الثلاثاء، 7 يونيو 2022

أحاديث من القلب

 

 الروح القدس ( 10 )

بقلم فخري كرم

يؤثر الروح القدس على نفس الإنسان بمؤثراته الإلهية  في أوقات كثيرة متفرقة ، وإذا تجاهل الإنسان هذه المؤثرات أو أساء استخدامها فإنها تزول وتترك الإنسان كما كان . أما إذا تجاوب معها ايجابيا وسكب نفسه عليها فإنها تثمر في حياته ثمرا دائما نسميه " ثمر الروح " وسنحاول الآن أن نتكلم عن كيفية التجاوب مع مؤثرات الروح وفى العدد القادم بأذن الله سنلقى بعض الضوء على ثمار الروح .

إن التجاوب مع مؤثرات الروح يبدأ عندما :

نشعر بأهميتهــا

إذا شعرنا بأهمية شيئا ما فإننا نبذل جهدنا للاحتفاظ به ولا نتركه يضيع منا ، أما الشيء الرخيص فيمكننا أن نفقده بسهوله !! هكذا الأمر مع مؤثرات الروح ، البعض لا يقدرها حق قدرها لأنه لم يتعب فى الحصول عليها أو لأن هناك أشياء أخرى في حياته أكثر أهميه تستقطب اهتمامه وحبه ، وهذا البعض هو الذى يخسر معاملات الله معه وتنتهي كلها إلى لا شيء .

أما البعض الآخر من المؤمنين فهو الذي يشعر بمدى أهمية هذه المؤثرات ، ويدرك أنها أهم شيء في حياته بل إنها الشيء الوحيد الذي له قيمه حقيقية فى الحياة ، هؤلاء يتشبثون بمعاملات الله معهم تشبثهم بالحياة نفسها !! ومهما كانت المقاومات والصعوبات التي تعترض طريقهم تراهم يسكبون حياتهم وإمكانياتهم وأوقاتهم على هذه المؤثرات حتى ترتوي وتثمر فيهم ثمرا أبديا لمجد الله .

أهل العالم يسكبون حياتهم على طموحاتهم و مشاريعهم التجارية لأنهم يشعرون بأهميتها بالنسبة لهم ، رغم كونها سرابا يذوب سريعا !! فلماذا لا يسكب المؤمنون حياتهم على معاملات الله و خطته لحياتهم رغم كونها باقية للأبد ؟ ! لا شك أنهم لا يشعرون بأهميتها ، و هذه جهالة مدمره !!

 دعونا ننظر لهذا القول المعبر : " خبأت كلامك في قلبي لكي لا أخطيء إليك " [ مز 119 : 11 ] 0 هل ترى ما تحمله كلمة " خبأت " ؟ إن الإنسان لا يخبيء إلا الشيء الثمين الذي يخشى ضياعه ، لم تكن كلمة الله بالنسبة للمرنم أفكارا جميله أو وعودا مشجعه أو مواعظ رنانة  بل كنز حياته الثمين !! لكن هناك ما هو أكثر من الشعور بأهمية معاملات الله ، إننا يجب أن :

نحبـــــها

    قال الرب له المجد " حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا " { مت 6: 21} و القلب هو مركز عواطف الإنسان و محبته 0 إذا شعرنا بأن معاملات الله هي كنزنا فلابد أن نحبها بكل عواطفنا ، ألم يقل المرنم " خبأت كلامك في قلبي " ؟ لقد وضع كلمة الله في وسط عواطفه و أحاسيسه ، وجد مسرته في ناموس الرب و في ناموسه يلهج نهارا و ليلا !َ! نعم ، لقد أحب كلمة الله بكل ما فيها من تعليم و توبيخ و تأديب و تقويم ، يحبها حتى عندما تدينه و تحكم عليه !!

هل تلاحظ الفرق بيننا و بين كاتب المزمور ؟ إننا جميعا نشعر بمؤثرات كلمة الله من حين إلى آخر ، و نتذكر جيدا المرات التي اخترقت الكلمة مشاعرنا و ألهبت ضمائرنا ، لكن السؤال هو : " أين هذه المؤثرات الآن ؟ من منا خبأ الكلمة في قلبه ؟ من منا أحب هذه الكلمة و رعاها حتى أثمرت ؟ " هذا هو الفرق بين رجال الله العظام و بين المؤمنين الذين لا يبرحون أماكنهم و لا يتقدمون للأمام أبدا !!

عندما  نهتم بمؤثرات الروح و نحبها ينبغي عندئذ أن :

     نسير في اتجاهها

مؤثرات الروح تدفعنا دائما في اتجاه مشيئة الله ، و ينبغي أن تتجاوب الإرادة و تبدأ في اتخاذ نفس الاتجاه ، فلو لم تسر إرادتنا في نفس إتجاه إرادة الله فلن نصل إلى أي شيء ، فالإنسان لا يستطيع أن يسير في اتجاهين في وقت واحد ، و لو حاول ذلك فلن يسير في أي منهما !!

     هذا ما حدث مع بطرس عندما عاد لصيد السمك ، كانت إرادة الله بالنسبة له هي أن يصير صيادا للناس لكنه في لحظة ضعف حاول أن يعود إلى صيد السمك ، ففشل في الاثنين !! لقد دفع التلاميذ لمعاودة صيد السمك بدلا من تثبيتهم في دعوة الرب ، وهذا فشل في ربح النفوس ، و لم يصطد سمكة واحدة و هذا فشل في صيد السمك !! كانت هناك بقايا في اتجاهاته القديمة مازالت تعمل في قلبه ،لكن هذه البقايا انتزعها الرب على شاطيء بحيرة طبرية ، و  بعد أن وضع بطرس كل قلبه في إتجاه واحد ، هو إتجاه صيد الناس و رعاية الغنم ، عندئذ استطاع أن يؤدي مهمته بنجاح.

قد لا يكون الطريق الذي يدفعنا إليه الله طريقا سهلا ، و قد تواجهنا صعوبات جمة ، لكن هذه المحكات الحقيقة للإرادة ، و لو تراجعنا في منتصف الطريق فهذا دليل على أن الإرادة ليست كاملة تجاه الله و أنها لم تكن في توافق تام مع إرادة الله ، أما إذا اجتزنا الصعوبات و العراقيل فإن إرادتنا تتنقى بمرور الوقت و تصير صافية مثل الذهب ، و عندئذ سنحصد في وقته إن كنا لا نكل  ( يتبع ) .

الخميس، 2 يونيو 2022

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس ( 9 )

بقلم فخري كرم

    قد يسحب الروح القدس مؤثراته لكي يعطي الفرصه للإرادة الحره لكي تتخذ قرارها بدون ضغط من أي مؤثر خارجي حتى و لو كان روحيا !! أو بعباره أخرى نقول أن الروح ينير أمامنا الطريق التي ينبغي أن نسلك فيها لكنه لن يجبرنا على السير فيها .

      لكن أحيانا يسحب الروح القدس مؤثراته من أجل : 

فضح الخطية وادانتها

قد يتخطى الله ضعفنا لفترة زمنية معينة ويتعامل معنا في نعمته التي تبدو أنها تغض الطرف أحيانا عن الخطية ، لكنها في الحقيقة تريد أن ترفع الخاطئ فوق خطيته بالمعروف والإحسان وليس بالتأديب والعقاب . لكن إذا أستمر الإنسان الخطية وظن أن استمرار حضور الروح ومعاملاته يعنى أن الله يتجاهل الخطية ولا يدينها ، عندئذ ينبغي أن يسحب الروح مؤثراته لكي يفضح الخطية المستترة تحت عباءة النعمة الفضفاضة ويدينها ، فالمحبة تستر كثرة من الخطايا متى تبنا عنها ، لكنها لا تتستر على خطية واحدة لم نتب عنها !! 

انظر مثلا إلى شمشون ، لقد عاش فترة طويلة تحت تأثير قدرة الله ، وأثناء تلك الفترة نستطيع أن نرى ضعفات متكررة وميلاً قلبياً غير مستقيم نحو الخطية والشهوة . لكننا نندهش عندما نجد الله يتخطى هذا الضعف بدون إدانة ، ليس لأنه لا يراه بل لأنه يريد أن يرفع النفس فوق الضعف بمزيد من النعمة !! ولهذا تزيد دهشتنا عندما نجد الله يحول فترات الضعف والزيغان إلى أوقات النصرة والاقتدار !! هل يتجاهل الله الخطية ؟ ألا يبالى بزيغان القلب ؟ حاشا وكلا ، إن الله يبغض الخطية دائما لكنه يستخدم النعمة قبل النقمة ، إنه يريد أن ينتبه شمشون ويخجل من احسانات الله حتى وهو في وسط  الحمأة ، وفعلا ، كان شمشون في كل مرة ينتفض وينتبه لنفسه ويقوم ويخرج من وسط الشباك المنصوبة للإيقاع به . 

لكن عندما تزايد الميل للخطية والتجاوب معها حتى وصل إلى انتهاك المنطقة المقدسة التي تمثل حضور الله بالنسبة له كنذير ، وفى ساعة سوداء مظلمة اختار حضن دليلة واستهان بقدوس إسرائيل ، عندئذ فارقه الله !! لأن استمرار حضور الله بعد هذه اللحظة سيتحول إلى تستر على الخطية وتشجيع على مواصلة الاستهانة بالمقدسات ، وعندما انتفض شمشون هذه المرة كان الوقت قد فات !! لقد أصبح الوقت الآن وقتا لفضح الخطية وادانتها وليس وقتا للنعمة المتفاضلة . وكان لابد شمشون الذي رأى أحسان الله مرارا كثيرة أن يرى قداسته التي تبغض للخطية وتدينها بعنف ، فكما أن الله مقتدر فى نعمته حتى أنه يتخطي الإنسان كثيرا ، هكذا أيضا هو مقتدر في نقمته أنه يستوفى الفلس الأخير إذا لم نتب !! 

وأيضا قد يسحب الروح مؤثراته لكي : 

يحفظنا متضعيـــن

أحيانا ، وبعد وجودنا لفترة طويلة في زمن نعمة ، نشعر أن هذا هو وضعنا الطبيعي المستحق ، وأنه بقوتنا استطعنا أن نعيش في هذه النعمة ، وسرعان ما ننسى أصلنا والظلمة التي أتينا منها ، ويفقد القلب شيئاً فشيئاً رقته وترفقه بالضعفاء ويرتفع رويداً رويداً ويصبح دياناً للإخوة ، ناقداً للخدام ، مرتفعاً عن مشاركة الآخرين آلامهم ، والأدهى أن هذا القلب المرتفع يبدأ يظهر في العلاقة مع الله ، فنتفقد الصلاة روح الانكسار التي كانت تميزها في بداية عهد النعمة ، وتفتر روح اللجاجة وتنعدم . 

عندئذ يسحب الروح مؤثراته لكي يذكّر المؤمن بماضية ويحفظه متضعا لين القلب ، شاعرا بكل أخ ضعيف متعثر ، وقريباً من كل ضال يبحث عن طريقه . وهكذا ما كرره الله كثيراً مع شعب إسرائيل ، في كل مرة كانوا ينتفخون بأنفسهم وينسون ماضيهم كانوا ينكسرون ، وعندما يسلكون باتضاع مع إلههم ينتصرون . والواقع أن القلب المتضع هو الذى يدفع صاحبه لطلب : 

التقدم نحو الأفضل

قد يتعجب المؤمن ويجاهد حتى يصل إلى مستوى معين في الحياة الروحية ثم يكتفي به ويركن إلى الراحة والتغني بأمجاد الماضي ، حينئذ يبدأ الروح القدس يهز العش ويسحب بعض مؤثراته لكي يدفع المؤمن مرة أخرى إلى حياة الصوم والصلاة والتضرع وطلب المزيد من التقدم نحو الأفضل . 

وهكذا نكون قد تكلمنا باستفاضة عن مؤثرات الروح  - له المجد  - وشرحنا ماهيتها وأهداف وجودها وأسباب زوالها ، وليعطنا إلهنا النعمة حتى نتعلم كيف نتجاوب مع معاملاته ونقتنص فرص نعمته آمين ( يتبع ) .

الاثنين، 30 مايو 2022

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس ( 8 )

بقلم : فخرى كرم

    يؤثر الروح القدس على النفس بمؤثراته الروحية السامية ، وتعيش النفس تحت هذه المؤثرات فترة زمنية مباركة تحلق فيها في أجواء السماويات ،  حيث تستشعر كل برکات الله في متناول اليد ، وحيث  تسمو فوق کل منطور حتى تصير التضحية بأي شیء أمراً میسوراً .  ولكن ــ  فجأة أو تدريجيا  ــ  تبدأ هذه المؤثرات تخبو وتتسرب من بين أيدينا ،  و تعود النفس الى حدودها الطبيعية مرة اخرى كما لو أنها حطت على ارض الواقع بعد طول تحليق ،  وتبدأ تستشعر كل الضغوط والمقاومات الخارجية والداخلية مرة اخرى ،  وتری أمور الله بعيدة صعبة المنال ، والسير في طريقه مكلفاً مضنياً . وهذا قد يجعلها تشك في أن هذه المؤثرات كانت مجرد أوهام  نفسيه ، وإذا استسلمت للشك  استسلمت للضعف والسقوط ، وفقدت كل شيء جميل وخيم عليها ضباب الضعف وظلمة الشك وليل الشكاية والتذمر.

       والحقيقة هي ان الروح يسحب تأثيراته لعدة أسباب ان فهمناها استطعنا أن نجتاز تلك المرحله الموحشه بنجاح ،  وجعلنا وادى البكاء ينبوعا !! إن الروح يسحب تأثيراته أولا لكي  :

يعطي الفرصة للارادة الحرة

     الله لا يريد إلا الذبيحة المقدمة بكامل الارادة ، والارادة الكاملة هي الارادة التي تتخذ قرارها في أرض الواقع وهي شاعره بكل المؤثرات المختلفة ومدركة للمغريات والواقع ، للمكاسب و الخسائر ، إنها الارادة التي تتخذ قرارها بعد حساب النفقة ، إنها الارادة التي ترى جيدا كل الطرق المتاحة ومع ذلك تختار السير في طريق الله ، إنها إرادة حرة تتخذ قرارها بدون الاندفاع بمؤثر ما  ، حتى لو كان مؤثرا روحيا !!

     عندما تكون النفس تحت سلطان الروح تری أمور الله بصورة ممجدة تدفعها لاتخاذ قرارات سريعة ، لكن هذه القرارات لا يعتد بها لأنها ليست ناشئة عن إرادة حرة بل عن مؤثر روحي طاغ ، ولذلك يسحب الروح تأثيراته ـــ بعدما يكشف للنفس امجاد الله ـــ   ويترك النفس ترى الطرق الأخرى ومغرياتها ، وتشعر بالتضحيات الموجودة في الطريق الكرب ، ويترك عندئذ الفرصة للإرادة لكي تختار طريقها . إنه إله عادل لا يريد أن يؤثر على حريتنا في اتخاذ قرارنا .

      إن الله لا يعتد بالتوبة الناشئة عن سطوة التبكيت الالهي ، لكنه يعتد  بالتوبه الناشئه عن إرادة أدركت شناعة خطيتها و قررت أن ترفض الخطية و تعترف بها و تتركها . لقد قلنا سابقا أن التبكيت الإلهي ضروري لكي تدرك النفس شناعة الخطية و قداسة الله  و لكن السؤال الآن هو : ماذا بعد زوال التبكيت !! هل ستستمر النفس منكسره  أمام الله طالبه الغفران و التطهير ؟ حينئذ يكون التبكيت قد أثمر " نفساً تائبة " . لكن في معظم الأحيان ، عندما يزول التبكيت ، تنهض النفس و تعاود سيرها في الطرق القديمة  ، و هذا يثبت أن التوبة الناشئة عن التبكيت الإلهي لم تكن توبة إرادية بل توبة مؤقتة ، و هذه  توبة لا يعتد بها و كأنها لم تكن !! و لا نقول أن التبكيت قد فشل في مهمته ، حاشا بل نحن الفاشلون في اقتناص فرص  نعمة  الله و التجاوب معها !!

      وما نقوله عن التبكيت نقوله عن كل المؤثرات الأخرى للروح ، كم من نفوس اتخذت قرارها بالتكريس لله في مناخ روحي قوي ، ثم تراجعت عن هذا القرار حين اصبحت في مناخ آخر ، وكم من خدمات ناجحة قدمت تحت تأثير الروح لم يكن لها هدف سوى مجد الله وخير النفوس ، و عندما زالت المؤثرات وجدنا الخادم يهتم بنفسه ومجده وخيره الشخصي ، انظر الى بلعام بن بعور وهو ساقط أمام الله علي مشارف خيام شعب اسرائيل ، كم من نبوات عظيمة خرجت من شفتيه وكم من رؤی رآها وهو مفتوع العينين !! لكن هل تريد أن تعرف بلعام على حقيقته !! انظر اليه بعدما فارقه الله ، ستجده يعلم بالاق أن يلقي معثرة امام بني اسرائیل لکی يأکلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا !! ( عدد 22 ــ 24 ، رؤ 2 : 14 ) .

       و هل رأيت شاول بن قيس و هو يتنبأ  في وسط الأنبياء بعدما حل عليه الروح ، حتى صار مثلاً : أشاول أيضا بين الأنبياء ! لا تنخدع بهذه الصورة ان شاول الحقيقي سیظهر بعد زوال موثرات نعمة الله ، وعندئذ سيقول الله لصموئیل " ندمت على اني قد جعلت شاول ملكاً لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي " ( 1 صم 10 : 11 ، 15 : 11 ) .

    وماذا نقول  عن يهوذا الإسخريوطي الذي عاش ثلاث سنوات كاملة تحت أعظم المؤثرات الروحية قاطبة ، تحت ظل الرب يسوع نفسه وهو يجول يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم ابليس ؟ لا تنظر اليه وهو يشارك في أعمال الخير والشفاء باسم الرب  ، ان اتجاه الارادة الحقيقي سيظهر بعد زوال هذه المؤثرات ، ونراه قادرا على بيع سيده بثلاثين من الفضة !! و مره أخرى نقول  أن نعمة الله لم تفشل لكننا نحن الفاشلون في التجاوب معها .

وهكذا يسحب الله تأثيراته الروحية لکي يعطى لارادة الإنسان الفرصة لتتخذ قرارها بحرية ، وطوبي للنفس التي تختار الله دائما ، ولا ترضی عنه بديلا .

 

الأحد، 22 مايو 2022

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس (7)

بقلم : فخرى كرم

     تكلمنا اجمالا عن مؤثرات الروح  ، و قلنا ان الروح القدس يخيم على النفس بمؤثرات روحية مثل التبكيت ، المحبة ، القداسة ، الاستنارة، والفهم الروحي ... الخ ، وتعيش النفس تحت تأثير هذه المؤثرات لفترة زمنية طالت او قصرت،  بحسب نوعية المؤثر والهدف منه ومدى تجاوب النفس معه ، ودعونا الآن نستعرض أهداف الله من وراء هذه المؤثرات :

1 ــ اعلان عن حقيقة الله

      كيف يمكن للنفس البشرية ان ترسم بداخلها صورة صحيحة عن الله رغم كونه غير منظور ؟ الجواب : من خلال مؤثرات الروح ،  عندما يؤثر الروح على النفس بنيران التبكيت تتكون بداخل النفس صورة محسوسة عن قداسة الله ، النار الآكله ، صورة لا يستطيع ان يرسمها كل الوعاظ مجتمعين ،  قد تستمع لاشهر الوعاظ وهم يلقون عظاتهم الملتهبه  عن قداسة الله ، وقد تقرأ عن هذا الموضوع كتبا مؤثرة ، ومع ذلك تبقی جاهلاً بحقيقة قداسة الله عاجزا عن الإنكسار أمامها ، وستبقى قداسة الله فكرة عقلية ميتة لا تمنحك مخافة حقيقية ولا تثمر قداسة فعلية ،  حتى يأتي الروح المبارك بتبكيته الناري ويرسم في اعماق قلبك صورة الله القدوس . و نفس القول نقوله عن كل صفات الله، الناس تسمع دائما عن محبة الله ، لكنها تبقى فكرة غير موثرة في الحياة ، لا ترفع فوق الهموم ولا تسند وقت الازمات ، بل قد يستغل ابليس الظروف المضادة ويرسم بداخل النفس صورة مغلوطة عن الله ، ويصوره الهاً مبتعداً قاسيا . حتي يأتي الروح القدس ويخيم على هذه النفس بمؤثرات المحبة الإلهية ، ويلمس القلب بلمسات الرفق والعناية ، عندئذ تجد صورة الله قد اصبحت حية فعالة بداخلك ، تؤثر في كل ظروفك وتمسح كل دموعك .

     لقد استغل ابليس الضعف الموجود في کنائسنا ورسم بداخل النفوس صورة مغلوطة لإلهنا ، لإله مبتعد لا يبالي بالناس! إله يتساهل مع الخطية أو لا يراها بالمرة !! دعونا نطلب من شخص الروح القدس أن ينقش بداخلنا ـــ   بمؤثراته المباركة ـــ صورة إلهنا الحقيقي وينزع من داخلنا كل تخيل مزيف عن الله .

2 ــ   اعلان عن حقيقة الإنسان

     الإنسان لا يعرف حقيقة نفسه !!  ان الانسان يجهل مدى الشر المتغلغل بداخله ، يجهل كمية الغباء و العناد و الضلال والخداع المختبئة بداخل قلبه . و رغم سماعه لحقيقة فساد الانسان الا انه يبقی معتدا بنفسه ، فخورا بجهله ، شاعرا بالمجد في خزيه !! حتى يأتي الروح المبارك ويخيم على هذه النفس بنوره  الذي ينير خفايا القلب ، عندئذ تسقط النفس ــــ لاول مرة ـــ  تحت الإحساس بشناعة الخطية وفساد الطبيعة البشربة ، وعندئذ تستطيع ـــ  لأول مرة أيضا ــ   أن تصرخ طالبة الرحمة والغفران والتطهير.

3 ــ   اعلان عن حقيقة المسيح

     سيبقی شخص المسيح وحياته وصلبه وقيامته أحداثا خالية من التأثر حتى يأتي الروح ويجسد شخص المسيح أمام عيوننا ، ويبدأ في اظهار المجد الموجود في ثنايا هذه الحياة الفريدة ويأخذ مما لهذا السخص القدوس ويعطينا ، ويسلط نوره على مجد لاهوته المستتر تحت أتضاع ناسوته ، ويشرح للنفس كم المحبة المتدفقة من قلبه ، وكم الخير الموجود في يديه ، وكم الغفران والتطهير الممنوح في دمه ، وكم الرفعة والانتصار الموهوب لنا بقيامته ، عندئذ فقط تستطيع النفس أن تحب شخص المسيح وتسجد أمامه قائلة ( ربــــــي والهي )!! 

4 ـ  معونة الهية

   قد تدرك النفس كل هذه الحقائق الروحية لكنها تبقى عاجزة عن التجاوب معها ، قد تشعر النفس ببشاعة الخطية ومدي تعمقها في داخل القلب لكنها تبقی عاجزة عن الانكسار والتوبة ،  ربما بسبب شدة ضعفها او لتسلط العدو عليها ، عندئذ يأتي الروح القدس ليمد يد المعونة لهذه النفس العاجزة ويقودها للانكسار والتوبة .

     وبالمثل قد تعرف النفس محبة الله وتشتهي أن ترضيه لكنها لا تعرف السبيل لذلك بسبب محدودية الذهن الإنساني الذي كثيرا ما يقف حائراً أمام محبة الله لا يعرف كيفية التجاوب معها . وفي هذه الحالة أيضا يأتى الروح ويخيم على الذهن ويعطيه استنارة عن كيفية مرضاة الله والسلوك فيها .

       و هكذا نرى أننا لا نستطيع الاستغناء عن تأثيرات الروح القدس سواء لمعرفة الله او لمعرفة ذواتنا او لمعرفة شخص المسيح والسير في خطاه . لكن هذه المؤثرات ليست دائمة ، وكما أن وجودها له اهداف عظمي هكذا زوالها له اهدافة العظمى ايضا !! ( يتبع )

الثلاثاء، 17 مايو 2022

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (6)

بقلم : فخرى كرم

     دعونا الآن نضع جانبا موضوع حزن الروح الذي تحدثنا عنه ونسأل : ماذا لو كان الروح حراً  نشيطاً في حياتنا ؟ الجواب : عندئذ سنعيش معه في ثلاث دوائر روحية متداخلة ، سنتحدث عنها الآن اجمالا ثم نشرحها تفصيلا فيما بعد :

دائرة مؤثرات الروح

      عندما يكون الروح عاملا في داخل النفس فانه يؤثر عليها بمؤثراته المباركة التي تصور مشيئة الله تجاه هذه النفس . فهو بقوته  الالهية وحكمته يبدأ في صياغة النفس لتكون في الصورة التي يريد الله أن يراها عليها دائما . فتجد النفس واذ بها قد اصبحت ممتلئة اتضاعا و انكساراً ، و استعداداً للتوبة ، وانتصاراً على الخطية .. الخ ، ولكن إلى ان تتجاوب النفس مع هذه المؤثرات فانها ستبقى مجرد مؤثرات وليست صفات !!

     من الضروري أن نعلم أنها مؤثرات الروح وليست امكانيات النفس . فعندما ترى النفس وقد اصبحت منكسرة فجأة فلا تظن أنها صفة ثابتة في هذه النفس ، کلا ، أنه مجرد مؤثر روحی يفرض نفسه بسلطان الروح على هذه النفس . هل هناك فرق ؟  طبعا ،  ، فإن حزن الروح في هذه النفس وسحب تأثيره هذا ، فستجد أن صفة الانكسار تختفي تدريجيا وتعود النفس الى سابق عهدها بالعجرفة والعناد !!

       نفس أخرى تخضع لروح الله فتمتلىء بمحبة فائضة تملأ كل الكيان ، محبة لله وللآخرين ، للاخوة والاصدقاء و الأعداء وحتى للحيوانات والطيور !! لكن عندما يسحب الروح تأثير المحبة هذا ستجد ان المحبة تضمحل ، وتعود النفس الأنانية تظهر من جديد ، لأنها لم تكن محبة ذاتيه أصيله بل خارجية مكتسبه .

    نفس تعيش في نور الروح القدس ، تجدها ممتلئة بالقداسه و بغضة الخطيه  ، لكن عندما يزول هذا المؤثر   ــ لأسباب كثره سنتحدث عنها لاحقاً ــ   تبدأ النفس تضعف و تهتز أمام هجوم الخطيه . بل إن الأدهى هو أنك تكتشف خطايا و ميولا شريره تنبع من أعماق النفس ذاتها ، مما يؤكد أن قداستها لم تكن صفه ثابته بل مؤثرا مؤقتاً .

     لكن هل هذا وضع طبيعي سيستمر طول الحياة ؟  كلا بكل تأكيد ، إن  دائرة مؤثرات الروح ينبغي أن تقودنا للحياة في دائرة روحية أخرى أكثر عمقا وثأثيرا وهی ما نسميها :

 

دائرة ثمار الروح

      عندما يؤثر الروح القدس على النفس بمؤثر معين ، ينبغي أن تتجاوب النفس مع هذا المؤثر وتخضع له ، وتبدأ في اتخاذ قرارات ارادية ثابتة وخطوات عملية حقيقية تجاه هذا المؤثر ، لكي يتحول الى وضع شخصی عملی ، و يثمر صفة ثابتة في النفس ، وهذا ما نسميه " ثمار الروح "

          لنأخذ العبادة مثلا . عندما يؤثر الروح القدس على نفس ما بمحبة الله والرغبة في التواجد بمحضره ، تمتليء النفس عندند بروح التسبيح و العبادة وتحب التواجد في خلوة أمام الله ، ويكون هذا التواجد سهلا لان الروح يجذبناً جذباً تجاه المخدع .لكن المحك الحقيقي يبدأ عندما يختفي هذا الموثر القوی :

       ان كانت النفس قد قررت أن تكون العبادة جزءاً لا يتجزأ من برنامج يومها فانها تظل محتفظة بوقت العبادة حتى ولو لم يصبح الأمر بنفس السهولة وستظل تجاهد لكي تحفظ لله حقه في الوقت ، وتظل تقدم سجوداً وخضوعاً مهما كانت الظروف جافة وشاقة . عندئذ يرضي الله عن هذه النفس التي تجاوبت مع مؤثرات الروح تجاوبا ليس مؤقتا سطحيا بل دائما عميقا ، ويؤيد الروح هذه النفس و يباركها ، وهكذا تكتسب النفس ثمرا ثابتاً دائما حتى في زمن التجارب واختفاء المؤثرات الروحية ، يمكنـك عندئذ أن تسميها " نفسا سـاجده " !!

          لكن اذا بدأت النفس تتهاون في الشركة مع الله لأن المؤثر قد زال ، وتبدأ تستسلم بسهولة للعوامل التي تدفعها إلى خارج المخدع ، فان هذا يبين أن النفس لم تتجاوب مع مؤثرات الروح تجاوبا حقيقياً انما تجاوباً مؤقتاً سطحياً ، وقد فشلت في الإثمار للروح.

        ان الغرض من مؤثرات الروح هو ان تتجاوب النفس معها بالطاعة والارادة فتثمر ثمار الروح ، أی أن مؤثرات الروح هي اعمال الروح في داخل النفس ، اما ثمر الروح فهو تجاوب النفس مع هذه المؤثرات .

 

دائرة مواهب الروح
        أن أفكار الله ومقاصده تكون دائما فوق مستوى الادراك البشري ، السطحي بطبعه . وعندما يريد الروح ان ينقل للنفس فكرة الهية او يفضح خطأً روحياً دفيناً ، ويجد صعوبة في نقل هذا للذهن البشري المحدود ، فإنه يلجأ (أحيانا ) لوسائل فوق طبيعية تصل الى روح الإنسان مباشرة متخطية الذهن المحدود والنفس الضعيفة . والشخص الخاضع للروح القدس یكون مستعداً دائما للتعلم من الروح بكل وسائط النعمة الطبيعية و المتاحة ، وأحيانا بوسائط النعمة فوق الطبيعية أيضا !! وهذه ما نسميها " مواهب الروح " ، ولهذا حديث خاص