الأربعاء، 11 مايو 2022

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس (4 )

بقلم : فخرى كرم

تابع " حزن الروح " (أف 4 :30)

روتينية العبادة

    قلنا سابقا أن الروح هو الذي يستحضر أمام أرواحنا مجد الله ، وهو الذي ينقل النفس إلى آفاق الشركة الحية مع الآب والابن انه هو الذي يجعل محبه الآب حقيقة واقعة نحس بدفئها ، وهو الذي يجعل صليب المسيح قوه حقيقية تطهر الحياة وتصلب الجسد وتميت العالم في نظر المؤمن ، وهكذا تكون شركتنا مع الآب والابن شركه متجددة مثمرة ، تنقل النفس فى كل يوم إلى آفاق جديدة من مجد إلى مجد إلى صورة المسيح عينها .

    لكن إذا حزن الروح بداخلنا فان هذه الحيوية والجدة تتسرب من حياتنا شيئا فشيئا ، وقد يستمر المؤمن في ممارسة حياه العبادة ، إلا أنها تصبح هيكلا جميلا من الخارج بينما هو من الداخل خاو بارد مظلم !! تماما كما حدث مع الهيكل القديم عندما خرج منه يسوع حزينا إذ أصبح مجرد حجارة ينبغي أن تنقض ولا يبقى فيها حجر على حجر !! وكل العبادات والفرائض والأعياد باتت جوفاء لا قيمه لها رغم أنها نفس العبادات التي أوصى بها الله قديما ، لكن الخطأ ليس في العبادات بل في فقدان الروح والمعنى والقيمة !!

    وحزن الروح يكون تدريجيا في معظم الأحوال مما يصعب ملاحظته وسط ضجيج الحياة ، ولا يفيق المرء إلا عندما يجد حياته الروحية وقد أصبحت مجرد ممارسات روتينية لا يجد فيها لذة ولا تضيف جديدا إلى قامته الروحية ، بل قد تصل إلى كونها ثقلا يمل حمله !!

فراغ الكرازة

    بما أن فاقد الشيء لا يعطيه ، فان فاقد الشركة الحية مع الله لا يستطيع أن يقود الآخرين إلى شركه حية مع الله !! إذا كانت محبة الله قد أصبحت بالنسبة لي مجرد حقيقة باردة فكيف أقنع الآخرين بدفء هذه المحبة ؟! فان أصبحت دماء المسيح مجرد حقيقة لاهوتية في ذهني فكيف أجعلها تغدو حقيقة عملية في صميم حياة الآخرين ؟! وإذا كان الخلاص قد أصبح نظرية أؤمن بها رغم خلو حياتي من تأثيرها ، فكيف يمكنني أن أجعل الخلاص قوه مجددة لحياة الآخرين ؟!

    عندما يحزن الروح داخلك فان الخدمة ـ لو استمرت ـ تصبح نشاطا خاليا من الثمر ، أقوال خالية من المفعول، وفى أفضل الأحوال قد تستطيع أن تستثير مشاعر الناس لكنك لن تستطيع تجديدهم ، وقد تجعلهم يحبونك لكنك لن تجعلهم يحبون الله !!

السقوط أمام الأعداء

    لا يستطيع إنسان أن يثبت أمام مثلث الشر ـ إبليس والعالم والجسد ـ إلا بقوة وحكمة الروح القدس ، وان حزن الروح فان المؤمن يجد نفسه ضعيفاً أمام كل روح ردئ ، ومعرضا لكل قوة غاشمة تنبع من داخله أو تأتيه من العالم الخارجي ، والأمور التي كانت تبدو له صغيرة في الماضي أصبحت جبالا يصعب تخطيها ، والخطايا التي ظن أنها باتت غير موجودة تهاجمه بضراوة ، ويصبح نفسا هزيلة يمكن خداعها بسهوله ويغدو سقوطها أكيدا ، وهكذا تصبح الحياة سلسلة من السقوط والقيام وأحيانا من السقوط والسقوط !!                                          

فقدان الدافع للتضحية

     فيما مضى كان هناك دافع قوى للتضحية بالوقت والمال والصحة من أجل الله وخدمته ، أما في زمن حزن الروح  فالمرء يفقد الدافع للبذل ويشعر أنه لا يوجد ما يستحق التضحية ، وتبدأ النفس تبخل بالعطاء إلا إذا كان هناك مقابل منظور ، بل أنها تندم على ما بذلت من وقت ومال واحترام الناس ، ولا تعود تقدم إلا من فضلالتها  بعدما تقدم من أعوازها !!       

الانحراف عن التعليم الصحيح

إذا بلغ حزن الروح إلى انطفاء الروح فعندئذ يبدأ الذهن يحتل مركز القيادة في حياة الإنسان ، وما أخطر أن يخضع الإنسان لقيادة  ذهن غير خاضع للروح القدس !! لأن الذهن البشرى يميل بطبعه إلى الابتعاد عن فكر الله ، وهذا هو منشأ كل التعاليم الغربية  والممارسات الجسدية والهرطقات اللاهوتية التي أصبحت المسيحية في كل عصورها ، إنها نتائج الفكر " البرى " غير المروض وغير الخاضع للروح القدس . 

إن الفكر البشرى يميل إلى وضع قوانين ونظم للحياة والعبادة ولا يفهم كيفية السلوك بالروح ، وهو يرتاح إلى روتينية حياته وينزعج ما يسمى بإرشاد الروح !! حقا أنها نهاية بشعة يتردى إليها الإنسان مبتعدا عن الله ، وقد بدأت فيه حين بحزن الروح داخله ، إن أي ثعلب صغير نتركه داخلنا يستطيع أن يفسد كلها !!


أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (3)

بقلم: فخري كرم


حزن الروح (أف 4 :30)

بادئ ذي بدء نقول إن لفظة " حزن " الروح تنفى إن الروح هو مجرد قوة أو تأثير أو إرشاد فهذه كلها تأثيرات لا يمكن أن تحزن!! وهي في نفس الوقت تعنى أن الروح هو شخص رقيق الإحساس يحزنه ألا يتجاوب الإنسان مع تعاملاته التي تهدف لخيره وبركته. 

    لقد أتى الروح إلى الأرض لكي يمجد الرب يسوع المسيح ويذكّرنا بكل ما قاله، ويملأ حياتنا بثمار فداء الصليب، ولكي يتمم هذه الأهداف يحتاج أن نعطيه الفرصة والوقت اللازمين لذلك، بأن نسلم له الذهن كي يملأه بفكر الله ولا نعود نتشبث بأفكارنا البشرية الباليه. وان نسلّم لمن له زمام الحياة كي يخططها كيفما شاء ولا نعكف على السير في الطرق التي نراها ممهدة أمام عيوننا القاصرة. وان نعطيه مشاعرنا لكي يشكل فينا كيانا يمجد الله في كل نبضات قلبه، كيان يبغض الخطية ويحب البر، ويميت فينا كل الأحاسيس التي تنتمي لعالم البغضة والحسد والشهوة. وانه يريد أن نمكث وقتا كافيا أمام الكلمة المقدسة لكي يستطيع أن ينقل روحها وحياتها إلى داخل قلوبنا. ويريد أن نعطيه الخضوع الكامل حين يبكتنا على أية خطيه، فنقدم توبة صادقه ونتنظر أمامه حتى يطلقنا بسلام الغفران والتطهير، ولكن.. إذا تشبثنا بأفكارنا القديمة واصررنا على السير في طرقنا البشرية التي نعتقد بصحتها، وعندما يأمرنا الروح بشيء لا يتفق مع إرادتنا نتجاهله أو نحاول تعديله ليلائم فكر الإنسان لكيلا نخسر احترام الناس ولا نعرض أنفسنا للألم، فعندئذ يحزن الروح. 

وعندما نترك أحاسيسنا " البرية " تنمو بداخلنا دون أن نحكم عليها في ضوء الروح، ونترك القلب مرتعا لمحبة العالم والعين الشريرة والحقد والتعصب والكبرياء والشهوة، ونحاول إن نسمى هذه الخطايا أسماء جميلة فنطلق على محبة العالم " ضرورات اجتماعيه " وندعو التعصب " التمسك بالحق " والعين الشريرة نسميها " فطنة وذكاء " … وعندما يحاول الروح القدس اقتحام كل هذه المشاعر ويستبدلها بمشاعر جديدة مسالمة وديعة طاهرة ولا يستطيع، فعندئذ يحزن الروح. 

    عندما لا نصرف وقتا كافيا كل يوم أمام الكلمة المقدسة كتلاميذ منتظمين في مدرسة الله، ونسمح لهموم الحياة أن تسرق الوقت والاهتمام، حتى في الوقت القليل الذي نقرأ فيه الكتاب المقدس يكون الذهن مجهدا والروح منطفئة والقلب مهموما، فلا يجد الروح فرصته ليستخرج كنوز الكلمة ويضعها في حياتنا، عندئذ أيضا يحزن الروح. 

    وبالإجمال نقول إن الروح لن يتحرك في داخلنا إلا في الحدود التي نسمح له بها!! إذا كان التسليم ناقصا والإرادة عاصية والوقت قصيرا. عندئذ تكون فرصة عمل الروح فينا ضيقة ومحدودة، رغم إن مشيئة الله هي أن يعمل الروح فينا في كل لحظة، وهذه المحدودية في تعامل الروح نسميها " إحزان الروح " الذي باستمراره يؤدى إلى " إطفاء الروح “!! 


إطفاء الروح (1 تس 5 :19)

إذا سمحنا لفكر العالم أن يسيطر على أذهاننا، وأهملنا معاملات الروح مرة تلو الأخرى، يأتي وقت يكف الروح عن العمل بداخلنا ويسلمنا إلى فكر قلوبنا لنفعل مشيئات الجسد والأفكار، ونسير بمرأى أعيننا. 

ووقتها يشعر المرء إن الأمور أصبحت على ما يرام!! فهو لم يعد يشعر بتبكيت ومعاناة عند كل خطوة كما كان يحدث سابقا، وبات يتمتع بسلام كاذب هو في الحقيقة تبلد للضمير وانطفاء للروح!! وعندئذ يبدأ الذهن البشرى يحتل مكان القيادة بدلا من الروح ليقود الإنسان بعيدا عن مشيئة الله. وقد لا تتوقف الحياة الروحية الظاهرة لهذا الشخص بل قد يزداد إنتاجه ونشاطه لكن للأسف جاف وخال من لمسة الروح المحيية. 

    إن الكثيرين جدا في كنائسنا وجمعياتنا يفتقدون فرحة الخلاص الأولى ويتذكرون بالأسى أياما كان فيها الروح عاملا في حياتهم مرشدا ومعزيا ومطهرا، ولكنهم أصبحوا الآن مكتفين بالنذر الضئيل من لمسات الروح كل حين وآخر، أنهم لا يعلمون أن الروح حزين فيهم ولابد لهذه المشكلة من حل.

الخميس، 5 مايو 2022

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس (2)

بقلم : فخرى كرم

    تحدثنا في المرة المسابقة عن عمل الهنا المثلث الأقانيم تجاه الانسان ودعونا الآن نتكلم عن تجاوب الانسان مع عمل الله ، ان الله ينتظر تجاوبا مع محبته وعطائه ، الله ينتظر محبة الانسان وخضوعه وطاعته ، فالعلاقة مع الله ينبغي أن تكون متبادلة ، أخذاً وعطاء ، وهذا ما نسميه  "الشركة" .

 

ما هي الشركة؟

الشركة هي اتجاه القلب ــــ بكل ما فيه  ــــ نحو الله .

 

       البعض يظن أن علاقتنا بالله هي صلوات واعمال ينتظر الله ان نقدمها سواء كانت نابعة من واقع حياتنا أم لا، لذلك نجد الحياه تدور في جانب بينما العبادة تتم بصورة روتينية في جانب آخر  ، القلب يموج طول اليوم بالعديد من المشاعر ، هذا خوف ، وهذا ألم ، وهذا حزن .. الخ، فالانسان يتفاعل مع أحداث اليوم بمئات الأحاسيس والمشاعر لكن عندما يأتي ليقف أمام الله في الصلاة تجده يضع كل هذه الأحاسيس جانبا ــ  ربما لإدراکه انها لا تليق  ــ  ثم يبدأ في ترتیب کلمات جميلة وطلبات مقدسة لا علاقة لها بكل ما حدث أثناء اليوم !  ولو كانت الصلاة على مسمع من آخرین لاخترنا لها التعبيرات التي تنتزع ( الأمين ) من افواه اخوتنا !! ولا بأس من سرد أكبر   قدر من الحقائق الكتابية !! هل هذه شركة أمينة مع الله ؟ كلا ، أن الله لا يرید صلاة غير  تلك الموجودة في قلوبنا فعلا ، ولا يسر بعواطف إلا بتلك التي تتحكم فينا بقية يومنا ، وإلا صح فينا القول  <<يقترب إلى هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً >>  ( مت 15 : 8 ) إن الشركة التي يريدها الله هي أن نسكب امامه محتوي قلوبنا أولا بأول ، نخضع امامه دائما كل أحاسيسنا  حتى تلك التي نشعر أنها خاطئة ، لا ينبغي أن نختبيء من إلهنا ولا نحاول خداعه . وهكذا يجب أن يكون ذهننا مكشوفا امامه دائما بكل افكاره وخططه وشكوكه ، ونترك نور الله الفاحص يتخلل أذهاننا ويحكم فيها ، هذه هي الشركة .

و في جو الشركه الحميمه ليست الكلمات هي أداة التعبير الوحيده بل أحيانا كثيرة تتحدث الدموع و الأنّات بلغه غاية في البلاغه !!

 

الشركة مع الآب ( 1يو 1 : 3 )

     أما من جهة شركتي مع الآب ، كم يحلو لي ان أرتمي في أحضان الآب الذي أحبني وأعد لي كل الخير ، وانتظر  رجوعی وأنا بعد في الكورة البعيدة ، ورتب لى فداء كاملا يضمن قبولي حين عودتي .

    في أحضان الآب اصغي الى الحان المحبة والحنان ، واستشعر الحماية الأبوية ، وألتمس الذراع القديرة التي تحرك الكون كله لخيري ، ما أطيب أني  بين منكبيه أبیت ، لا توجد قوة تمنعنى عن حضن أبي !!

الشركة مع الابن ( 1 يو 1 : 3 )

    والشركة مع الابن هي سجودی لمن اخلى نفسه کي يقتفي أثري في دروب ارض الخطية ، وقد بحث عني مستهينا بالخزي و الألم ، ولم يأنف من الخوض في ظلمات خطيتي حتى دفع ثمن رجوعي دما وعذاباً ، ثم حملني علي منكبيه عائداً بي الى المنزل ،  أنه الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن الخراف .

     إن اعظم لحظات حياتي هي تلك التي اقضيها عند قدميه في حب وغرفان ، استمع لكلمات النعمة الخارجة من فمه ، واتفرس في جماله حتی ينطبع بعض منه علی حیاتي . انه الهي الذي ظهر في الجسد حتى أستطيع أن أراه وأقترب منه ، ولولاه لظل الله بعيدا لا سبيل لمعرفته . ان دماه ودموعه ستظل حيه ساخنة في حياتي كل يوم ، وستظل موضوع سجودی و عبادتی طوال الزمن و الابدية .

الشركة مع الروح القدس (۲ کو 12 : 14 )

    اما شركتي مع الروح القدس فهي خضوعي الكامل لإرشاده وتبكيته و تقديسه وتعليمه في حياتي اليومية . هي تسليم الذهن اليه کی يجدده بحسب فكر الله ، هي الاتكال على حكمته وقوته في مواجهة أمور الحياة .

     إن الروح القدس هو الذي يمسك بيدي ويدخلني الى شركتي مع الآب والابن ، أنه يستحضر امام روحي محبة الآب و قداسته ، ومحبة الابن و فداءه  ویعلمنى كيفية التجاوب معهما ، وهكذا تتعمق شرکتى مع الآب والابن ، ای انه كلما ازدادت شرکتی مع الروح القدس ازدادت بالتالي مع الآب والابن ، . العكس ایضا صحيح للاسف ، (يتبع)

 

 

الثلاثاء، 3 مايو 2022

أحاديث من القلب

 دى آخرة مقالة للأخ : فخرى كرم ...كتبها قبل انتقاله مباشرة  برسالة الخلاص

موعظة الجبل (60)

بقلم : فخرى كرم

 

«فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم» (مت7: 12)

هذا القانون الذهبي للتعامل يفترض في أساسه أن يحب الإنسان قريبه مثلما يحب نفسه، ويعامله كما يحب أن يُعامل هو شخصياً، وكلمات هذا القانون رغم بساطتها ووضوحها إلا أنها تبدو صعبة جداً في تنفيذها إن لم تكن مستحيلة، والسبب ببساطة هو التشوه الذي أصاب طبيعتنا بعد السقوط.

 عندما خلق الله آدم كان من المفترض أن يعيش آدم في شركة مع الله، يرى الأمور بعيني الله ويحكم فيها بعدله ويصنع فيها مشيئته، لو استمر آدم في هذا الوضع كان سيرى نفسه وكل الخليقة المحيطة مشمولين بنفس المحبة الإلهية بلا تفرقة، وبالتالي كان سيحب نفسه والآخرين بنفس المحبة، بل سيحب الخليقة غير العاقلة أيضاً بنفس المحبة، كان سيحب للآخر ما يحبه لنفسه ويتعامل معه بما يريد أن يُعامل به، كان سيرى أن عطاء الله للآخر لا ينتقص من عطاء الله له شيئاً، وبالتالي لن تتولد في داخله أية مشاعر سلبية حين يرى الآخرين ينعمون ببركات إلههم التي ينعم هو أيضاً بها بلا تفرقة.

لكن بعد سقوط الإنسان وخروجه من محضر الله لم يعد يرى الأمور بحسب عيني الله، تحول مركز الرؤية عنده من الله إلى ذاته، أصبح يرى كل الأشياء بالقياس إلى ذاته وبالعلاقة مع نفسه، الذات أصبحت إلهه الحقيقي ومصدر تقييمه لكل الأمور والأشخاص من حوله، أصبح الإنسان يحب ذاته أكثر من أي شيء أو شخص آخر، ويحب أن تكون ذاته في مكان أفضل وأعلى من أي شيء أو شخص آخر، وبالتالي أصبح من المستحيل أن يحب للآخرين ما يحبه لنفسه، لأنه ببساطة أصبح يحب نفسه أكثر من كل الآخرين!!

في داخل كلٌ منا ذات تحسب أن من حقها الحصول على كل شيء، ولذلك هي لا تعرف روح الشكر الحقيقي إذا حصلت على أي شيء لأنها تعتبره حقاً مشروعاً، وفي المقابل تشعر بالغيرة الشديدة إذا أخذ الآخرون أي شيء لأنها تعتبر أن كل ما يحصل عليه الآخرون هو انتقاص من حقها!! ذواتنا تقضي حياتها كلها تحاول أن تجمع وتضم إلى نفسها كل الأشياء والأشخاص المحيطة بها، حتى الأشخاص تعتبرهم ملكية خاصة لها ينبغي أن يعملوا لراحتها ومجدها!! بل الأدهى أنها إذا دخلت إلى المجال الكنسي تتعامل مع الله نفسه باعتباره إضافة لتحقيق إرادتها، ونراها تثور وتنزعج إذا لم يستجب الله لإرادتها ولم يحقق لها مشيئتها، في داخل كنائسنا لم نعد نرى مؤمنين يدورون في دائرة مركزها الله بل أصبحنا نرى مؤمنين يحاولون أن يجعلوا الله يدور في دائرة مركزها ذواتهم!!

لهذا السبب لم يستطع الإنسان أن يحفظ وصايا الناموس رغم صرامتها والزاميتها، ولنفس السبب لا نستطيع نحن أن نحفظ قانون الرب الذهبي للمعاملات رغم وضوحه وبساطته، إننا لا نستطيع أن نعامل الآخرين بما نريد أن نُعامل به لأننا نريد أن نُعامل بأفضل مما يُعامل به الآخرين وأن نحقق ما لا يحققه الآخرون، نحن نشعر أننا نقف في مكان أعلى من الآخرين ومن حقنا أن ننال مجداً لا يناله الآخرون!!

الحق هو أننا نحتاج أن نتحرر من عبودية ذواتنا ونعود لندور في دائرة مركزها الله وليس الذات، نحتاج أن نرى أنفسنا والآخرين بعيني الله الذي يرى الكل بنفس المحبة والعطاء، عندئذ فقط سنستطيع أن ننظر للآخرين كما ننظر لأنفسنا ونتمنى لهم ما نتمناه لأنفسنا، وهذا الموضوع هو ما يُكمل به الرب حديثه في موعظة الجبل، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الاثنين، 2 مايو 2022

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس ( 1 )

بقلم فخري كرم

    إن القلم يتردد كثيرا قبل الخوض في الحديث عن شخص الروح القدس و القلب يخفق خشية و خشوعا أمام سلطان شخصه العظيم المبارك ، و يشعر الذهن بعجزه وقصوره إزاء أتسع مجده في الأرض والسماء ، ومن أين لنا أن نفحص من هو فاحص لكل شئ حتى أعماق الله ؟! وكيف نلم بأبعاد من يحتوى الكون حكمة واقتدار ؟! ولكن احتياجنا إليه هو الذي يدفعنا للحديث عنه ، وعوزنا الشديد هو الذي يحتم إن نلتمس طريقنا إلى محضره، فعندما تتدهور المستويات الروحية ويخيم ضباب الجهل وظلام الموت على النفوس الغالية ، وتتشقق الأرض عطشًا ولوعة ، فطبيعي إن نصرخ : أين منابع القوة والانتصار ؟ أين ينابيع الماء الحي ؟ أين الروح القدس ؟!

انه هنا

    انه موجود في وسط كنيسته منذ يوم الخمسين ، مازال يعمل مقدسا ومجددا ، مازال يبنى كنيسة المسيح، انه يعمل رغم كل الظلام والجهل والخطية ، مازال أعلى من كل أعمال إبليس ، ومازال أقوى من الموت الضارب أطنابه في كل أرجاء المسكونة . قد يتجاهله الإنسان أو بجهله، قد يقاومه أو يرفضه، لكنه سيبقى دائما عاملا، من خلف الستار أو من أمامه، رغم الظروف أو من خلالها، بهدوء الحمامة أو بحريق النار، لكنه مازال يعمل حتى يقدم للسماء عروسا مزينه تليق بعريسها ملك المجد ، الرب يسوع المسيح ، هل لك نصيب في عمله الدائب هذا .

ما هو عمله؟

    لكي نميز عمل الروح القدس فينا ينبغي ان ننظر نظرة شاملة لعمل الاقانيم الإلهية الثلاثة تجاه الإنسان ، فعمل الروح ليس منفصلا عن عمل آلاب أو الابن بل متكاملا معه :

    إن الآب هو الله مصدر كل العطايا والمواهب، والابن هو الله الذي دفع ثمن هذه العطايا والمواهب حتى نستطيع نحن أن نتمتع بها، بينما الروح القدس هو الله الذي ينقلها من عرش النعمة إلي داخل قلوبنا وحياتنا اليومية نحن أبناء القرن العشرين.

   إن الآب هو الله النار الآكلة الذي يبغض الخطية ويعاقبها، والابن هو الذي حمل الخطية عنا ودفع عقابها كاملا لكي تتاح لنا إمكانية الغفران والتبرير، بينما الروح القدس هو الذي يحمل هذا الغفران والتبرير إلى الضمير المعذب ويمنح اليقين القلبي في كفاية عمل المسيح الكفارى ، حتى أن الإنسان المتمتع بعمل الروح داخله يتمتع دائما بيقين الغفران ولا يخشى الاقتراب من محضر الله القدوس ليس لأنه متكبر بل لأنه مبرر بدم المسيح ، والروح يستأنف عمله فينا بتقديس عملي ، بإماتة أعمال الجسد فينا حتى نصير أكثر فأكثر لائقين لشركة ميراث القديسين في النور .

    إن الآب هو الله القدوس الذي لا يدخل إلى محضره إلا ما هو مقدس وطاهر ، والابن هو الذي صنع لنا ـ بحياته وبموته ـ ثوب البر الذي نستطيع به أن ندخل إلى محضر الله القدوس ، والروح القدوس هو " الترزي "  المبارك الذي يصنع لكل واحد منا ثوب البر الخاص به الملائم لحياته وظروفه ومكانه في جسد المسيح ، وهو الذي يخلع عنا أثواب برنا البالية ويلبسنا ثوب بر المسيح مما يجعل كنيسة المسيح ذات جمال متنوع متكامل فريد .

    إن الآب هو الله محبة ، والابن المتجسد هو الذي أعلن لنا هذه المحبة وترجمها إلى عمل وحياة ، والروح القدس هو الذي ينقلها إلينا في وسط مخاوفنا وضعفنا بل هو الذي ينقلنا إليها رافعا إيانا فوق خوفنا وضعفنا.

    وهكذا نقول إجمالا أنه إذا كان الآب هو الله غاية  طريقنا ، فالابن هوا لله طريقنا ، والروح القدس هو الله رفيق  طريقنا وبهذا نرى إن الاقانيم الثلاثة تعمل لخيرنا في توافق تام ، ولو نقصت شركتنا مع أي منهم لفقدنا الشيء الكثير ، فبدون الآب ليس لنا غاية نصل إليها ، وبدون الابن ليس لنا سبيل للوصول إلى غايتنا ، وبدون الروح القدس ليست لنا القوة للسير في سبيلنا نحو الغاية ( يتبع ) .

الاثنين، 28 فبراير 2022

أحاديث من القلب

 

الأنانيــــة

بقلم : فخرى كرم 

خُلق الإنسان وبداخله إحساس شديد بنفسه وانتماء مطلق لذاته، فالحقيقة المؤكدة في حياة الإنسان منذ ميلاده هي أن انتماءه الأول هو لذاته وليس لأي شيء آخر، وهذه الحقيقة هي ما نسميها «الأنانية»، حيث يحتل ضمير المتكلم «أنا» مكان الصدارة قبل أي ضمير آخر في حياة الإنسان، وبناء على هذه الحقيقة نكون جميعاً بلا استثناء «أنانيين» بشكل أو بآخر، فلا يمكن لأي إنسان منصف أن يدَّعي أنه ليس أناني بدرجة ما!!

أشكال الأنانية

للأنانية أشكال كثيرة منها:

(1) أنانية التفكير: كل إنسان منا يفكر في أي أمر مطروح أمامه من وجهة نظر شخصية للغاية، بحسب ثقافته ونشأته وظروفه الخاصة، ودائماً تفكيره هذا يتفق مع مصلحته ويصب فيها، حتى أنك لو طرحت موضوعاً ما للمناقشة على عشرة أشخاص لوجدت عشرة وجهات نظر مختلفة للموضوع الواحد!! ومن الصعب جداً أن تتطابق وجهتي نظر تمام التطابق، ومن الصعب أن تجعل شخصاً منهم ينظر للموضوع من وجهة نظر شخص آخر، فلكل واحد وجهة نظره التي تتفق مع أسلوب تفكيره «الأناني»، أي المصبوغ بصبغة الذات أو «الأنا»، فمثلاً لو طرحت على الرجال في مجتمع شرقي موضوعاً مثل خروج المرأة للعمل أو الملابس التي ترتديها خارج المنزل أو حقها في طلب الطلاق أو الخُلع من زوجها، لوجدت أن وجهة نظرهم ستكون متشددة بصفة عامة حتى لو تباينت في شدتها من رجل لآخر بحسب الثقافة والظروف الخاصة، أما إذا طرحت ذات الموضوع على النساء فستكون وجهة نظرهن مختلفة كل الاختلاف، فالرجل يفكر في هذه الأمور من منطلق إحساسه ومصلحته كرجل بينما المرأة تنظر إليها في ضوء أحاسيسها ومصلحتها الخاصة، ومن الصعب _إن لم يكن من المستحيل_ أن تجعل وجهات النظر هذه تتطابق.

كثيراً ما نرى رؤساء الدول يجتمعون لمناقشة موضوعات دولية مهمة، ولكننا نادراً ما نراهم يتفقون على رأياً واحداً يلتزمون به، والسبب هو أن كل دولة تنظر للأمر في ضوء مصلحتها وعلاقاتها الخاصة، ومصالح هذه الدول تتشابك وتتعارض كثيراً ولا تتفق إلا نادراً، ولذلك قليلاً ما نرى اجتماعات القمة هذه تتمخض عن قرارات ذات قيمة واستمرارية. 

  والجدير بالملاحظة أن كل طرف يكون مقتنعاً بوجهة نظره إلى حد اليقين ولا يستطيع أن يقبل بغيرها، ومن الصعب أن تزحزح أي طرف عن وجهة نظره لأن وجهة نظره هي إحدى سمات ذاته وكينونته، وهو يشعر أن تنازله عن رأيه هو تنازل عن كيانه ووجوده، وبالأكثر في مجتمعاتنا الشرقية التي تربَّت على أن الشخص القوي هو من يفرض رأيه على كل المحيطين به ولا يخضع لرأي الآخرين، وأن من سمات الرجولة ثبات الرأي وعدم تغيره (حتى بعد اكتشاف خطئه)!! بينما في المجتمعات الأكثر تقدماً يتربَّى الإنسان على احترام حقوق الآخرين ومن ضمنها حق التفكير وإبداء الرأي، وأنه لا يعيب الإنسان أن يصغي للآخرين ويتعلَّم من وجهات نظرهم، وأن الأفضل ليس هو مَن يفرض رأيه على الآخرين بل مَن يستخلص المفيد من كل آراء الآخرين ويكوِّن رأياً يكون الأصلح لجميع الأطراف.

(2) أنانية التصرف: من البديهي أن تتشكل تصرفات الناس بحسب أسلوب تفكيرهم، وإذا كان التفكير «أناني» فلابد أن تتسم كل التصرفات بالأنانية، فقد يتجمل الإنسان أمام الآخرين ويتشدق بكلمات المحبة والتضحية والإيثار ولكن في وقت المحك العملي تجده يتصرف وفق مصلحته وحدها، وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً في وقت الخطر والأزمات، فعندما يتعرض الإنسان للخطر ويُخيَّر بين أن ينقذ نفسه أو شخصاً آخر تجده بتلقائية شديدة يختار نفسه، حتى أن العامة صاغوا هذه الحقيقة في مثل شائع يقول «لو جالك الطوفان حط ولدك تحت رجليك»!!

(3) أنانية المشاعر: عندما يحب الإنسان شخصاً آخر نجده يحاول أن يمتلكه ويضيفه إلى صميم ذاته، ويبدأ يتعامل مع هذا الشخص كما لو أنه صار من متعلقاته الشخصية، ولو تصرف هذا الشخص ببعض الحرية والاستقلالية تعتمل بداخل المُحب ثورة من الغضب والعنف قد تجرح  وتدمر المحبوب، ونسمي هذه المشاعر عادة بمشاعر «الغيرة» التي ما هي إلا التعبير عن أنانية المشاعر وحب الامتلاك، فالأم تتعامل مع أبنائها كما لو كانوا ملكية خاصة بها ولا تريدهم أن يستقلوا عنها حتى بعد الزواج، والزوج أيضاً يتعامل مع زوجته بنفس الأسلوب، والعكس بالتأكيد صحيح، وهذه المشاعر قد تختلف في قوتها وعمقها مش شخص لآخر لكن كل واحد فينا لابد أن يعترف أنه «أناني» بدرجة أو بأخرى!!

القليل من الأنانية... ضروري!!

لكي نكون واقعيين لابد أن نعترف أننا نحتاج إلى القليل من الأنانية في حياتنا، لأن هذا القدر الضروري من الأنانية هو الذي يشكِّل لكل واحد منا شخصيته الخاصة به، فتميُّز الفرد في المجتمع ينشأ من تميُّز أسلوب تفكيره وتصرفاته ومشاعره، ولو فقد الإنسان كل إحساسه بذاته لفقد سمات شخصيته وصار مسخاً بلا ملامح لا يشعر أحد بوجوده في وسط المجتمع، ولو تبنَّى الإنسان وجهات نظر الآخرين على طول الخط لصار نكرة لا يعتد به أحد، فالقدر الطبيعي من «الأنا» ضروري ليكون الفرد متميزاً مفيداً لمجتمعه.

لكن الكثير من الأنانية... ضار جداً!!

ما ينبغي أن نحذر منه هو أن يزيد قدر الأنانية بداخلنا عن حدوده الطبيعية، فيزيد إحساس الفرد بذاته حتى يطغى على إحساسه بذات الآخرين، فلا يستمع الإنسان إلا لصوت نفسه ولا يقتنع إلا بفكره ولا يتصرف إلا لمصلحته حتى لو داس على مصالح غيره، فعندئذ تصير الأنانية وبالاً على الفرد والمجتمع لأنها تجعل كلاً منا يعيش في جزيرة منعزلة لا يشعر فيها إلا بنفسه ولا يرى إلا ذاته، وبالتالي يتفكك المجتمع وتنقطع الروابط بين أفراده وتصير العلاقات بينهم تنافسية وليس تكاملية، حيث يسعى الفرد إلى فرض إرادته ومصلحته على الآخرين بدلاً من محاولة البحث عن مصلحة المجموع، مما يؤدي لنشر الرذائل في المجتمع مثل الغيرة والحسد والكراهية والكذب والخداع والعنف والاغتصاب...الخ، والأنانية بصورتها السلبية هذه ليست فقط ضارة للفرد والمجتمع لكنها أيضاً تتعارض مع فكر الله وإرادته الصالحة التي أعلنها لنا في كتابه المقدس.

ماذا يقول الكتاب المقدس؟

يعلِّمنا الكتاب أن الله يحترم ذاتية الإنسان ويشجِّع تميُّزه وتفرُّده، حتى أنه خلق الإنسان متميزاً على سائر المخلوقات بالإرادة الحرة والقدرة على التفكير والإبداع، ورغم أن الله هو الخالق العظيم إلا أنه لا يفرض إرادته على خليقته بل يترك لنا حرية التفكير واتخاذ القرارات سواء كانت صحيحة أم خاطئة (رؤ3: 20) وهو يعرف كل واحد منا باسمه الخاص أي بسماته الشخصية (أش43: 1، لو10: 20) والرب يسوع استخدم كثيراً في أحاديثه ضمير المتكلم «أنا» لكن بشكل إيجابي وصادق وبدون أي تعالٍ على الآخرين أو تعدٍ على حقوقهم.

من الناحية الأخرى يرفض الكتاب تماماً أن يتحول إحساسنا بأنفسنا إلى أنانية سلبية هادمة، فنراه يحثنا على «إنكار النفس» الذي هو على العكس تماماً من الأنانية (مت16: 24) فإنكار النفس هو عدم البحث عن مصلحة أنفسنا فقط بل عن مصلحة الآخرين أيضاً، ولقد أعطنا الرب يسوع نفسه نموذجاً  يُحتذى به في إنكار النفس عندما رأيناه طوال حياته يتنازل عن راحته لأجل خدمة الآخرين وراحتهم، فرأيناه يسير ساعات طويلة ليتقابل مع نفس متعبة ليريحها (يو4: 6) ورأيناه ينحني عند أقدام تلاميذه ليغسلها (يو13: 5) بل فوق كل شيء رأيناه يحمل الصليب ويقبل الموت لأجل أن يمنحنا الحياة الأبدية (رو5: 6).

فكر الله الصالح لنا هو أن نشعر بأنفسنا في الحدود الإيجابية البناءة دون أن نتحول إلى الأنانية التي تدمر علاقتنا بالآخرين، وأن نسعى لبنيان أنفسنا بكل طريقة ممكنة ومشروعة دون أن نهمل فائدة وبنيان الآخرين أيضاً، وأن ندرك أن نجاحنا هو من نجاح الآخرين وسعادتنا من سعادة الآخرين وأمننا من أمن الآخرين، فنحن لا نعيش في جزيرة مستقلة بل نحن جزء من مجتمع، سواء كان هذا المجتمع هو البيت أو العمل أو الكنيسة أو الدولة، ليت الرب يساعدنا لنكون أفراداً مميَّزين في مجتمعنا نافعين لأنفسنا ولكل المحيطين بنا، آمين.                                                                             

الجمعة، 31 ديسمبر 2021

أحاديث من القلب

 

موعظة الجبل (59)

بقلم : فخرى كرم

«فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم

 أيضاً بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء» (مت7: 12)

ها نحن قد وصلنا في دراسة موعظة الجبل إلى تلك العبارة العظيمة التي لخَّص فيها معلمنا الصالح كل وصايا الناموس والأنبياء، العبارة الجامعة المانعة التي رسم لنا فيها ربنا الطريق للبر العملي الذي يتطلع إليه قديسو العلى في كل العصور، العبارة الفارقة التي تميز بين الخير والشر أمام كل ضمير وداخل كل قلب، العبارة التي انحنت أمامها هامات عظماء الرجال فتغيرت حياتهم للأفضل وتركوا بصماتهم الصالحة على تاريخنا البشري، العبارة التي رفضها كثيرون فتجردت حياتهم من كل بر ومضوا في طريق الأرض كلها غير مأسوف عليهم، العبارة التي اصطلحنا على تسميتها «القانون الذهبي للمعاملات الإنسانية»!!

ربنا في كلمات بسيطة وسهلة يطلب منا أن نعامل الأخرين بأفضل ما نتمنى أن يعملوننا به، فاذا كنا نحب أن يقبلنا الناس ويقدروننا فلنقبلهم ونقدرهم، وإذا كنا نرغب أن يصدقنا الناس عندما نتكلم فلنصدقهم عندما يتكلمون، وإذا أردنا أن يخدمنا الناس ويقفوا بجوارنا في وقت احتياجنا فلنساعدهم ونقف بجوارهم في احتياجهم، وإذا كنا ننتظر منهم أن يسامحونا عندما نخطئ ويلتمسون لنا الأعذار فلنفعل معهم نفس الأمر عندما يخطئون في حقنا.

الرب بهذا القانون يضع لنا مقياساً يستطيع الضمير الصالح أن يتدرب به ويقيس عليه تصرفاته ويميز من خلاله ما ينبغي أن يفعله في كل المواقف، والرب يستند في هذا القانون على أساس راسخ في كل نفس إنسانية سوية وهو أن الإنسان الطبيعي السوي يحب نفسه جداً وينتظر أن يتعامل الجميع مع نفسه بأفضل اسلوب ممكن، وبالتالي ينبغي أن يطالب نفسه بأن يعامل الجميع بنفس الاسلوب، ولقد سبق ولخص ربنا كل وصايا الناموس المختصة بالتعامل بين البشر في عبارة واحدة وهي «تحب قريبك كنفسك».

دعونا نتخيل ولو لدقائق حال العالم لو ساد هذا القانون على العلاقات بين الناس جميعاً!! دعونا نتصور للحظات كم الخير والسلام الذي سيسود المجتمعات البشرية لو وجدت كلمات الرب هذه صداها في قلوب الناس!! لا شك أننا كنا سنجد أرضاً جديدة يسكن فيها البر والحق!! لكن للأسف ينبغي أن نستفيق من خيالنا وتصوراتنا سريعاً ونعود إلى واقعنا المرير الذي نعيشه في مجتمعات تموج بالعنف والقسوة والسحق للنفوس التي تحيا فيه، ماهو السبب يا ترى وراء ما وصلنا إليه؟

السبب بكل تأكيد أننا فشلنا أن نعيش هذا القانون الذهبي في علاقاتنا، ألفان من السنين لم نتعلم أن نخضع لكلمات الرب هذه ولم تجد لها صدى في قلوبنا!! ولو سألنا لماذا لم نستطع أن نحيا هذا القانون الذهبي سنجد الإجابة واضحة: أننا نحب أنفسنا أكثر مما نحب الأخرين!! الإنسان يعبد ذاته ويحبها بينما يشعر تجاه ذوات الأخرين أنهم منافسين ينبغي التخلص منهم أو إخضاعهم لفائدة ذاته!! الانسان يحب أن يعامله الجميع بالمحبة لكنه يشعر أنه غير مضطر أن يحبهم، كل واحد منا يقدر نفسه بأكثر من قدرها لكنه في نفس الوقت لا يشعر بالتزام أن يقدر الأخرين بنفس التقدير، إذا أخطأنا ننتظر من الأخرين الغفران لكن إذا أخطأ أحدهم تتحرك فينا كل نوازع الإدانة والرغبة في الإنتقام، كل واحد منا يشعر أن ذاته في كفة وكل ذوات الأخرين في كفة مقابلة، ودائماً كفته هي الأثقل!! ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)