الثلاثاء، 3 مايو 2022

أحاديث من القلب

 دى آخرة مقالة للأخ : فخرى كرم ...كتبها قبل انتقاله مباشرة  برسالة الخلاص

موعظة الجبل (60)

بقلم : فخرى كرم

 

«فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم» (مت7: 12)

هذا القانون الذهبي للتعامل يفترض في أساسه أن يحب الإنسان قريبه مثلما يحب نفسه، ويعامله كما يحب أن يُعامل هو شخصياً، وكلمات هذا القانون رغم بساطتها ووضوحها إلا أنها تبدو صعبة جداً في تنفيذها إن لم تكن مستحيلة، والسبب ببساطة هو التشوه الذي أصاب طبيعتنا بعد السقوط.

 عندما خلق الله آدم كان من المفترض أن يعيش آدم في شركة مع الله، يرى الأمور بعيني الله ويحكم فيها بعدله ويصنع فيها مشيئته، لو استمر آدم في هذا الوضع كان سيرى نفسه وكل الخليقة المحيطة مشمولين بنفس المحبة الإلهية بلا تفرقة، وبالتالي كان سيحب نفسه والآخرين بنفس المحبة، بل سيحب الخليقة غير العاقلة أيضاً بنفس المحبة، كان سيحب للآخر ما يحبه لنفسه ويتعامل معه بما يريد أن يُعامل به، كان سيرى أن عطاء الله للآخر لا ينتقص من عطاء الله له شيئاً، وبالتالي لن تتولد في داخله أية مشاعر سلبية حين يرى الآخرين ينعمون ببركات إلههم التي ينعم هو أيضاً بها بلا تفرقة.

لكن بعد سقوط الإنسان وخروجه من محضر الله لم يعد يرى الأمور بحسب عيني الله، تحول مركز الرؤية عنده من الله إلى ذاته، أصبح يرى كل الأشياء بالقياس إلى ذاته وبالعلاقة مع نفسه، الذات أصبحت إلهه الحقيقي ومصدر تقييمه لكل الأمور والأشخاص من حوله، أصبح الإنسان يحب ذاته أكثر من أي شيء أو شخص آخر، ويحب أن تكون ذاته في مكان أفضل وأعلى من أي شيء أو شخص آخر، وبالتالي أصبح من المستحيل أن يحب للآخرين ما يحبه لنفسه، لأنه ببساطة أصبح يحب نفسه أكثر من كل الآخرين!!

في داخل كلٌ منا ذات تحسب أن من حقها الحصول على كل شيء، ولذلك هي لا تعرف روح الشكر الحقيقي إذا حصلت على أي شيء لأنها تعتبره حقاً مشروعاً، وفي المقابل تشعر بالغيرة الشديدة إذا أخذ الآخرون أي شيء لأنها تعتبر أن كل ما يحصل عليه الآخرون هو انتقاص من حقها!! ذواتنا تقضي حياتها كلها تحاول أن تجمع وتضم إلى نفسها كل الأشياء والأشخاص المحيطة بها، حتى الأشخاص تعتبرهم ملكية خاصة لها ينبغي أن يعملوا لراحتها ومجدها!! بل الأدهى أنها إذا دخلت إلى المجال الكنسي تتعامل مع الله نفسه باعتباره إضافة لتحقيق إرادتها، ونراها تثور وتنزعج إذا لم يستجب الله لإرادتها ولم يحقق لها مشيئتها، في داخل كنائسنا لم نعد نرى مؤمنين يدورون في دائرة مركزها الله بل أصبحنا نرى مؤمنين يحاولون أن يجعلوا الله يدور في دائرة مركزها ذواتهم!!

لهذا السبب لم يستطع الإنسان أن يحفظ وصايا الناموس رغم صرامتها والزاميتها، ولنفس السبب لا نستطيع نحن أن نحفظ قانون الرب الذهبي للمعاملات رغم وضوحه وبساطته، إننا لا نستطيع أن نعامل الآخرين بما نريد أن نُعامل به لأننا نريد أن نُعامل بأفضل مما يُعامل به الآخرين وأن نحقق ما لا يحققه الآخرون، نحن نشعر أننا نقف في مكان أعلى من الآخرين ومن حقنا أن ننال مجداً لا يناله الآخرون!!

الحق هو أننا نحتاج أن نتحرر من عبودية ذواتنا ونعود لندور في دائرة مركزها الله وليس الذات، نحتاج أن نرى أنفسنا والآخرين بعيني الله الذي يرى الكل بنفس المحبة والعطاء، عندئذ فقط سنستطيع أن ننظر للآخرين كما ننظر لأنفسنا ونتمنى لهم ما نتمناه لأنفسنا، وهذا الموضوع هو ما يُكمل به الرب حديثه في موعظة الجبل، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الاثنين، 2 مايو 2022

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس ( 1 )

بقلم فخري كرم

    إن القلم يتردد كثيرا قبل الخوض في الحديث عن شخص الروح القدس و القلب يخفق خشية و خشوعا أمام سلطان شخصه العظيم المبارك ، و يشعر الذهن بعجزه وقصوره إزاء أتسع مجده في الأرض والسماء ، ومن أين لنا أن نفحص من هو فاحص لكل شئ حتى أعماق الله ؟! وكيف نلم بأبعاد من يحتوى الكون حكمة واقتدار ؟! ولكن احتياجنا إليه هو الذي يدفعنا للحديث عنه ، وعوزنا الشديد هو الذي يحتم إن نلتمس طريقنا إلى محضره، فعندما تتدهور المستويات الروحية ويخيم ضباب الجهل وظلام الموت على النفوس الغالية ، وتتشقق الأرض عطشًا ولوعة ، فطبيعي إن نصرخ : أين منابع القوة والانتصار ؟ أين ينابيع الماء الحي ؟ أين الروح القدس ؟!

انه هنا

    انه موجود في وسط كنيسته منذ يوم الخمسين ، مازال يعمل مقدسا ومجددا ، مازال يبنى كنيسة المسيح، انه يعمل رغم كل الظلام والجهل والخطية ، مازال أعلى من كل أعمال إبليس ، ومازال أقوى من الموت الضارب أطنابه في كل أرجاء المسكونة . قد يتجاهله الإنسان أو بجهله، قد يقاومه أو يرفضه، لكنه سيبقى دائما عاملا، من خلف الستار أو من أمامه، رغم الظروف أو من خلالها، بهدوء الحمامة أو بحريق النار، لكنه مازال يعمل حتى يقدم للسماء عروسا مزينه تليق بعريسها ملك المجد ، الرب يسوع المسيح ، هل لك نصيب في عمله الدائب هذا .

ما هو عمله؟

    لكي نميز عمل الروح القدس فينا ينبغي ان ننظر نظرة شاملة لعمل الاقانيم الإلهية الثلاثة تجاه الإنسان ، فعمل الروح ليس منفصلا عن عمل آلاب أو الابن بل متكاملا معه :

    إن الآب هو الله مصدر كل العطايا والمواهب، والابن هو الله الذي دفع ثمن هذه العطايا والمواهب حتى نستطيع نحن أن نتمتع بها، بينما الروح القدس هو الله الذي ينقلها من عرش النعمة إلي داخل قلوبنا وحياتنا اليومية نحن أبناء القرن العشرين.

   إن الآب هو الله النار الآكلة الذي يبغض الخطية ويعاقبها، والابن هو الذي حمل الخطية عنا ودفع عقابها كاملا لكي تتاح لنا إمكانية الغفران والتبرير، بينما الروح القدس هو الذي يحمل هذا الغفران والتبرير إلى الضمير المعذب ويمنح اليقين القلبي في كفاية عمل المسيح الكفارى ، حتى أن الإنسان المتمتع بعمل الروح داخله يتمتع دائما بيقين الغفران ولا يخشى الاقتراب من محضر الله القدوس ليس لأنه متكبر بل لأنه مبرر بدم المسيح ، والروح يستأنف عمله فينا بتقديس عملي ، بإماتة أعمال الجسد فينا حتى نصير أكثر فأكثر لائقين لشركة ميراث القديسين في النور .

    إن الآب هو الله القدوس الذي لا يدخل إلى محضره إلا ما هو مقدس وطاهر ، والابن هو الذي صنع لنا ـ بحياته وبموته ـ ثوب البر الذي نستطيع به أن ندخل إلى محضر الله القدوس ، والروح القدوس هو " الترزي "  المبارك الذي يصنع لكل واحد منا ثوب البر الخاص به الملائم لحياته وظروفه ومكانه في جسد المسيح ، وهو الذي يخلع عنا أثواب برنا البالية ويلبسنا ثوب بر المسيح مما يجعل كنيسة المسيح ذات جمال متنوع متكامل فريد .

    إن الآب هو الله محبة ، والابن المتجسد هو الذي أعلن لنا هذه المحبة وترجمها إلى عمل وحياة ، والروح القدس هو الذي ينقلها إلينا في وسط مخاوفنا وضعفنا بل هو الذي ينقلنا إليها رافعا إيانا فوق خوفنا وضعفنا.

    وهكذا نقول إجمالا أنه إذا كان الآب هو الله غاية  طريقنا ، فالابن هوا لله طريقنا ، والروح القدس هو الله رفيق  طريقنا وبهذا نرى إن الاقانيم الثلاثة تعمل لخيرنا في توافق تام ، ولو نقصت شركتنا مع أي منهم لفقدنا الشيء الكثير ، فبدون الآب ليس لنا غاية نصل إليها ، وبدون الابن ليس لنا سبيل للوصول إلى غايتنا ، وبدون الروح القدس ليست لنا القوة للسير في سبيلنا نحو الغاية ( يتبع ) .

الاثنين، 28 فبراير 2022

أحاديث من القلب

 

الأنانيــــة

بقلم : فخرى كرم 

خُلق الإنسان وبداخله إحساس شديد بنفسه وانتماء مطلق لذاته، فالحقيقة المؤكدة في حياة الإنسان منذ ميلاده هي أن انتماءه الأول هو لذاته وليس لأي شيء آخر، وهذه الحقيقة هي ما نسميها «الأنانية»، حيث يحتل ضمير المتكلم «أنا» مكان الصدارة قبل أي ضمير آخر في حياة الإنسان، وبناء على هذه الحقيقة نكون جميعاً بلا استثناء «أنانيين» بشكل أو بآخر، فلا يمكن لأي إنسان منصف أن يدَّعي أنه ليس أناني بدرجة ما!!

أشكال الأنانية

للأنانية أشكال كثيرة منها:

(1) أنانية التفكير: كل إنسان منا يفكر في أي أمر مطروح أمامه من وجهة نظر شخصية للغاية، بحسب ثقافته ونشأته وظروفه الخاصة، ودائماً تفكيره هذا يتفق مع مصلحته ويصب فيها، حتى أنك لو طرحت موضوعاً ما للمناقشة على عشرة أشخاص لوجدت عشرة وجهات نظر مختلفة للموضوع الواحد!! ومن الصعب جداً أن تتطابق وجهتي نظر تمام التطابق، ومن الصعب أن تجعل شخصاً منهم ينظر للموضوع من وجهة نظر شخص آخر، فلكل واحد وجهة نظره التي تتفق مع أسلوب تفكيره «الأناني»، أي المصبوغ بصبغة الذات أو «الأنا»، فمثلاً لو طرحت على الرجال في مجتمع شرقي موضوعاً مثل خروج المرأة للعمل أو الملابس التي ترتديها خارج المنزل أو حقها في طلب الطلاق أو الخُلع من زوجها، لوجدت أن وجهة نظرهم ستكون متشددة بصفة عامة حتى لو تباينت في شدتها من رجل لآخر بحسب الثقافة والظروف الخاصة، أما إذا طرحت ذات الموضوع على النساء فستكون وجهة نظرهن مختلفة كل الاختلاف، فالرجل يفكر في هذه الأمور من منطلق إحساسه ومصلحته كرجل بينما المرأة تنظر إليها في ضوء أحاسيسها ومصلحتها الخاصة، ومن الصعب _إن لم يكن من المستحيل_ أن تجعل وجهات النظر هذه تتطابق.

كثيراً ما نرى رؤساء الدول يجتمعون لمناقشة موضوعات دولية مهمة، ولكننا نادراً ما نراهم يتفقون على رأياً واحداً يلتزمون به، والسبب هو أن كل دولة تنظر للأمر في ضوء مصلحتها وعلاقاتها الخاصة، ومصالح هذه الدول تتشابك وتتعارض كثيراً ولا تتفق إلا نادراً، ولذلك قليلاً ما نرى اجتماعات القمة هذه تتمخض عن قرارات ذات قيمة واستمرارية. 

  والجدير بالملاحظة أن كل طرف يكون مقتنعاً بوجهة نظره إلى حد اليقين ولا يستطيع أن يقبل بغيرها، ومن الصعب أن تزحزح أي طرف عن وجهة نظره لأن وجهة نظره هي إحدى سمات ذاته وكينونته، وهو يشعر أن تنازله عن رأيه هو تنازل عن كيانه ووجوده، وبالأكثر في مجتمعاتنا الشرقية التي تربَّت على أن الشخص القوي هو من يفرض رأيه على كل المحيطين به ولا يخضع لرأي الآخرين، وأن من سمات الرجولة ثبات الرأي وعدم تغيره (حتى بعد اكتشاف خطئه)!! بينما في المجتمعات الأكثر تقدماً يتربَّى الإنسان على احترام حقوق الآخرين ومن ضمنها حق التفكير وإبداء الرأي، وأنه لا يعيب الإنسان أن يصغي للآخرين ويتعلَّم من وجهات نظرهم، وأن الأفضل ليس هو مَن يفرض رأيه على الآخرين بل مَن يستخلص المفيد من كل آراء الآخرين ويكوِّن رأياً يكون الأصلح لجميع الأطراف.

(2) أنانية التصرف: من البديهي أن تتشكل تصرفات الناس بحسب أسلوب تفكيرهم، وإذا كان التفكير «أناني» فلابد أن تتسم كل التصرفات بالأنانية، فقد يتجمل الإنسان أمام الآخرين ويتشدق بكلمات المحبة والتضحية والإيثار ولكن في وقت المحك العملي تجده يتصرف وفق مصلحته وحدها، وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً في وقت الخطر والأزمات، فعندما يتعرض الإنسان للخطر ويُخيَّر بين أن ينقذ نفسه أو شخصاً آخر تجده بتلقائية شديدة يختار نفسه، حتى أن العامة صاغوا هذه الحقيقة في مثل شائع يقول «لو جالك الطوفان حط ولدك تحت رجليك»!!

(3) أنانية المشاعر: عندما يحب الإنسان شخصاً آخر نجده يحاول أن يمتلكه ويضيفه إلى صميم ذاته، ويبدأ يتعامل مع هذا الشخص كما لو أنه صار من متعلقاته الشخصية، ولو تصرف هذا الشخص ببعض الحرية والاستقلالية تعتمل بداخل المُحب ثورة من الغضب والعنف قد تجرح  وتدمر المحبوب، ونسمي هذه المشاعر عادة بمشاعر «الغيرة» التي ما هي إلا التعبير عن أنانية المشاعر وحب الامتلاك، فالأم تتعامل مع أبنائها كما لو كانوا ملكية خاصة بها ولا تريدهم أن يستقلوا عنها حتى بعد الزواج، والزوج أيضاً يتعامل مع زوجته بنفس الأسلوب، والعكس بالتأكيد صحيح، وهذه المشاعر قد تختلف في قوتها وعمقها مش شخص لآخر لكن كل واحد فينا لابد أن يعترف أنه «أناني» بدرجة أو بأخرى!!

القليل من الأنانية... ضروري!!

لكي نكون واقعيين لابد أن نعترف أننا نحتاج إلى القليل من الأنانية في حياتنا، لأن هذا القدر الضروري من الأنانية هو الذي يشكِّل لكل واحد منا شخصيته الخاصة به، فتميُّز الفرد في المجتمع ينشأ من تميُّز أسلوب تفكيره وتصرفاته ومشاعره، ولو فقد الإنسان كل إحساسه بذاته لفقد سمات شخصيته وصار مسخاً بلا ملامح لا يشعر أحد بوجوده في وسط المجتمع، ولو تبنَّى الإنسان وجهات نظر الآخرين على طول الخط لصار نكرة لا يعتد به أحد، فالقدر الطبيعي من «الأنا» ضروري ليكون الفرد متميزاً مفيداً لمجتمعه.

لكن الكثير من الأنانية... ضار جداً!!

ما ينبغي أن نحذر منه هو أن يزيد قدر الأنانية بداخلنا عن حدوده الطبيعية، فيزيد إحساس الفرد بذاته حتى يطغى على إحساسه بذات الآخرين، فلا يستمع الإنسان إلا لصوت نفسه ولا يقتنع إلا بفكره ولا يتصرف إلا لمصلحته حتى لو داس على مصالح غيره، فعندئذ تصير الأنانية وبالاً على الفرد والمجتمع لأنها تجعل كلاً منا يعيش في جزيرة منعزلة لا يشعر فيها إلا بنفسه ولا يرى إلا ذاته، وبالتالي يتفكك المجتمع وتنقطع الروابط بين أفراده وتصير العلاقات بينهم تنافسية وليس تكاملية، حيث يسعى الفرد إلى فرض إرادته ومصلحته على الآخرين بدلاً من محاولة البحث عن مصلحة المجموع، مما يؤدي لنشر الرذائل في المجتمع مثل الغيرة والحسد والكراهية والكذب والخداع والعنف والاغتصاب...الخ، والأنانية بصورتها السلبية هذه ليست فقط ضارة للفرد والمجتمع لكنها أيضاً تتعارض مع فكر الله وإرادته الصالحة التي أعلنها لنا في كتابه المقدس.

ماذا يقول الكتاب المقدس؟

يعلِّمنا الكتاب أن الله يحترم ذاتية الإنسان ويشجِّع تميُّزه وتفرُّده، حتى أنه خلق الإنسان متميزاً على سائر المخلوقات بالإرادة الحرة والقدرة على التفكير والإبداع، ورغم أن الله هو الخالق العظيم إلا أنه لا يفرض إرادته على خليقته بل يترك لنا حرية التفكير واتخاذ القرارات سواء كانت صحيحة أم خاطئة (رؤ3: 20) وهو يعرف كل واحد منا باسمه الخاص أي بسماته الشخصية (أش43: 1، لو10: 20) والرب يسوع استخدم كثيراً في أحاديثه ضمير المتكلم «أنا» لكن بشكل إيجابي وصادق وبدون أي تعالٍ على الآخرين أو تعدٍ على حقوقهم.

من الناحية الأخرى يرفض الكتاب تماماً أن يتحول إحساسنا بأنفسنا إلى أنانية سلبية هادمة، فنراه يحثنا على «إنكار النفس» الذي هو على العكس تماماً من الأنانية (مت16: 24) فإنكار النفس هو عدم البحث عن مصلحة أنفسنا فقط بل عن مصلحة الآخرين أيضاً، ولقد أعطنا الرب يسوع نفسه نموذجاً  يُحتذى به في إنكار النفس عندما رأيناه طوال حياته يتنازل عن راحته لأجل خدمة الآخرين وراحتهم، فرأيناه يسير ساعات طويلة ليتقابل مع نفس متعبة ليريحها (يو4: 6) ورأيناه ينحني عند أقدام تلاميذه ليغسلها (يو13: 5) بل فوق كل شيء رأيناه يحمل الصليب ويقبل الموت لأجل أن يمنحنا الحياة الأبدية (رو5: 6).

فكر الله الصالح لنا هو أن نشعر بأنفسنا في الحدود الإيجابية البناءة دون أن نتحول إلى الأنانية التي تدمر علاقتنا بالآخرين، وأن نسعى لبنيان أنفسنا بكل طريقة ممكنة ومشروعة دون أن نهمل فائدة وبنيان الآخرين أيضاً، وأن ندرك أن نجاحنا هو من نجاح الآخرين وسعادتنا من سعادة الآخرين وأمننا من أمن الآخرين، فنحن لا نعيش في جزيرة مستقلة بل نحن جزء من مجتمع، سواء كان هذا المجتمع هو البيت أو العمل أو الكنيسة أو الدولة، ليت الرب يساعدنا لنكون أفراداً مميَّزين في مجتمعنا نافعين لأنفسنا ولكل المحيطين بنا، آمين.                                                                             

الجمعة، 31 ديسمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (59)

بقلم : فخرى كرم

«فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم

 أيضاً بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء» (مت7: 12)

ها نحن قد وصلنا في دراسة موعظة الجبل إلى تلك العبارة العظيمة التي لخَّص فيها معلمنا الصالح كل وصايا الناموس والأنبياء، العبارة الجامعة المانعة التي رسم لنا فيها ربنا الطريق للبر العملي الذي يتطلع إليه قديسو العلى في كل العصور، العبارة الفارقة التي تميز بين الخير والشر أمام كل ضمير وداخل كل قلب، العبارة التي انحنت أمامها هامات عظماء الرجال فتغيرت حياتهم للأفضل وتركوا بصماتهم الصالحة على تاريخنا البشري، العبارة التي رفضها كثيرون فتجردت حياتهم من كل بر ومضوا في طريق الأرض كلها غير مأسوف عليهم، العبارة التي اصطلحنا على تسميتها «القانون الذهبي للمعاملات الإنسانية»!!

ربنا في كلمات بسيطة وسهلة يطلب منا أن نعامل الأخرين بأفضل ما نتمنى أن يعملوننا به، فاذا كنا نحب أن يقبلنا الناس ويقدروننا فلنقبلهم ونقدرهم، وإذا كنا نرغب أن يصدقنا الناس عندما نتكلم فلنصدقهم عندما يتكلمون، وإذا أردنا أن يخدمنا الناس ويقفوا بجوارنا في وقت احتياجنا فلنساعدهم ونقف بجوارهم في احتياجهم، وإذا كنا ننتظر منهم أن يسامحونا عندما نخطئ ويلتمسون لنا الأعذار فلنفعل معهم نفس الأمر عندما يخطئون في حقنا.

الرب بهذا القانون يضع لنا مقياساً يستطيع الضمير الصالح أن يتدرب به ويقيس عليه تصرفاته ويميز من خلاله ما ينبغي أن يفعله في كل المواقف، والرب يستند في هذا القانون على أساس راسخ في كل نفس إنسانية سوية وهو أن الإنسان الطبيعي السوي يحب نفسه جداً وينتظر أن يتعامل الجميع مع نفسه بأفضل اسلوب ممكن، وبالتالي ينبغي أن يطالب نفسه بأن يعامل الجميع بنفس الاسلوب، ولقد سبق ولخص ربنا كل وصايا الناموس المختصة بالتعامل بين البشر في عبارة واحدة وهي «تحب قريبك كنفسك».

دعونا نتخيل ولو لدقائق حال العالم لو ساد هذا القانون على العلاقات بين الناس جميعاً!! دعونا نتصور للحظات كم الخير والسلام الذي سيسود المجتمعات البشرية لو وجدت كلمات الرب هذه صداها في قلوب الناس!! لا شك أننا كنا سنجد أرضاً جديدة يسكن فيها البر والحق!! لكن للأسف ينبغي أن نستفيق من خيالنا وتصوراتنا سريعاً ونعود إلى واقعنا المرير الذي نعيشه في مجتمعات تموج بالعنف والقسوة والسحق للنفوس التي تحيا فيه، ماهو السبب يا ترى وراء ما وصلنا إليه؟

السبب بكل تأكيد أننا فشلنا أن نعيش هذا القانون الذهبي في علاقاتنا، ألفان من السنين لم نتعلم أن نخضع لكلمات الرب هذه ولم تجد لها صدى في قلوبنا!! ولو سألنا لماذا لم نستطع أن نحيا هذا القانون الذهبي سنجد الإجابة واضحة: أننا نحب أنفسنا أكثر مما نحب الأخرين!! الإنسان يعبد ذاته ويحبها بينما يشعر تجاه ذوات الأخرين أنهم منافسين ينبغي التخلص منهم أو إخضاعهم لفائدة ذاته!! الانسان يحب أن يعامله الجميع بالمحبة لكنه يشعر أنه غير مضطر أن يحبهم، كل واحد منا يقدر نفسه بأكثر من قدرها لكنه في نفس الوقت لا يشعر بالتزام أن يقدر الأخرين بنفس التقدير، إذا أخطأنا ننتظر من الأخرين الغفران لكن إذا أخطأ أحدهم تتحرك فينا كل نوازع الإدانة والرغبة في الإنتقام، كل واحد منا يشعر أن ذاته في كفة وكل ذوات الأخرين في كفة مقابلة، ودائماً كفته هي الأثقل!! ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الاثنين، 6 ديسمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (58)

بقلم : فخرى كرم

«لأن كل من يسأل يأخذ..» (مت7: 8-11)

بعدما حدثنا ربنا عن الصلاة ومستوياتها الثلاث ها هو يشجعنا أن نصلي دائماً وبلا كلل، ولذلك نجده يقدم لنا وعداً مؤكداً أن كل مَن يسأل يأخذ ومَن يطلب يجد ومَن يقرع يُفتح له، لا يمكن أن تضيع صلاتنا أو تذهب أدراج الريح، إننا لا نضارب الهواء بل نتعامل مع إله عظيم يستطيع كل شيء ولا يعسر عليه أمر، إن كل وقت نقضيه في الصلاة أمام إلهنا لابد أن تكون له نتائجه الرائعة.

إيماننا بهذا الوعد ضروري جداً لحياتنا، فالكتاب يعلمنا أن الذي يأتي إلى الله لابد أن يثق أنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه، بل يعلمنا أن كل عملٍ عظيم حدث في تاريخ شعب الله كان وراءه إيمان عظيم تمسَّك بالله العظيم ولم يتركه حتى تدخل في مسار الأحداث صانعاً خيراً واعلاناً عن شخصه (عبرانيين 11). وعلى العكس تماماً تعلمنا كلمة الله أن المرتاب الذي يشك في حصوله على احتياجه من خلال الصلاة لن ينال شيئاً من عند الرب (يع1: 5) فالشك في فاعلية الصلاة هو في الحقيقة شك في وجود الله وصلاحه، وهذا الشك يهين الله ويحزن روحه ويعطل وصول البركة إلينا!!

الرب يؤكد لنا أن صلاتنا لابد لها من إجابة لأنه يعلم أن طبيعتنا التي جُبلنا عليها هي طبيعة نفعية، طبيعتنا لا تُقدم على فعل أمر إلا إذا تأكدت من المنفعة التي ستعود علينا من وراء هذا الفعل، الإنسان لا يمكنه أن يبذل الوقت والمجهود في طريق لا يثق في فائدته ونفعه، وهذا يفسر لنا سبب ضعف حياة الصلاة في أوساط المؤمنين وقلة الوقت الذي يُصرف في الشركة مع الله، فالحقيقة المحزنة هي أننا لم نعد نؤمن جدياً في فاعلية الصلاة، لقد انصرف المؤمنين إلى وسائل أخرى للحصول على ما يريدون وتطلعوا إلى مصادر أخرى لتسديد احتياجاتهم!!

ووعد الرب بالإجابة ليس مجرد محفِّز لا يستند على أساس بل هو يستند على أساس راسخ لا يهتز أبداً، وهذا الأساس هو أبوة الله الصالحة، لذلك يتابع الرب كلامه ويشير إلى موقف سامعيه من أولادهم، كيف أن الأب الأرضي بالطبيعة لا يمكنه أن يجاوب سؤال ابنه للخبز بحجر التجاهل والاحتقار، ولا يمكنه أن يتعامل مع طلب ابنه لسمكة بخبث وسم الحية، فالأب الأرضي مهما كان شريراً إلا أن طبيعته تدفعه أن يعطي عطايا جيدة لأبنائه، فكم بالحري الآب السماوي كلي الصلاح يهب خيرات للذين يسألونه، إن أبانا السماوي لا يمكنه أن يغلق أحشاءه تجاه واحد من أولاده يسأل احتياجه بثقة وإيمان!!

لكن لابد أن نلاحظ هنا أن ربنا لا يؤكد أننا بالضرورة سنأخذ نفس الأشياء التي نسألها لكنه يؤكد أن أبانا السماوي سيمنحنا «خيرات» بحسب أبوته الصالحة، فكثيراً ما يطلب الأبناء أشياءً ليست لخيرهم بل أحياناً تكون لضررهم وضرر المحيطين بهم، فنحن كثيراً ما نخطئ في تمييز احتياجاتنا الحقيقية ونلح في طلب أمور لا يرى الله أنها احتياجنا الحقيقي، فلا ننتظر من الآب الصالح أن يعطينا نفس الأشياء الضارة التي نطلبها لكنه بالتأكيد سيعطينا «الخيرات» التي نحتاج إليها فعلاً!! فإذا كان الأب الشرير لا يمكنه أن يعطي حجراً لابنه الذي يسأله خبزاً فالآب السماوي إذا سأله ابنه بجهلٍ حجراً ليأكله فسيعطيه خبزاً!! فأبونا يعلم ما نحتاج إليه أكثر مما نعرف نحن، ومشاعره تجاهنا أكثر صلاحاً من مشاعرنا تجاه أنفسنا!! ليتنا نثق في أبينا الصالح ولا نكف أبداً عن الصلاة في كل وقت ولأجل كل شيء!! وللحديث بقية (يتبع) 

السبت، 6 نوفمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (57)

بقلم : فخرى كرم 

«اقرعوا يُفتح لكم» (مت7: 7)

بعدما تحدث ربنا عن مستوى «السؤال» ومستوى «الطلب» نجده يتحدث عن المستوى الثالث في العلاقة مع الله ألا وهو «اقرعوا يُفتح لكم». وهنا لابد أن نسأل: على أي باب نقرع؟ هل نقرع على باب الله لكي يفتح لنا؟ حاشا! فالرب يكلمنا باعتبارنا أبناء الآب السماوي، أي أننا داخل البيت وليس خارجه، بل أننا بيته الروحي وهيكل حضوره على الأرض، الله بنفسه يسكن بداخلنا ولا يوجد بيننا وبينه أبواباً مغلقة. إذاً القرع هنا لا يمكن أن يكون على باب الله، وهذا يدفعنا للسؤال مرة أخرى: على أي باب نحن نقرع؟

ولكي نجيب على هذ السؤال لابد أن نسترشد بربنا نفسه وهو يقول «هنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه» (رؤ3: 20) على أي باب يقرع ربنا هنا؟ انه يقرع على الباب الروحي المغلق على النفس الإنسانية لعلها تستفيق من ضلالها وتفتح له، وهذا يقودنا لسؤال جديد: هل الكتاب المقدس يعلمنا أن هناك أبواب روحية مغلقة بين الله والنفس الإنسانية؟! والإجابة بكل تأكيد هي: نعم!! يقول الرسول «الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة انجيل مجد المسيح» (2كو4: 4) إبليس يستخدم قواته الروحية الشريرة لكي يغلق على أذهان وأرواح الناس حتى لا تصل إليهم كلمة الله ولا يفهموها ولا يسلكوا في طريق الخلاص.

ولقد أشار ربنا إلى هذه الأبواب عندما قال «على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت16: 18) من البديهي أن الرب لم يقصد أن أبواب الجحيم ستهاجم الكنيسة ولن تقوى عليها لأننا نعلم أن الأبواب لا تهاجم أحداً، لكن الرب قصد أن الكنيسة ستهاجم أبواب الجحيم وستقرع عليها لكي تنفتح وتتحرر النفوس المأسورة بالداخل، ووعد الرب لنا أن أبواب الجحيم لن تقوى أمام هجوم الكنيسة وستنفتح وتتحرر النفوس المسجونة بداخلها بقوة عمل الإنجيل.

ولعل أفضل تجسيد لهذه الأبواب الجهنمية ما نقرأه في سفر دانيال عن الرؤساء الروحيين الأشرار الذين يغلقون الأجواء الروحية فوق العالم لكي لا تصل كلمة الله إلى الناس (دا10: 13) حتى أنهم استطاعوا أن يؤجلوا وصول كلمة الله إلى دانيال لمدة ثلاثة أسابيع كاملة!! هناك قوات شيطانية كثيفة تعمل ليلاً ونهاراً لكي تظل كلمة الله بعيدة عن أذهان الناس وأرواحهم، وإبليس يستخدم في هذا كل الأكاذيب والأفكار الشريرة والتعاليم المضللة..، وأن نقرع على هذه الأبواب المغلقة يعني أن نخوض في صلواتنا وخدماتنا حرباً روحية على كل الأفكار والظنون التي ترتفع ضد معرفة الله، ونستأسر كل فكر إلى طاعة المسيح (2كو10: 5)

عندما كان ربنا على الأرض كان يجول يقرع على هذه الأبواب، بتعاليمه التي أنارت الأذهان ولمساته الحانية والشافية انفتحت أبواب الجحيم وانطلقت النفوس متحررة من سلطان إبليس (أع10: 38) وها هو يشرفنا بأن يدعونا لكي نقرع معه، ولنا الوعد أن أبواب الجحيم لن تقوى أمامنا وستنفتح لنا وسنختطف من النار نفوساً تعرف الله وتخلص (يه23)

الرب في هذا المستوى من الصلاة ينقلنا من الانحصار في احتياجاتنا وظروفنا الضيقة ويفتح أمامنا مجالاً أرحب وهو الاهتمام بالنفوس المأسورة المحيطة بنا، من خلال صلواتنا وخدماتنا المُقادة بالروح القدس نستطيع أن نفتح أبواباً كثيرة مغلقة ونحرر نفوساً كثيرة محرومة من النور والحرية، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 9 أكتوبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (56)

بقلم : فخرى كرم 

«اطلبوا تجدوا» (مت7:7)

بهذه الكلمات ينقلنا الرب إلى مستوى آخر في العلاقة مع الله يختلف عن مستوى «اسألوا تُعطوا»، فالكلمة «اطلبوا» تعني السعي الدؤوب للوصول إلى غرض ما، فلا يظن أحد أن علاقتنا مع الله هي فقط أن «نسأل» منه بعض الأمور فيعطينا إياها، حياتنا تمتلئ بأمور لا يمكننا أن نسألها بل ينبغي أن نبذل قصارى جهدنا للوصول إليها، ولذلك نجد أن إجابة «اسألوا» هي «تُعطوا» بينما إجابة «اطلبوا» هي «تجدوا»، أي أن هناك أمور لا يمكن لأحد أن يعطيها لنا بل ينبغي أن نسعى نحن لكي نجدها لأنفسنا.

مشكلة كبيرة في وسط شعب الرب أنهم يعتقدون أن الصلاة هي أن يقفوا ليعددوا احتياجاتهم أمام الله وينتظرون أن يضعها الله في أيديهم بشكل معجزي دون أن يبذلوا أي مجهود في سبيل ذلك، أنظر إلى معظم صلواتنا سواء الفردية أو الجماعية تجدها عبارة عن قائمة بالطلبات التي ننتظر أن يسكبها الله علينا من السماء ونحن في أماكننا لا نبرحها!! هذا تصور ساذج عن الصلاة، ولا غرابة إن كان انتظارنا يطول دون الحصول على أي شيء مما نطلبه!!

الفضائل الروحية في حياتنا مثل القداسة والمحبة والسلام.. الخ، كلها أمور لا يمكننا أن نسألها من الله وننتظر أن تتحقق في حياتنا بدون مجهود منا، لكنها تحتاج منا إلى جهاد روحي متواصل لا يفتر ولا يكل، نحتاج في كل يوم أن نقترب إلى إلهنا أكثر، ونمتلئ من روحه أكثر، ونتغذى على كلمته أكثر، ونقاوم الخطية المحيطة بنا أكثر، ونتسلح بكل وسائط النعمة المتاحة لنا أكثر!! هذه الفضائل يسميها الكتاب «ثمر الروح» (غل5: 22) وكلمة «ثمر» تؤكد هذه الحقيقة، فالفلاح لا يحصد الثمر بمجرد الدعاء بل ينبغي أن يجتهد ويتعب في زراعة بذور جيدة ويستمر يرعاها في كل يوم، ويعتني بالبراعم وهي تنمو، ويقاوم كل الآفات الضارة بالنبات، وهكذا يستمر بلا كلل حتى يأتي وقت الحصاد فيجمع «ثمراً» جيداً.

الله يريد أن يزرع في حياتنا كل القيم الروحية الثمينة لكي نكون مشابهين صورة ابنه، وروحه القدوس يتعامل معانا كل يوم لتحقيق هذا الغرض، ولكن نحن مسئولون عن التجاوب مع عمل الروح القدس وإتاحة الوقت والإمكانية ليتمم عمله فينا.

 لنفترض أن هناك مؤمن يصلي بلجاجة لأجل امتلاك القداسة في حياته ولكنه في نفس الوقت لا يعطي وقتاً كافياً للوجود في محضر الله القدوس (مت6:6) ولا يصرف وقتاً كافياً لدراسة الكلمة المقدسة لتسكن بغنى في ذهنه (كو3: 16) ولا يبذل مجهوداً كافياً للانتصار على الخطية المحيطة به بسهولة (عب12: 4) ومن الناحية الأخرى نجده يعطي ساعات طويلة يتجول بعينه وذهنه في وسائل التواصل الاجتماعي التي تمتلئ بروح العالم بكل شروره وأكاذيبه، ويترك الوقت يتسرب منه بسهولة وهو منشغل في علاقات افتراضية رخيصة ومزيفة، هل نتوقع أن يحصل هذا المؤمن على حياة القداسة الحقيقية مهما استمر يصلي لأجلها لسنوات؟ كلا بالتأكيد!! لأنه يظن أنه سيحصل على حياة القداسة بمجرد «السؤال» من الله بينما الحقيقة أنه لابد أن «يطلب» القداسة ويسعى باجتهاد في سبيلها.

ليت الرب يعلمنا كيف ننتقل بصلواتنا من مستوى السؤال إلى مستوى الطلب، ليته يرى في حياتنا الجدية والالتزام والاجتهاد فيكلل حياتنا بالإثمار والبركة!! وللحديث بقية (يتبع)