الأربعاء، 17 مايو 2023

أحاديث من القلب

سبعة أرواح الله (38)

بقلم : فخرى كرم

بعدما تحدثنا عن الصورة الرمزية للحمامة والتي تشير إلى روح الوداعة، وعن الصورة الرمزية للنار والتي تشير إلى روح الامتحان والقضاء، وعن الصورة الرمزية للمياه والتي تشير إلى روح الارتواء، نبدأ اليوم حديثنا عن صورة رمزية رابعة لروح الله، ألا وهي صورة :

الريح

في حديث الرب مع نيقوديموس شبه عمل الروح بعمل الريح: « الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي  ولا إلى أين تذهب ، هكذا كل من ولد من الروح » ( يو 3 : 8 )

ولقد أكد الروح هذا التشبيه عندما اختار أن يحضر في يوم الخمسين مصحوباً من السماء كما من هبوب ريح عاصفة» ( أع 2 : 2 )  مما يشير إلى أن الله يريد أن يقرب لأذهاننا جانبا آخر من جوانب عمل روح الله المتعددة، وهذا الجانب هو:

العمل الخفي

 الريح خفية لا نستطيع أن نراها ، لأن العين الإنسانية تعجز عن ملاحظة جزئيات الهواء شديدة الدقة، كما أنها لا تستطيع أن ترى مناطق الضغط الجوي التي تتحكم في مسار الريح، كل ما نستطيع أن نراه هو تأثير الريح على الأجسام المرئية، إننا نعرف أن هناك ريح عندما نرى الأغصان تتمايل والأوراق تتطاير والطواحين تدور.

وهذا ما أراد الرب أن يقوله عن عمل الروح، إنه من المستحيل على الإنسان أن يدرك تماما طبيعة عمل الروح أو يعرف على وجه اليقين الدافع المحرك له أو الهدف الذي يرمي إليه، كل ما يستطيعه الإنسان هو معرفة أن الروح يعمل إذا ما رأى تأثيراته في داخل النفس الإنسانية، إذا ما رأينا النفس تتمايل وتسقط تحت تأثير تبكيت الروح، أو رأيناها تطير وتحلق في الآفاق الروحية متحررة من جاذبية الجسد والعالم تحت تأثير تعزية الروح، أو رأيناها تعمل أعمالا روحية نقية وخالية من شوائب الذات الإنسانية الرديئة تحت تأثير مواهب الروح، فعندئذ فقط نعرف أن الروح يعمل!!

قصور إنساني وليس غموض إلهى !!

 إن سر خفاء عمل الروح ليس ميل إلهنا للغموض والاختفاء، حاشا، بل السبب هو قصور الروح الإنسانية عن فهم وملاحظة دقائق عمل روح الله المبارك، إلهنا يريدنا أن نعرف كل شيء (يو ۱۵:۱۵ ) لكن المشكلة هي أننا لا نستطيع أن نفهم أو نقبل كل شيء (يو 16 : 12 ) ولهذا يضطر الرب أحياناً كثيرة للتعامل معنا بشكل خفي وغامض وغير مفهوم.

لقد تمنى الرب أن يشرح لتلاميذه قبل الصليب كيفية سير الأحداث القادمة لكي يحميهم من الخوف والانزعاج، لكن القصور كان في قدرة التلاميذ على الاحتمال، لذلك اضطر الرب أن يتركهم في مهب «الريح» حيث تجرفهم الأحداث وهم لا يفهمون شيئا ، ليس لأنه أراد أن يخفى عنهم عمله بل لأنهم بطيئو القلوب في الإيمان.

نفس المفهوم قاله الرب لبطرس: «لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك حيث لا تشاء» ( يو 21 : 18 ) وهو ما يعني أن الإنسان الطبيعي يجب أن يمشي حيث يريد وحيث يفهم، أما الإنسان الروحي فهو يسلم قيادة حياته للروح الذي أحياناً كثيرة يقوده إلى حيث لا يريد ولا يفهم!!

التعامل مع روح «الريح» ليس سهلا على الطبيعة البشرية التي تريد أن تفهم كل شيء قبل أن تتحرك، تريد أن تعرف كيف ستسير الأمور قبل أن تخطو خطوة واحدة في الطريق، الإنسان بطبعه يخشى المجهول ولا يحب السير في طريق غير معروف، لكن من يريد التعامل مع روح «الريح» لابد أن يجتاز كثيراً في الغموض والمجهول!!

السيناريو المسبق

يميل الذهن البشرى دائما لرسم سيناريو مسبق للأحداث المستقبلة لكي يطمئن ويستطيع أن يخطو للأمام، يتخيل كيفية سير الأحداث في الأيام القادمة ويتوقع فيها الخير لكي يجد الدافع للاستمرار، لكن أحيانا كثيرة نجد الله يقود الأحداث في مسار مخالف للسيناريو الذي رسمناه لأنفسنا ويقودنا لأوضاع لم تكن في حسباننا مما يجعلنا نشعر بالاضطراب، والحقيقة أن سبب اضطرابنا ليس المسار الذي اختاره الله لنا بل مخالفة هذا المسار لتوقعاتنا المسبقة، إن خطورة توقع سيناريو مسبق للأحداث هو أننا نفقد مرونتنا في يد روح «الريح» ولا نستطيع أن نميل معه حيث يقودنا بسهولة ويسر، وهذا ما سنراه بوضوح أكثر في المرات القادمة بإذن الله.

 

 


الجمعة، 12 مايو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (37)

بقلم : فخرى كرم

قلنا عن روح المياه المبارك أنه يقدم للإنسان ارتواءً داخلياً ودائماً وسهلاً ونقياً، ارتواءً فائضاً في اتساعه وأبدياً في عمقه ومداه ، ونختتم اليوم حديثنا عن الصورة الرمزية للمياه بتأملنا في بعض الأجزاء الكتابية الخاصة بهذه الصورة.

أرواح الجفاف

« إذا خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن  ليس فيها ماء يطلب راحة»

(مت مت 12 : 43 )

 أرواح الشر تبحث عن راحتها في الأماكن التي ليس فيها ماء، أي التي ليس فيها عمل للروح القدس، لأن عملها معاكس لعمل روح المياه المبارك، إنها تعمل لتجفيف المنابع في حياة الإنسان مما يؤدي إلى العطش واليبوسة ومن ثم إلى الموت النفسي والروحي، إن  كل شيء تلمسه أرواح الشر يتحول إلى الجفاف واليبوسة، العلاقات الاجتماعية التي من المفترض أن تكون مصدراً لراحة الإنسان تتحول إلى مصدر للضيق والحزن، الممتلكات المادية التي من المفترض أن تمنح الإنسان السعادة تتحول تحت سطوة أرواح الشر إلى مصدر للكآبة والخوف والقلق... وهكذا تتحول حياة الإنسان إلى أرض جدباء ليس فيها ماء.

ترك لوط إبراهيم مع خيمته المتواضعة ومذبحه المقدس واختار أن يسكن في أرض خصبة كجنة الرب بحثا عن حياة أكثر راحة وارتواء، لكن بسبب أرواح الشر التي سادت وامتلكت شعوب تلك المنطقة تحولت هذه الأرض عينها إلى سبب للألم والعذاب والخسارة طوال حياة لوط، وبدلا من أن تكون «جنة» أصبحت «جحيماً» يحرق بيته وأولاده وكرامته وكل شيء، بينما كان إبراهيم في هذا الوقت ينعم بالشبع والارتواء الداخلي تحت سلطان روح المياه المبارك.

الروح النجس إذا تمكن من الإنسان يجعله «ييبس» (مر9 : 18 ) حتى عندما أحاطت أرواح الشر بشخص الرب له كل المجد على الصليب حولت رطوبته إلى يبوسة القيظ (مز 32 : 4 ) ويبست مثل شقفة قوته (مز 22 : 15 ) . ويل لمن يقع تحت سلطان أرواح الشر هذه ، إنه حقا بائس ومسكين.

دعوة للارتواء

« البائسون والمساكين طالبون ماء ولا يوجد، لسانهم من العطش قد يبس ، أنا الرب أستجيب لهم... أفتح على الهضاب أنهاراً وفي وسط البقاع ينابيع، أجعل القفر أجمة ماء والأرض اليابسة مفاجر مياه » ( إش 41 : 17 ، 18 )

لمثل هؤلاء المساكين الذين وقعوا تحت سلطان أرواح الشر يقدم الرب هنا دعوة للارتواء، إذا وضعوا حياتهم تحت سلطان روح الله المبارك فهو يحول الأرض اليابسة إلى جداول مياه وواحة ارتواء، ويطرد أرواح الشر من الحياة لأنها لا تستطيع أن تعيش حيث توجد المياه !!

أحيانا نظن أننا لو لم نمر بظروفنا القاسية الحاضرة لكان وضعنا أفضل وراحتنا أكثر، لو لم نجتاز الهضاب الوعرة والبرية القاحلة لكان هذا أفضل، لكن الرب هنا يقدم لنا وعدا أن هذه الهضاب نفسها ستحمل لنا الارتواء وهذه البرية ذاتها ستجرى فيها الأنهار، هذا هو سلطان روح الله المبارك إذا وضعنا أمامه حياتنا بكل ما فيها من آلام وجفاف ويبوسة.

كانت مريم ومرثا تظنان أن الأفضل لو لم يمت أخاهما ، لكن الرب حول بحضوره هذا الموت عينه إلى مادة للفرح والتعزية والابتهاج، وظن إبراهيم أن تقدمه في السن هو شيء سييء لكن الرب حول هذا الأمر عينه إلى مادة للمعجزة التي خلدت على مدار السنين، وظن يوسف أن عبوديته وسجنه هي مرحلة جدباء في حياته لكنه اكتشف أن روح الله قادر أن يستخدم هذه المرحلة عينها لنضوجه ومجده !!

هل تقبل دعوة الرب للارتواء؟ هل تضع حياتك تحت سلطان روح الله القدوس ؟

تحذير !!

« يا أبي إبراهيم ، ارحمنى وأرسل لعازر ليبل طرف اصبعه بماء ويبرد لساني لأني معذب في هذا اللهيب» ( لو ۱6 : 24)

أما كل من لا يقبل دعوة الرب للارتواء ويظل واضعاً حياته تحت سلطان أرواح الشر فلابد أن يأتي يوما يشتهى فيه قطرة ماء واحدة ولا يجد!! سيشتهي لمسة واحدة أو كلمة واحدة من تلك التي يستهين بها اليوم ولكن الوقت سيكون قد فات، لذلك ليتك تفتدي الوقت وتضع حياتك الآن في يد روح المياه المبارك قبل فوات الأوان (يتبع).

 

الثلاثاء، 2 مايو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (36)

بقلم : فخرى كرم

تكلم الكتاب عن الروح القدس في (إر 2 : 13 ) باعتباره ينبوع الماء الحي، إشارة إلى أن الارتواء الذي يعطيه الروح للإنسان هو ارتواء من الداخل وليس من الخارج، وارتواء دائم في كل الظروف وليس مؤقتا ، كما أنه ارتواء سهل لا يحتاج إلى مجهودات الإنسان العقيمة، وارتواء نقى غير مشوب بعكارة الأرض . واليوم سنضيف من أقوال الرب في إنجيل يوحنا أبعاداً جديداً لهذا الارتواء المبارك، فهو أيضا

ارتواء أبدى

في حديث الرب مع المرأة السامرية قال لها: «كل من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية» وهنا يشير الرب مرة أخرى إلى عطية الروح باعتبارها ينبوع ماء ولكنه يضيف أن هذا البنيوع ينبع إلى مدى أبدی، والأبدية لا تعني فقط المدى الزمني غير المحدود بل تعني أيضا العمق غير المحدود، فالحياة الأبدية لا تعني فقط الحياة إلى مدى زمني غير محدود لأن الأشرار سيظلون أيضا في جهنم إلى مدى زمني غير محدود ، لكن الحياة الأبدية تعني الحياة التي تربط بين أعماق الإنسان وأعماق الله غير المحدود، إنها شركة مع الله غير محدودة في عمقها وفي مداها ، لذلك نحن نتمتع بالحياة «الأبدية» ونحن بعد على هذه الأرض المؤقتة.

لقد جعل الله الأبدية في قلب الإنسان (جا 3 : 11 ) وهذا يعني أن الإنسان بداخله جوع للأمور الأبدية، الحيوان يكفيه من الحياة أن يأكل ويشرب أما الإنسان فلا يستطيع أن يحيا بالخبز وحده ، نسمة الله التي في داخله تجعله يتوق إلى شركة مع الله لا حدود لمداها ، شركة تصل إلى كل أعماقه الأبدية وتشبعها، الإنسان يحتاج إلى حب أبدى ( إر ۳:۳۱ ) وفرح أبدى ( إش 61 : 7 ) وحماية أبدية (تث 33 : 27 ) ... إلخ.

لذلك فكل المشاعر الإنسانية السطحية والعلاقات الاجتماعية الخارجية لا تستطيع أن تشبع العمق الأبدي في قلب الإنسان، وهذا ما أراد الرب أن يقوله للسامرية التي اختبرت علاقات اجتماعية متعددة ومشاعر عاطفية متنوعة ومع ذلك ظل عطش قلبها كما هو، لم يستطع أي إنسان أن يملأ قلبها الأبدي، الأمر الذي لا يستطيعه سوى روح المياه المبارك لأنه ينبع إلى العمق الأبدي في قلب الإنسان.

هل اختبرت هذا الارتواء الأبدى أم مازلت تأمل خيراً في مياه كل من يشربها يعطش أيضا ؟!

ارتواء فائض

في اليوم الأخير العظيم من العيد نادى يسوع قائلا «إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب، من آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي» ويؤكد لنا يوحنا أن الرب قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون مزمعين أن يقبلوه.

وفي هذا الجزء يضيف الرب أن ارتواء الروح ليس ذاتياً محدوداً باحتياج الإنسان بل هو فائض يملأ الكيان ثم يجري أنهارا لارتواء الآخرين أيضا، ولأن طبيعة الروح هي المحبة والعطاء لذلك بمجرد أن يجد لنفسه أرضا في قلب إنسان ما نجده يفيض منه إلى كل المحيطين به، انظر إلى الرب يسوع أثناء حياته على الأرض ستجد أن كل من اقترب منه نال الشفاء، ذلك لأن الروح الذي فيه من طبعه الفيض والانتشار بل انظر إلى التلاميذ بعد يوم الخمسين ستجد نفس الميل للفيض والانتشار حتى أن ظل بطرس ومآزر بولس نشروا الشفاء في كل مكان!!

لا نجد هذا الميل والانتشار في متع العالم وملذاته التي تتميز دائما بالأنانية والذاتية، وفي سبيل حصولنا عليها نضطر أحيانا أن ندوس على الآخرين، وإذا حصلنا عليها لا نستطيع أن نقتسمها مع الآخرين لأنها محدودة وإذا توزعت على أكثر من فرد نقصت قيمتها، أما عطية الروح فهي العطية الوحيدة التي إذا تشاركنا فيها مع الآخرين ازدادت، ألم يقل الكتاب: «المروي هو أيضا يروى » (أم 11 : 25 ) كلما أعطيت الآخرين من المياه التي عندك ستجد أنها تزداد وتفيض كالأنهار، أما إذا أردنا أن نحصرها في ذواتنا سنجد هذا الفيض يتوقف!! ولنا في قصة الأرملة ودهنة الزيت مثلا (۲مل 4 ) كلما كانت هناك أواني فارغة كلما فاضت دهنة الزيت وملات كل الأواني، وعندما لم يعد هناك المزيد من الأواني الفارغة توقف الفيض!!

هل يشعر المحيطون بك بهذا الفيض من داخلك ؟! (يتبع).

 

السبت، 29 أبريل 2023

أحاديث من القلب

 سبعة أرواح الله (35)

بقلم : فخرى كرم

روح الله يعطي الحياة للإنسان كما يعطي الماء الحياة لكل كائن حي، ولقد استخدمت الصورة الرمزية للمياه عدة مرات في الكتاب المقدس، وفي إحدى هذه المرات قارن الرب مقارنة بليغة بين استقاء المياه من الينبوع والبئر

          «شعبي عمل شرين : تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أباراً أباراً مشققة لا تضبط ماء » ( أر ۲ : ۱۳ )

الينبوع والبئر كانا من وسائل استقاء الماء في أرض إسرائيل القديمة، وكان الفرق بينهما كبيراً ، فالينبوع هو مياه جارية (حية) تنفجر من عمق الأرض بشكل تلقائي وبدون مجهود من الإنسان . وعادة تكون مياه الينبوع نقية لأنها تنبع من أعماق سحيقة في باطن الأرض، أما البئر فهي حفرة عميقة يصنعها الإنسان في الأرض لكي تتخزن فيها مياه الأمطار في موسم الأمطار، أى أن مياه البئر كانت مياه راكدة وليست جارية، مما يجعلها معرضة للتلوث بكافة أنواعه، كما أنها كانت مياه موسمية وليست دائمة، فكانت البئر تمتلىء في موسم الأمطار ثم تجف مع بداية الصيف وحتى موسم الأمطار التالي، وأردأ أنواع الآبار هو الآبار ذات الجدران المشققة لأنها لا تستطيع الاحتفاظ بالمياه لفترات طويلة بل سرعان ما تتسرب منها وتضيع.

أنا ... ينبوع المياه الحية !!

وفي هذا الجزء من سفر أرميا يشير الرب إلى نفسه باعتباره مصدر المياه المتدفقة باستمرار الشبع وارتواء شعبه، لكن لدهشتنا الشديدة نجد الشعب يتحول عن الرب ويبحث لنفسه عن مصادر أخرى للارتواء، يشير إليها الرب هنا باعتبارها آباراً مشققة لا تحتفظ بالمياه، فالإنسان منذ القديم يسعى وراء شهوات الجسد ظنا منه أنها تعطيه ارتواء وسعادة ، فالمال والجنس والسلطة كانوا ومازالوا آلهة أخرى يسجد لها الإنسان ويخدمها لعلها تعطيه لحظات من المتعة والراحة، وفي سبيله لهذا يترك الإله الحقيقي وحده الذي يملك فعلا الارتواء الحقيقي والمياه الحية، ودائما يكتشف الإنسان - عادة بعد فوات الأوان - أن هذه الآلهة الغريبة ليست سوى آباراً مشققة لا تضبط ماء ، ولنا في هذه التشبيهات تعاليم مفيدة:

أوجه المقارنة

= بين الداخلي والخارجي : روح الرب يسكن في أعماق المؤمن، وبالتالي يكون ارتواء المؤمن داخلي عميق غير خاضع لأية ظروف خارجية ولا تؤثر فيه العوامل المضادة، مما يجعل المؤمن سيداً للظروف وليس عبدا لها، لأنه حتى عندما تتكالب عليه الضيقات وتكثر همومه يجد «في داخله » تعزيات الرب تلذذ نفسه (مز 94 : 19 ) .

    أما الارتواء الذي يلوح به العالم للإنسان فهو من مصادر خارجية، يظن الإنسان أنه إذا حصل على هذا أو ذاك فسيصبح سعيداً. لذلك تجده يضع حياته كلها في سعي متواصل للحصول علي مصادر السعادة هذه، وسرعان ما يجد نفسه عبدا ممتلك لا يملك من أمر نفسه شيئا بعدما قيدته شهوات العالم بقيودها التي لا ترحم، والإنسان دائما عبد لمن يعطيه السعادة، وهكذا يصير الإنسان عبدا للظروف الخارجية.

= بين الدائم والمؤقت : روح الرب دائم الوجود في قلب المؤمن وتعاملاته تستمر في الليل والنهار، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، بل حتى في أوقات السقوط لا يتخلى عنه بل يبكته حتى يعيده إلى صوابه، إن مياهه دائمة الجريان أو بحسب تعبير الكتاب « مياه حية» تنبع إلى حياة أبدية (يو 4: 14). 

أما أفراح العالم فإلى لحظة (أي 20 : 5 ) عندما يحصل عليها الإنسان يحاول أن يحتفظ بها لأطول وقت ممكن لكنه يكتشف أنها تتسرب من بين أصابعه ولا تترك في يده إلا الريح، قلب الإنسان المشقق لا يستطيع أن يحتفظ بفرح العالم إلا للحظات يعقبها الفراغ والجفاف مرة أخرى.

= بين السهل والصعب : فيض الروح ينبع في قلب المؤمن بدون تدخل من الذات الإنسانية، لأنه مؤسس على محبة الله ونعمته المجانية، أما أفراح العالم فهي تستهلك طاقة الإنسان كلها للحصول عليها ومحاولة الاحتفاظ بها.

= بين النقي والملوث : تعزيات الروح دائما نقية وطاهرة ومملوءة أثماراً صالحة، أما أفراح العالم فدائماً معرضة للتلويث والتعكير، مملوءة أنانية وطمع ونجاسة.

لقد كان الرب محق إذا عندما طلب من السموات أن تبهت وتقشعر وتتحير جداً لأن شعب الرب ترك الداخلي إلى الخارجي وترك الدائم إلى المؤقت وترك السهل إلي الصعب وترك النقى إلى الملوث !! ما أردأ قلب الإنسان وما أغباه!! أخي، ما هو مصدر ارتوائك؟ الرب أم العالم!!! (يتبع).

أحاديث من القلب

 سبعة أرواح الله (34)

بقلم : فخرى كرم
روح الله هو معطى الحياة الذي به نحيا ونتحرك ونوجد، والكتاب يستخدم صورة «المياه» لكي ينقل لنا أن الروح هو مصدر الحياة ليس للإنسان فقط بل لكل الخليقة أيضا.
في البدء
عندما كانت الأرض خربة وخالية يغطيها الغمر وتغطى الغمر ظلمة، رأينا روح الحياة يرف على هذا الخراب ويبعث فيه الحياة، إنه الروح الذي يحمل مشيئة الله بالحياة إلى هذه الأرض الحرية، ومع رفرفة الروح توالت أوامر الإقامة والإحياء تصل إلى كل ركن من أركان الخليقة، انقشعت الظلمة وبدأ النور يشرق، انحسر الغمر وبدأت الأرض تثمر، وامتلأت الأرض الخربة بكائنات جميلة من كل نوع، وتزينت السماء المظلمة بأنوار من كل صنف، أنوار لليل وأنوار للنهار، ولا غرابة فحيثما يحل روح الحياة يتحول القفر إلى جنة والظلام إلى نور والخراب إلى عمار والموت إلى حياة.
.. وبالخطية الموت !!
لكن هذه الصورة الجميلة لم تستمر طويلا، فعندما دخلت الخطية إلى العالم فصلت الإنسان عن الله مصدر الحياة، وفتحت الباب لدخول أرواح الخراب والموت إلى العالم، أرواح مضادة في عملها لروح الله معطي الحياة، أرواح تنزع الحياة من روح الإنسان وتسبب موتها ، أرواح تنزع الرطوبة من نفس الإنسان وتنشر الجفاف في أوصاله، تستهلك طاقته وتكدر صفوه، تظلم سماءه وتيبس أرضه، تجعله يعيش في قلق وانزعاج كل يوم حتى تنزل به إلى هاوية الموت الأبدي، أرواح كل مهمتها أن تسرق وتذبح وتهلك، أرواح تعمل تحت رئاسة من هو قتال للناس من البدء.
هذه الأرواح تتعدد أسماؤها لكن عملها واحد وهو سلب الحياة من كيان الإنسان، مثل روح الخوف الذي يكتنف الإنسان فيسلبه أمانه ويقيد خطوته، وروح الحزن الذي يدمر المشاعر ويحطم القلب، وأرواح الغضب والغيرة والحسد والطمع التي تخرب علاقة الإنسان مع الآخرين وتزرع بينهم الصراعات والحروب والخصومات، وأرواح الهوى والشهوة والنجاسة التي تفسد كرامة الإنسان وتحط به إلى مستوى الحيوانات غير العاقلة، وغيرها كثير من الأرواح التي لا نستطيع حصرها وكلها تقاوم عمل روح الحياة وتحاول الرجوع بالخليقة إلى وضع الخراب الأول.
محاولات فردية
في كل العصور القديمة كان هناك أفراد يستشعرون هذا الموت المحيط بهم من كل جانب ويشعرون بالعطش الشديد إلى روح المياه معطي الحياة، وكان لهم الإدراك الروحي الكافي والقدرة على السعي لشق هذه الظلمة المحيطة رجوعاً إلى الله، وكان الروح المبارك يتجاوب مع هذه المحاولات بلمسات وإعلانات متفرقة على مدار التاريخ البشري، وكانت هذه الإعلانات بمثابة قطرات ماء منعشة في وسط صحراء قاحلة، عاشت على هذه القطرات أجيال كثيرة واستعانت بها على مقاومة أرواح الموت المحيطة بها في كل مكان، لكن هذه المحاولات ظلت محاولات فردية ونادرة على مدار التاريخ الإنساني الغارق في ظلمته الروحية، وظلت هذه الإعلانات مرتبطة بوجود أفراد أمناء يطلبون الله لأنفسهم ولشعوبهم، وبموت هؤلاء الأمناء كان الإعلان ينطفىء وتعود الظلمة تكتنف كل شيء، لأن طريق الأقداس لم يكن قد فتح بعد، وروح المياه لا يمكن أن ينسكب بشكل عام ومعلن على هذه الأرض العاصية إلا بعد إتمام الفداء.
أنا عطشان !!
وفي ملء الزمان أتى الفادى المبارك الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة، وعندئذ أحاطته جحافل الجحيم، وبدأت الرطوبة تتسرب من كيانه الروحي ويزحف الجفاف إلى قلبه الجريح، حتى إنه قال بروح النبوة «يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي» وأيضأ «يبس حلقي، كلت عيناي من انتظار إلهي» (مز 22 : 15 ، 69 : 3 ). هذه اليبوسة هي التعبير المجازي المعبر عن آلام المسيح الشديدة في لحظات الصليب، كان ينبغي أن يعبر نفس أرضنا ويحمل نفس ذنبنا ويلقي نفس قصاصنا ، حتى إن الإحساس الوحيد الذي جاهر به الرب على الصليب لم يكن إحساسه بالألم أو الحزن أو الظلم بل العطش!! لقد عطش لكي نرتوي نحن، يبست قوته لكي تتفجر ينابيع القوة في كياننا نحن، لقد اجتاز مواضع جفافنا وموتنا لكي يرفعنا إلى موضع حياته ومجده ، له كل المجد والسجود إلى الأبد.
أخي، هل لك نصيب في هذا الارتواء الإلهي ؟ يتبع .

H

السبت، 25 مارس 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (33)

بقلم : فخرى كرم

بعدما تكلمنا عن صورة الحمامة التي تشير لروح الوداعة، وصورة النار التي تشير إلى روح القضاء والامتحان، نتقدم الآن بكل خشوع لنتأمل في صورة ثالثة من الصور الرمزية التي استخدمها الكتاب للإشارة إلى شخص الروح القدس، ألا وهي صورة :

المياه

« وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادي قائلا: إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب، من آمن به كما قال الكتاب  تجری من بطنه أنهار ماء حي، قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه » ( يو ۷ : ۳۷ـ ۳۹ ).

عندما يتكلم رب المجد هنا عن شخص الروح القدس نراه يرسم أمامنا صورة رمزية رائعة صورة المياه العذبة الباردة المنعشة المتدفقة كأنهار تروى الأراضى الجافة والنفوس العطشى، تحمل الحياة والنماء لكل من يقابلها ، إنه يريد أن يشير لنا على عمل آخر من أعمال الروح المبارك، لقد عرفنا أنه روح الوداعة وروح القداسة لكنه أيضا:

الروح المعطي الحياة !!

إن المياه هي المكون الأساسي لكل أنسجة الكائنات الحية، وكل الوظائف الحيوية في أجسادنا تعتمد على وجود المياه، بل أن كل خلية من خلايانا يمثل الماء مكونها الرئيسي، والدم الذي هو سائل الحياة لأجسادنا يتكون في معظمه من الماء، والإنسان في حاجة يومية ومستمرة للمياه لكي يعوض ما ينقص منها، فالجسد يستهلك كمية يومية من المياه لكي يقوم بوظائفه الحيوية، ويستهلك كمية أخرى لكي يقاوم بعض العوامل الخارجية المضادة مثل شدة الحرارة والجفاف، أما إذا لم يتمكن الإنسان من تعويض ما ينقصه من المياه فإنه يشعر بالعطش، وهو شعور قاس لا يستطيع الإنسان تجاهله أو تأجيله، شعور يدفع الإنسان لكي يسارع بالبحث عن الماء الذي يروي عطشه ويعيد له الانتعاش والحيوية، أما إذا لم يجد الماء متاحاً واستمر نقص المياه من الجسد فعندئذ تبدأ الخلايا تفقد حيويتها وقدرتها على القيام بوظائفها، ثم تبدأ تنكمش وتجف وتموت، وفي غضون أيام قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة يفقد الجسد الحياة ويموت!!

وأرواحناتعطش أيضا !!

لقد استخدم الرب هذه الصورة الرمزية لكي يعلن لنا حقيقة أن احتياج أرواحنا إلى الله يشبه احتياج أجسادنا للمياه، إن أرواحنا مأخوذة من الله ولا تحيا إلا به، وحضور الله في الحياة أمر حتمي إذا أردنا أن نكون أحياء روحية ، ولا يستطيع الإنسان أن يقوم بوظائفه الروحية بصورة حقيقية ولا يستطيع أن يقاوم عوامل الخطية والموت المحيطة به من كل جانب إلا من خلال شركة روحية يومية ومستمرة مع شخص الله نفسه، أما إذا غاب حضور الله عن الإنسان وانقطعت الشركة بينهما فإن الحياة الروحية تبدأ تجف وتضعف، وإذا استمر الحرمان فإن الإنسان يموت روحياً، وهذا ما كان الله يعنيه عندما قال لآدم «لأنك يوم تأكل منها موتا تموت» ( تك 2 : 17 ). إن موت آدم روحياً بعد الأكل من الشجرة لم يكن عقاباً على الخطية بقدر ما كان نتيجة طبيعية للخطية والانفصال عن الله، لقد أصاب الجفاف والموت روحه لأنها لا تستطيع أن تحيا بدون شركة مع الله.

كما يشتاق اليل !!

استخدم كاتب المزمور نفس الصورة الرمزية عندما قال «كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله، عطشت نفسي إلى الله، إلى الله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله» (مز 42 : 1 ، 2 ).

لقد شعر في نفسه أنه مثل حيوان الإيل الذي يعيش في بيئة صحراوية جافة وقاسية وحارة تستهلك من جسده المياه بشكل دائم ومستمر، لذلك فهو في حاجة مستمرة ليس لقطرات من المياه بل لجداول من المياه !! إن ضرورات الحياة والمقاومة الروحية التي نلقاها في برية العالم تستهلك منا طاقة روحية هائلة، لذلك فنحن في حاجة يومية مستمرة ليس لكلمات أو مواعظ أو طقوس بل لشخص الله نفسه، ليس لقطرة مياه هنا أو هناك بل لأنهار ماء حي !! وهذا هو العمل الذي يقوم به روح المياه ، الروح معطي الحياة، إن «الله» الذي يتكلم عنه كاتب المزمور هو نفسه «الروح» الذي يتكلم عنه رب المجد يسوع، كلاهما هو المياه لأرواحنا العطشى، وللحديث بقية.

 

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (32)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح النار وعمله المزدوج في إظهار الصلاح وتزكيته وفضح الإثم وإدانته، وقبل أن نختتم الحديث عن هذه الصورة الرمزية من صور روح الله القدوس لابد أن نشير إلى أن :

ابتداء القضاء من بيت الله قلنا إن الروح فضح الإثم المستتر في الأمة اليهودية وقادها إلى الدينونة، والآن نريد أن نؤكد أن الروح النارى لا يفرق بين الخطية التي في الأمة اليهودية والخطية التي في داخل الكنيسة، بل إن ابتداء القضاء يكون دائما من داخل البيت (۱بط 4 : 17 ) والرب الذي علمنا أن ننقى الداخل أولا قبل الخارج لابد أنه يتبع نفس المنهج في تعامله مع كنيسته!! إن انضمامنا لشعب الله لا يجعلنا في مأمن من روح القضاء بل بالحرى يجعلنا في مقدمة القضاء!!

حنانيا وسفيرة

عندما انسكب الروح المبارك في يوم الخمسين أظهر الصلاح الذي سبق وزرعه رب المجد في نفوس أتباعه، فرأينا مبدأ «مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ» يظهر بوضوح في وسط الكنيسة حتى إن كل من كانت له أرض أو ممتلكات كان يبيعها ويأتي بأثمانها عند أقدام الرسل، وكان برنابا مثالا لامعا لروح العطاء هذه، ولكن في وسط هذا الجو المقدس بدأ الجسد يتحرك ورأينا أرض الإنسان تنبت زوانا رديئا يشبه من الخارج الحنطة لكن جوهره ليس العطاء بل الأخذ!! ويحمل في داخله سمأ زعافا إذا ترك يسري وسط الجماعة، سم الرياء والكذب والرغبة في لفت الانتباه وجذب المديح للذات!! بهذه الروح الرديئة باع حنانيا وسفيرة حقلا وأتيا بجزء من ثمنه عند أقدام الرسل.

كان عملهما يبدو من الخارج مشابهة لعمل برنابا والآخرين، لكن روح النار الساكن وسط الجماعة يمتحن جوهر الأعمال ويحكم عليها، ولذلك وجدناه يمارس عمله في فضح هذا الإثم وإدانته، وكان القضاء فورياً وحاسماً لمنع سريان هذا السم في وسط الجماعة، فسقط حنانيا وسفيره عند أقدام الرسل وحملا ميتين ، وهكذا كان الروح المبارك يمارس القضاء في داخل البيت قبل أن يقضي على الأمة العاصية في الخارج.

.. وكثيرون ضعفاء ومرضى ويرقدون !!

ونقرأ في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس أن الروح يدين أعمال المؤمنين الخاطئة بضربات تتناسب في شدتها مع حجم الخطأ، تتدرج من الضعف إلى المرض إلى الموت بل وحتى إلى التسليم للشيطان!! لأننا إذا لم نتعلم كيف نحكم على أنفسنا وندين أخطاءها ونحفظها في حالة القداسة اللائقة بإلهنا القدوس فلابد أن يحكم علينا ونؤدب من الرب لكي لا تدان مع العالم.

خوف الله

 إن روح القضاء هذه أنشأت مخافة لله في نفوس المؤمنين (أع 5 : 11 ) ، الخوف المقدس الناتج عن الإحساس الدائم بوجودنا في محضر «الديان»، الخوف من الخطأ أو الوقوع تحت القضاء، الخوف الذي يحفظ القلب طاهراً والذهن نقياً والسلوك مستقيم، الخوف الذي ينبغي أن يلازمنا في زمان غربتنا (۱بط  1 : 17 ) ويدفعنا لتتميم خلاصنا (في 2 : 12 ) . هذا الخوف لم نعد نلاحظه في أيامنا هذه ، تسرب من قلوبنا هذا الخوف المقدس وتسللت إلينا الاستهانة واللامبالاة، الاستخفاف بالمقدسات صار شائعاً وسط جماعات المؤمنين بشكل يدعو للفزع، وعندما نتلفت حولنا وننظر لأوضاع المؤمنين والكنائس وصدم بالخطايا المستترة والمعلنة تنتشر في كل مكان، وتفاجأ بالذات المتضخمة وهي تجاهر بوجودها وتسلطها في داخل الكنيسة، وعندما نبحث عن قضاء إلهي يعيد الأمور إلى نصابها ولا نجد، عندئذ لابد أن تخرج منا صرخة:

أين أنت يا روح النار ؟!

لماذا تسكت ولا تتكلم ؟ لماذا تترك الزوان ينمو في وسط الحنطة حتى أصبحنا نعيش في جو من الكذب والخداع والزيف، لم يعد هناك حد فاصل بين الحق والباطل، بين الثمين والرخيص، بين الذهب والتراب!!

لماذا تتركنا لأنفسنا ؟ لماذا تترك الذات تسود وتتحكم في وسط الكنيسة المدعو عليها اسم يسوع ؟ هل هذا هو قضاؤك علينا ؟ إن أقسى قضاء يمكن أن نقاسيه هو أن تفارقنا وتتركنا لأنفسنا !! إن نار حضورك يا روح الله أفضل بما لا يقاس من نار غيابك!! والخوف المقدس الذي تصنعه في القلب أعظم بما لا يقاس من الخوف المظلم الذي أصبحنا نعيش فيه من بعد غيابك!! ليتك تعود تنسكب علينا يا روح النار والقضاء، إننا في أشد الحاجة إليك!! (يتبع).