السبت، 6 نوفمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (57)

بقلم : فخرى كرم 

«اقرعوا يُفتح لكم» (مت7: 7)

بعدما تحدث ربنا عن مستوى «السؤال» ومستوى «الطلب» نجده يتحدث عن المستوى الثالث في العلاقة مع الله ألا وهو «اقرعوا يُفتح لكم». وهنا لابد أن نسأل: على أي باب نقرع؟ هل نقرع على باب الله لكي يفتح لنا؟ حاشا! فالرب يكلمنا باعتبارنا أبناء الآب السماوي، أي أننا داخل البيت وليس خارجه، بل أننا بيته الروحي وهيكل حضوره على الأرض، الله بنفسه يسكن بداخلنا ولا يوجد بيننا وبينه أبواباً مغلقة. إذاً القرع هنا لا يمكن أن يكون على باب الله، وهذا يدفعنا للسؤال مرة أخرى: على أي باب نحن نقرع؟

ولكي نجيب على هذ السؤال لابد أن نسترشد بربنا نفسه وهو يقول «هنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه» (رؤ3: 20) على أي باب يقرع ربنا هنا؟ انه يقرع على الباب الروحي المغلق على النفس الإنسانية لعلها تستفيق من ضلالها وتفتح له، وهذا يقودنا لسؤال جديد: هل الكتاب المقدس يعلمنا أن هناك أبواب روحية مغلقة بين الله والنفس الإنسانية؟! والإجابة بكل تأكيد هي: نعم!! يقول الرسول «الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة انجيل مجد المسيح» (2كو4: 4) إبليس يستخدم قواته الروحية الشريرة لكي يغلق على أذهان وأرواح الناس حتى لا تصل إليهم كلمة الله ولا يفهموها ولا يسلكوا في طريق الخلاص.

ولقد أشار ربنا إلى هذه الأبواب عندما قال «على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت16: 18) من البديهي أن الرب لم يقصد أن أبواب الجحيم ستهاجم الكنيسة ولن تقوى عليها لأننا نعلم أن الأبواب لا تهاجم أحداً، لكن الرب قصد أن الكنيسة ستهاجم أبواب الجحيم وستقرع عليها لكي تنفتح وتتحرر النفوس المأسورة بالداخل، ووعد الرب لنا أن أبواب الجحيم لن تقوى أمام هجوم الكنيسة وستنفتح وتتحرر النفوس المسجونة بداخلها بقوة عمل الإنجيل.

ولعل أفضل تجسيد لهذه الأبواب الجهنمية ما نقرأه في سفر دانيال عن الرؤساء الروحيين الأشرار الذين يغلقون الأجواء الروحية فوق العالم لكي لا تصل كلمة الله إلى الناس (دا10: 13) حتى أنهم استطاعوا أن يؤجلوا وصول كلمة الله إلى دانيال لمدة ثلاثة أسابيع كاملة!! هناك قوات شيطانية كثيفة تعمل ليلاً ونهاراً لكي تظل كلمة الله بعيدة عن أذهان الناس وأرواحهم، وإبليس يستخدم في هذا كل الأكاذيب والأفكار الشريرة والتعاليم المضللة..، وأن نقرع على هذه الأبواب المغلقة يعني أن نخوض في صلواتنا وخدماتنا حرباً روحية على كل الأفكار والظنون التي ترتفع ضد معرفة الله، ونستأسر كل فكر إلى طاعة المسيح (2كو10: 5)

عندما كان ربنا على الأرض كان يجول يقرع على هذه الأبواب، بتعاليمه التي أنارت الأذهان ولمساته الحانية والشافية انفتحت أبواب الجحيم وانطلقت النفوس متحررة من سلطان إبليس (أع10: 38) وها هو يشرفنا بأن يدعونا لكي نقرع معه، ولنا الوعد أن أبواب الجحيم لن تقوى أمامنا وستنفتح لنا وسنختطف من النار نفوساً تعرف الله وتخلص (يه23)

الرب في هذا المستوى من الصلاة ينقلنا من الانحصار في احتياجاتنا وظروفنا الضيقة ويفتح أمامنا مجالاً أرحب وهو الاهتمام بالنفوس المأسورة المحيطة بنا، من خلال صلواتنا وخدماتنا المُقادة بالروح القدس نستطيع أن نفتح أبواباً كثيرة مغلقة ونحرر نفوساً كثيرة محرومة من النور والحرية، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 9 أكتوبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (56)

بقلم : فخرى كرم 

«اطلبوا تجدوا» (مت7:7)

بهذه الكلمات ينقلنا الرب إلى مستوى آخر في العلاقة مع الله يختلف عن مستوى «اسألوا تُعطوا»، فالكلمة «اطلبوا» تعني السعي الدؤوب للوصول إلى غرض ما، فلا يظن أحد أن علاقتنا مع الله هي فقط أن «نسأل» منه بعض الأمور فيعطينا إياها، حياتنا تمتلئ بأمور لا يمكننا أن نسألها بل ينبغي أن نبذل قصارى جهدنا للوصول إليها، ولذلك نجد أن إجابة «اسألوا» هي «تُعطوا» بينما إجابة «اطلبوا» هي «تجدوا»، أي أن هناك أمور لا يمكن لأحد أن يعطيها لنا بل ينبغي أن نسعى نحن لكي نجدها لأنفسنا.

مشكلة كبيرة في وسط شعب الرب أنهم يعتقدون أن الصلاة هي أن يقفوا ليعددوا احتياجاتهم أمام الله وينتظرون أن يضعها الله في أيديهم بشكل معجزي دون أن يبذلوا أي مجهود في سبيل ذلك، أنظر إلى معظم صلواتنا سواء الفردية أو الجماعية تجدها عبارة عن قائمة بالطلبات التي ننتظر أن يسكبها الله علينا من السماء ونحن في أماكننا لا نبرحها!! هذا تصور ساذج عن الصلاة، ولا غرابة إن كان انتظارنا يطول دون الحصول على أي شيء مما نطلبه!!

الفضائل الروحية في حياتنا مثل القداسة والمحبة والسلام.. الخ، كلها أمور لا يمكننا أن نسألها من الله وننتظر أن تتحقق في حياتنا بدون مجهود منا، لكنها تحتاج منا إلى جهاد روحي متواصل لا يفتر ولا يكل، نحتاج في كل يوم أن نقترب إلى إلهنا أكثر، ونمتلئ من روحه أكثر، ونتغذى على كلمته أكثر، ونقاوم الخطية المحيطة بنا أكثر، ونتسلح بكل وسائط النعمة المتاحة لنا أكثر!! هذه الفضائل يسميها الكتاب «ثمر الروح» (غل5: 22) وكلمة «ثمر» تؤكد هذه الحقيقة، فالفلاح لا يحصد الثمر بمجرد الدعاء بل ينبغي أن يجتهد ويتعب في زراعة بذور جيدة ويستمر يرعاها في كل يوم، ويعتني بالبراعم وهي تنمو، ويقاوم كل الآفات الضارة بالنبات، وهكذا يستمر بلا كلل حتى يأتي وقت الحصاد فيجمع «ثمراً» جيداً.

الله يريد أن يزرع في حياتنا كل القيم الروحية الثمينة لكي نكون مشابهين صورة ابنه، وروحه القدوس يتعامل معانا كل يوم لتحقيق هذا الغرض، ولكن نحن مسئولون عن التجاوب مع عمل الروح القدس وإتاحة الوقت والإمكانية ليتمم عمله فينا.

 لنفترض أن هناك مؤمن يصلي بلجاجة لأجل امتلاك القداسة في حياته ولكنه في نفس الوقت لا يعطي وقتاً كافياً للوجود في محضر الله القدوس (مت6:6) ولا يصرف وقتاً كافياً لدراسة الكلمة المقدسة لتسكن بغنى في ذهنه (كو3: 16) ولا يبذل مجهوداً كافياً للانتصار على الخطية المحيطة به بسهولة (عب12: 4) ومن الناحية الأخرى نجده يعطي ساعات طويلة يتجول بعينه وذهنه في وسائل التواصل الاجتماعي التي تمتلئ بروح العالم بكل شروره وأكاذيبه، ويترك الوقت يتسرب منه بسهولة وهو منشغل في علاقات افتراضية رخيصة ومزيفة، هل نتوقع أن يحصل هذا المؤمن على حياة القداسة الحقيقية مهما استمر يصلي لأجلها لسنوات؟ كلا بالتأكيد!! لأنه يظن أنه سيحصل على حياة القداسة بمجرد «السؤال» من الله بينما الحقيقة أنه لابد أن «يطلب» القداسة ويسعى باجتهاد في سبيلها.

ليت الرب يعلمنا كيف ننتقل بصلواتنا من مستوى السؤال إلى مستوى الطلب، ليته يرى في حياتنا الجدية والالتزام والاجتهاد فيكلل حياتنا بالإثمار والبركة!! وللحديث بقية (يتبع)

الاثنين، 6 سبتمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (55)

بقلم : فخرى كرم

 

«اسألوا تُعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم» (مت7:7)

بعد ما حذرنا ربنا من سكب أعماقنا أمام الناس هاهو يرشدنا إلى المجال الوحيد الآمن للتعبير عن احتياجاتنا العميقة ومكنونات قلوبنا، ألا وهو مجال الشركة اللصيقة مع الآب السماوي، أو كما نسميها اختصاراً «الصلاة». والرب هنا يكلمنا عن ثلاثة مستويات للصلاة: «السؤال» و«الطلب» و«القرع».

المستوى الأول: اسألوا تُعطوا

السؤال هو طلب احتياجنا من الله عندما لا تكون لدينا أية قدرة لفعل أي شيء حيال هذا الاحتياج، مثل الطفل الصغير الذي يتطلع إلى والديه بثقة وينتظر منهما تسديداً لكل احتياجاته لأنه لا يملك ما يساعد به نفسه، وهذا المستوى هو ما يغلب على علاقتنا بالآب السماوي في بدايات حياتنا الروحية، لأننا كأطفال مولودين حديثاً في العالم الروحي نشعر باحتياجنا العميق لأشياء كثيرة لا نفهمها ولا نستطيع حيالها شيئاً، والحقيقة أن الله يُسر بأن يسمع لسؤالنا ويجيبنا ويسدد كل احتياجنا بحسب غناه في المجد (في4: 6، 19) ولكن كلمة الله تضع أمامنا بضعة شروط ينبغي توفرها في سؤالنا لكي يستجيبه الله:

(1) التوافق مع مشيئة الله (1يو5: 14): الله يرسم لكل واحد من أولاده أفضل سيناريو لحياته وأفضل تفاصيل توافق شخصيته ودعوته، والمؤمن الناضج هو الذي يدرك هذه الحقيقة ولا يسأل من الله إلا ما يتوافق ويتمم مشيئته الصالحة، لكن المشكلة هي أننا في طفولتنا الروحية كثيراً ما نتعلق بأشياء نراها في حياة الآخرين ونريدها في حياتنا حتى لو لم تكن ضمن مشيئة الله الخاصة بنا، مثل الأطفال الذين تحركهم دائماً الغيرة نحو امتلاك ما في حوزة الآخرين سواء كان مناسباً لهم أم لا، فسمة الأطفال الروحيين هي تعلقهم بالأشياء التي يروها في حياة الآخرين أكثر من تعلقهم بالأشياء التي يريدها الله أن تكون موجودة في حياتهم، يطلبون بالحاح أشياء معينة ليس لأنها في مشيئة الله بل فقط لكي لا يشعروا أنهم أقل من الآخرين!!

(2) أن تكون للخير ( يع4: 3): أحياناً نطلب أشياء نعتقد أنها خير لنا بينما يراها الله مغذية لشهواتنا الردية وسبباً لشر كثير!! تماماً مثل الطفل الصغير الذي كثيراً ما يتعلق بأشياء لمجرد أنها لذيذة المذاق أو شهية المنظر بينما يعلم الأباء أنها مضرة جداً بصحته!! ولذلك نرى الأباء لا يستجيبون لإلحاح أطفالهم وصراخهم ودموعهم لأنهم حريصون على خير أبنائهم أكثر من الأبناء أنفسهم!!

(3) أن تكون باسم المسيح (يو16: 23، 24): المؤمنون هم جسد المسيح وأعضاء جسده، وبالتالي ينبغي أن تكون طلباتهم من الآب باسم المسيح، أي كما لو أن المسيح بذاته هو الذي يطلبها، والآب بكل تأكيد سيستجيب كل طلبة يطلبها المسيح لأنه (له المجد) لا يطلب إلا كل ما يؤول لمجد الله الآب. لذلك يمكننا أن نضع امتحاناً بسيطاً لطلباتنا: هل يطلب يسوع هذه الطلبة لو كان في مكاني؟!

(4) أن تكون بلجاجة (لو18: 1): أحياناً تكون طلبتنا مقبولة في جوهرها لكنها تحتاج إلى وقت لتتسق مع توقيت الله وتتوافق مع مقاصده، لكننا عادة ما نكون متعجلين أكثر من اللازم وغير قادرين على الصبر والمواظبة في الصلاة لو تأنى الله في الاستجابة، وبالتالي نفقد فرحة التوافق مع توقيت الله حين نراه يستجيب طلبتنا في وقته المناسب!! ليتنا نتعلم أن نواظب ونثابر في صلاتنا عالمين أن الأوقات والأزمنة هي في سلطان الآب وأن توقيته دائماً هو الأفضل!! وللحديث بقية (يتبع)

الاثنين، 9 أغسطس 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (54)

بقلم : فخرى كرم

 

«لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير» (مت7: 6)

في داخل كل واحد منا مكان سحيق نختزن فيه أعمق مشاعرنا وأدق خصوصيتنا وأغلى ذكرياتنا، وهناك أيضاً ندفن أحزاننا واحباطاتنا وجراحنا السخينة، أنه المكان الذي يحتوي على مفاتيح شخصياتنا وأسرار كينونتنا، هذا المكان لا نحب أن يعرفه أحد ولا تدخله قدم ولا تتجول فيه عين، إنه يشبه القدس الذي ينبغي ألا يقترب منه غريب، ويشبه الجواهر التي تحاول المرأة أن تخبأها في مكان لا تصل إليه يد إنسان.

يحذرنا ربنا هنا من أن نسمح لأحد بأن يدخل إلى هذا «القدس» ويمد يده على هذه «الدرر»!! فأحياناً نعتقد بسذاجة أن الآخرين ربما يساعدوننا إذا عرفوا ما نختزنه في أعماقنا، لكن ربنا يكشف لنا ما سيحدث إذا فعلنا هذا، سنُفاجأ بأنهم لا يقدِّرون أمورنا كما نقدّرها نحن بل يزدرون بها ويدوسونها، فمشاعرنا لا قيمة لها عند مَن لم يشعر بها، وأحزاننا لا تساوي شيئاً عندهم، آمالنا وطموحاتنا واحباطاتنا لا قيمة لها عند أي أحد، هذه كلها ذات قيمة عندنا نحن فقط لأنها شكَّلت كياننا، لكن إذا أتطلع آخر عليها فلن يرى فيها أية قيمة!!

ازدراء الناس بما اكتشفوه في أعماقنا سيزيد معاناتنا وآلامنا، ولن تنتهي الخسارة عند هذا الحد لكنهم سيلتفتون نحونا ليمزقونا شر تمزيق، فمَن اتطلع على مكنونات النفس العميقة يسهل عليه سحق هذه النفس وتمزيقها، ومن عرف نقاط الضعف في شخصياتنا يستطيع بكل سهولة أن يسيطر عليها ويحطمها.

ونأتي هنا للسؤال الأهم: ما علاقة كلمات الرب هذه بحديثه السابق في موعظة الجبل؟! والإجابة هي أن العلاقة وطيدة ومؤكدة. لقد تكلم الرب في الجزء السابق عن أدعياء التقوى الذين يذهبون للبسطاء من الشعب ويؤكدون لهم أنهم يميزون القذى الذي في أعينهم، ويطلبون منهم السماح لكي يمدوا أيديهم ليخرجوا لهم القذى، ولقد فاجأنا الرب بحقيقة أن هؤلاء الأدعياء تملأ عيونهم قطع كبيرة من الخشب!! واتهمهم الرب بالرياء، وقال إن عليهم أن يخرجوا الخشبة أولاً من عيونهم قبل أن يستطيعوا اخراج القذى من عيون الآخرين، ثم تقدم الرب في حديثه ليخاطب بسطاء الشعب ليحذرهم من السماح لهؤلاء الأدعياء بالاقتراب من أقداس حياتهم وأسرارها، وطالباً منهم ألا ينخدعوا في هؤلاء المرائين ولا يسمحون لهم بالدخول إلى تفاصيل حياتهم الدقيقة تحت دعوى المعالجة والإصلاح.

في (حز 34) نجد صورة مفصلة لهذه العلاقة بين الرعاة الأردياء والغنم المسكينة، إذا ذهبت شاة بمرضها إلى هؤلاء الرعاة لا يقووها، والمجروحة لا يعصبوها، والمكسورة لا يجبروها، أي أنهم يزدرون ويدوسون معاناة بسطاء الشعب، وليت الأمر انتهى عند هذا الحد لكن يقول الكتاب «بل بشدة وبعنف تسلطتم عليهم» لقد التفتوا ليمزقوا ويشتتوا غنم الرب على كل وجه الأرض!!

ولو سألنا ما هو الحل إذاً؟ إلى مَن نذهب بمعاناتنا الداخلية ومكنونات نفوسنا الخفية؟ نجد الرب يجيبنا «أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب، أطلب الضال وأسترد المطرود وأجبر الكسير وأعصب الجريح» (حز34: 15، 16) فلا يستحق أن يدخل إلى «قدس» حياتك إلا «القدوس» ولا يستحق أن تكشف له مكنونات نفسك إلا من افتدى هذه النفس بدمائه الثمينة!! ولذلك نجد ربنا يستطرد في حديثه التالي ليتكلم عن الصلاة التي هي القناة الآمنة الوحيدة التي من خلالها نستطيع أن نسكب مكنونات نفوسنا أمام الله وننال كل شفاء وتعزية وتقديس، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

السبت، 3 يوليو 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (53)

بقلم : فخرى كرم

 

«لا تدينوا لكي لا تُدانوا» (مت7: 1)

ينتقل ربنا في حديثه إلى منطقة أخرى من مناطق السلوك الإنساني، ألا وهي الميل الداخلي لملاحظة أخطاء الآخرين وإدانتها والتطوع بإسداء النصح لهم ومحاولة تقويمهم، هذا الميل الغريزي نلاحظه فينا جميعاً بدرجة أو بأخرى، إنه الميل للجلوس على كرسي الديان وإصدار الأحكام على الجميع وتصنيفهم ووضعهم في درجات مختلفة ارتفاعاً وانخفاضاً.

بمجرد أن نبدأ التعامل مع أي إنسان تبدأ أذهاننا تكوّن عنه انطباعاً من خلال مظهره وطريقة كلامه ومسلكه، ونبدأ نتعامل معه في ضوء هذا الانطباع بل نقوم بنقل انطباعنا هذا للآخرين على أنه حقائق مؤكدة، وبناءً على هذا الانطباع نصدر أحكامنا على كل ما لا يروق لنا في هذا الإنسان، كل هذا يحدث بسلاسة وتلقائية دون أن ندرك أننا نرتكب جريمة ونسقط في عصيان، لأنه كثيراً ما تكون انطباعاتنا هذه خاطئة وسطحية وتتسبب في آلام عميقة وخسائر فادحة للآخرين!!

ولو تسائلنا عن الدافع الخفي وراء هذا الميل القوي في داخلنا لإدانة الآخرين نجد الرب يكشف لنا أن الدافع هو الرغبة في تبرير ذواتنا والتغطية على عيوبنا!! ان الإنسان الذي يلاحظ القذى في عين أخيه ويتبرع بمحاولة إخراجه هو في الحقيقة يشتت الانتباه لكي لا يلاحظ أحد الخشبة التي في عينه هو!! ليس الهدف وراء إدانة الآخرين هو أن تصير حياتهم أفضل وأطهر بل الهدف هو محاولة تشويههم لنبدو نحن أفضل منهم!!

في هذا الجزء من موعظة الجبل ينهانا ربنا تماماً عن إدانة الآخرين ويحذرنا من الانجراف وراء هذا الدافع الغريزي الكامن في أعماقنا، فالإنسان ينبغي ألا يكون دياناً لأخيه الإنسان لعدة أسباب:

(1) محدودية الإدراك: إن إدراكنا للشخص الذي نتعامل معه يكون في الغالب محدود جداً وسطحي للغاية، لأننا لا نرى من الإنسان إلا المناطق الظاهرة في حياته من كلمات وتصرفات، لكننا لا نرى ولا ندرك ما يكمن وراء هذه المظاهر، إننا لا نعرف الميراث الجيني والروحي الذي انتقل لهذا الإنسان من أجداده، ولا نعرف تأثير بيئته على تكوين شخصيته، ولا نعرف الظروف والأحداث التي مرت به وتركت بصمتها على تفكيره، إن ما لا نعرفه عن أي إنسان أكثر بكثير جداً مما نعرفه عنه!! بل لا نبالغ إذا قلنا إن الإنسان نفسه لا يعرف حقيقة نفسه بشكل كامل (أر17: 9)

لا يستطيع القاضي أن يصدر حكماً عادلاً إلا بعد الإلمام التام بكل تفاصيل القضية التي يحكم فيها، وبالتالي نحن غير مؤهلين بالمرة لأن نصدر أحكاماً على أي إنسان لأننا لا نلم بكل تفاصيل حياته ودوافعه، كم مرة تسرعنا في حكمنا على أناس وسببنا لهم آلاماً وجراحاً كثيرة ولما تكشفت لنا الحقائق أدركنا أننا أخطأنا في حكمنا وتسرعنا في إدانتنا لكن بعد فوات آوان التراجع، دعونا نترك الدينونة لله الذي له الحق وحده في الحكم على البشر، لأنه وحده فاحص القلوب ومختبر الكلى الذي كل شيء مكشوف أمامه.

(2) الخضوع لنفس الحكم: يعلمنا ربنا هنا مبدأ هاماً وضعه الله ليحكم علاقات البشر، هذا المبدأ هو أن ما يزرعه الإنسان لابد أن يحصده ومن نفس النوع (غلا6: 7) فلو اعتادنا على ادانة الآخرين فسوف يديننا الآخرون، ولو تسرعنا في حكمنا عليهم وسببنا لهم ألماً فلابد أن تدور الدوائر ويحكم الناس علينا ونعاني من نفس الإحساس بالألم، وبالكيل الذي نكيل به الاتهامات للآخرين لابد أن يُكال لنا!! وللحديث بقية (يتبع)

  

الجمعة، 4 يونيو 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (52)

بقلم : فخرى كرم 

«الغد يهتم بما لنفسه، يكفي اليوم شره» (مت6: 34)

يختتم الرب كلامه عن علاقتنا بالمال بالحديث عن سبب سابع يدفعنا لعدم اكتناز المال، ألا وهو

ضرورة أن نعيش يوماً واحداً كل يوم!!

يعلمنا الكتاب أن الله خلق الأرض تدور في وحدات تتكرر بشكل منتظم، وتكرارها يصنع ما نسميه «الزمن». فأعمارنا تُحسب بوحدة نسميها «السنة» والسنة ما هي إلا دورة كاملة للأرض حول الشمس، وهذه الوحدة أعاد الله تقسيمها إلى وحدات أصغر نسميها «اليوم» واليوم ما هو إلا دورة كاملة للأرض حول نفسها، وتكرار وحدة «اليوم» يصنع «السنة» التي تصنع بتكرارها عمرنا كله!!

لماذا قسم الله الزمن إلى هذه الوحدات الصغيرة؟ لأنه خلق أجسادنا لا تحتمل الضغط والعمل بشكل متصل، لأن أجسادنا مخلوقة من تراب هذه الأرض لذلك هي خاضعة لنفس الطبيعة الدائرية التي خُلقت منها الأرض، تحتاج أجسادنا بعد نهار من العمل والتعب إلى ليل تستريح فيه وتسكن كل حواسها عن العمل لكي تجدد طاقتها لبدء دورة جديدة مع بداية نهار جديد، ولذلك قسم الله وحدة «اليوم» إلى مساء وصباح بشكل متعاقب ومنتظم، الليل للراحة والسكون والنهار للعمل والاجتهاد، ولو لم تنتظم أجسادنا مع هذه الدورة المتعاقبة تختل كل وظائفها وترتبك كل طاقاتها!!

هذا القانون نراه واضحاً في الكتاب عندما أعطى الله المن للشعب القديم وكانت وصيته أن يخرج الشعب باكراً ليجمع المن فريضة كل يوم بيومه، ومن كان يجمع لأيام تالية كان يكتشف فساده!! وفي حديث ربنا هنا نجده يشير إلى نفس المبدأ ألا وهو أن أجسادنا ونفوسنا يكفيها أن تواجه شر يوم واحد، لقد خُلقت بهذه الإمكانية المحدودة، ويطمئننا ربنا بأن الله إذا سمح لنا بالغد فسوف يعطينا مع هذا الغد ما يكفينا لعبوره.

لكن بعد السقوط ونزول الإنسان إلى الأرض ليعملها أراد إبليس أن يفسد طبيعة الإنسان السوية التي خلقها الله، فألقى في قلب الإنسان أن يعمل ليلاً ونهاراً تحت ضغط الجشع والطمع والرغبة في زيادة موارده، لم يعد الإنسان ينام بالليل بقدر كافٍ ولم تعد حواسه تسكن لتجدد طاقاتها، أصبح الإنسان تحت ضغط العمل بشكل متصل وهو لم يُخلق بهذه الإمكانية!!

ونتيجة لهذه الضغوط أصبح الإنسان لا يحمل هم يومه فقط بل صار يحمل هم أيامه القادمة، وأصبح ذهنه مطالب بالتفكير في سنين قادمة وجسده مطالب بالعمل ليختزن المال لهذه السنين، لم يعد ذهن الإنسان يجد فترات راحة لتجديد نشاطه ولم تعد أعصاب الإنسان تحتمل هذه الهموم بشكل متصل، وتحت تأثير روح العالم دخل الإنسان في هذه الدوامة التي أفسدت طبيعته السوية التي خُلق عليها، هذه الدوامة التي لا يخرج منها الإنسان إلا وقد تمزق إلى أشلاء وبقايا محترقة!!

ربنا يحذرنا هنا من أن ننجرف وراء روح اختزان المال والخوف من المستقبل، لأن هذا الروح يحمّل أجسادنا ونفوسنا فوق طاقتها ويؤدي بها إلى الأمراض والعلل التي صرنا نراها بشكل متزايد في أنفسنا ومن حولنا، ليتنا نتعلم من كلمات ربنا هذه وليتها تسكن فينا عميقاً فنبدأ كل يوم من حياتنا بنفوس متجددة الطاقة ترفع عيونها على خالقها لتستمد منه نعمة تكفي يومها الجديد، وعندما يميل النهار ليتنا نتعلم كيف نلقي الهموم بعيداً ونهدأ لديه آمنين وبين منكبيه نسكن (تث33: 12) وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 4 مايو 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (51)

بقلم : فخرى كرم

 

«ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته (عمره) ذراعاً واحدة» (مت6: 27)

بهذه الكلمات يكشف ربنا عن سبب دفين في قلب الإنسان يدفعه لاكتناز المال، ألا وهو رغبته في اطالت عمره على الأرض، فالإنسان يولد وبداخله دافع غريزي للاستمرار بالوجود، وبالتالي ينشأ ويتزايد بداخله خوف شديد من أي شيء وكل شيء يمكن أن يهدد هذا الوجود، هذا الدافع والخوف الغريزي هو ما دفع الإنسان للتجمع في مجتمعات وانشاء الحضارات واختراع الأسلحة التي يصارع بها قوى الطبيعة المقاومة لوجوده، هذا الخوف ذاته هو الذي دفع الانسان للإقامة في مساكن يغلقها عليه بدءاً من المغاير وشقوق الأرض ومروراً بالخيام والحجارة وانتهاءً بالأسمنت المسلح!!

 الإنسان متشبث بشدة بالاستمرار في الحياة ولو على حساب حياة الأخرين!! الانسان متعلق غريزياً بالاستمرار بالوجود على هذه الأرض سواء بوسائل مشروعة أو غير مشروعة!! هذه الدافع الغريزي يقف وراء كل اختراع وتطور جديد تشهده البشرية، ولكنه أيضاً يقف وراء كل صراع وقتال بين أفراد المجتمع الإنساني الواحد!! ولعلك لو وقفت أمام أهرامات الجيزة وتطلعت إلى حجم ومتانة بنيانها تستطيع أن تكوِّن فكرة عن مدى تشبث الإنسان بالاستمرار في الوجود، هؤلاء القدماء كانوا يرفضون فكرة أن يموتوا وينتهي ذكرهم من تحت السماء، فصنعوا ما يجعلهم خالدين في هذه الأرض محط أنظار الأجيال التالية لهم!!

ويكشف لنا الرب هنا أن أحد الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان لضمان الاستمرار في الوجود هو اختزان المال، وهذا الدافع الغريزي يرجع في جذوره للإنسان البدائي القديم الذي كان يشعر أنه إذا اختزن زاداً كثيراً لاستطاع أن يغلق على نفسه ويستمر موجوداً لأيام كثيرة لا يضطر فيها للخروج ومواجهة الأخطار التي تهدد حياته!! لذلك نجد الغني الذي أخصبت كورته يبني مخازن أكثر يضع فيها خيراته الكثيرة ويمنّي نفسه بالوجود لأيام كثيرة، لكنه اكتشف متأخراً أن ما يحدد وجوده هو كلمة الله وليس ما يمتلكه من زاد وممتلكات!!

(6) المال لا يضمن الوجود ولا يطيله

كلمة الله تعلمنا أن آجالنا هي بيد الله (أي14: 5، مز31: 15) وإن امتلاك المال الكثير لا يضمن أبداً أياماً كثيرة (لو12: 15) كما أن قلة المال لا تسبب بالضرورة ضعف الحياة أو قصرها، فكم من فقراء عاشوا حياة طويلة وعريضة وعميقة بل وأغنوا كثيرين (2كو6: 10) وفي المقابل نعرف كثيرين من ذوي الأموال والأبناء والممتلكات شهدوا أن حياتهم كانت قليلة وردية (تك47: 9)!!

كان نبوخذنصر رأساً لمملكة من ذهب، أغنى مملكة نشأت على وجه الأرض، فظن أن أمواله تضمن له الحياة والدوام والعظمة، فأمرت السماء أن يفقد عقله ويعيش هائماً بلا مسكنٍ، يأكل عشب الحقل ويبتل بندى السماء، لم تُغني عنه أمواله شيئاً ولم تمنع عنه شراً، حتى أمرت السماء أن يعود إليه عقله فعلم أن السماء سلطان في مملكة الناس، وأن جدوى أيامنا وقيمتها لا يحددها ما نمتلكه من أموال بل ما تقرره السماء، ولو وضعت السماء حداً لأيامنا فلا يمكن لكل مجهوداتنا وأموالنا أن تزيد أيامنا يوماً واحداً، ولو أمرت السماء أن تمتد بنا الأيام فلا يمكن لكل القوى المعادية ولا قلة الأموال والممتلكات أن تنقص من أعمارنا يوماً واحداً!!

نحتاج أن تتعمق كلمات ربنا فينا وتنير ظلمة قلوبنا وتعطينا أن ندرك أن للسماء سلطان في حياتنا، لعل هذا الادراك يحفظنا من الانبطاح أمام سطوة المال وسلطانه على قلوب البشر، وللحديث بقية (يتبع)