الاثنين، 7 ديسمبر 2020

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (46)

بقلم: فخري كرم 

«لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض» (مت6: 19)

ينتقل الرب بالحديث في موعظة الجبل إلى موضوع في غاية الأهمية ألا وهو «المال» وعلاقة أبناء الملكوت به، فالمال في المجتمع اليهودي كان قد صار سيداً ينافس الله في سلطانه على نفوس الناس، يرفع ويحط، يكرم ويذل، بل امتد سلطانه إلى داخل الهيكل حتى أصبح من يصعد إلى بيت الله كمن يذهب إلى مغارة لصوص!! وبينما كانت غالبية الشعب تحت خط الفقر كانت هناك صفوة في المجتمع تكتنز المال وتختزنه، وفي الوقت الذي ترى أرملة منسحقة تضع فلسين في خزانة الهيكل تستطيع أن ترى أيضاً في الجانب الأخر مَن يلقي بتفاخر فضة كثيرة ونحاساً!!  

وإذا نظرنا إلى مجتمعنا اليوم هل نجد اختلافاً عن المجتمع الذي عاش فيه ربنا؟ أليس المال هو السيد القاسي الذي يسود حياة الناس ويحدد مركزهم في المجتمع؟ أليس المال هو الإله الذي تنحني أمامه كل الجباه وتنسكب عند قدميه كل القيم والاخلاقيات؟ ألم يتسلل المال إلى داخل الكنيسة وصارت له كلمة نافذة فيها؟ ألا نلاحظ نفس التفاوت بين طبقة تشقى بحثاً عن سد الرمق وتجنب الجوع وطبقة تكتنز الأموال وتنفق ببذخ وسفه؟! إذاً نحن نحتاج أن نستمع إلى كلمات الرب هذه كما استمع إليها تابعو الرب على مدارج جبال الجليل.

شمل الرب في حديثه الفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم والأغنياء الذين يكتنزون أموالاً تزيد كثيراً عن حاجتهم، وقدم للجميع سبعة أسباب منطقية تدفعنا لعدم اكتناز المال وعدم الخضوع لسلطانه:

(1) القابلية للفساد والزوال

السبب الأول الذي يقدمه الرب هو أن المال لا يمكننا الوثوق بثباته ودوامه، فهو قد يعتريه الفساد أو الزوال، ولقد عبر الرسول بولس عن نفس الحقيقة قائلاً «أوصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا و لا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنًى للتمتع» (1تي6: 17)

 الرب هنا يوجه حديثه لفئة الأغنياء من سامعيه ويحذرهم أن مَن يتكل على الغنى إنما يتكل على شيء «غير يقيني»!! فالمال قد «يُفسد» أي تزول قيمته وهو بين أيدينا أو قد «يُسرق» أي يؤخذ منا، ولقد رأينا في الفترة الأخيرة عدد من البورصات التي انهارت والعملات التي فقدت قيمتها في غضون ساعات، فعندما قامت حكومتنا بخطوة «تعويم الجنيه» اكتشف كل صاحب مال أن أمواله فقدت أكثر من نصف قيمتها في لحظة من الزمان، وعندما تفشى وباء الكورونا سبَّب خسائر رهيبة لأكبر الاقتصاديات في العالم، والأغنياء اكتشفوا فجأة أن سندهم قد اهتز والمال الذي اعتقدوه مرتكزهم تهاوى بهم، وأصبح شائعاً أن تقرأ عن صاحب مال أقدم على الانتحار لأنه لم يستطع احتمال فكرة أن أمواله قد فسدت أو فُقدت!!

في (لو12: 20) يسرد الرب لنا مثلاً يكشف فيه أن الاتكال على غير يقينية الغنى ليس تصرفاً خاطئاً فقط بل يرقى إلى مستوى «الغباء»!! لقد اعتقد الغني الذي أخصبت كورته أن في اكتنازه للمحاصيل ضماناً لسنين عديدة من السعادة والاستقرار، ولم يعلم أن المال لا يمكنه أن يضمن لنا يوماً واحداً من السعادة لأنه قد يؤخذ منا في أي وقت أو نؤخذ نحن منه، إن «غرور الغنى» يجعلنا ننسى أحياناً أن حياتنا مستمدة من الله وليس من أموالنا، وأنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله (لو12: 15) في تلك الليلة أُخذت نفس الغني منه وبقيت أمواله وحدها تشهد للجميع أن المال لا يضمن لصاحبه أي شيء!! وللحديث بقية (يتبع)

 

الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (45)

بقلم : فخرى كرم

 

«ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين..» (مت6: 16-18)

نفهم من كلمة الله أن الصوم هو ممارسة تلقائية عفوية يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن التذلل أمام الله والاحتياج الشديد لغفرانه ونعمته وارشاده. ولأن الصوم ينبغي أن يكون تلقائياً نابعاً من الحالة القلبية والظروف الخاصة بكل انسان لذلك لم يفرض الناموس ضمن فرائضه الكثيرة أية أيام محددة للصوم أو طريقة خاصة تُتبع فيه. يوم واحد ذكره الناموس ينبغي أن يتذلل فيه الشعب كله هو يوم الكفارة العظيم، لأن في هذا اليوم كان رئيس الكهنة يدخل إلى الأقداس طالباً غفراناً للشعب عن خطايا سنة ماضية وملتمساً نعمة جديدة لسنة قادمة  (لا16: 29) ورغم أن شريعة يوم الكفارة لم تذكر الصوم صراحةً إلا أن الشعب كان يصوم عن الطعام في هذا اليوم تعبيراً عن تذللهم أمام الله، وهذا هو «الصوم» الذي يذكره لوقا الطبيب في (أع27: 9) ويذكره مُعرّفاً بحرفي التعريف «الـ» لأنه الصوم الوحيد المحدد التوقيت الذي يعرفه كل يهودي. ولكن بعيداً عن هذا اليوم الواحد نجد صفحات العهد القديم تمتلئ بأصوام كثيرة تذلل بها رجال الله القديسون طلباً لحضور الله في ظروفهم التي اجتازوا فيها، لم يكن لهذه الأصوام أي اسلوب ثابت بل كانت عفوية في كيفيتها ومدتها بحسب نوعية وإلحاح الظروف التي أحاطت بكل منهم.

وفي العهد الجديد لم يغير الرب أي شيء تجاه الصوم، لم يفرض على كنيسته أية أوقات أو أشكال محددة للصوم، لذلك نجده يقول «متى صمت..»، مازال الرب يريد أن يكون الصوم ممارسة عفوية نلجأ إليها تعبيراً عن اتضاعنا أمام الله ورغبة في مزيد من نعمته وإرشاده لحياتنا، فرأيناه (له المجد) يصوم عن الطعام أربعين يوماً ليتهيأ لمواجهة إبليس في تجربة الجبل (مت4: 2) وسمعناه يوصي تلاميذه بالصوم لمواجهة نوعية معينة من أرواح الشر (مت17: 21) وفي سفر الأعمال وجدنا التلاميذ يصومون كثيراً أثناء خدمتهم وقبل الدخول لأي مجال جديد في الارسالية (أع 13: 2، 3)

لكن الغريب والمدهش حقاً هو أن الإنسان استطاع أن يحول الممارسة التي من المفترض أن تعبر عن الاتضاع والتذلل إلى ممارسة تعلن عن التفاخر والتميز!! فعندما أتى ربنا إلى خاصته وعاش وسط شعبه الأرضي وجد أن القادة الدينيين قد وضعوا ترتيباً للصوم وحددوا له أياماً في الإسبوع وأمعنوا في حفظ هذه الأصوام لإعلان قداستهم وتميزهم عن بقية الشعب، حتى أن الفريسي الذي صعد إلى الهيكل ليصلي واتته الجرأة ليرفع رأسه أمام الله ويفتخر بأنه ليس مثل باقي الناس الخطاة لأنه يصوم مرتين في الإسبوع (لو18: 12) بل حتى تلاميذ يوحنا المعمدان فرضوا على أنفسهم أصواماً كثيرة وكانوا يعيّرون تلاميذ الرب بأنهم لا يصومون مثلهم، حتى تقدموا يوماً إلى الرب متفاخرين وقائلين «لماذا نصوم نحن والفريسيون كثيراً وأما تلاميذك فلا يصومون» (مت9: 14) عجباً!! كيف استطاع القلب الإنساني المخادع أن يحول الممارسة المعبرة عن الاتضاع والانكسار، والتي من المفترض أن تتم في الخفاء بتذلل أمام الله وحده، إلى مادة علانية للتفاخر والتمييز بين الفرقاء؟!

في هذا الجزء من موعظة الجبل لا ينفي الرب احتياجنا في العهد الجديد للصوم، لكنه يحذرنا بشدة من الانجراف وراء رغبتنا الذاتية في لفت الإنتباه والتعالي على الأخرين من خلال اعلان صومنا للناس، لأن هذا الصوم العلني سيكون هو والعدم سواء!! وللحديث بقية (يتبع)

الاثنين، 5 أكتوبر 2020

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (44)

بقلم : فخرى كرم

«لأن لك المُلك والقوة والمجد إلى الأبد.آمين»(مت6: 13)

في هذه العبارة الختامية يضع ربنا الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه صلاتنا، وهو الإيمان الراسخ بأن إلهنا «يمتلك» ما نحتاج إليه و«قادر» أن يعطيه لنا بحسب غناه في «المجد»، وقوة صلاتنا وتأثيرها يتناسب مع قوة وثبات هذا الإيمان، أما إذا تعرض هذا الإيمان للإهتزاز تصبح صلاتنا فاترة لا قوة فيها.

المُلك: بديهياً أنه من العبث أن نطلب الأشياء ممن لا يملكها!! ولا شك أننا نذكر مقدار الاحباط الذي أصابنا ونحن صغار عندما طلبنا أشياء من آبائنا واكتشفنا أنهم لا يملكونها وبالتالي لا يستطيعون توفيرها لنا، فالطفل في سذاجته المفرطة يظن أن والده يستطيع أن يوفر له كل ما يريد، وربما يترك لخياله العنان فيطلب دراجة أو سيارة أو حتى طائرة!! إلى أن تصطدم طموحاته بالواقع المرير وهو أن والده لا يستطيع أن يعطيه هذه الأشياء لأنه ببساطة لا يملكها!! ويبدأ عندئذ يقلص طموحاته تدريجياً حتى تنكمش وتصير في حدود ما يملكه الأب. ما نطلبه في صلاتنا سيظل في حدود ما نؤمن أن آبانا السماوي يملكه!!

الإنسان بالغريزة يقدم الولاء والطاعة لمن يملك أن يعطيه ما يحتاجه من قوت ضروري، طلب إبليس من يسوع أن يسجد له لكي يعطيه ممالك العالم، فاذا اعتقدنا أن المال هو ما يضمن لنا اشباع احتياجاتنا فبالضرورة سوف نقدم خضوعنا للمال ساجدين في محرابه، وإذا اعتقدنا أن الشهوة هي التي تملك لنا السعادة فالبديهي أن نحرق أجسادنا على مذبحها النجس، أما إذا آمنا بأن الآب السماوي هو وحده من له «المُلك» وأنه وحده يعطينا طعامنا في حينه وهو يفتح يده فيشبع كل حي رضى فالطبيعي عندئذ أن تترجاه أعيننا ونرفع له صلاتنا بكل جرأة ويقين (مز145: 15، 16)

القوة: أحياناً لا تكمن مشكلة العطاء في «المُلك» بل في «القوة»!! فكم من آباء كانوا «يملكون» أشياء كثيرة ومع ذلك لم تكن لديهم «القوة» لاسعاد أبنائهم، وعاش الأبناء في فاقة وحرمان ليس لأن الأب لا يملك لكن لأنه يعاني من ضعف ما يجعله لا يستطيع أن يسخِّر ما يملكه لسعادة أبنائه، وقد يعود هذا الضعف الى جوانب كثيرة في شخصية الأب، فربما كان ضعفاً في المحبة لأبنائه بسبب فرط أنانيته ومحبته لذاته، أو ضعف في الحكمة يجعله لا يحسن وضع المال في مواضعه الصحيحة، أو ضعف في احساسه بالأمان الذي يجعله يلجأ لاكتناز المال وعدم انفاقه خوفاً من المستقبل المجهول..الخ. لكن يسوع يعلمنا هنا أن نقدم صلاتنا بثقة ويقين لأننا نؤمن أن آبانا السماوي لا «يملك» فقط ما نحتاج اليه لكن عنده أيضاً «القوة» اللازمة لتوصيل هذا الاحتياج إلينا، لا يوجد أي ضعف في شخص الآب السماوي يمنعه من تسديد كل احتياجنا، حاشا!! لا توجد قوة في السماء أو الأرض أو الجحيم تستطيع أن تمنع عنا خيراً يريد أبونا السماوي أن يعطيه لنا!!

«المجد»: إن ثقتنا في الآب السماوي ليست وليدة اللحظة ولا تستند على خبراتنا الخاصة فقط بل تستند على مجد ممتد عبر الأجيال والحقب، إن مجد إلهنا هو أنه «سامع الصلاة» الذي إليه يأتي كل بشر، إننا نؤسس ثقتنا في الصلاة على ما عرفناه من مراحم صنعها إلهنا لطالبيه عبر السنين، أن مجد إلهنا في استجاباته لصلوات قديسيه يعطينا الجرأة لنتقدم إلى داخل الأقداس طالبين كل ما نحتاج إليه بكل ثقة ويقين، إننا لا نتعامل مع آلهة الأمم الصماء التي لا تسمع بل مع إله حي تشهد صفحات الوحي عن مجده كسامع الصلاة ومستجيبها، له كل المجد (يتبع)         

الأحد، 6 سبتمبر 2020

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (43)

بقلم : فخرى كرم

«ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير»(مت6: 13)

في بستان جثسيماني طلب الرب من تلاميذه قائلاً: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة، أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف» (مت26: 41) وإذا وضعنا هذه الآية بجوار الآية موضوع تأملنا لوصلنا لاستنتاج حتمي: أن عدم دخولنا للتجربة لا يتحقق فقط بمجرد أن نطلب من الآب السماوي ألا يدخلنا في تجربة، بل ينبغي أن نسهر على حياتنا الروحية ونكون منتبهين ومراقبين للخيوط التي ينسجها العدو حولنا.

ان إرادة الآب السماوي العامة هي ألا ندخل في التجربة، لكن لابد أن تكون هذه هي إرادتنا أيضاً!! لا يمكن أن يحفظنا الله من الدخول في التجربة إذا كنا نحن نحبها ونتجاوب معها ولا نبالي بسلامة حياتنا الروحية!! ما معنى أن نصلي قائلين «لا تدخلنا في تجربة» ثم نضيع أوقاتنا في طرق هذا العالم ودهاليزه الممتلئة بكل فخاخ وأكاذيب العدو؟! ما معنى أن نطلب «احفظنا من الشرير» ونحن لا نغلق أبوابنا أمام الشرير ولا نصرف الوقت الكافي للتعلق بالرب والإحتماء به؟!

يسوع لم يكن يريد أن يدخل تلاميذه في تجربة الخوف والهروب والإنكار المشين الذي حدث ليلة الصليب، لكن هذا كان يستلزم منهم سهراً وانتباهاً وصلاة، ولما لم يقوموا بدورهم سارت الأمور بالشكل السيء الذي سارت به، ولا نستطيع أن نقول أن الآب هو الذي أدخلهم لهذه التجربة لكن هم دخلوها بسبب عدم يقظتهم الروحية وبسبب استسلامهم لضعف الجسد الذي يميل للراحة ويستهين بالخطر!! ولولا أن الرب كان متوقعاً منهم هذا الضعف وسبق فصلى لأجلهم لكي لا يفنى ايمانهم لسارت الأحداث إلى نهايات أسوأ بكثير!!

من يستطيع أن يلوم الرب لأنه لم يحفظ شمشون من التجربة التي أودت بحياته وهو بعد في شرخ الشباب؟ حاشا!! إن إلهنا غير ملوم البتة، لأنه أكثر من مرة أعلن عن إرادته الصالحة في حفظ شمشون من التجارب والفخاخ التي نصبها له العدو، بل وأخرجه منها بانتصارات ومكاسب!! ولكن الرب كان ينتظر من شمشون (وهو النذير المُستخدم من الروح القدس) أن تتوافق إرادته مع إرادة الله ويظهر اهتماماً بخدمته وسهراً على حياته الروحية ورغبة في النجاة من التجارب لكي يستطيع أن يتمم إرادة إله إسرائيل، وبالتالي يهتم بأن يتجنب مواضع الشبهات ويغلق النوافذ التي قد تتسرب منها التجربة، لكن للأسف وجدناه يستهين بكل شيء حتى بعهد انتذاره لله ويسكب وقته وقوته عند أعتاب الشهوة الرديئة!! في هذه الحالة لا نستطيع أن نقول أن دخول شمشون للتجربة كان بإرادة من الله لكن ينطبق عليه كلمات الرسول يعقوب «لا يقل أحد إذا جُرب إني أُجرب من قبل الله... لكن كل واحد يُجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته» (يع1: 13)

نفس الأمر نراه يتكرر في خطية داود مع إمرأة أوريا، هل نستطيع أن نتسائل لماذا لم يحفظ الله داود من هذه التجربة؟ أو لماذا أدخله الله إلى هذه التجربة التي عصفت ببقية حياته كلها وأعملت السيف والموت في كل أسرته؟! حاشا، إن الله لم يُدخل داود إلى هذه التجربة بل هو أدخل نفسه فيها باستسلامه لشهوات الجسد الذي جعله يستهين بكل المحظورات و يتعدى كل الحدود، في الوقت الذي كان ينبغي أن يسهر ويصلي رأيناه يصعد للسطح ليتسلى، وفي الوقت الذي كان ينبغي أن يتطلع باشفاق إلى خراف رعيته المسكينة نجده يتطلع بعين الذئب الباحث عن فريسة!! خلاصة القول أننا لا نستطيع أن نصلي قائلين «لا تدخلنا في تجربة» إلا إذا أرفقنا هذه الصلاة بحياة ساهرة ومتيقظة ومتحذرة من كل فخاخ العدو!! وللحديث بقية (يتبع)

الجمعة، 31 يوليو 2020

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (42)

بقلم : فخرى كرم

 

«ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)

قلنا أن ربنا يعلمنا في الجزء الأول من هذه الطلبة أن تكون صلاتنا الدائمة هي أن يحفظنا الله من الدخول في التجارب التي يحيكها العدو حولنا كل الوقت لتدمير حياتنا، ولكن الرب يعود ويستدرك في الجزء الثاني من الطلبة معلناً أن الآب السماوي قد يسمح لنا أحياناً بالدخول في التجربة، وفي هذه الحالة تكون صلاتنا أن ينجينا الله من مقاصد العدو الشريرة من وراء التجربة. وهنا لابد أن يبرز في أذهاننا سؤال: لماذا يسمح الآب الصالح أن ندخل في تجربة يهدف من ورائها العدو لتدمير حياتنا؟! وكلمة الله تجيب عن هذا السؤال في أكثر من موضع بأن هدف الله من اجتيازنا في التجربة هو تزكية إيماننا.

يقول الرسول بطرس «الذي به تبتهجون مع أنكم الآن إن كان يجب تُحزنون يسيراً بتجارب متنوعة لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح» (1بط1: 6، 7) تؤكد كلمة الله هنا أننا قد نجتاز في تجارب متنوعة (متنوعة في طبيعتها: آلام جسدية أو ضغوط نفسية أو حروب روحية أو ظروف خارجية...) وهذه التجارب تسبب لنا الحزن والضيق وتستهدف في المقام الأول تدمير علاقتنا مع الله، لكن الله يسمح لنا بالدخول في هذه التجارب لأنه يريد أن يجعل إيماننا به أكثر نقاءً وثباتاً، تماماً مثل الذهب الذي يحتوي أحياناً على بعض الشوائب التي لا يمكن اكتشافها والتخلص منها إلا بأن نضع الذهب في النار!!

 أدرك أيوب هذا الحق في عمق آلامه وتجربته فقال «لأنه يعرف طريقي، إذا جربني أخرج كالذهب» (أي23: 10) رغم آلاف السنين التي تفصل بين أيوب وبطرس إلا أن الوحي استخدمهما لاعلان نفس الحق: أن الله يرى في إيماننا قطعة ثمينة من الذهب تحتاج باستمرار أن تجتاز في النار لكي تصير أكثر قيمة ولمعاناً!! وادراك هذا الحق على مر الأجيال كان هو الملجأ والصخرة التي حفظت إيمان أبناء الله في قلب بوتقة الألم ونيران التجربة!! وتشبيه الإيمان بالذهب هو تشبيه عبقري يحمل العديد من المعاني:

(أولاً) أن قيمة الذهب ومجده يرتبط مباشرة بدرجة نقائه وطهارته، وكذلك قيمة إيماننا وقدرته على التأثير في حياتنا وحياة الأخرين هو في قدرتنا على اجتياز التجارب بنجاح، أما إذا كنا لا نريد أن نجتاز في التجارب فنحن نحكم على أنفسنا بأن نظل أطفالاً في علاقتنا بالله ليس لنا تأثير أو وزن في العالم الروحي.

(ثانياً) لابد أن نتأكد أن قصد الله وراء ادخال الذهب إلى النار هو دافع صالح يهدف للخير وليس للشر، ابليس يحاول في أثناء التجربة أن يحيطنا بمناخ من التذمر والشكاية على أنفسنا أو على الأخرين أو على الله، ليتنا نتعلم أن نرفض مناخ الشكاية هذا ونتمسك باليقين في صلاح إلهنا، فهذا اليقين هو الحصن الذي يحفظ ايماننا في مثل هذه الأوقات الصعبة!!

(ثالثاً) النار التي يوضع فيها الذهب تكون محسوبة بدقة، لا يمكن أن تقل أو تزيد في درجتها أو مدتها، كذلك نحن لسنا متروكين للمجرب يفعل بنا ما يشاء بل كل شيء مقدر ومحكوم في يد مَن معه أمرنا!!

(رابعاً) النار مؤقتة وتنتهي بانتهاء المقصود منها أما النقاء الذي يكتسبه الذهب فأبدي، يظل يتألق ويثمر إلى الأبد، وهذا ما قاله الرسول «لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً» (2كو4: 17) فالضيقة وقتية أما المجد فأبدي!! وللحديث بقية (يتبع)


الجمعة، 3 يوليو 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (41)
بقلم : فخرى كرم

«لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)
تكلمنا عن مفهوم التجربة وعرفنا أنها ترتيب شيطاني يهدف لاجتذابنا للوقوع في الخطية والإنفصال عن الله، وبهذا المفهوم يكون من البديهي أن نصلي لكي لا ندخل في تجربة، لكن عبارة «لا تدخلنا في تجربة» تحمل معنى أعمق، أنها تعني أن دخولنا في التجربة أو عدم دخولنا هو تحت سلطان الله المطلق، فرغم تأكيدنا أن الرب ليس هو مصدر التجربة لأنه إله صالح لا يجرب أحداً بالشرور، ورغم يقيننا بأن سقوطنا في التجربة هو بسبب انجذابنا نحن وانخداعنا من شهواتنا غير المحكوم عليها (يع1: 13-15) إلا أننا لابد أن نتأكد تماماً من سلطان الله المطلق على كل الأمور، فإلهنا له مطلق السلطان على إبليس وترتيباته ويستطيع أن يمنعه إن شاء أو يضع له حدوداً لا يتجاوزها، كما أن إلهنا له مطلق السلطان علي قلوبنا وظروفنا ويستطيع أن يمنع دخولنا التجربة أو يسمح لنا بدخولها، وإلا فما المعنى أن نصلي قائلين «لا تدخلنا في تجربة» إن كان الله ليس مسئولاً عن دخولنا في التجربة أو عدم دخولنا؟!
وهذا يقودنا إلى أن نسأل: هل معنى هذا أن الله قد يسمح أحياناً أن ندخل في تجربة؟ والإجابة كما نجدها في كلمة الله هي بالتأكيد «نعم»!! وهذا يعطينا فهماً لحرف الاستدراك «لكن» الذي وضعه الرب بين الطلبة الأولى والطلبة الثانية، فبعد أن أوصانا أن نصلي الطلبة الأولى: «لا تدخلنا في تجربة» نجده يستخدم حرف الإستدراك «لكن» والذي يعني أنه أحياناً قد يسمح أبونا السماوي أن ندخل في تجربة، وإن كان هذا هو الإستثناء وليس القاعدة، وفي هذه الحالة ينبغي أن نطلب الطلبة الثانية: «نجنا من الشرير»!! أي أننا يمكننا أن نقرأ هذا المقطع من الصلاة هكذا: «لا تدخلنا في تجربة، ولكن إذا سمحت عنايتك بأن ندخل التجربة فلتنجنا من مشورة الشرير ومقاصده وتعطنا نصرة على هذه التجربة»!! فلو كانت الطلبة الأولى: «لا تدخلنا في تجربة» مُستجابة دائماً طوال الحياة فلا معنى إذاً للطلبة الثانية: «نجنا من الشرير» لأننا لن نواجه الشرير أبداً طالما لن ندخل في التجربة أبداً!!
الحق الكتابي المستقيم يعلِّمنا أن الله في حكمته الأبدية قد يسمح أحياناً أن نجتاز في تجارب متنوعة، ليس لكي نسقط في الخطية، حاشا، بل لكي يُمتحن إيماننا ويتزكى، ويُنشئ الروح فينا صبراً وعملاً تاماً لنكون تامين وكاملين غير ناقصين في شيء، وفي النهاية ننال إكليل الحياة (يع1: 2-12) (1بط1: 6، 7) فلو كانت حياتنا خالية دائماً من التجارب فستكون خالية أيضاً من الانتصارات!! والكتاب يعلمنا أن هذه التجارب تكون خاضعة دائماً لسلطان الله وحكمته وتقديره بحيث لا تزيد عن احتمالنا ولا تخرج عن أهدافها ويكون معها دائماً المنفذ (1كو10: 13) فرغم أن إبليس يرتب لنا التجربة لكي يدمر حياتنا إلا أن إلهنا عندما يسمح بأن ندخل هذه التجربة يكون قصده أن نتعلق به أكثر فيزداد إدراكنا الروحي وتتعمق شركتنا معه أكثر، وبالتالي نخرج من هذه التجربة وقد إزداد نقاء إيماننا كما يزداد لمعان الذهب حين يجتاز في النار!!
أحياناً يرى الآب السماوي أن التجربة التي يرتبها ابليس لنا أكبر من قامتنا الروحية وقد نسقط إذا دخلنا فيها، عندئذ يستجيب أبونا السماوي للطلبة الأولى ولا يدخلنا في التجربة، ولكن أحياناً أخرى قد يرى أبونا السماوي أن عمله فينا يكفي للانتصار إذا دخلنا في التجربة وعندئذ يستجيب للطلبة الثانية ويسمح بأن ندخل في التجربة لكنه ينجينا من الشرير، فنخرج من التجربة أكثر نقاءً وإيماناً وانتصاراً!! وللحديث بقية (يتبع) 

الاثنين، 1 يونيو 2020

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (40)
بقلم : فخرى كرم

«ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13)

بعد أن علَّمنا سيدنا أن نطلب من الله احتياج أجسادنا من «خبز» واحتياج نفوسنا من «غفران»، ها هو يعلمنا أن نطلب أيضاً احتياج أرواحنا للنجاة من «التجربة» ومن «الشرير». ولكي نفهم أبعاد هذه الطلبة لابد أن نفهم أولاً بعض الحقائق الكتابية الهامة:
ما هي التجربة؟
نفهم من كلمة الله أن التجربة هي الظروف والأحداث التي يرتبها إبليس لكي يدفعنا للسقوط في الخطية والابتعاد عن الله، فلا يوجد منشأ للتجربة إلا إبليس ولا يوجد هدف للتجربة إلا السقوط في الخطية والارتباط بها إلى حد الانفصال عن الله الذي هو الموت الأبدي (يع1: 13-15).
والتجربة هي عمل إبليس الذي لا يتوانى عن عمله نهاراً وليلاً، فهو كالأسد يجول دائماً ملتمساً مَن يبتلعه (1بط5: 8) مع أول صفحات الكتاب رأيناه يتسلل إلى الجنة لينصب فخاً للإنسان الأول وللأسف نجح في اسقاطه في العصيان وابتعد به وبنسله عن الله، وطوال التاريخ يكشف لنا الكتاب عن محاولاته الدؤوبة لتجربة البشر بطرق وأساليب وخدع لا حصر لها، حتى نصل للصفحات الأخيرة في الكتاب لنجد أن إبليس قد نجح للأسف في أن يُضل كل الأمم والشعوب حتى صارت الأرض مستحقة لضربات القضاء الإلهي العادل.
بل وفي ملء الزمان عندما أتى الإنسان الثاني، ربنا يسوع المسيح، وجدناه يذهب إلى البرية بعد المعمودية مباشرة لكي يُجرب من إبليس، وإذا كان آدم الأول قد سقط أمام غواية الحية إلا أن آدم الأخير قد انتصر على التجربة وتمسك بارتباطه بالآب السماوي والخضوع له وتتميم مشيئته (مت4: 1-10)
ويعلمنا الكتاب أن إبليس هو كائن حكيم بطبعه (حز28: 12) ولذلك هو لا يتحرك في تجاربه بعشوائية غير مدروسة، بل هو يحبك ويصوغ التجربة بخبث شديد حتى تناسب كل واحد بحسب شهواته ونقاط ضعفه، ولهذا يشعر الإنسان عادة بالضعف أمام التجربة وبالميل للسقوط فيها، قد يستخدم الحية للإيقاع بحواء ويستخدم حواء لإسقاط آدم، قد يستخدم كثرة المال لإهلاك زكا ويستخدم قلة المال للإيقاع بالمرأة الخاطئة، قد يستخدم ضعف وصغر النفس لتدمير المرأة السامرية ويستخدم الاحساس بالقوة وغرور السلطة للإيقاع بداود!! أحياناً يتكلم بأكاذيب وبهتان وأحياناً يستخدم آيات من الكتاب المقدس!! يمكنه أن يستخدم القوة وأيضاً الضعف، الجمال والقبح، الفقر والغنى، الفرح والحزن، المكسب والخسارة، فلا توجد ظروف لا يستطيع ابليس أن يستغلها للإيقاع بنا في حبائله!!
إن كل واحد منا يتعرض لهذه التجارب في كل يوم دون أن يدري أو يلاحظ!! الظروف والملابسات التي نظنها عشوائية كثيراً ما كانت مدبرة بحكمة تفوق ادراكنا، منذ أن نستيقظ صباحاً هناك من ينسج حولنا خيوطاً غير منظورة للإيقاع بنا، قد يستخدم الأشخاص الذين نقابلهم، والكلمات التي نسمعها، والأفكار التي تطرأ فجأة على أذهاننا، والمشاعر التي تكتنفنا دون مبرر، وكل هذا قد نجتاز فيه دون أن ننتبه حتى نهدأ إلى أنفسنا في نهاية اليوم فنكتشف أننا ابتعدنا كثيراً عن فكر إلهنا ومشيئته، ونبدأ نفهم أن العدو نجح في اقتناصنا بحبائل لم نلاحظها وأبعدنا عن خطة الله ليومنا!! وماذا نستطيع أن نفعل عندئذ سوى أن نصرخ بألم وتضرع: «لا تدخلنا في تجربة»!! وللحديث بقية (يتبع)