الاثنين، 28 فبراير 2022

أحاديث من القلب

 

الأنانيــــة

بقلم : فخرى كرم 

خُلق الإنسان وبداخله إحساس شديد بنفسه وانتماء مطلق لذاته، فالحقيقة المؤكدة في حياة الإنسان منذ ميلاده هي أن انتماءه الأول هو لذاته وليس لأي شيء آخر، وهذه الحقيقة هي ما نسميها «الأنانية»، حيث يحتل ضمير المتكلم «أنا» مكان الصدارة قبل أي ضمير آخر في حياة الإنسان، وبناء على هذه الحقيقة نكون جميعاً بلا استثناء «أنانيين» بشكل أو بآخر، فلا يمكن لأي إنسان منصف أن يدَّعي أنه ليس أناني بدرجة ما!!

أشكال الأنانية

للأنانية أشكال كثيرة منها:

(1) أنانية التفكير: كل إنسان منا يفكر في أي أمر مطروح أمامه من وجهة نظر شخصية للغاية، بحسب ثقافته ونشأته وظروفه الخاصة، ودائماً تفكيره هذا يتفق مع مصلحته ويصب فيها، حتى أنك لو طرحت موضوعاً ما للمناقشة على عشرة أشخاص لوجدت عشرة وجهات نظر مختلفة للموضوع الواحد!! ومن الصعب جداً أن تتطابق وجهتي نظر تمام التطابق، ومن الصعب أن تجعل شخصاً منهم ينظر للموضوع من وجهة نظر شخص آخر، فلكل واحد وجهة نظره التي تتفق مع أسلوب تفكيره «الأناني»، أي المصبوغ بصبغة الذات أو «الأنا»، فمثلاً لو طرحت على الرجال في مجتمع شرقي موضوعاً مثل خروج المرأة للعمل أو الملابس التي ترتديها خارج المنزل أو حقها في طلب الطلاق أو الخُلع من زوجها، لوجدت أن وجهة نظرهم ستكون متشددة بصفة عامة حتى لو تباينت في شدتها من رجل لآخر بحسب الثقافة والظروف الخاصة، أما إذا طرحت ذات الموضوع على النساء فستكون وجهة نظرهن مختلفة كل الاختلاف، فالرجل يفكر في هذه الأمور من منطلق إحساسه ومصلحته كرجل بينما المرأة تنظر إليها في ضوء أحاسيسها ومصلحتها الخاصة، ومن الصعب _إن لم يكن من المستحيل_ أن تجعل وجهات النظر هذه تتطابق.

كثيراً ما نرى رؤساء الدول يجتمعون لمناقشة موضوعات دولية مهمة، ولكننا نادراً ما نراهم يتفقون على رأياً واحداً يلتزمون به، والسبب هو أن كل دولة تنظر للأمر في ضوء مصلحتها وعلاقاتها الخاصة، ومصالح هذه الدول تتشابك وتتعارض كثيراً ولا تتفق إلا نادراً، ولذلك قليلاً ما نرى اجتماعات القمة هذه تتمخض عن قرارات ذات قيمة واستمرارية. 

  والجدير بالملاحظة أن كل طرف يكون مقتنعاً بوجهة نظره إلى حد اليقين ولا يستطيع أن يقبل بغيرها، ومن الصعب أن تزحزح أي طرف عن وجهة نظره لأن وجهة نظره هي إحدى سمات ذاته وكينونته، وهو يشعر أن تنازله عن رأيه هو تنازل عن كيانه ووجوده، وبالأكثر في مجتمعاتنا الشرقية التي تربَّت على أن الشخص القوي هو من يفرض رأيه على كل المحيطين به ولا يخضع لرأي الآخرين، وأن من سمات الرجولة ثبات الرأي وعدم تغيره (حتى بعد اكتشاف خطئه)!! بينما في المجتمعات الأكثر تقدماً يتربَّى الإنسان على احترام حقوق الآخرين ومن ضمنها حق التفكير وإبداء الرأي، وأنه لا يعيب الإنسان أن يصغي للآخرين ويتعلَّم من وجهات نظرهم، وأن الأفضل ليس هو مَن يفرض رأيه على الآخرين بل مَن يستخلص المفيد من كل آراء الآخرين ويكوِّن رأياً يكون الأصلح لجميع الأطراف.

(2) أنانية التصرف: من البديهي أن تتشكل تصرفات الناس بحسب أسلوب تفكيرهم، وإذا كان التفكير «أناني» فلابد أن تتسم كل التصرفات بالأنانية، فقد يتجمل الإنسان أمام الآخرين ويتشدق بكلمات المحبة والتضحية والإيثار ولكن في وقت المحك العملي تجده يتصرف وفق مصلحته وحدها، وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً في وقت الخطر والأزمات، فعندما يتعرض الإنسان للخطر ويُخيَّر بين أن ينقذ نفسه أو شخصاً آخر تجده بتلقائية شديدة يختار نفسه، حتى أن العامة صاغوا هذه الحقيقة في مثل شائع يقول «لو جالك الطوفان حط ولدك تحت رجليك»!!

(3) أنانية المشاعر: عندما يحب الإنسان شخصاً آخر نجده يحاول أن يمتلكه ويضيفه إلى صميم ذاته، ويبدأ يتعامل مع هذا الشخص كما لو أنه صار من متعلقاته الشخصية، ولو تصرف هذا الشخص ببعض الحرية والاستقلالية تعتمل بداخل المُحب ثورة من الغضب والعنف قد تجرح  وتدمر المحبوب، ونسمي هذه المشاعر عادة بمشاعر «الغيرة» التي ما هي إلا التعبير عن أنانية المشاعر وحب الامتلاك، فالأم تتعامل مع أبنائها كما لو كانوا ملكية خاصة بها ولا تريدهم أن يستقلوا عنها حتى بعد الزواج، والزوج أيضاً يتعامل مع زوجته بنفس الأسلوب، والعكس بالتأكيد صحيح، وهذه المشاعر قد تختلف في قوتها وعمقها مش شخص لآخر لكن كل واحد فينا لابد أن يعترف أنه «أناني» بدرجة أو بأخرى!!

القليل من الأنانية... ضروري!!

لكي نكون واقعيين لابد أن نعترف أننا نحتاج إلى القليل من الأنانية في حياتنا، لأن هذا القدر الضروري من الأنانية هو الذي يشكِّل لكل واحد منا شخصيته الخاصة به، فتميُّز الفرد في المجتمع ينشأ من تميُّز أسلوب تفكيره وتصرفاته ومشاعره، ولو فقد الإنسان كل إحساسه بذاته لفقد سمات شخصيته وصار مسخاً بلا ملامح لا يشعر أحد بوجوده في وسط المجتمع، ولو تبنَّى الإنسان وجهات نظر الآخرين على طول الخط لصار نكرة لا يعتد به أحد، فالقدر الطبيعي من «الأنا» ضروري ليكون الفرد متميزاً مفيداً لمجتمعه.

لكن الكثير من الأنانية... ضار جداً!!

ما ينبغي أن نحذر منه هو أن يزيد قدر الأنانية بداخلنا عن حدوده الطبيعية، فيزيد إحساس الفرد بذاته حتى يطغى على إحساسه بذات الآخرين، فلا يستمع الإنسان إلا لصوت نفسه ولا يقتنع إلا بفكره ولا يتصرف إلا لمصلحته حتى لو داس على مصالح غيره، فعندئذ تصير الأنانية وبالاً على الفرد والمجتمع لأنها تجعل كلاً منا يعيش في جزيرة منعزلة لا يشعر فيها إلا بنفسه ولا يرى إلا ذاته، وبالتالي يتفكك المجتمع وتنقطع الروابط بين أفراده وتصير العلاقات بينهم تنافسية وليس تكاملية، حيث يسعى الفرد إلى فرض إرادته ومصلحته على الآخرين بدلاً من محاولة البحث عن مصلحة المجموع، مما يؤدي لنشر الرذائل في المجتمع مثل الغيرة والحسد والكراهية والكذب والخداع والعنف والاغتصاب...الخ، والأنانية بصورتها السلبية هذه ليست فقط ضارة للفرد والمجتمع لكنها أيضاً تتعارض مع فكر الله وإرادته الصالحة التي أعلنها لنا في كتابه المقدس.

ماذا يقول الكتاب المقدس؟

يعلِّمنا الكتاب أن الله يحترم ذاتية الإنسان ويشجِّع تميُّزه وتفرُّده، حتى أنه خلق الإنسان متميزاً على سائر المخلوقات بالإرادة الحرة والقدرة على التفكير والإبداع، ورغم أن الله هو الخالق العظيم إلا أنه لا يفرض إرادته على خليقته بل يترك لنا حرية التفكير واتخاذ القرارات سواء كانت صحيحة أم خاطئة (رؤ3: 20) وهو يعرف كل واحد منا باسمه الخاص أي بسماته الشخصية (أش43: 1، لو10: 20) والرب يسوع استخدم كثيراً في أحاديثه ضمير المتكلم «أنا» لكن بشكل إيجابي وصادق وبدون أي تعالٍ على الآخرين أو تعدٍ على حقوقهم.

من الناحية الأخرى يرفض الكتاب تماماً أن يتحول إحساسنا بأنفسنا إلى أنانية سلبية هادمة، فنراه يحثنا على «إنكار النفس» الذي هو على العكس تماماً من الأنانية (مت16: 24) فإنكار النفس هو عدم البحث عن مصلحة أنفسنا فقط بل عن مصلحة الآخرين أيضاً، ولقد أعطنا الرب يسوع نفسه نموذجاً  يُحتذى به في إنكار النفس عندما رأيناه طوال حياته يتنازل عن راحته لأجل خدمة الآخرين وراحتهم، فرأيناه يسير ساعات طويلة ليتقابل مع نفس متعبة ليريحها (يو4: 6) ورأيناه ينحني عند أقدام تلاميذه ليغسلها (يو13: 5) بل فوق كل شيء رأيناه يحمل الصليب ويقبل الموت لأجل أن يمنحنا الحياة الأبدية (رو5: 6).

فكر الله الصالح لنا هو أن نشعر بأنفسنا في الحدود الإيجابية البناءة دون أن نتحول إلى الأنانية التي تدمر علاقتنا بالآخرين، وأن نسعى لبنيان أنفسنا بكل طريقة ممكنة ومشروعة دون أن نهمل فائدة وبنيان الآخرين أيضاً، وأن ندرك أن نجاحنا هو من نجاح الآخرين وسعادتنا من سعادة الآخرين وأمننا من أمن الآخرين، فنحن لا نعيش في جزيرة مستقلة بل نحن جزء من مجتمع، سواء كان هذا المجتمع هو البيت أو العمل أو الكنيسة أو الدولة، ليت الرب يساعدنا لنكون أفراداً مميَّزين في مجتمعنا نافعين لأنفسنا ولكل المحيطين بنا، آمين.                                                                             

الجمعة، 31 ديسمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (59)

بقلم : فخرى كرم

«فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم

 أيضاً بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء» (مت7: 12)

ها نحن قد وصلنا في دراسة موعظة الجبل إلى تلك العبارة العظيمة التي لخَّص فيها معلمنا الصالح كل وصايا الناموس والأنبياء، العبارة الجامعة المانعة التي رسم لنا فيها ربنا الطريق للبر العملي الذي يتطلع إليه قديسو العلى في كل العصور، العبارة الفارقة التي تميز بين الخير والشر أمام كل ضمير وداخل كل قلب، العبارة التي انحنت أمامها هامات عظماء الرجال فتغيرت حياتهم للأفضل وتركوا بصماتهم الصالحة على تاريخنا البشري، العبارة التي رفضها كثيرون فتجردت حياتهم من كل بر ومضوا في طريق الأرض كلها غير مأسوف عليهم، العبارة التي اصطلحنا على تسميتها «القانون الذهبي للمعاملات الإنسانية»!!

ربنا في كلمات بسيطة وسهلة يطلب منا أن نعامل الأخرين بأفضل ما نتمنى أن يعملوننا به، فاذا كنا نحب أن يقبلنا الناس ويقدروننا فلنقبلهم ونقدرهم، وإذا كنا نرغب أن يصدقنا الناس عندما نتكلم فلنصدقهم عندما يتكلمون، وإذا أردنا أن يخدمنا الناس ويقفوا بجوارنا في وقت احتياجنا فلنساعدهم ونقف بجوارهم في احتياجهم، وإذا كنا ننتظر منهم أن يسامحونا عندما نخطئ ويلتمسون لنا الأعذار فلنفعل معهم نفس الأمر عندما يخطئون في حقنا.

الرب بهذا القانون يضع لنا مقياساً يستطيع الضمير الصالح أن يتدرب به ويقيس عليه تصرفاته ويميز من خلاله ما ينبغي أن يفعله في كل المواقف، والرب يستند في هذا القانون على أساس راسخ في كل نفس إنسانية سوية وهو أن الإنسان الطبيعي السوي يحب نفسه جداً وينتظر أن يتعامل الجميع مع نفسه بأفضل اسلوب ممكن، وبالتالي ينبغي أن يطالب نفسه بأن يعامل الجميع بنفس الاسلوب، ولقد سبق ولخص ربنا كل وصايا الناموس المختصة بالتعامل بين البشر في عبارة واحدة وهي «تحب قريبك كنفسك».

دعونا نتخيل ولو لدقائق حال العالم لو ساد هذا القانون على العلاقات بين الناس جميعاً!! دعونا نتصور للحظات كم الخير والسلام الذي سيسود المجتمعات البشرية لو وجدت كلمات الرب هذه صداها في قلوب الناس!! لا شك أننا كنا سنجد أرضاً جديدة يسكن فيها البر والحق!! لكن للأسف ينبغي أن نستفيق من خيالنا وتصوراتنا سريعاً ونعود إلى واقعنا المرير الذي نعيشه في مجتمعات تموج بالعنف والقسوة والسحق للنفوس التي تحيا فيه، ماهو السبب يا ترى وراء ما وصلنا إليه؟

السبب بكل تأكيد أننا فشلنا أن نعيش هذا القانون الذهبي في علاقاتنا، ألفان من السنين لم نتعلم أن نخضع لكلمات الرب هذه ولم تجد لها صدى في قلوبنا!! ولو سألنا لماذا لم نستطع أن نحيا هذا القانون الذهبي سنجد الإجابة واضحة: أننا نحب أنفسنا أكثر مما نحب الأخرين!! الإنسان يعبد ذاته ويحبها بينما يشعر تجاه ذوات الأخرين أنهم منافسين ينبغي التخلص منهم أو إخضاعهم لفائدة ذاته!! الانسان يحب أن يعامله الجميع بالمحبة لكنه يشعر أنه غير مضطر أن يحبهم، كل واحد منا يقدر نفسه بأكثر من قدرها لكنه في نفس الوقت لا يشعر بالتزام أن يقدر الأخرين بنفس التقدير، إذا أخطأنا ننتظر من الأخرين الغفران لكن إذا أخطأ أحدهم تتحرك فينا كل نوازع الإدانة والرغبة في الإنتقام، كل واحد منا يشعر أن ذاته في كفة وكل ذوات الأخرين في كفة مقابلة، ودائماً كفته هي الأثقل!! ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الاثنين، 6 ديسمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (58)

بقلم : فخرى كرم

«لأن كل من يسأل يأخذ..» (مت7: 8-11)

بعدما حدثنا ربنا عن الصلاة ومستوياتها الثلاث ها هو يشجعنا أن نصلي دائماً وبلا كلل، ولذلك نجده يقدم لنا وعداً مؤكداً أن كل مَن يسأل يأخذ ومَن يطلب يجد ومَن يقرع يُفتح له، لا يمكن أن تضيع صلاتنا أو تذهب أدراج الريح، إننا لا نضارب الهواء بل نتعامل مع إله عظيم يستطيع كل شيء ولا يعسر عليه أمر، إن كل وقت نقضيه في الصلاة أمام إلهنا لابد أن تكون له نتائجه الرائعة.

إيماننا بهذا الوعد ضروري جداً لحياتنا، فالكتاب يعلمنا أن الذي يأتي إلى الله لابد أن يثق أنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه، بل يعلمنا أن كل عملٍ عظيم حدث في تاريخ شعب الله كان وراءه إيمان عظيم تمسَّك بالله العظيم ولم يتركه حتى تدخل في مسار الأحداث صانعاً خيراً واعلاناً عن شخصه (عبرانيين 11). وعلى العكس تماماً تعلمنا كلمة الله أن المرتاب الذي يشك في حصوله على احتياجه من خلال الصلاة لن ينال شيئاً من عند الرب (يع1: 5) فالشك في فاعلية الصلاة هو في الحقيقة شك في وجود الله وصلاحه، وهذا الشك يهين الله ويحزن روحه ويعطل وصول البركة إلينا!!

الرب يؤكد لنا أن صلاتنا لابد لها من إجابة لأنه يعلم أن طبيعتنا التي جُبلنا عليها هي طبيعة نفعية، طبيعتنا لا تُقدم على فعل أمر إلا إذا تأكدت من المنفعة التي ستعود علينا من وراء هذا الفعل، الإنسان لا يمكنه أن يبذل الوقت والمجهود في طريق لا يثق في فائدته ونفعه، وهذا يفسر لنا سبب ضعف حياة الصلاة في أوساط المؤمنين وقلة الوقت الذي يُصرف في الشركة مع الله، فالحقيقة المحزنة هي أننا لم نعد نؤمن جدياً في فاعلية الصلاة، لقد انصرف المؤمنين إلى وسائل أخرى للحصول على ما يريدون وتطلعوا إلى مصادر أخرى لتسديد احتياجاتهم!!

ووعد الرب بالإجابة ليس مجرد محفِّز لا يستند على أساس بل هو يستند على أساس راسخ لا يهتز أبداً، وهذا الأساس هو أبوة الله الصالحة، لذلك يتابع الرب كلامه ويشير إلى موقف سامعيه من أولادهم، كيف أن الأب الأرضي بالطبيعة لا يمكنه أن يجاوب سؤال ابنه للخبز بحجر التجاهل والاحتقار، ولا يمكنه أن يتعامل مع طلب ابنه لسمكة بخبث وسم الحية، فالأب الأرضي مهما كان شريراً إلا أن طبيعته تدفعه أن يعطي عطايا جيدة لأبنائه، فكم بالحري الآب السماوي كلي الصلاح يهب خيرات للذين يسألونه، إن أبانا السماوي لا يمكنه أن يغلق أحشاءه تجاه واحد من أولاده يسأل احتياجه بثقة وإيمان!!

لكن لابد أن نلاحظ هنا أن ربنا لا يؤكد أننا بالضرورة سنأخذ نفس الأشياء التي نسألها لكنه يؤكد أن أبانا السماوي سيمنحنا «خيرات» بحسب أبوته الصالحة، فكثيراً ما يطلب الأبناء أشياءً ليست لخيرهم بل أحياناً تكون لضررهم وضرر المحيطين بهم، فنحن كثيراً ما نخطئ في تمييز احتياجاتنا الحقيقية ونلح في طلب أمور لا يرى الله أنها احتياجنا الحقيقي، فلا ننتظر من الآب الصالح أن يعطينا نفس الأشياء الضارة التي نطلبها لكنه بالتأكيد سيعطينا «الخيرات» التي نحتاج إليها فعلاً!! فإذا كان الأب الشرير لا يمكنه أن يعطي حجراً لابنه الذي يسأله خبزاً فالآب السماوي إذا سأله ابنه بجهلٍ حجراً ليأكله فسيعطيه خبزاً!! فأبونا يعلم ما نحتاج إليه أكثر مما نعرف نحن، ومشاعره تجاهنا أكثر صلاحاً من مشاعرنا تجاه أنفسنا!! ليتنا نثق في أبينا الصالح ولا نكف أبداً عن الصلاة في كل وقت ولأجل كل شيء!! وللحديث بقية (يتبع) 

السبت، 6 نوفمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (57)

بقلم : فخرى كرم 

«اقرعوا يُفتح لكم» (مت7: 7)

بعدما تحدث ربنا عن مستوى «السؤال» ومستوى «الطلب» نجده يتحدث عن المستوى الثالث في العلاقة مع الله ألا وهو «اقرعوا يُفتح لكم». وهنا لابد أن نسأل: على أي باب نقرع؟ هل نقرع على باب الله لكي يفتح لنا؟ حاشا! فالرب يكلمنا باعتبارنا أبناء الآب السماوي، أي أننا داخل البيت وليس خارجه، بل أننا بيته الروحي وهيكل حضوره على الأرض، الله بنفسه يسكن بداخلنا ولا يوجد بيننا وبينه أبواباً مغلقة. إذاً القرع هنا لا يمكن أن يكون على باب الله، وهذا يدفعنا للسؤال مرة أخرى: على أي باب نحن نقرع؟

ولكي نجيب على هذ السؤال لابد أن نسترشد بربنا نفسه وهو يقول «هنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه» (رؤ3: 20) على أي باب يقرع ربنا هنا؟ انه يقرع على الباب الروحي المغلق على النفس الإنسانية لعلها تستفيق من ضلالها وتفتح له، وهذا يقودنا لسؤال جديد: هل الكتاب المقدس يعلمنا أن هناك أبواب روحية مغلقة بين الله والنفس الإنسانية؟! والإجابة بكل تأكيد هي: نعم!! يقول الرسول «الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة انجيل مجد المسيح» (2كو4: 4) إبليس يستخدم قواته الروحية الشريرة لكي يغلق على أذهان وأرواح الناس حتى لا تصل إليهم كلمة الله ولا يفهموها ولا يسلكوا في طريق الخلاص.

ولقد أشار ربنا إلى هذه الأبواب عندما قال «على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت16: 18) من البديهي أن الرب لم يقصد أن أبواب الجحيم ستهاجم الكنيسة ولن تقوى عليها لأننا نعلم أن الأبواب لا تهاجم أحداً، لكن الرب قصد أن الكنيسة ستهاجم أبواب الجحيم وستقرع عليها لكي تنفتح وتتحرر النفوس المأسورة بالداخل، ووعد الرب لنا أن أبواب الجحيم لن تقوى أمام هجوم الكنيسة وستنفتح وتتحرر النفوس المسجونة بداخلها بقوة عمل الإنجيل.

ولعل أفضل تجسيد لهذه الأبواب الجهنمية ما نقرأه في سفر دانيال عن الرؤساء الروحيين الأشرار الذين يغلقون الأجواء الروحية فوق العالم لكي لا تصل كلمة الله إلى الناس (دا10: 13) حتى أنهم استطاعوا أن يؤجلوا وصول كلمة الله إلى دانيال لمدة ثلاثة أسابيع كاملة!! هناك قوات شيطانية كثيفة تعمل ليلاً ونهاراً لكي تظل كلمة الله بعيدة عن أذهان الناس وأرواحهم، وإبليس يستخدم في هذا كل الأكاذيب والأفكار الشريرة والتعاليم المضللة..، وأن نقرع على هذه الأبواب المغلقة يعني أن نخوض في صلواتنا وخدماتنا حرباً روحية على كل الأفكار والظنون التي ترتفع ضد معرفة الله، ونستأسر كل فكر إلى طاعة المسيح (2كو10: 5)

عندما كان ربنا على الأرض كان يجول يقرع على هذه الأبواب، بتعاليمه التي أنارت الأذهان ولمساته الحانية والشافية انفتحت أبواب الجحيم وانطلقت النفوس متحررة من سلطان إبليس (أع10: 38) وها هو يشرفنا بأن يدعونا لكي نقرع معه، ولنا الوعد أن أبواب الجحيم لن تقوى أمامنا وستنفتح لنا وسنختطف من النار نفوساً تعرف الله وتخلص (يه23)

الرب في هذا المستوى من الصلاة ينقلنا من الانحصار في احتياجاتنا وظروفنا الضيقة ويفتح أمامنا مجالاً أرحب وهو الاهتمام بالنفوس المأسورة المحيطة بنا، من خلال صلواتنا وخدماتنا المُقادة بالروح القدس نستطيع أن نفتح أبواباً كثيرة مغلقة ونحرر نفوساً كثيرة محرومة من النور والحرية، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 9 أكتوبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (56)

بقلم : فخرى كرم 

«اطلبوا تجدوا» (مت7:7)

بهذه الكلمات ينقلنا الرب إلى مستوى آخر في العلاقة مع الله يختلف عن مستوى «اسألوا تُعطوا»، فالكلمة «اطلبوا» تعني السعي الدؤوب للوصول إلى غرض ما، فلا يظن أحد أن علاقتنا مع الله هي فقط أن «نسأل» منه بعض الأمور فيعطينا إياها، حياتنا تمتلئ بأمور لا يمكننا أن نسألها بل ينبغي أن نبذل قصارى جهدنا للوصول إليها، ولذلك نجد أن إجابة «اسألوا» هي «تُعطوا» بينما إجابة «اطلبوا» هي «تجدوا»، أي أن هناك أمور لا يمكن لأحد أن يعطيها لنا بل ينبغي أن نسعى نحن لكي نجدها لأنفسنا.

مشكلة كبيرة في وسط شعب الرب أنهم يعتقدون أن الصلاة هي أن يقفوا ليعددوا احتياجاتهم أمام الله وينتظرون أن يضعها الله في أيديهم بشكل معجزي دون أن يبذلوا أي مجهود في سبيل ذلك، أنظر إلى معظم صلواتنا سواء الفردية أو الجماعية تجدها عبارة عن قائمة بالطلبات التي ننتظر أن يسكبها الله علينا من السماء ونحن في أماكننا لا نبرحها!! هذا تصور ساذج عن الصلاة، ولا غرابة إن كان انتظارنا يطول دون الحصول على أي شيء مما نطلبه!!

الفضائل الروحية في حياتنا مثل القداسة والمحبة والسلام.. الخ، كلها أمور لا يمكننا أن نسألها من الله وننتظر أن تتحقق في حياتنا بدون مجهود منا، لكنها تحتاج منا إلى جهاد روحي متواصل لا يفتر ولا يكل، نحتاج في كل يوم أن نقترب إلى إلهنا أكثر، ونمتلئ من روحه أكثر، ونتغذى على كلمته أكثر، ونقاوم الخطية المحيطة بنا أكثر، ونتسلح بكل وسائط النعمة المتاحة لنا أكثر!! هذه الفضائل يسميها الكتاب «ثمر الروح» (غل5: 22) وكلمة «ثمر» تؤكد هذه الحقيقة، فالفلاح لا يحصد الثمر بمجرد الدعاء بل ينبغي أن يجتهد ويتعب في زراعة بذور جيدة ويستمر يرعاها في كل يوم، ويعتني بالبراعم وهي تنمو، ويقاوم كل الآفات الضارة بالنبات، وهكذا يستمر بلا كلل حتى يأتي وقت الحصاد فيجمع «ثمراً» جيداً.

الله يريد أن يزرع في حياتنا كل القيم الروحية الثمينة لكي نكون مشابهين صورة ابنه، وروحه القدوس يتعامل معانا كل يوم لتحقيق هذا الغرض، ولكن نحن مسئولون عن التجاوب مع عمل الروح القدس وإتاحة الوقت والإمكانية ليتمم عمله فينا.

 لنفترض أن هناك مؤمن يصلي بلجاجة لأجل امتلاك القداسة في حياته ولكنه في نفس الوقت لا يعطي وقتاً كافياً للوجود في محضر الله القدوس (مت6:6) ولا يصرف وقتاً كافياً لدراسة الكلمة المقدسة لتسكن بغنى في ذهنه (كو3: 16) ولا يبذل مجهوداً كافياً للانتصار على الخطية المحيطة به بسهولة (عب12: 4) ومن الناحية الأخرى نجده يعطي ساعات طويلة يتجول بعينه وذهنه في وسائل التواصل الاجتماعي التي تمتلئ بروح العالم بكل شروره وأكاذيبه، ويترك الوقت يتسرب منه بسهولة وهو منشغل في علاقات افتراضية رخيصة ومزيفة، هل نتوقع أن يحصل هذا المؤمن على حياة القداسة الحقيقية مهما استمر يصلي لأجلها لسنوات؟ كلا بالتأكيد!! لأنه يظن أنه سيحصل على حياة القداسة بمجرد «السؤال» من الله بينما الحقيقة أنه لابد أن «يطلب» القداسة ويسعى باجتهاد في سبيلها.

ليت الرب يعلمنا كيف ننتقل بصلواتنا من مستوى السؤال إلى مستوى الطلب، ليته يرى في حياتنا الجدية والالتزام والاجتهاد فيكلل حياتنا بالإثمار والبركة!! وللحديث بقية (يتبع)

الاثنين، 6 سبتمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (55)

بقلم : فخرى كرم

 

«اسألوا تُعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم» (مت7:7)

بعد ما حذرنا ربنا من سكب أعماقنا أمام الناس هاهو يرشدنا إلى المجال الوحيد الآمن للتعبير عن احتياجاتنا العميقة ومكنونات قلوبنا، ألا وهو مجال الشركة اللصيقة مع الآب السماوي، أو كما نسميها اختصاراً «الصلاة». والرب هنا يكلمنا عن ثلاثة مستويات للصلاة: «السؤال» و«الطلب» و«القرع».

المستوى الأول: اسألوا تُعطوا

السؤال هو طلب احتياجنا من الله عندما لا تكون لدينا أية قدرة لفعل أي شيء حيال هذا الاحتياج، مثل الطفل الصغير الذي يتطلع إلى والديه بثقة وينتظر منهما تسديداً لكل احتياجاته لأنه لا يملك ما يساعد به نفسه، وهذا المستوى هو ما يغلب على علاقتنا بالآب السماوي في بدايات حياتنا الروحية، لأننا كأطفال مولودين حديثاً في العالم الروحي نشعر باحتياجنا العميق لأشياء كثيرة لا نفهمها ولا نستطيع حيالها شيئاً، والحقيقة أن الله يُسر بأن يسمع لسؤالنا ويجيبنا ويسدد كل احتياجنا بحسب غناه في المجد (في4: 6، 19) ولكن كلمة الله تضع أمامنا بضعة شروط ينبغي توفرها في سؤالنا لكي يستجيبه الله:

(1) التوافق مع مشيئة الله (1يو5: 14): الله يرسم لكل واحد من أولاده أفضل سيناريو لحياته وأفضل تفاصيل توافق شخصيته ودعوته، والمؤمن الناضج هو الذي يدرك هذه الحقيقة ولا يسأل من الله إلا ما يتوافق ويتمم مشيئته الصالحة، لكن المشكلة هي أننا في طفولتنا الروحية كثيراً ما نتعلق بأشياء نراها في حياة الآخرين ونريدها في حياتنا حتى لو لم تكن ضمن مشيئة الله الخاصة بنا، مثل الأطفال الذين تحركهم دائماً الغيرة نحو امتلاك ما في حوزة الآخرين سواء كان مناسباً لهم أم لا، فسمة الأطفال الروحيين هي تعلقهم بالأشياء التي يروها في حياة الآخرين أكثر من تعلقهم بالأشياء التي يريدها الله أن تكون موجودة في حياتهم، يطلبون بالحاح أشياء معينة ليس لأنها في مشيئة الله بل فقط لكي لا يشعروا أنهم أقل من الآخرين!!

(2) أن تكون للخير ( يع4: 3): أحياناً نطلب أشياء نعتقد أنها خير لنا بينما يراها الله مغذية لشهواتنا الردية وسبباً لشر كثير!! تماماً مثل الطفل الصغير الذي كثيراً ما يتعلق بأشياء لمجرد أنها لذيذة المذاق أو شهية المنظر بينما يعلم الأباء أنها مضرة جداً بصحته!! ولذلك نرى الأباء لا يستجيبون لإلحاح أطفالهم وصراخهم ودموعهم لأنهم حريصون على خير أبنائهم أكثر من الأبناء أنفسهم!!

(3) أن تكون باسم المسيح (يو16: 23، 24): المؤمنون هم جسد المسيح وأعضاء جسده، وبالتالي ينبغي أن تكون طلباتهم من الآب باسم المسيح، أي كما لو أن المسيح بذاته هو الذي يطلبها، والآب بكل تأكيد سيستجيب كل طلبة يطلبها المسيح لأنه (له المجد) لا يطلب إلا كل ما يؤول لمجد الله الآب. لذلك يمكننا أن نضع امتحاناً بسيطاً لطلباتنا: هل يطلب يسوع هذه الطلبة لو كان في مكاني؟!

(4) أن تكون بلجاجة (لو18: 1): أحياناً تكون طلبتنا مقبولة في جوهرها لكنها تحتاج إلى وقت لتتسق مع توقيت الله وتتوافق مع مقاصده، لكننا عادة ما نكون متعجلين أكثر من اللازم وغير قادرين على الصبر والمواظبة في الصلاة لو تأنى الله في الاستجابة، وبالتالي نفقد فرحة التوافق مع توقيت الله حين نراه يستجيب طلبتنا في وقته المناسب!! ليتنا نتعلم أن نواظب ونثابر في صلاتنا عالمين أن الأوقات والأزمنة هي في سلطان الآب وأن توقيته دائماً هو الأفضل!! وللحديث بقية (يتبع)

الاثنين، 9 أغسطس 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (54)

بقلم : فخرى كرم

 

«لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير» (مت7: 6)

في داخل كل واحد منا مكان سحيق نختزن فيه أعمق مشاعرنا وأدق خصوصيتنا وأغلى ذكرياتنا، وهناك أيضاً ندفن أحزاننا واحباطاتنا وجراحنا السخينة، أنه المكان الذي يحتوي على مفاتيح شخصياتنا وأسرار كينونتنا، هذا المكان لا نحب أن يعرفه أحد ولا تدخله قدم ولا تتجول فيه عين، إنه يشبه القدس الذي ينبغي ألا يقترب منه غريب، ويشبه الجواهر التي تحاول المرأة أن تخبأها في مكان لا تصل إليه يد إنسان.

يحذرنا ربنا هنا من أن نسمح لأحد بأن يدخل إلى هذا «القدس» ويمد يده على هذه «الدرر»!! فأحياناً نعتقد بسذاجة أن الآخرين ربما يساعدوننا إذا عرفوا ما نختزنه في أعماقنا، لكن ربنا يكشف لنا ما سيحدث إذا فعلنا هذا، سنُفاجأ بأنهم لا يقدِّرون أمورنا كما نقدّرها نحن بل يزدرون بها ويدوسونها، فمشاعرنا لا قيمة لها عند مَن لم يشعر بها، وأحزاننا لا تساوي شيئاً عندهم، آمالنا وطموحاتنا واحباطاتنا لا قيمة لها عند أي أحد، هذه كلها ذات قيمة عندنا نحن فقط لأنها شكَّلت كياننا، لكن إذا أتطلع آخر عليها فلن يرى فيها أية قيمة!!

ازدراء الناس بما اكتشفوه في أعماقنا سيزيد معاناتنا وآلامنا، ولن تنتهي الخسارة عند هذا الحد لكنهم سيلتفتون نحونا ليمزقونا شر تمزيق، فمَن اتطلع على مكنونات النفس العميقة يسهل عليه سحق هذه النفس وتمزيقها، ومن عرف نقاط الضعف في شخصياتنا يستطيع بكل سهولة أن يسيطر عليها ويحطمها.

ونأتي هنا للسؤال الأهم: ما علاقة كلمات الرب هذه بحديثه السابق في موعظة الجبل؟! والإجابة هي أن العلاقة وطيدة ومؤكدة. لقد تكلم الرب في الجزء السابق عن أدعياء التقوى الذين يذهبون للبسطاء من الشعب ويؤكدون لهم أنهم يميزون القذى الذي في أعينهم، ويطلبون منهم السماح لكي يمدوا أيديهم ليخرجوا لهم القذى، ولقد فاجأنا الرب بحقيقة أن هؤلاء الأدعياء تملأ عيونهم قطع كبيرة من الخشب!! واتهمهم الرب بالرياء، وقال إن عليهم أن يخرجوا الخشبة أولاً من عيونهم قبل أن يستطيعوا اخراج القذى من عيون الآخرين، ثم تقدم الرب في حديثه ليخاطب بسطاء الشعب ليحذرهم من السماح لهؤلاء الأدعياء بالاقتراب من أقداس حياتهم وأسرارها، وطالباً منهم ألا ينخدعوا في هؤلاء المرائين ولا يسمحون لهم بالدخول إلى تفاصيل حياتهم الدقيقة تحت دعوى المعالجة والإصلاح.

في (حز 34) نجد صورة مفصلة لهذه العلاقة بين الرعاة الأردياء والغنم المسكينة، إذا ذهبت شاة بمرضها إلى هؤلاء الرعاة لا يقووها، والمجروحة لا يعصبوها، والمكسورة لا يجبروها، أي أنهم يزدرون ويدوسون معاناة بسطاء الشعب، وليت الأمر انتهى عند هذا الحد لكن يقول الكتاب «بل بشدة وبعنف تسلطتم عليهم» لقد التفتوا ليمزقوا ويشتتوا غنم الرب على كل وجه الأرض!!

ولو سألنا ما هو الحل إذاً؟ إلى مَن نذهب بمعاناتنا الداخلية ومكنونات نفوسنا الخفية؟ نجد الرب يجيبنا «أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب، أطلب الضال وأسترد المطرود وأجبر الكسير وأعصب الجريح» (حز34: 15، 16) فلا يستحق أن يدخل إلى «قدس» حياتك إلا «القدوس» ولا يستحق أن تكشف له مكنونات نفسك إلا من افتدى هذه النفس بدمائه الثمينة!! ولذلك نجد ربنا يستطرد في حديثه التالي ليتكلم عن الصلاة التي هي القناة الآمنة الوحيدة التي من خلالها نستطيع أن نسكب مكنونات نفوسنا أمام الله وننال كل شفاء وتعزية وتقديس، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)