الثلاثاء، 4 مايو 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (51)

بقلم : فخرى كرم

 

«ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته (عمره) ذراعاً واحدة» (مت6: 27)

بهذه الكلمات يكشف ربنا عن سبب دفين في قلب الإنسان يدفعه لاكتناز المال، ألا وهو رغبته في اطالت عمره على الأرض، فالإنسان يولد وبداخله دافع غريزي للاستمرار بالوجود، وبالتالي ينشأ ويتزايد بداخله خوف شديد من أي شيء وكل شيء يمكن أن يهدد هذا الوجود، هذا الدافع والخوف الغريزي هو ما دفع الإنسان للتجمع في مجتمعات وانشاء الحضارات واختراع الأسلحة التي يصارع بها قوى الطبيعة المقاومة لوجوده، هذا الخوف ذاته هو الذي دفع الانسان للإقامة في مساكن يغلقها عليه بدءاً من المغاير وشقوق الأرض ومروراً بالخيام والحجارة وانتهاءً بالأسمنت المسلح!!

 الإنسان متشبث بشدة بالاستمرار في الحياة ولو على حساب حياة الأخرين!! الانسان متعلق غريزياً بالاستمرار بالوجود على هذه الأرض سواء بوسائل مشروعة أو غير مشروعة!! هذه الدافع الغريزي يقف وراء كل اختراع وتطور جديد تشهده البشرية، ولكنه أيضاً يقف وراء كل صراع وقتال بين أفراد المجتمع الإنساني الواحد!! ولعلك لو وقفت أمام أهرامات الجيزة وتطلعت إلى حجم ومتانة بنيانها تستطيع أن تكوِّن فكرة عن مدى تشبث الإنسان بالاستمرار في الوجود، هؤلاء القدماء كانوا يرفضون فكرة أن يموتوا وينتهي ذكرهم من تحت السماء، فصنعوا ما يجعلهم خالدين في هذه الأرض محط أنظار الأجيال التالية لهم!!

ويكشف لنا الرب هنا أن أحد الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان لضمان الاستمرار في الوجود هو اختزان المال، وهذا الدافع الغريزي يرجع في جذوره للإنسان البدائي القديم الذي كان يشعر أنه إذا اختزن زاداً كثيراً لاستطاع أن يغلق على نفسه ويستمر موجوداً لأيام كثيرة لا يضطر فيها للخروج ومواجهة الأخطار التي تهدد حياته!! لذلك نجد الغني الذي أخصبت كورته يبني مخازن أكثر يضع فيها خيراته الكثيرة ويمنّي نفسه بالوجود لأيام كثيرة، لكنه اكتشف متأخراً أن ما يحدد وجوده هو كلمة الله وليس ما يمتلكه من زاد وممتلكات!!

(6) المال لا يضمن الوجود ولا يطيله

كلمة الله تعلمنا أن آجالنا هي بيد الله (أي14: 5، مز31: 15) وإن امتلاك المال الكثير لا يضمن أبداً أياماً كثيرة (لو12: 15) كما أن قلة المال لا تسبب بالضرورة ضعف الحياة أو قصرها، فكم من فقراء عاشوا حياة طويلة وعريضة وعميقة بل وأغنوا كثيرين (2كو6: 10) وفي المقابل نعرف كثيرين من ذوي الأموال والأبناء والممتلكات شهدوا أن حياتهم كانت قليلة وردية (تك47: 9)!!

كان نبوخذنصر رأساً لمملكة من ذهب، أغنى مملكة نشأت على وجه الأرض، فظن أن أمواله تضمن له الحياة والدوام والعظمة، فأمرت السماء أن يفقد عقله ويعيش هائماً بلا مسكنٍ، يأكل عشب الحقل ويبتل بندى السماء، لم تُغني عنه أمواله شيئاً ولم تمنع عنه شراً، حتى أمرت السماء أن يعود إليه عقله فعلم أن السماء سلطان في مملكة الناس، وأن جدوى أيامنا وقيمتها لا يحددها ما نمتلكه من أموال بل ما تقرره السماء، ولو وضعت السماء حداً لأيامنا فلا يمكن لكل مجهوداتنا وأموالنا أن تزيد أيامنا يوماً واحداً، ولو أمرت السماء أن تمتد بنا الأيام فلا يمكن لكل القوى المعادية ولا قلة الأموال والممتلكات أن تنقص من أعمارنا يوماً واحداً!!

نحتاج أن تتعمق كلمات ربنا فينا وتنير ظلمة قلوبنا وتعطينا أن ندرك أن للسماء سلطان في حياتنا، لعل هذا الادراك يحفظنا من الانبطاح أمام سطوة المال وسلطانه على قلوب البشر، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 3 أبريل 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (50)

بقلم : فخرى كرم

 

« لأن أباكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها » (مت6: 32)

يتقدم الرب في حديثه ليخبرنا عن سبب خامس لعدم اتكالنا على اكتناز الأموال، وهو:

(5) رعاية الآب السماوي

الشخص الذي يلجأ لاكتناز المال والممتلكات هو شخص يشعر بعدم أمان شديد تجاه المستقبل، وهو يحاول أن يشعر بالأمان في أمواله الكثيرة (لو12: 19) لكن الرب هنا يعلن لنا عن حقيقة معزية تمنحنا الشعور بالأمان تجاه المستقبل، وهي أن الله هو أبونا السماوي الذي يهتم بنا ويدبر احتياجاتنا في وقتها، لو صدقنا هذه الحقيقية واستقرت في أعماقنا لتغيرت حياتنا للأفضل بشكل جذري!! ولكي يبرهن ربنا على هذه الحقيقة نجده يلفت نظر سامعيه لحقيقتين بديهيتين:

† الحقيقة البديهية الأولى هي أن الله أعطانا فعلاً الأغلى والأكثر أهمية!! يقول ربنا «أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس»؟ لقد أعطانا الله الأجساد المتميزة عجباً والفريدة في صنعها وجمالها، وأعطى هذه الأجساد حياة ونفساً ثمينة لا يمكن أن نشتريها بكل أموال الدنيا، فكيف نشك في قدرة الله أن يعطينا الاحتياجات الضرورية لابقاء هذه الأجساد حية وعاملة؟ ان هذه الاحتياجات قليلة القيمة جداً بالمقارنة مع الهياكل الحية التي أعطاها الله لنا مجاناً، ومن البديهي أن من أعطانا الأعظم لن يبخل علينا بالأقل ومن أراد لنا الحياة لن تقصر يداه عن منحنا ضرورات هذه الحياة!!

ان كلمات الرب هذه تدفعنا لنتأمل في أحوالنا ونتعجب كيف أننا صرنا نهتم بالأقل ونهمل الأعظم؟ وفي سعينا للرخيص دسنا على الغالي!! فكم منا في سبيل حصولهم على المال يهملون في صحة أجسادهم وسلامة نفوسهم؟! وطمعاً في اكتناز الأموال يحرمون أنفسهم وأجسادهم من الوجود في محضر الله خالق هذه الأجساد والنفوس!! اننا في كل يوم نحتاج أن نتذكر كلمات الرب هذه حتى يستقر في عمق وجداننا أن الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس، فنعيد ترتيب أولوياتنا ونضع الأمور الأفضل أولاً!!

† الحقيقة البديهية الثانية هي أن الخلائق الأقل ذكاء منا تعرف هذا القانون وتمارسه ببساطة وسهولة!! يشير ربنا إلى طيور السماء التي تستمتع بحياتها ولا تهتم أن تجمع طعامها في مخازن لأنها تؤمن ببساطة أن الخالق الذي أعطاها الحياة لا يمكن أن يبخل عليها بقوت هذه الحياة، ولأنها تعتقد بالغريزة أن الحياة أجمل من أن تضيعها في قلق لا طائل من وراءه!! وكلمات الرب تحمل لنا حقيقة تدعونا للدهشة وهي أن هذه الخلائق تتكل على الله رغم أنه «الخالق» فقط بالنسبة لها، أما نحن فالله بالنسبة لنا هو «الآب» السماوي، إن حجم وسمو علاقتنا بالله أعظم بكثير من علاقته بسائر الخليقة، ان روحه يسكن فينا ويربطنا به بدالة البنوة، ورغم ذلك تجدنا لا نظهر نفس الثقة والاتكال التي تظهرها سائر الخليقة غير العاقلة!!

وغني عن البيان أن كلمات الرب هذه لا تعني التراخي أو التكاسل في أعمالنا، فمن لا يريد أن يشتغل لا يأكل أيضاً (2تس3: 10) فطيور السماء التي يتكلم عنها ربنا تستيقظ مبكراً جداً وتسعى وراء طعامها بكل اجتهاد وبلا تكاسل، ولكنها تعمل هذا بدون قلق وخوف من المستقبل، انها تعرف أن تستمتع بالحياة وبالعمل أيضاً!! دعونا إذاً لا نقلق على المستقبل ولا نلجأ لاكتناز المال بحثاً عن الشعور بالأمان، لأن أبانا السماوي يعلم كل احتياجنا ويعمل لتسديده بحسب غناه في المجد، وللحديث بقية (يتبع)  

السبت، 6 مارس 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (49)

بقلم : فخرى كرم

 

«سراج الجسد هو العين» (مت6: 22)

يستطرد الرب ليذكر لنا سبباً رابعاً يمنعنا من اكتناز المال ووضع رجائنا عليه:

(4) خطورة فقدان العين البسيطة:

في هذا الجزء الهام من موعظة الجبل لا يتكلم ربنا عن العين الخارجية للجسد بل بالأحرى عن «وجهة النظر» الداخلية التي ننظر بها إلى الأشياء المحيطة بنا، ووجهة النظر هذه هي التي تنير أو تظلم كياننا النفسي الداخلي، فالعين البسيطة هي وجهة النظر المستقيمة التي ننظر بها فنرى كل الأشياء في حقيقتها كما يراها الله، أما العين الشريرة فهي التي ترى كل الأشياء بطريقة مركبة ملتوية لا تتفق مع حقيقتها.

العين البسيطة ترى أن المال وسيلة لعمل الخير لأنفسنا وللآخرين وليس غاية في حد ذاته، العين البسيطة ترى أننا مجرد وكلاء على المال ولسنا مالكين له، لا يجوز لنا أن نحجبه عن محتاج أو نمنعه عن سائل، العين البسيطة ترى بوضوح أن السعادة ليست في المال بل في فعل مشيئة الله ومرضاته، أي أن اكتناز المال لا يضمن أي سعادة في الحاضر أو في المستقبل، لأنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله.

 العين البسيطة ترى النفس الإنسانية ثمينة لأنها مخلوقة على صورة الله بغض النظر عن ما تملكه من متاع هذه الحياة، ووجهة النظر هذه تجعلنا نقدِّر ونحب ونخدم الجميع على قدم المساواة بعيداً عن الممتلكات والأوضاع الإجتماعية، النظرة البسيطة هذه تحفظ كياننا النفسي من الشعور بالصغر تجاه البعض أو الشعور بالتعالي تجاه البعض الآخر، باختصار أن العين البسيطة تجعل كياننا كله منيراً!!

أما إذا أحببنا المال واعتقدنا أن أماننا في اكتنازه فنحن نمتلك العين الشريرة!! العين الشريرة لا ترى الأمور على استقامتها ولا تبصر حقيقة الأشياء كما يراها الله، العين الشريرة ترى أن قيمة الإنسان بحجم ما يملكه من أموال، وأنه كلما امتلك أكثر كلما صار أكثر قيمة في نظر نفسه والآخرين، هذه العين لا تستطيع أن ترى الناس سواسية ولا تعرف أن تتعامل معهم على نفس المستوى، هذه النظرة تجعل النفس الداخلية لا تشعر بالهدوء والسكينة بل هي دائماً في حالة صراع ومقارنة مع الجميع، إما أن تنتفخ بالغرور الباطل أو تنبطح تحت الإحساس بالصغر والدونية، بالاختصار هذه النظرة تجعل النفس دائماً مظلمة لا تنعم أبداً بالسلام!!

الابن الأصغر في (لو15) امتلك هذه العين الشريرة التي جعلته يرى الأمور على غير حقيقتها، رأى أن الحياة في كنف الآب مملة ورتيبة وليست بها سعادة، وأن السعادة الحقة في امتلاكه للمال وانفاقه على المتع والملذات، وهذه النظرة ملأت نفسه ظلمة وقسوة وجحود، فأخذ المال من أبيه وذهب إلى كورة بعيدة وأنفقه بعيش مسرف، وعندما اصطدم بالواقع المرير بدأ يرجع إلى نفسه ويبصر الأشياء مستقيماً، فرأى بوضوح أن السعادة لم تكن يوماً في امتلاك المال بل في الوجود في طاعة الآب ورضاه، وعندئذ بدأ طريق الرجوع إلى بيت الآب حيث السعادة الحقيقية.

أخشى أن الكثيرين من المؤمنين اليوم يعانون من العين الشريرة، والدليل هو الإظلام والتعب والغيرة التي تملأ قلوب الكثيرين، عدم وجود سلام بين أعضاء الكنيسة الواحدة، الكل ينظر إلى ما يملكه الآخرين!! إننا نحتاج أن نراجع أنفسنا في ضوء كلمات ربنا الفاحصة ونعود إلى العين البسيطة التي ترى أن قيمتنا وسعادتنا الحقيقية هي في وجودنا في طاعة الآب وليست فيما نمتلكه من أموال!! وللحديث بقية (يتبع)

الأحد، 7 فبراير 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (48)

بقلم : فخرى كرم

 

«لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً»(مت6: 21)

يستمر الرب في حديثه ليخبرنا عن سبب ثالث يدفعنا لعدم اكتناز المال على الأرض وهو:

(3) خطورة اجتذاب القلب بعيداً عن الله

بكلمات بسيطة وموجزة يضع الرب أمامنا حقيقة عميقة وأبدية، وهي أن قلوبنا (محبتنا واهتمامنا وخدمتنا) تتجه بتلقائية ودون معاناة إلى حيث يوجد كنزنا، فالإنسان كل الوقت يخدم ما يعتقد أنه كنزه!! إذا كنا نؤمن حقاً أن قيمتنا وسعادتنا الحقيقية هي في السماء فسوف نعيش أيامنا نحب الله ونخدم مشيئته دون أي تكلف أو اضطرار، أما اذا كنا نعتقد في أعماق قلوبنا أن المال هو مصدر أماننا وضامن سعادتنا فسوف نعيش كل حياتنا نحب المال ونخدمه ونسعى لاكتنازه، وهكذا يكون المال قد اجتذب قلوبنا بعيداً عن الله.

لكل انسان منا سيد يخدمه كل الأيام، هذا السيد هو ما يعتقد الإنسان أن سعادته تكمن عنده، وإذا كان الرب هنا يتكلم عن المال بالتحديد إلا أن نفس الحق يمتد إلى آلهة أخرى كثيرة: البعض يشعرون أن ذواتهم هي كنزهم الحقيقي لذلك تجدهم كل الوقت يخدمون ذواتهم، يسيجون حولها ويهتمون جداً براحتها، ينفقون الوقت والطاقة بسهولة في كل ما يبرز ذواتهم ويمجدها بينما لا يجدون أي وقت أو طاقة لينفقوها في أي عمل لا يمجد ذواتهم، لا يستطيعون أن يمنعوا أنفسهم من الحديث عن ذواتهم كل الوقت، لا يتعبون من الدوران حولها والتسبيح بحمدها، يبتهجون جداً إذا لمحوا نظرة اعجاب في عيون المحيطين ويكتئبون جداً إذا شعروا بعدم تقدير الآخرين لهم!! لا تتعجب إذا رأيت مثل هذه الشخصية فالرب يقرر هنا أن قلب الإنسان (محبته واهتمامه وخدمته) يتجه دائماً وبتلقائية شديدة إلى حيث يعتقد أن كنزه هناك!!

وهناك سادة آخرون يخدمهم الانسان بل ويضحي بحياته لأجلهم، مثل الجنس والشهرة والقوة..، لكن يبقى المال هو أكبر هؤلاء السادة وأكثرهم سطوة، وكل من يخدم هذا السيد يجد نفسه منساقاً إلى كل أنواع الشرور والتعديات لأن الكتاب يقول أن الذين يريدون أن يكونوا أغنياء يسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة تُغرق الناس في العطب والهلاك، لأن محبة المال أصل لكل الشرور (1تي6: 9، 10)

ولئلا يعتقد أحد أنه يستطيع الجمع بين عبادته لله ومحبته للمال يقول الرب «لا يقدر أحد أن يخدم سيدين...لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» (مت6: 24) لكل سيد قوانينه ومتطلباته التي تختلف عن قوانين ومتطلبات السيد الآخر وبالتالي لا يمكن الخضوع لسيدين في نفس الوقت، لا يمكننا السير في طريقين مختلفين في وقت واحد ولا نستطيع الوصول لمكانين مختلفين في نفس اللحظة!! 

عزيزي القارئ، قل لي بماذا تهتم معظم يومك أقول لك مَن هو سيدك الحقيقي، قل لي إلى أين يتجه تفكيرك بتلقائية وسلاسة أقول لك أين هو كنزك الحقيقي!! كثيرون من المؤمنين يشتكون من فقدان شهيتهم للصلاة أو قراءة الكلمة، ويعتقدون أن الحل ربما يأتيهم من استخدام مناهج للدراسات أو جداول للقراءات، لكن الحقيقة المؤلمة التي ينبغي أن نواجهها بصراحة هي أننا فقدنا محبتنا الأولى للرب لأن القلب أُجتذب لأمور أخرى اعتقدنا أنها كنوز توفر لنا السعادة والأمان، لقد استولى علينا سادة سوى الرب إلهنا (أش 26: 13)

ليت الرب يعيدنا الى محبتنا الأولى وتكريسنا الأول لشخصه لأنه وحده مستحق أن يكون مركز محبتنا ومجموع كنوزنا، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 2 يناير 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (47)

بقلم : فخرى كرم

 

«بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء» (مت6: 20)

يستطرد الرب فيقدم لنا السبب الثاني الذي يحفظنا من الوقوع تحت سلطان المال والميل لاكتنازه:

(2) أفضلية أن نكنز كنوزاً في السماء

عندما يسمح الله في نعمته أن يعطينا أموالاً أكثر من احتياجنا فهو لا يقصد أن نكتنزها بل أن نستخدمها لصناعة كنوز في السماء!! الهدف من المال هو تسديد الاحتياجات، وإذا فاض المال عن احتياجاتنا لابد أن نستخدمه عندئذ في تسديد احتياجات الأخرين، بهذا نصير شركاء الله وأدواته لنشر الخير والرحمة وسط شعبه، وبهذا نصنع لأنفسنا كنوزاً وأكاليلاً في السماء، كنوز أبدية لا تتعرض للفساد أو السرقة، كنوز من رضا الله وخير الإنسان!! هذا الحق واضح في أكثر من موضع من كلمة الله:

الشاب الغني (مر10: 17-22): عندما أتى هذا الشاب ليسأل يسوع عن ما يفعله لكي يرث الحياة الأبدية أجابه يسوع «اذهب بع كل مالك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء» هذا الشاب كان يملك أموالاً تزيد عن احتياجه وأراد أن يكتنزها ليصنع لنفسه قيمة لكن الرب أعلن له أن الطريق الأمثل للتعامل مع المال الفائض هو أن نسدد به احتياجات الأخرين ثم نجد قيمتنا الحقيقية في اتباعنا ليسوع حاملين الصليب!! عندما يزداد المال في أيدينا نتعرض لتجربة قاسية وهي أن نعتقد أننا «نمتلك» هذا المال وأن من حقنا وحدنا أن نتصرف فيه، بينما الكتاب يعلمنا أن الله هو الذي يعطينا القوة لاصطناع الثروة (تث 8: 18) إن كان أحد يظن أنه بقوته صنع ثروته فالحقيقة أن الله هو الذي أعطاه هذه القوة، أي أن الله له الحق الأكبر في الأموال التي بين أيدينا، وأننا في الحقيقة «وكلاء» على هذه الأموال أكثر من كوننا «ممتلكين» لها!!

وإذا سقط الإنسان في هذه التجربة واعتقد أنه «يمتلك» الأموال التي بين يديه وأن من حقه أن يكتنزها ويعيش أيامه يحرسها في مخابئها، وأغلق أحشاءه عن قريبه المحتاج وقبض يديه عن الإحسان للفقير، تكون الحقيقة أن المال هو الذي امتلك الإنسان واستعبده وأفقده البصيرة التي ترى حق الله في الثروة، بل أفقده الفرصة لأن يكون وكيلاً أميناً لله وأن يصنع لنفسه كنوزاً في السماء!! وللأسف هذا ما حدث مع الشاب الغني الذي «أحبه» يسوع وقدم له دعوة ثمينة ليكون من تابعيه وحاملي الصليب، لكن سلطان المال كان قد تمكن منه ودفعه ليبتعد عن يسوع ويمضي حزيناً في طريق الخسران الأبدي!!

الكنيسة الأولى (أع4: 34، 35): لئلا يظن أحد أننا نفسر كلمات المسيح للشاب الغني بالخطأ أو نبالغ في فهمها دعونا نرى ما فعله الروح القدس عندما انسكب على الكنيسة الأولى، لقد دفع المؤمنين الأغنياء لفعل ما قاله يسوع للشاب حرفياً!! كانوا يبيعون حقولاً وبيوتاً ويأتون بأثمانها عند أرجل الرسل ليوزعوا على كل واحد كما يكون له احتياج، هؤلاء الأخوة الأفاضل وجدوا قيمتهم الحقيقية في اتباعهم ليسوع وتتميم مشيئته على الأرض فانكسر سلطان المال عنهم، رأوا أنفسهم وكلاء على هذه الأموال فقدموا بسخاء لتسديد احتياج الاخوة الفقراء، فصنعوا لأنفسهم أمجاداً في أرض الخدمة وكنوزاً في مساكنهم الأبدية!!

 إذاً يسوع يريدنا ألا نكتنز المال ليس فقط لأنه غير يقيني بل أيضاً لأننا ينبغي أن نستثمره في صناعة خير على الأرض وكنوز في السماء، ليت الرب يمنحنا بصيرة ترى أن كل قرش نختزنه ونمنعه عن فم جائع أو يد محتاج هو خسارة وليس ربح، سبب حزن وليس مصدر فرح!! وللحديث بقية (يتبع)

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (46)

بقلم: فخري كرم 

«لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض» (مت6: 19)

ينتقل الرب بالحديث في موعظة الجبل إلى موضوع في غاية الأهمية ألا وهو «المال» وعلاقة أبناء الملكوت به، فالمال في المجتمع اليهودي كان قد صار سيداً ينافس الله في سلطانه على نفوس الناس، يرفع ويحط، يكرم ويذل، بل امتد سلطانه إلى داخل الهيكل حتى أصبح من يصعد إلى بيت الله كمن يذهب إلى مغارة لصوص!! وبينما كانت غالبية الشعب تحت خط الفقر كانت هناك صفوة في المجتمع تكتنز المال وتختزنه، وفي الوقت الذي ترى أرملة منسحقة تضع فلسين في خزانة الهيكل تستطيع أن ترى أيضاً في الجانب الأخر مَن يلقي بتفاخر فضة كثيرة ونحاساً!!  

وإذا نظرنا إلى مجتمعنا اليوم هل نجد اختلافاً عن المجتمع الذي عاش فيه ربنا؟ أليس المال هو السيد القاسي الذي يسود حياة الناس ويحدد مركزهم في المجتمع؟ أليس المال هو الإله الذي تنحني أمامه كل الجباه وتنسكب عند قدميه كل القيم والاخلاقيات؟ ألم يتسلل المال إلى داخل الكنيسة وصارت له كلمة نافذة فيها؟ ألا نلاحظ نفس التفاوت بين طبقة تشقى بحثاً عن سد الرمق وتجنب الجوع وطبقة تكتنز الأموال وتنفق ببذخ وسفه؟! إذاً نحن نحتاج أن نستمع إلى كلمات الرب هذه كما استمع إليها تابعو الرب على مدارج جبال الجليل.

شمل الرب في حديثه الفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم والأغنياء الذين يكتنزون أموالاً تزيد كثيراً عن حاجتهم، وقدم للجميع سبعة أسباب منطقية تدفعنا لعدم اكتناز المال وعدم الخضوع لسلطانه:

(1) القابلية للفساد والزوال

السبب الأول الذي يقدمه الرب هو أن المال لا يمكننا الوثوق بثباته ودوامه، فهو قد يعتريه الفساد أو الزوال، ولقد عبر الرسول بولس عن نفس الحقيقة قائلاً «أوصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا و لا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنًى للتمتع» (1تي6: 17)

 الرب هنا يوجه حديثه لفئة الأغنياء من سامعيه ويحذرهم أن مَن يتكل على الغنى إنما يتكل على شيء «غير يقيني»!! فالمال قد «يُفسد» أي تزول قيمته وهو بين أيدينا أو قد «يُسرق» أي يؤخذ منا، ولقد رأينا في الفترة الأخيرة عدد من البورصات التي انهارت والعملات التي فقدت قيمتها في غضون ساعات، فعندما قامت حكومتنا بخطوة «تعويم الجنيه» اكتشف كل صاحب مال أن أمواله فقدت أكثر من نصف قيمتها في لحظة من الزمان، وعندما تفشى وباء الكورونا سبَّب خسائر رهيبة لأكبر الاقتصاديات في العالم، والأغنياء اكتشفوا فجأة أن سندهم قد اهتز والمال الذي اعتقدوه مرتكزهم تهاوى بهم، وأصبح شائعاً أن تقرأ عن صاحب مال أقدم على الانتحار لأنه لم يستطع احتمال فكرة أن أمواله قد فسدت أو فُقدت!!

في (لو12: 20) يسرد الرب لنا مثلاً يكشف فيه أن الاتكال على غير يقينية الغنى ليس تصرفاً خاطئاً فقط بل يرقى إلى مستوى «الغباء»!! لقد اعتقد الغني الذي أخصبت كورته أن في اكتنازه للمحاصيل ضماناً لسنين عديدة من السعادة والاستقرار، ولم يعلم أن المال لا يمكنه أن يضمن لنا يوماً واحداً من السعادة لأنه قد يؤخذ منا في أي وقت أو نؤخذ نحن منه، إن «غرور الغنى» يجعلنا ننسى أحياناً أن حياتنا مستمدة من الله وليس من أموالنا، وأنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله (لو12: 15) في تلك الليلة أُخذت نفس الغني منه وبقيت أمواله وحدها تشهد للجميع أن المال لا يضمن لصاحبه أي شيء!! وللحديث بقية (يتبع)

 

الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (45)

بقلم : فخرى كرم

 

«ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين..» (مت6: 16-18)

نفهم من كلمة الله أن الصوم هو ممارسة تلقائية عفوية يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن التذلل أمام الله والاحتياج الشديد لغفرانه ونعمته وارشاده. ولأن الصوم ينبغي أن يكون تلقائياً نابعاً من الحالة القلبية والظروف الخاصة بكل انسان لذلك لم يفرض الناموس ضمن فرائضه الكثيرة أية أيام محددة للصوم أو طريقة خاصة تُتبع فيه. يوم واحد ذكره الناموس ينبغي أن يتذلل فيه الشعب كله هو يوم الكفارة العظيم، لأن في هذا اليوم كان رئيس الكهنة يدخل إلى الأقداس طالباً غفراناً للشعب عن خطايا سنة ماضية وملتمساً نعمة جديدة لسنة قادمة  (لا16: 29) ورغم أن شريعة يوم الكفارة لم تذكر الصوم صراحةً إلا أن الشعب كان يصوم عن الطعام في هذا اليوم تعبيراً عن تذللهم أمام الله، وهذا هو «الصوم» الذي يذكره لوقا الطبيب في (أع27: 9) ويذكره مُعرّفاً بحرفي التعريف «الـ» لأنه الصوم الوحيد المحدد التوقيت الذي يعرفه كل يهودي. ولكن بعيداً عن هذا اليوم الواحد نجد صفحات العهد القديم تمتلئ بأصوام كثيرة تذلل بها رجال الله القديسون طلباً لحضور الله في ظروفهم التي اجتازوا فيها، لم يكن لهذه الأصوام أي اسلوب ثابت بل كانت عفوية في كيفيتها ومدتها بحسب نوعية وإلحاح الظروف التي أحاطت بكل منهم.

وفي العهد الجديد لم يغير الرب أي شيء تجاه الصوم، لم يفرض على كنيسته أية أوقات أو أشكال محددة للصوم، لذلك نجده يقول «متى صمت..»، مازال الرب يريد أن يكون الصوم ممارسة عفوية نلجأ إليها تعبيراً عن اتضاعنا أمام الله ورغبة في مزيد من نعمته وإرشاده لحياتنا، فرأيناه (له المجد) يصوم عن الطعام أربعين يوماً ليتهيأ لمواجهة إبليس في تجربة الجبل (مت4: 2) وسمعناه يوصي تلاميذه بالصوم لمواجهة نوعية معينة من أرواح الشر (مت17: 21) وفي سفر الأعمال وجدنا التلاميذ يصومون كثيراً أثناء خدمتهم وقبل الدخول لأي مجال جديد في الارسالية (أع 13: 2، 3)

لكن الغريب والمدهش حقاً هو أن الإنسان استطاع أن يحول الممارسة التي من المفترض أن تعبر عن الاتضاع والتذلل إلى ممارسة تعلن عن التفاخر والتميز!! فعندما أتى ربنا إلى خاصته وعاش وسط شعبه الأرضي وجد أن القادة الدينيين قد وضعوا ترتيباً للصوم وحددوا له أياماً في الإسبوع وأمعنوا في حفظ هذه الأصوام لإعلان قداستهم وتميزهم عن بقية الشعب، حتى أن الفريسي الذي صعد إلى الهيكل ليصلي واتته الجرأة ليرفع رأسه أمام الله ويفتخر بأنه ليس مثل باقي الناس الخطاة لأنه يصوم مرتين في الإسبوع (لو18: 12) بل حتى تلاميذ يوحنا المعمدان فرضوا على أنفسهم أصواماً كثيرة وكانوا يعيّرون تلاميذ الرب بأنهم لا يصومون مثلهم، حتى تقدموا يوماً إلى الرب متفاخرين وقائلين «لماذا نصوم نحن والفريسيون كثيراً وأما تلاميذك فلا يصومون» (مت9: 14) عجباً!! كيف استطاع القلب الإنساني المخادع أن يحول الممارسة المعبرة عن الاتضاع والانكسار، والتي من المفترض أن تتم في الخفاء بتذلل أمام الله وحده، إلى مادة علانية للتفاخر والتمييز بين الفرقاء؟!

في هذا الجزء من موعظة الجبل لا ينفي الرب احتياجنا في العهد الجديد للصوم، لكنه يحذرنا بشدة من الانجراف وراء رغبتنا الذاتية في لفت الإنتباه والتعالي على الأخرين من خلال اعلان صومنا للناس، لأن هذا الصوم العلني سيكون هو والعدم سواء!! وللحديث بقية (يتبع)