بإلقاء التهمة على الآخرين، فإتهم حواء بأنها السبب في سقوطه بل وأشار ضمنياً لإتهام الله الذي صنع له حواء!! آدم الذي اختار أن يبذل مجهوداً شاقاً في خياطة أوراق الشجر ليستر «الخارج» ويظهر بمظهر حسناً للأخرين بينما «الداخل» أصبح عارياً ومشوهاً!!
إن آدم حتى اليوم لم يعترف بخطيته!! إن آدم (ممثلاً في أبنائه) مازال حتى اليوم يختبئ من الله ويستتر وراء مظاهر كاذبة ويبرر نفسه بإلقاء اللوم على الأخرين، إن آدم (ظاهراً في نسله) مازال يبذل مجهوداً شاقاً في كل يوم ليبدو للناس بصورة حسنة بينما الموت والخزي يضرب عميقاً في جذوره!!
إن طبيعة آدم أبينا مازلت تسري فينا مسرى الدم وتتحكم في تصرفاتنا وردود أفعالنا تجاه الخطية، عندما نخطئ (وهذا يحدث مرات عديدة في اليوم الواحد) تأخذنا هذه الطبيعة الرديئة في طريق الهروب والإختباء بعيداً عن الله، تجعلنا نبحث عن مبررات نستتر وراءها وأشخاص نعلق عليهم فشلنا، تدفعنا لنلقي اللوم على الظروف والناس والبيئة والشيطان وحتى الله، ولكنها لا تعرف أن تلقي اللوم على نفسها أبداً!!
سيظل أصعب قرار نتخذه عندما نخطئ هو أن نتقدم نحو محضر الله بشعور الذنب والندم، نتقدم لنقف في دائرة النور بكل عرينا وإثمنا، نتقدم نحو الله ولا نهرب منه، ونلقي بأنفسنا على رحمته طالبين منه الغفران والتطهير، سيظل هذا أصعب قرار نتخذه لأنه مضاد لطبيعة آدم التي ورثناها، لكن ها هو السيد يعلمنا أن نتقدم نحو أبينا السماوي في كل يوم بل في كل موقف قائلين «اغفر لنا ذنوبنا»، ها هو السيد يشير لنا على الطريق السهل والمستقيم للتبرير لعلنا نكف عن طرقنا الملتوية المملوءة خداعاً وكذباً!! وللحديث بقية (يتبع)