السبت، 25 مارس 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (33)

بقلم : فخرى كرم

بعدما تكلمنا عن صورة الحمامة التي تشير لروح الوداعة، وصورة النار التي تشير إلى روح القضاء والامتحان، نتقدم الآن بكل خشوع لنتأمل في صورة ثالثة من الصور الرمزية التي استخدمها الكتاب للإشارة إلى شخص الروح القدس، ألا وهي صورة :

المياه

« وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادي قائلا: إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب، من آمن به كما قال الكتاب  تجری من بطنه أنهار ماء حي، قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه » ( يو ۷ : ۳۷ـ ۳۹ ).

عندما يتكلم رب المجد هنا عن شخص الروح القدس نراه يرسم أمامنا صورة رمزية رائعة صورة المياه العذبة الباردة المنعشة المتدفقة كأنهار تروى الأراضى الجافة والنفوس العطشى، تحمل الحياة والنماء لكل من يقابلها ، إنه يريد أن يشير لنا على عمل آخر من أعمال الروح المبارك، لقد عرفنا أنه روح الوداعة وروح القداسة لكنه أيضا:

الروح المعطي الحياة !!

إن المياه هي المكون الأساسي لكل أنسجة الكائنات الحية، وكل الوظائف الحيوية في أجسادنا تعتمد على وجود المياه، بل أن كل خلية من خلايانا يمثل الماء مكونها الرئيسي، والدم الذي هو سائل الحياة لأجسادنا يتكون في معظمه من الماء، والإنسان في حاجة يومية ومستمرة للمياه لكي يعوض ما ينقص منها، فالجسد يستهلك كمية يومية من المياه لكي يقوم بوظائفه الحيوية، ويستهلك كمية أخرى لكي يقاوم بعض العوامل الخارجية المضادة مثل شدة الحرارة والجفاف، أما إذا لم يتمكن الإنسان من تعويض ما ينقصه من المياه فإنه يشعر بالعطش، وهو شعور قاس لا يستطيع الإنسان تجاهله أو تأجيله، شعور يدفع الإنسان لكي يسارع بالبحث عن الماء الذي يروي عطشه ويعيد له الانتعاش والحيوية، أما إذا لم يجد الماء متاحاً واستمر نقص المياه من الجسد فعندئذ تبدأ الخلايا تفقد حيويتها وقدرتها على القيام بوظائفها، ثم تبدأ تنكمش وتجف وتموت، وفي غضون أيام قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة يفقد الجسد الحياة ويموت!!

وأرواحناتعطش أيضا !!

لقد استخدم الرب هذه الصورة الرمزية لكي يعلن لنا حقيقة أن احتياج أرواحنا إلى الله يشبه احتياج أجسادنا للمياه، إن أرواحنا مأخوذة من الله ولا تحيا إلا به، وحضور الله في الحياة أمر حتمي إذا أردنا أن نكون أحياء روحية ، ولا يستطيع الإنسان أن يقوم بوظائفه الروحية بصورة حقيقية ولا يستطيع أن يقاوم عوامل الخطية والموت المحيطة به من كل جانب إلا من خلال شركة روحية يومية ومستمرة مع شخص الله نفسه، أما إذا غاب حضور الله عن الإنسان وانقطعت الشركة بينهما فإن الحياة الروحية تبدأ تجف وتضعف، وإذا استمر الحرمان فإن الإنسان يموت روحياً، وهذا ما كان الله يعنيه عندما قال لآدم «لأنك يوم تأكل منها موتا تموت» ( تك 2 : 17 ). إن موت آدم روحياً بعد الأكل من الشجرة لم يكن عقاباً على الخطية بقدر ما كان نتيجة طبيعية للخطية والانفصال عن الله، لقد أصاب الجفاف والموت روحه لأنها لا تستطيع أن تحيا بدون شركة مع الله.

كما يشتاق اليل !!

استخدم كاتب المزمور نفس الصورة الرمزية عندما قال «كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله، عطشت نفسي إلى الله، إلى الله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله» (مز 42 : 1 ، 2 ).

لقد شعر في نفسه أنه مثل حيوان الإيل الذي يعيش في بيئة صحراوية جافة وقاسية وحارة تستهلك من جسده المياه بشكل دائم ومستمر، لذلك فهو في حاجة مستمرة ليس لقطرات من المياه بل لجداول من المياه !! إن ضرورات الحياة والمقاومة الروحية التي نلقاها في برية العالم تستهلك منا طاقة روحية هائلة، لذلك فنحن في حاجة يومية مستمرة ليس لكلمات أو مواعظ أو طقوس بل لشخص الله نفسه، ليس لقطرة مياه هنا أو هناك بل لأنهار ماء حي !! وهذا هو العمل الذي يقوم به روح المياه ، الروح معطي الحياة، إن «الله» الذي يتكلم عنه كاتب المزمور هو نفسه «الروح» الذي يتكلم عنه رب المجد يسوع، كلاهما هو المياه لأرواحنا العطشى، وللحديث بقية.

 

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (32)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح النار وعمله المزدوج في إظهار الصلاح وتزكيته وفضح الإثم وإدانته، وقبل أن نختتم الحديث عن هذه الصورة الرمزية من صور روح الله القدوس لابد أن نشير إلى أن :

ابتداء القضاء من بيت الله قلنا إن الروح فضح الإثم المستتر في الأمة اليهودية وقادها إلى الدينونة، والآن نريد أن نؤكد أن الروح النارى لا يفرق بين الخطية التي في الأمة اليهودية والخطية التي في داخل الكنيسة، بل إن ابتداء القضاء يكون دائما من داخل البيت (۱بط 4 : 17 ) والرب الذي علمنا أن ننقى الداخل أولا قبل الخارج لابد أنه يتبع نفس المنهج في تعامله مع كنيسته!! إن انضمامنا لشعب الله لا يجعلنا في مأمن من روح القضاء بل بالحرى يجعلنا في مقدمة القضاء!!

حنانيا وسفيرة

عندما انسكب الروح المبارك في يوم الخمسين أظهر الصلاح الذي سبق وزرعه رب المجد في نفوس أتباعه، فرأينا مبدأ «مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ» يظهر بوضوح في وسط الكنيسة حتى إن كل من كانت له أرض أو ممتلكات كان يبيعها ويأتي بأثمانها عند أقدام الرسل، وكان برنابا مثالا لامعا لروح العطاء هذه، ولكن في وسط هذا الجو المقدس بدأ الجسد يتحرك ورأينا أرض الإنسان تنبت زوانا رديئا يشبه من الخارج الحنطة لكن جوهره ليس العطاء بل الأخذ!! ويحمل في داخله سمأ زعافا إذا ترك يسري وسط الجماعة، سم الرياء والكذب والرغبة في لفت الانتباه وجذب المديح للذات!! بهذه الروح الرديئة باع حنانيا وسفيرة حقلا وأتيا بجزء من ثمنه عند أقدام الرسل.

كان عملهما يبدو من الخارج مشابهة لعمل برنابا والآخرين، لكن روح النار الساكن وسط الجماعة يمتحن جوهر الأعمال ويحكم عليها، ولذلك وجدناه يمارس عمله في فضح هذا الإثم وإدانته، وكان القضاء فورياً وحاسماً لمنع سريان هذا السم في وسط الجماعة، فسقط حنانيا وسفيره عند أقدام الرسل وحملا ميتين ، وهكذا كان الروح المبارك يمارس القضاء في داخل البيت قبل أن يقضي على الأمة العاصية في الخارج.

.. وكثيرون ضعفاء ومرضى ويرقدون !!

ونقرأ في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس أن الروح يدين أعمال المؤمنين الخاطئة بضربات تتناسب في شدتها مع حجم الخطأ، تتدرج من الضعف إلى المرض إلى الموت بل وحتى إلى التسليم للشيطان!! لأننا إذا لم نتعلم كيف نحكم على أنفسنا وندين أخطاءها ونحفظها في حالة القداسة اللائقة بإلهنا القدوس فلابد أن يحكم علينا ونؤدب من الرب لكي لا تدان مع العالم.

خوف الله

 إن روح القضاء هذه أنشأت مخافة لله في نفوس المؤمنين (أع 5 : 11 ) ، الخوف المقدس الناتج عن الإحساس الدائم بوجودنا في محضر «الديان»، الخوف من الخطأ أو الوقوع تحت القضاء، الخوف الذي يحفظ القلب طاهراً والذهن نقياً والسلوك مستقيم، الخوف الذي ينبغي أن يلازمنا في زمان غربتنا (۱بط  1 : 17 ) ويدفعنا لتتميم خلاصنا (في 2 : 12 ) . هذا الخوف لم نعد نلاحظه في أيامنا هذه ، تسرب من قلوبنا هذا الخوف المقدس وتسللت إلينا الاستهانة واللامبالاة، الاستخفاف بالمقدسات صار شائعاً وسط جماعات المؤمنين بشكل يدعو للفزع، وعندما نتلفت حولنا وننظر لأوضاع المؤمنين والكنائس وصدم بالخطايا المستترة والمعلنة تنتشر في كل مكان، وتفاجأ بالذات المتضخمة وهي تجاهر بوجودها وتسلطها في داخل الكنيسة، وعندما نبحث عن قضاء إلهي يعيد الأمور إلى نصابها ولا نجد، عندئذ لابد أن تخرج منا صرخة:

أين أنت يا روح النار ؟!

لماذا تسكت ولا تتكلم ؟ لماذا تترك الزوان ينمو في وسط الحنطة حتى أصبحنا نعيش في جو من الكذب والخداع والزيف، لم يعد هناك حد فاصل بين الحق والباطل، بين الثمين والرخيص، بين الذهب والتراب!!

لماذا تتركنا لأنفسنا ؟ لماذا تترك الذات تسود وتتحكم في وسط الكنيسة المدعو عليها اسم يسوع ؟ هل هذا هو قضاؤك علينا ؟ إن أقسى قضاء يمكن أن نقاسيه هو أن تفارقنا وتتركنا لأنفسنا !! إن نار حضورك يا روح الله أفضل بما لا يقاس من نار غيابك!! والخوف المقدس الذي تصنعه في القلب أعظم بما لا يقاس من الخوف المظلم الذي أصبحنا نعيش فيه من بعد غيابك!! ليتك تعود تنسكب علينا يا روح النار والقضاء، إننا في أشد الحاجة إليك!! (يتبع).

 

السبت، 25 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (31)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن عمل روح النار في يوم الخمسين كان أولا إظهار الصلاح الكامن في قلوب التلاميذ وتزكيته، واليوم نضيف أن الجانب الثاني لعمل الروح كان هو :

فضح الاثم وإدانته

رغم احتفاظ الأمة اليهودية بشكلها الخارجي كأمة متدينة تعبد الله الواحد وتختلف في ذلك عن الأمم الوثنية الموغلة في الشر والنجاسة والمتعبدة لأصنام جامدة، إلا أن الحق كما يراه الله كان أن قلب هذه الأمة يموج بكل نجاسات الأمم الأخرى وشرها، والفرق الوحيد هو أن الأمم الوثنية لا تجد غضاضة في المجاهرة بالشر لذلك فهي تمارسه علانية، أما الأمة اليهودية فهى تحاول الاحتفاظ بمظهرها المتدين لذلك فهي تمارس الشر في الخفاء !! وقبل أن يخرج الشر من القلب تغلفه بأوراق براقة، وكلما شعرت بنتانة العظام العفنة المدفونة في القلب لجأت إلى تبييض الجدران الخارجية وتزيينها !! وكلما ازداد الإثم في داخل الصحفة والكأس اللتان يقدمونهما لاطعام الشعب سعوا لتنقية خارجهما وتلميعه!! وكلما نمت النجاسة في داخل القلب أصروا على تقديس وتعظيم أهداب ثيابهم!!

كان الإثم في وسط الأمم يمارس علانية وكانت الهة الخشب والحجر تعبد في هياكل ضخمة واضحة للعيان، أما الأمة اليهودية فكانت تعبد نفس تلك الآلهة النجسة لكن في مخادع النفس الداخلية (حز( 8 : 12 !!

ولم يكن تمسكهم بالمظهر الحسن بدافع حبهم للنقاء أو رغبتهم في القداسة بل بدافع الاحتفاظ بنعرة التفوق على الآخرين والإحساس بالتميز الذي اكتسبوه في البداية عندما كان إله المجد يسكن في وسطهم، وبعد أن زال المجد وفارقهم الحضور الإلهي أبي القلب المتكبر الرديء إلا أن يظل يتعالى على الآخرين ويظل يفتخر بأنه أفضل منهم حتى بعد أن صار هذا الافتخار باطلا وفارغاً بلا مضمون.

غياب روح النار

كيف يمكن أن يعيش المجتمع بهذا الشكل من الخداع والرياء؟ وكيف يمكن أن تختبيء النجاسة خلف هذه المظاهر المقدسة؟ كيف أمكن لهذا الشعب أن يجمع بين الإثم والاعتكاف ؟! إن غياب روح النار هو الذي يعطي هذه الإمكانية!!

إن روح النار هو المسئول عن فضح الإثم وتعريته وإدانته، وفي حالة غياب هذا الروح المبارك يمكن للإثم أن يستتر في القلب لسنوات عديدة دون أن يراه أحد، بل يمكن أن يرسم لنفسه صورة خارجية جميلة تستأسر بإعجاب الناس وتقديسهم!! بل أحيانا قد يصل الأمر إلى حد أن صاحب القلب الأثيم قد يفقد إحساسه بإثمه ويصدق كذبه وينخدع بخداعه ويظن في نفسه القداسة فعلا!!

.. وعندما يحضر روح النار !!

لكن عندما يحضر روح النار يصير اختباء الإثم مستحيلا، فإزاء البر الحقيقي الذي أظهره الروح في الكنيسة ظهر أيضأ الخواء والشر الكامن في قلب الشعب اليهودي، وأمام بساطة ووداعة التلاميذ انفجر بركان كبرياء وقسوة اليهود ، وفي مواجهة المحبة التي ملأت جنبات الكنيسة تدفقت أنهار البغضة والحسد من قلوب الكهنة ورؤساء الشعب، وفي مقابل صدق واستقامة التلاميذ رأينا الكهنة ينتهجون منهج الكذب والإلتواء، لم يعد في إمكانهم الاحتفاظ بمظهر التقوى والورع بل رأيناهم ينحدرون في سلوكهم إلى سلوك المجرمين وقطاع الطرق (أع 23 : 15 ) !!

الحنطة والزوان

وهكذا بينما كان روح النار يضم كل يوم القديسين إلى جسد المسيح (أع 2 : 47 ) كان من الناحية الأخرى يفضح الخواء والشر المستتر في الأمة اليهودية، كان روح الحصاد يجمع الحنطة إلى المخازن وأيضا يجمع الزوان تمهيدا لحرقه، وبينما ربطت المحبة الأخوية بين جموع المؤمنين بالمسيح كانت البغضة والحسد والخوف على المصالح المادية تجمع اليهود معا ضد أتباع المسيح، وكان هذا التجمع إيذانا باقتراب القضاء السريع.

وبالفعل لم تمض سنوات كثيرة حتى أرسل الرب نيران تلتهم كومة الزوان الكبيرة، انهار الهيكل ولم يبق فيه حجر على حجر لم ينقض، واحترقت المدن وتهدمت المنازل وبنيها فيها ، وبينما كان تيطس الروماني هو الأداة المنفذة لهذا القضاء كان روح النار هو الحاصد الحقيقي، له كل المجد!! وللحديث بقية.

 

 

 

السبت، 18 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (30)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن روح النار أتى ليسكن في الكنيسة ليمارس فيها ومن خلالها عمله المبارك الذي كانت تشير إليه نيران مذابح العهد القديم، وقلنا إن هذا العمل مزدوج حيث إنه يزگی الصلاح ويظهره - مثل مذبح الذهب - ومن الناحية الأخرى يدين الشر ويحرقه كما كان يشير مذبح النحاس، وهذا العمل المزدوج هو ما نريد الآن أن نتتبعه عملياً في حياة الكنيسة الأولى:

اظهار الصلاح

عندما عاش رب المجد في وسط تلاميذه استطاع بروح الوداعة أن يزرع في أعماقهم بذور الصلاح الحقيقي، سواء بواسطة كلامه الثمين الذي أعلن فيه طبيعة البر الذي يريده الله، أو بحياته الكريمة التي ترجم فيها هذا البر عملياً ، لقد سمعوا منه عن الصلاة التي ترضى الآب ورأوه يصلي أمامهم هذه الصلاة، سمعوا منه عن المحبة للقريب وللعدو ورأوا فيه هذه المحبة متجسدة ، سمعوا منه عن القداسة الحقيقية وليست المظهرية، ورأوا فيه هذه القداسة وهي تتعامل مع أشر الناس وأحط دركات المجتمع، قداسة لم تستطع نجاسة الإنسان أن تلوثها بل استطاعت هي أن تهزم النجاسة وتطلق كثيرين من قيودها أحراراً.

وهكذا انزرعت في قلوبهم بذور الصلاح الحقيقي، ما لم يفهموه بالأقوال فهموه من الأعمال، وما لم تشرحه لهم كلماته شرحته لهم لمساته، والقلوب التي لم تنفتح أمام إعلانه انفتحت أمام محبته وغفرانه، خلاصة القول إن الرب ترك قلوباً مملوءة بمعرفة الصلاح، وهم من ناحيتهم أحبوا هذا الصلاح الذي رأوه في سيدهم، وفي نوره اكتشفوا زيف الصلاح المظهري الذي كان يملأ الساحة حولهم، ولم يعودوا يستطيعون العيش بمقاييس البر الإنساني بل صارت قلوبهم تشتاق لأن تحيا على نفس مستوى البر الذي رأوه في يسوع.

.. ولكن !!

كان هناك ما يمنع أن تنمو هذه البذار الثمينة وتتحول إلى حياة عملية، فمن الخارج كان المناخ الروحي المحيط بهم لا يسمح لهم بهذه الحياة، ومن الداخل كان ينقصهم الجرأة والقوة والسلطان لكي يعيشوا هذه الحياة ضد المناخ الروحي المضاد لهم، البذور الموجودة في قلوبهم لم يكن متوفرة لها القدرة ولا الظروف المناسبة لكي تنمو وتزهر وتثمر، الله وحده كان يرى في أعماق هذه الجماعة كنزاً من بذور الصلاح الحقيقى ولكنه كنز غير معلن ولا يراه أحد من الناس، وهنا يأتي دور...

روح الحصاد

الروح الذي حضر في عيد الحصاد ( يوم الخمسين) لكي يميز بين الحنطة والقش، فيجمع الحنطة إلى المخازن وأما القش فيحرقه بنار، وهو نفسه روح النار الذي يميز بين الذهب والزغل، فيلمع الذهب و يزكيه ويحرق الزغل، إنه الروح الذي اختار أن يأتي في هيئة ألسنة من نار في يوم عيد الحصاد لكي يعلن لنا طبيعة عمله في الكنيسة، لقد أتى لكي يساعد هذه البذور لكي تعيش وتمتد إلى أقصى مدى لها، أتى لكي يوفر لها المناخ المناسب ويمنحها القدرة للنمو، لم يأت روح يوم الخمسين لكي يزرع بذورة جديدة فالزارع هو رب المجد يسوع، لكنه أتى لكي يعطى للبذور المدفونة إمكانية الظهور على وجه الأرض لكي يراها الجميع، أتى لكي يجسد الصلاح الذي زرعه الرب في قلوب أتباعه و يزكيه ، أتي لكي  يحول المعرفة إلى أعمال علانية، أتى لكي يجعل هذه الجماعة الصغيرة تمارس سلوكا يصعد بخوراً طيباً أمام الآب السماوي، الأمر الذي كانت تشير إليه نيران مذبح البخور لمئات السنين، فالآب لم تكن تشبعه رائحة البخور بل كان يشتاق إلى الصلاح الحقيقي الذي يخرج من أناس حقيقيين أحبوا إلههم بحق وعاشوا أمامه بقداسة حقيقية، وفي ملء الزمان استطاع الرب يسوع أن يغرس هذا الصلاح الحقيقي في قلوب أتباعه، وعندما أتى يوم الخمسين واشتعلت نار الروح في هذه القلوب فاحت رائحة الصلاح الحقيقي وغطت كل المسكونة.

الأساس والبنيان

بعبارات أخرى نقول إن تعاليم الرب لتلاميذه كانت الأساس الثابت على الصخر في قلوبهم، لكنه مدفون في العمق لا يراه أحد، ولقد أتي الروح لكي يبني على هذا الأساس بنيانة عالياً يرتفع فوق الأرض ليراه الجميع، لم يأت الروح المبارك ليضع أساسا جديدا بل لكي يجعل الأساس الذي وضعه الرب معلناً وظاهراً في هيئة أعمال منظورة يراها العالم ويلمسها، ويشبع بها الآب ويرضى، هذا هو العمل الأول لروح النار: تزكية الصلاح وإعلانه (يتبع).

 

 

 

السبت، 11 فبراير 2023

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله (29)

بقلم : فخرى كرم

رأينا النار في العهد القديم ترمز للروح القدس في عمله القضائي ، روح القداسة الذي ينتقم من الشر و يزكي الخير، روح الحصاد الذي يفصل بين الحنطة والزوان، الروح الذي قال عنه أشعياء : «روح القضاء وروح الإحراق » ( إش 4 : 4 ) .

ولقد بدأ هذا الرمز بسيف النار المتقلب في طريق شجرة الحياة، ثم استمر بعد ذلك من خلال مذبحي النحاس والذهب الموجودين في الهيكل حتى مجيء الرب وتكوين الكنيسة، وعندئذ كان لابد للرمز أن ينتهي لتحل محله الحقيقة الحية بكمالها وجمالها، لأن الروح لا يمكن أن يظل محصوراً في رمز مهما كان مقدساً، ولا يمكن أن يمارس عمله من خلال طقس مهما كان سامياً، لقد ظل الروح يشتاق إلى كيان حي يمكن أن يسكن فيه ويمارس من خلاله عمله القضائي في الأرض ، كيان كبير متعدد الأطراف والمواهب يمكنه أن يحتوي كل إظهارات الروح بتعددها وتباينها ، كيان طاهر يحتمل قداسته دون أن يحترق، كيان يقبل أن يبدأ القضاء فيه أولا، لأن ابتداء القضاء دائما من بيت الله (۱بط 4 : 17 ) ، ولقد وجد الروح هذا الكيان في الكنيسة استطاع الرب يسوع من خلال حياته القصيرة، وروح الوداعة التي ملأته، ودمه الكريم الذي سفكه، وجسده الذي بذله، أن يصنع هذه الكنيسة، مجموعة من الناس صارت أنقياء بسبب الكلام الذي كلمهم به (يو15 : 3 ) مجموعة حمل هو خطاياهم واحترق بها على الصليب لكي يقدم للروح القدس « مسكناً » طاهراً مغفور الإثم يمكن أن يسكن فيه إلى الأبد (يو 14 : 16) ويمارس من خلاله عمله القضائي في العالم (يو 16 : 8) كيان عجيب متعدد الأشكال والنوعيات يمكن للروح أن يفيض فيه بصور متعددة ويستخدمه في إرساليات متباينة الأشكال والأغراض، كيان رغم اتساعه وتباينه إلا أنه كيان واحد مترابط، له رأس واحد ويسكن فيه روح واحد (رو 12 : 4 ـ 12 ) .

الكنيسة هي مسكن الروح القدس وموطىء قدميه في هذا العالم الأثيم، العالم الذي لا يعرف روح القداسة ولا يستطيع أن يعرفه أو يقبله (يو14 : 17 ) لأنه عالم اختار النجاسة منهجاً والخطية طريقاً وإبليس إلهاً ورئيساً، هذا العالم لا يعرف القداسة ولا يريد أن يعرفها ، لذلك لا يوجد لروح القداسة مكان يمارس من خلاله عمله إلا داخل ومن خلال الكنيسة التي غسلها الرب يسوع بدمه، هذا هو الكيان الوحيد الذي يحتمل نار قداسة الله بل ويحبها !! الكنيسة هي الكيان الوحيد الذي يقبل قضاء الله بل ويفرح به!! إنها العليقة الوحيدة التي يمكن أن تشتعل فيها نار قداسة الله دون أن تحرقها.

بين الرمز والحقيقة

لم يكن ممكناً أن يسكن الروح في الرمز  ويمارس عمله في الطقس، فنار مذبح النحاس لم تستطع أن تنزع الخطية من قلوب مقدمي الذبائح، لذلك ظل الروح يشتاق إلى كيان حي يحرق فيه وبه الخطية من قلوب الناس فعلا، والله لم يشبع قط من رائحة البخور المتصاعدة من نار مذبح الذهب، لذلك ظل الروح يشتهي كيانا بشرياً يستطيع أن يرفع منه وبه عبادة وسجودا مشبعاً لقلب الله حقا، ومن قال أن سيف نار متقلب في يد كروبيم يمكن أن يعلن موقف الله من خطية الإنسان، بل ظل الروح ينتظر أن يسكن في كيان إنسان يستطيع فيه وبه أن يبكت العالم على خطيته ويعلن عملياً أن الخطية هي التي فصلت بين الإنسان والحياة الأبدية.

ولقد استطاع الرب يسوع بروح الوداعة أن يبني هذا الكيان الإنساني البشري الحي ليسكن فيه روح القداسة ويعلن فيه وبه قداسة الله وقضاءه، ولقد أعلن الروح المبارك عن قبوله ورضاه بالسكني في هذا الكيان عندما حضر في يوم الخمسين وحل على كل واحد من الموجودين في العلية في هيئة ألسنة منقسمة من نار، ليعلن أن الروح الذي سكن في هؤلاء هو ذات الروح الذي أشارت إليه نيران المذابح التي ظلت مشتعلة طوال العهد القديم، وأنه سيعمل فيهم وبهم ما عجزت عن فعله المذابح الرمزية والنيران الطقسية.

عطاء متبادل !!

إذا كان الأب قد هيأ للابن جسدا ليدخل به إلى العالم (عب 10 : 5 ) فإن الابن قد هيأ مسكناً للروح القدس ليسكن فيه في العالم، وهذا المسكن هو الكنيسة، والروح القدس بدوره سيهييء هذه الكنيسة لتكون عروساً للابن (رؤ 21 : 2 ) ومن الناحية الأخرى سيهيئها لتكون مسكناً لله الآب مع الناس (رؤ 21 : 3 ) ، إن المحبة والعطاء المتبادلين بين الأقانيم هما أعظم مما تدركه عقولنا، لكن ما ندركه فعلا هو أنه طوبى لمن له نصيب في كنيسة الله الحقيقية، مسكن الله الأبدي مع الناس !! (يتبع).

 

 

الأحد، 5 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (28)

                               بقلم : فخرى كرم

أول ما رأينا النار في الكتاب المقدس كانت تقف عقبة في طريق شجرة الحياة، ثم رأيناها ثانياً في مدخل خيمة الاجتماع تقف عقبة أيضا في الطريق إلى المقادس، كان الله يعلن بهذه الصور الرمزية أن قداسته وقضاءه على الخطية هما العقبة التي تحول دون وصول الإنسان إلى الشركة مع الله، ولكن الصورة الرمزية الموجودة في خيمة الاجتماع أضافت بعداً جديداً لعمل النار، نراه في

مذبح البخور

لا نرى النار مرة واحدة في خيمة الاجتماع بل مرتين، حيث كان هناك مذبحان ينبغي أن تبقى النار مشتعلة فيهما باستمرار، الأول هو مذبح النحاس في مدخل خيمة الاجتماع وكانت تقدم عليه الذبائح الدموية، ورأينا كيف أنه يشير إلى قداسة الله التي تنتقم من الشر، ولأن الذبائح الحيوانية ومقدميها لم يكن فيهم ما يرضي الله كانت النار تشتعل في الذبيحة ولا يبقى أمام مقدميها سوى أن يعودوا أدراجهم دون أن يطمعوا في مواصلة الاقتراب إلي ما داخل الخيمة.

لكن ما أعطى الأمل لمواصلة الدخول إلى الأقداس هو أن هناك مذبحة آخر من الخشب المغشى بالذهب كان موجوداً في داخل القدس أمام الحجاب المؤدي إلى قدس الأقداس مباشرة. وعلى هذا المذبح كانت تشتعل دائماً النار ولكن ليس لكي تحرق ذبيحة دموية بل لكي تذيب البخور العطر وتصعد به رائحة سرور أمام الرب دائما.

عملان للنار

أي أن النار لم يكن لها عمل واحد في الخيمة بل عملان، كانت تحرق الذبائح الدموية للتكفير عن الخطية وكانت تحرق البخور لإصعاد رائحة طيبة أمام الرب، وهذا يشير إلى العمل المزدوج لروح النار: إنه ينتقم من الخطية الموجودة في الإنسان وفي نفس الوقت يزكّى الصلاح الموجود في الإنسان ويرفعه أمام الله رائحة طيبة.

إن قداسة الله ليست سلبية فقط في عملها بل إيجابية أيضا، أي أنها لا تنتقم من الشر فقط بل أيضا تزكّى الخير، قداسة الله إذا ما صادفت صلاحا فإنها تحيطه وتغذيه و تزكيه وترفعه إلى أمام عرش الله، إنها لا تحرق المعادن الرخيصة فحسب بل أيضا - وفي نفس الوقت - تلمع الذهب وتنقيه وترفع من قيمته، إنه ذات عمل الحصاد المقترن بروح النار في يوم الخمسين حيث يحترق القش بالنار بينما يتزكّى القمح ويجمع إلى المخازن.

وإذا كان مذبح النحاس محاطاً دائماً بالدم والرماد فإن مذبح البخور كان يقترن دائماً برائحة عطرية جميلة، وإذا كان مذبح النحاس في الخارج بعيداً عن الأقداس فإن مذبح البخور في داخل الأقداس مباشرة، إشارة إلى أن الخطية أبعدت الإنسان عن محضر الله بينما البر  يقترب به من محضره القدوس.

إلى ماذا يشير مذبح البخور ؟

أراد الله أن يضيف بعداً جديداً للصورة الرمزية التي رأيناها في سيف النار المتقلب وفي مذبح النحاس، وهو أن هناك أملا للإنسان للتقدم إلى داخل الأقداس، وذلك في حالة واحدة وهي وجود الإنسان الذي يستطيع أن يجتاز نار قداسة الله المنتقم من الشر وتظل حياته مرضية أمام الله ويصعد منها رائحة سرور لقلبه، إنسان إذا اشتعلت فيه نار قداسة الله لا تحرقه كله بل تجد فيه ذهبا يشبع قلب الله، في هذه الحالة فقط لن تتوقف مسيرة الإنسان عند مدخل الخيمة بل ستمتد إلى أمام العرش، إلى مذبح البخور!!

هوذا ابني الحبيب الذي به سررت !!

وظلت هذه الصورة الرمزية قائمة طالما ظلت غير متممة، وطالما لم يأت الإنسان الذي يمتلك القدرة على حمل الخطية واجتياز عقابها كاملا وفي نفس الوقت يقدم حياة مشبعة لقلب الآب، إلى أن جاء رب المجد الذي جعل نفسه ذبيحة إثم ( إش 53 : 10 ) وفي نفس الوقت أدخل السرور لقلب الآب (مت 3 : 17 ) وعندما اشتعلت فيه نار قداسة الله قدم حياة كاملة وموتا كاملا، حياة كاملة لسرور الآب وموتا كاملا للتكفير عن خطايانا ، ولذلك لم تنته حياته الكريمة في نار الصليب بل تزكت ولمعت وقامت من بين الأموات وصعدت لكي تبقى ماثلة أمام الآب رائحة طيبة إلى أبد الدهور.

وبمجيء هذا المخلص المبارك انتهى الرمز إلى الأبد، انشق الحجاب وانهدم الهيكل ومذابحه، وانتهى العمل بهذه الصور الرمزية بعدما صارت الحقيقة الكاملة في متناول أيدينا ، وبعدما صار طريق الأقداس مفتوحاً أمام كل من يختبيء ويتحد بهذا المخلص العظيم، وللحديث بقية.

 

 

الاثنين، 23 يناير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (27)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح القداسة والقضاء الذي اتخذ لنفسه النار رمزا على مدى تاريخ شعب الله في العهدين القديم والجديد، ورأينا كيف أنه يتبع روح الوداعة في ترتيب تعاملات الله مع الإنسان،

وأول ما رأينا هذا الترتيب رأيناه في جنة عدن، ورأينا أول صورة رمزية لروح القضاء في هيئة سيف النار المتقلب الموضوع لحراسة طريق شجرة الحياة، إذ صارت قداسة الله وقضاؤه هما العقبة في طريق الإنسان إلى الحياة الأبدية. ولقد استمر نفس هذا الترتيب في تعاملات الله مع :

الشعب القديم

بدأ الله تعامله مع شعبه القديم - شعب إسرائيل - بروح النعمة والوداعة التي تعطى للإنسان حقوقه بسخاء وبلا مقابل، أعطاهم حقهم في أن يكونوا شعباً مستقلا يملك حرية الإرادة والفعل بعد أن كانوا عبيدا ، وأعطاهم حقهم في وطن بعد أن كانوا غرباء، وبعد أن أخذوا كل شيء أعطاهم الله الناموس وطالبهم بأن يسلكوا بموجب قداسته، وهكذا نرى مرة أخرى روح الوداعة تعطى للإنسان كل حقوقه قبل أن تطالبه روح القداسة بالمردود، فالله لم يكن ممكناً أن يعطى الناموس للشعب وهو بعد في أرض العبودية مسلوب الإرادة ومقيد الفعل، ولكن بعد أن أعطى الله للشعب حقه في حرية الإرادة والفعل أعطاه الناموس، فالناموس هو مطالب قداسة الله من الإنسان الذي استمتع بحريته، هو الحصاد الذي يبتغيه الله من أرض الإنسان التي عملت فيها النعمة كثيرة.

ولأن الناموس هو الممثل لمطالب قداسة الإنسان لذلك رأينا النار تميز وقت تسلم موسى للوحي الشريعة «كان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنــار» (خر 19 : 18 ) .

الفشل .. مرة أخرى !!

 لكن كما فشل الإنسان في جنة عدن في التجاوب مع نعمة الله، وفشل آدم في أن يعطى لله حصادا مشبعاً رغم الزرع الجيد الذي زرعه الله في حقله، نرى هنا أيضأ الشعب يفشل بعد كل إحسان الله ويظهر عدم طاعة لمطالب قداسته، ويثبت أن طبيعة القلب البشرى تحب الزيغان والابتعاد عن الله. وأن ما فعله آدم في جنة عدن لم يكن فعلا فردياً بقدر ما هو اتجاه جماعي للجنس البشري كله.

وفشل الإنسان مرة أخرى كان متوقعاً ولذلك وضع الله في الناموس شريعة تشرح كيفية التعامل مع الخطية، شريعة ترسم أمامنا صورة رمزية أخرى لقداسة الله وموقفها من الإنسان، نقصد بها شريعة :

ذبيحة الخطية

إذا أخطأ الإنسان كان يتقدم بذبيحته إلى الكاهن في باب خيمة الاجتماع أو مدخل الدار الخارجية في الهيكل، وكان يراها وهي تذبح ثم تشتعل فيها النار على مذبح النحاس، ومرة أخرى نرى الموت يقترن بالنار في ذبيحة الخطية إشارة إلى قداسة الله التي تطالب بالموت لكل ما في باطن الإنسان، وكما رأينا سيف النار المتقلب يقف في طريق الإنسان إلى شجرة الحياة نرى هنا مذبح النحاس يقف عقبة في طريق الإنسان إلى داخل خيمة الاجتماع، والمعنى واحد في الحالتين ألا وهو أن قداسة الله وقضاءه هما العقبة أمام الإنسان للتمتع بالشركة مع الله الموجود - بحسب الرمز - في داخل قدس الأقداس، كان مذبح النحاس هو أول ما يصادفه الإنسان المقترب من خيمة الاجتماع وكان في نفس الوقت آخر ما يجرؤ على الاقتراب منه!! كان الإنسان يتقدم بذبيحته إلى مذبح النحاس ثم يعود أدراجه مبتعدا عن الخيمة لأنه لم يكن مسموحاً للشعب أن يجتاز المذبح إلى ما داخل الخيمة.

قصد الله

كان قصد الله من هذه الصورة الرمزية المتكررة في نظام الذبائح هو أن يبقى ماثلا في ذهن الشعب أن قداسة الله لا تقبل خطايا الإنسان ولا تتعايش معها، وأن من يجرؤ على الاقتراب من محضر الله يعرض نفسه للموت، وإن كان الله في رحمته سمح للإنسان أن يقدم ذبائح حيوانية بدلا عن نفسه ويشاهدها وهي تموت وتشتعل فيها النار حتى الاحتراق، فقد كان هذا ليس لأن الذبائح يمكن أن ترفع الخطية لكن لكي يبقى هذا الحق حيا في ضمير الشعب كل يوم، ألا وهي أن من يريد التمتع بمحضر الله ونعمته ينبغي أن يجتاز نار حكمه وقداسته، ولأن أحدا لم يستطع أن يجتاز هذه النار ويبقى حياً لذلك ظل طريق الأقداس مغلقاً حتى مجيء المخلص، وللحديث بقية