الجمعة، 4 أغسطس 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (46)

بقلم : فخرى كرم

إذا كان زيت المسحة المقدس قد أستخدم قديماً لتكريس الملوك والكهنة والأنبياء بشكل جزئي ورمزي، فإن روح المسحة المبارك قد أكمل كل هذه الرموز والظلال عندما حل بكل ملئه على شخص ربنا يسوع «المسيح» مكرسا إياه ملكاً وكاهناً ونبياً بشكل كامل و أبدي، ولقد تكلمنا في المرة السابقة عن مسحة الملكوت واليوم نتحدث عن مسحة الكهنوت.

من هو الكاهن ؟

كانت وظيفة الكاهن أن يكون وسيطاً بين الله والناس ، كان عمله مزدوجاً: أن يقف أمام الله لأجل الناس ويقف أمام الناس لأجل الله!! من الناحية الأولي كان ينبغي أن يكون مقدساً بشكل خاص لكي يستطيع الدخول إلى المقادس والمثول أمام الله، وعندما يقف أمام الله كان يعلم أنه لا يقف لأجل نفسه بل لأجل الشعب، كان رئيس الكهنة يحمل على كتفيه وصدره أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر، إشارة رمزية إلى أنه يدخل إلى المقادس لأجل كل فرد في الشعب، يتشفع لأجلهم ويلتمس غفراناً لخطاياهم وتســديداً لاحتياجاتهـــم (عب 5 : 1 ، 2 ) أي أنه من خلال الكهنوت كان الشعب يبقى ماثلا أمـــام الله دائمــــا (خر28 : 29 ، 30 ). ومن الناحية الثانية كان ينبغي أن يقف الكاهن أمام الشعب لأجل أمور الله، كانت مسئوليتهم أن يعلموا الشعب الشريعة ويحثوهم على حفظها (لا 10 : 11 ) كان ينبغي أن يكونوا ممثلين لقداسة الله أمام الشعب ساعين لدفع الشعب لحياة القداسة والطاعة لوصايا الله، كان ينبغي أن يقووا المريض ويعصبوا الجريح ويجبروا الكسير ويستردوا المطرود ويطلبوا الضال. بالاختصار كان ينبغي أن يكونوا ممثلين لشخص الله أمام الشعب.

ولكن ..

غني عن البيان أن نقول إن هذا الوضع المثالي لم يتحقق قط في ظل الكهنوت اللاوي، فأحد من الكهنة لم يستطع أن يملأ هذا المركز السامي و يشغل هذه الوظيفة الخطيرة، لقد حملوا أسماء الشعب طقسا لكن لم يحملوهم فعلاً وحباً، لقد اهتم الكهنة بشؤونهم الخاصة ورعوا أنفسهم ولم يرعوا الشعب بل تسلطوا عليهم بعنف (حز34 : 4 ) ، ولم يهتموا بتعليم الشريعة للشعب لأنه كلما كان الشعب جاهلاً وخاطئاً كانت السيطرة عليه أسهل!! ورغم أن هناك استثناءات لبعض الكهنة الصالحين الذين خدموا بأمانة في أيامهم إلا أن الغالبية لم تكن على قدر المسئولية، ويعوزنا الوقت لكي نسرد الأحداث المؤسفة والمخجلة التي صاحبت أيام خدمتهم، ويكفي أن نراهم في أيام تجسد سيدنا وقد صاروا تجاراً يحتكرون تجارة الذبائح بأنواعها ويبيعونها بأغلى الأثمان وقد ملأوا الهيكل بالباعة والصيارفة واستحقوا من الرب وصفهم باللصوص !! لقد صارت مهنة الكهنوت مصدرأ للغنى الفاحش بعدما كان الكاهن ليس له نصيب في الأرض لأن نصيبه هو الرب! !

الكاهن الحقيقي

لذلك انسكب روح المسحة في ملء الزمان على شخص ربنا يسوع المسيح ماسحاً إياه كاهناً إلى الأبد على رتبة ملكي صادق (مز 110 : 4 ) لأنه الوحيد الذي استطاع أن يملأ مركز الوسيط بكل كمال واقتدار، فمن الجهة الأولى استطاع بقداسته الشخصية أن يدخل إلى الأقداس السماوية عينها حاملا دم نفسه كفارة وفداء لكل واحد من شعبه، لقد أحبنا فعلا وحملنا فعلا على كتفيه وقلبه ودخل بنا إلى المقادس عينها متشفعاً لأجلنا، وهو مازال هناك في الأقداس متشفعاً فينا حتى يصل بنا إلى الخلاص التام، إنه قادر أن يخلص إلى التمام جميع المتقدمين به إلى الله لأنه حي في كل حين ليشفع فيهم (عب 7 : 25 ) له كل المجد!!

ومن الناحية الثانية كان هو الوحيد الذي استطاع أن يقدم للانسان صورة كاملة عن الله، ليس بالكلمات والتعاليم الجوفاء بل بحياته عينها، لقد رأينا في شخصه الله كاملاً، لقد ظهر الله في الجسد (۱تي 3 : 16) لقد استطاع بحياته أن يجعلنا نحب الله ونسعى إليه، ولقد رسم لنا بحياته وموته طريقاً للوصول إلى الآب، طريقاً حياً كرسه لنا بجسده، له كل المجد!! وهكذا استحق سيدنا أن يكون كاهنا إلى الأبد و الوسيط الوحيد بين الله والناس (1تي 2 : 5 ) وهو الآن يقوم بهذا العمل المزدوج بكل اقتدار: يشفع أمام الله لأجلنا ويتعامل معنا بروحه لأجل تقديسنا وتكميلنا.

أخي، هل استمتعت بشفاعته هذه ؟ هل تتقدم إلى الله من خلال يسوع وحده ؟ وهل تقبل عمل روحه فيك؟ إنه رئيس كهنتك الوحيد، ليس لك قبول أمام الله إلا فيه وليس لك تقديس في الحياة إلا به!! (يتبع)

 

الجمعة، 28 يوليو 2023

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (45)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن عمل المسحة الذي يقوم به الروح القدس وجد كماله في شخص ربنا يسوع المسيح، لقد كان ربنا هو الشخص الوحيد الذي اجتمعت فيه كل «المسحات» التي رأيناها تتم بشكل جزئي ورمزي في العهد القديم ، كان دهن المسحة يستخدم لمسح الملوك والأنبياء والكهنة في العهد القديم، وفي العهد الجديد رأينا الروح يمسح ربنا المعبود ملكا ونبياً وكاهناً في آن واحد!!

ملك الأرض كلها !!

 قال الله عن المسيح بروح النبوة « أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي» (مز 6:۲) وهذا الملك ليس مقصوراً على شعب واحد أو مكان واحد بل هو يمتد إلى جميع الأمم وإلى أقاصى الأرض (مز ۸۰۲).

ولقد أخذ الرب هذا الحق في الملك بسبب قبوله الألم لأجل كل إنسان، إن ملكه مؤسس على استحقاق كونه الوحيد الذي أحب الإنسان حباً حقيقياً ، لذلك يقول الكتاب « يسوع نراه مكللا بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت، لكي يذوق (أو لأنه ذاق) بنعمة الله الموت لأجل كل واحد » (عب ۲: ۹).

    ملوك الأرض يسودون الناس ويتسلطون عليهم ويعتبرون تسلطهم إحسانا (لو 22 : 25 ) قمة الغطرسة والكبرياء!! أما الملك الحقيقي فهو الذي تواضع ونزل تحت الجميع لكي يخدم ويفدى الجميع، لذلك استحق أن يكون ملكا على الجميع، لقد نزل إلى أقسام الأرض السفلي بمحبته وفدائه لذلك استحق أن يكون ملك الأرض كلها .

تشهد الأرض ملوكاً من كل شكل ولون، قليلون صالحون وكثيرون طالحون ولكن جميعهم زائلون، وملكهم سطحي وجزئي وسلطانهم يصب في صالحهم أكثر مما يصب في صالح شعوبهم، أما ملك سيدنا فهو الوحيد الدائم والأبدي ، لأنه الوحيد الذي يصب في صالح الإنسان ومجد الله ولأنه أيضا الوحيد المؤسس على الحق والاستقامة، وفي هذا يقول الكتاب بوضوح «وأما عن الابن : كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب مملكك» (عب 1 : 8 ).

لكنه ملك غائب !!

لكننا في الزمان الحاضر لا نرى أن كل شيء خاضع فعلا لسيادة الرب يسوع المسيح، إنه غائب عن الأرض ومازال جالساً عن يمين الله منتظراً حتى يضع أعداءه موطئاً لقدميه، لكن هذا الوضع مؤقت حتى تنتهي سنة الرب المقبولة التي فيها يتعامل الله مع الإنسان بالنعمة تاركاً له حرية الاختيار، حتي لو اختار الإنسان ألا يخضع لملك الرب وكأن لسان حاله: «لا نريد أن هذا يملك علينا» (لو 19 : 14 ) . لكن نشكر الله أنه حتى في هذا الزمان الشرير هناك عبيد أمناء لهذا الملك الغائب، يعيشون بأجسادهم تحت سلطان هذا الزمان لكن قلوبهم لا تعترف ولا تجثو إلا للملك الغائب، يعيشون بأمانة له وكأنه موجود معهم بالجسد، يعطونه سلطان الملك على كل أفكارهم وخلجات نفوسهم، يطيعون أوامره ويضعون حياتهم رهن إشارته، كلمة واحدة منه تفجر ينابيع القوة فيهم ولحظة صمت منه توقف سريان الحياة فيهم!! لأن الحياة بالنسبة لهم هي شخصه العظيم.

إنهم يعلمون أن الأرض ملكا له ولكنهم يرتضون أن يحيوا فيها غرباء مكتفين بخيمة ومذبح، وبعضهم لم يجد خيمة وعاش تائها في مغاير وشقوق الأرض، يعلمون أن سيدهم له السلطان على النيران الملتهبة والأسود الجائعة ولكنهم لا يطالبونه بأن يفعل لأجلهم شيئا لأنهم يحبونه ويخضعون له حتى وإن لم يفعل ما يجنبهم الألم!! سلطان الملوك لا يرهبهم وأموالهم لا تغريهم وبريق العالم لا يخدعهم وقسوته لا تكسرهم، إنهم موجودون في كل جيل سواء بشكل علني أو مستتر، لكن دائما هناك عبيد أمناء لهذا الملك الغائب ، وصلاتهم في الليل والنهار هي:

ليأت ملكوتك !!

هذا الملك الخفي لابد أن يستعلن، والملك الذي ارتضى أن يخفى ملكوته كل هذا الزمان لابد أن تنشق السماء يوما ويراه الجميع نازلاً راكباً على فرس أبيض ومتسربل بثوب مغموس بالدم، ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم ويرعاهم بعصا من حديد ، سيحارب ويهزم كل ملوك الأرض ولكن حربه تختلف عن كل حرب رأتها البشرية، لأنه «بالعدل يحكم ويحارب» !! وعندئذ سيرى الجميع اسمه المكتوب على ثوبه وفخذه: ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ ۱۹). يتبع.

 

السبت، 22 يوليو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (44)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن الصورة الرمزية للزيت وقلنا إنها تشير إلى أحد أعمال شخص الروح القدس ألا وهو عمل التكريس والتقديس، ففي العهد القديم كان زيت المسحة يستخدم في مسح الأماكن والأشياء والأشخاص إعلان عن تكريسهم لخدمة رب الجنود ، وهذا يقودنا لحقيقة كتابية هامة ألا وهي:

مبدأ التكريس للخدمة

          إن خدمة الله لا تتم إلا بمواد مقدسة ومكرسة للخدمة، فالله لا يقبل أن تمتد أيادي غير طاهرة لتعمل في هيكله، والقلب الذي يحب العالم ويقبل نيره على عنقه لا يمكن أن يأتي ليقدم خدمة مقبولة لرب الجنود ، فلا يمكننا أن نخدم الرب بقلب منقسم أو نكرمه بفضلات أوقاتنا وممتلكاتنا ، لأننا في الواقع لا يمكننا أن نخدم سيدين ، وعلى من يريد أن يخدم الرب أن يكون أولا ملكاً للرب.

ولقد أراد الرب أن يرسخ هذا المبدأ في نفوس الشعب القديم من خلال عدة وصايا ،  فمن بين الأبناء يكون الابن البكر مكرساً للرب، ومن بين غلة الأرض تكون الباكورة للرب، ومن بين البهائم الطاهرة تكون أفضلها ذبيحة للرب، ومن بين الأيام هناك يوما مقدسا للرب، ومن بين السنين تكون السنة السابعة سبتاً للرب، ومن بين الممتلكات يكون العشر ملكاً للرب، ومن بين الأسباط يكون سبط لاوي مخصصاً لخدمة الرب... إلخ.

لم يكن القصد الإلهي من هذه الوصايا هو تلك الأمور المادية بل بالحرى ترسيخ مبدأ التكريس للرب، تأكيد حقيقة أن للرب الأرض وملأها المسكونة والساكنين فيها، أن للرب حقاً في كل ما تمتلكه أيدينا وهو لا ينتظر ما يجود به الإنسان بل من حقه أن يقتطع لنفسه أشياء وأشخاصاً يكرسهم لخدمته، وكان المسح بالزيت المقدس هو العلامة لهذا التكريس وكل ما مسح بالزيت لم يكن ممكناً أن يستخدم في أغراض أخرى بخلاف خدمة رب الجنود ، فكما أن الرب لا يقبل في خدمته من هو غير مكرس له كذلك لا يقبل من تكرس له أن يخدم آلهة أخرى!! لذلك نقرأ أن الرب أمات عزة» لأنه مد يده إلى تابوت العهد وهو ليس مقدساً لخدمة التابوت، كما نقرأ أن الرب ضرب «عزيا » الملك بالبرص لأنه دخل إلى المقادس وهو ليس بكاهن، فالله لا يقبل الخدمة إلا ممن دعاهم هو لخدمته! !

كذلك فمن دعاه الرب لخدمته لا يمكن أن يستخدم لأغراض أخرى، فنقرأ أن المكان الذي اختاره الرب ليضع اسمه فيه مسح بالزيت وتكرس لعبادة رب الجنود ، ولذلك نرى الرب يغضب ويطرد الباعة من الهيكل قائلا «بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص » (مت 21 : 13 ) والأواني التي مسحت لخدمة الهيكل ما كان ممكناً أن تستخدم لغرض آخر، لذلك أعتبرت إهانة بالغة أن يشرب بيلشاصر الملك ورفقاؤه في أواني الهيكل خمرة وهم يسبحون آلهة أخرى، وكان لابد عندئذ أن تتدخل اليد الإلهية لتكتب قصاصاً قاسياً رداً على هذه الإهانة (دا 5 : 1 ـ 4 ) . وكذلك الأشخاص الذين يتكرسون لخدمة الرب كان الدم يوضع على آذانهم اليمنى وإبهام أيديهم اليمنى وأرجلهم اليمنى إشارة إلى موتهم عن العالم وتكريسهم فيما بعد لخدمة رب الجنود وحده .

لكن لابد هنا أن نؤكد أن كل هذه المعاني لم تصل أبدا إلى كمالها في ظل العهد القديم، لأنها كانت تتم بشكل طقسي ورمزي و مجازي لم يرتق أبدأً إلى الحقيقة التي يريدها رب الجنود ، إلى أن جاء في ملء الزمان من سمي بحق:

«المسيح» !!

 أحد أسماء ربنا هو «المسيح» فهو ليس «مسيح» الرب مثل كثيرين في العهد القديم بل هو «المسيح» الوحيد الذي قبل مسحة كاملة من الله، لقد عاش حياة التكريس الحقيقية بكل عمقها مما أشبع قلب الأب وأرضاه، حتى قيل عنه بروح النبوة «أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك» (مز 45 : 7 ) وقيل أيضا « يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه» (أع 10 : 38 ) .

لقد نسج المسيح بروح المسحة وهو بعد في بطن أمه، ونراه وهو صبي يعيش فيما لأبيه، لم تكن له حياته الخاصة بل كل سروره كان في عمل مشيئة أبيه، لم يخدم ذاته قط بل قدسها لكي يصنع شعباً مقدساً لله، إن كل المسحات الرمزية التي تمت في العهد القديم وجدت كمالها وتمامها في يسوع المسيح» (يتبع).

 

 

 


الاثنين، 17 يوليو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (43)

بقلم : فخرى كرم

بعد ما تكلمنا عن روح الوداعة في صورة الحمامة، وروح القداسة والقضاء في صورة النار، وروح الارتواء في صورة المياه، وروح العمل الخفي في صورة الريح، نبدأ اليوم حديثنا عن صورة رمزية خامسة لروح الله ألا وهي:

الزيت

منذ فجر التاريخ المقدس وجدنا رجال الله يستخدمون الزيت للتعبير عن تكريس الأشياء وتقديسها لخدمة الله، حتى قبل مجيء الشريعة بطقوسها المحددة كان صب الزيت على الأشياء أو الأشخاص يشير لتكريسها للرب.

عندما قام يعقوب ليذهب إلى حاران ولاقاه الرب في البرية برؤيا السلم المنصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء، قام يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه عمودا وصب زيتاً على رأس هذا العمود ودعا اسم ذلك المكان « بيت إيل»، كان هذا المكان من قبل بقعة جرداء لكن عندما نزل الله ليتكلم مع يعقوب في هذا المكان أصبح بيتا لله وباباً للسماء، تماما مثل الحجر الصلب الجاف عندما يصب فوقه الزيت الناعم المنعش (تك 28 : 18 ).

 وعندما أتم الله وعوده وعاد يعقوب سالماً مباركاً إلى بيت إيل وتكلم الله معه مرة أخرى هناك، عاد فنصب عموداً من حجر وسكب عليه زيتاً، ودعا اسم المكان الذي فيه تكلم الله معه بيت إيل (تك 14:35 ). إن حياتنا مثل البرية الجرداء لكن عندما يختار الله أن يقترب منا ويتكلم معنا تصير حياتنا بيتاً لله وباباً للسماء!! عندئذ يصب الزيت المنعش على القلب الحجري الجاف ويتحول إلى مذبح لعبادة رب الجنود !!

دهن المسحة

بعدما جاء الناموس صارت هذه الممارسة التلقائية التي قام بها يعقوب إحدى طقوس العبادة الرئيسية، حيث طلب الله من موسى أن يصنع دهن المسحة المقدس من قاعدة رئيسية هي زيت الزيتون مضافا إليه أفضل و أزکی العطور والأطياب بنسب محددة وثابتة (خر 30 : 22 ـ 24 ) وكان يمسح المسكن وكل ما فيه بدهن المسحة المقدس لكي يتقدس للرب، وكذلك المذبح وجميع آنيته والمرحضة وقاعدتها (لا 8 : 10 ، 11 ) ويصب منه على رأس هارون ورؤوس بنيه لتقديسهم للخدمة (لا ۱۲:۸) كما كان يستخدم لمسح الملوك (اصم 10 : 1 ، 16 : 1 ) ومسح الأنبياء (۱مل 19 : 16 ) وكانت هذه المسحة تشير إلى أنهم صاروا مكرسين لخدمة الرب فقط، لم يعد مسموحاً لهم أن يعيشوا حياتهم كما يريدون بل كما يريد الله، «والكاهن الأعظم الذي صب على رأسه دهن المسحة لا يكشف رأسه ولا يشق ثيابه ولا يأتي إلى نفس ميتة ولا يتنجس لأبيه أو أمه ولا يخرج من المقدس... لأن إكليل دهن مسحة إلهه عليه» (لا 21 : 1 ـ 12 ).

كان شاول ابن قيس يسعى في آثر أتن أبيه الضالة لكن عندما التقاه صموئيل وأخذ قنينة الدهن وصب على رأسه أصبح شاول رجلا آخر، لقد مسحه الرب على ميراثه رئيسا وأعطاه قلبة يصلح لهذه المهمة ( 1صم 10 : 1 ، 9 ) . كانت هذه المسحة تشير إلى أن الله يدعو شخصاً ما لعمل ما، والذي يدعو إلى العمل يعطي الإمكانية والكفاية للقيام به! !

روح المسحة

عندما نأتي إلى العهد الجديد نفهم أن دهن المسحة كان رمزا لأحد أعمال الروح القدس ألا وهو عمل التكريس والتقديس، والروح هو الذي ينسكب على حياتنا الجرداء فيصيرها قدساً للرب وموطئاً لقدميه، فالرسول يقول «أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذى لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم؟» (۱ كو 6 : 19 ) إن سكنى الروح القدس فينا جعلت من حياتنا هيكلا مقدساً لله، لم نعد ملكا لأنفسنا ولا في مقدورنا أن نعيش كما نريد بل كما يريد الله.

والروح الذي يقدسنا و يكرسنا لمجد الله يمنحنا في ذات الوقت الإمكانية والكفاية للقيام بالعمل الذي يدعونا إليه، لذلك يقول الرسول أيضا «ليس أننا كفاة من أنفسنا بل كفايتنا من الله الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد » (۲ كو 3 : 5 ، 6 ) والرسول يوحنا يتكلم عن عمل الروح بداخلنا مشبها إياه بمسحة الدهن في العهد القديم: «وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً » (۱يو 2 : 27 ) ونحن نعلم من كلمات الرب في (يو 14 : 26 ، 15 : 26 ) أن الذي يعلمنا كل شيء وهو الحق هو شخص الروح القدس نفسه، أي أن المسحة التي يتكلم عنها الرسول يوحنا هي شخص الروح، وللحديث بقية

 

 

الخميس، 29 يونيو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله ( 42 )

بقلم : فخرى كرم

 

قبل أن نختتم اليوم حديثنا عن روح الريح المبارك لابد أن نتكلم عن بعض الملاحظات والفروق العملية:

دعوة للتسليم ..

عندما يقودك الرب إلى طريق غامض الملامح وتضطر أن تخطو خطوات في الظلام فاعلم أن الرب يدعوك إلى اختبار الإيمان والتسليم، إنه اختبار رائع وعجيب ، عجيب لأنه مضاد لطبيعتنا البشرية، فنحن بحسب الطبيعة نحب أن نسير في الأمان ونمتلك زمام الأمور في أيدينا ونحدد بأنفسنا مستقبلنا ونختار مواضع أقدامنا، بالطبيعة نحب أن نتجنب المخاطر وأن يكون النور مسلطاً على كل جوانب الطريق لأننا نخشى المجهول، لو تُركنا لأنفسنا ما اخترنا أبداً الإيمان طريقاً!!

لذلك يلجأ الرب أحيانا لقيادتنا رغما عنا في طريق غامضة محفوفة بالمخاطر ويكتنفها الظلام والمجهول لكي نضطر إلى تعلم الإيمان والاتكال على شخصه والتسليم لقيادته، ورغم أن هذا الاختبار يكون عادة مؤلماً ومصحوباً بالحيرة والخوف إلا أنه السبيل الوحيد للتلامس مع الله والتيقن من وجوده الفعلي في حياتنا، وبدون هذا الاختبار يظل الله فكراًجميلاً يراود أذهاننا من حين لآخر لكنه بلا وجود فعلي مصيري في حياتنا، لكن عندما تضطرنا الريح أن نلقي بأنفسنا في الظلام حينئذ سنكتشف أن الأذرع الأبدية التي طالما سمعنا عنها إنما هي حقيقة مؤكدة!!

.. وليس للاستسلام !!

هناك فرق شاسع بين التسليم والاستسلام، فهناك أفراد سلبيون لا يحبون حمل مسئولية الاختيار ويلقون بالمسئولية على الأقدار التي تتحكم في مصائر البشر، يتركون أنفسهم لكل ريح تحملهم ويريحون أنفسهم من عناء السعي والاجتهاد ، يظنون أن الحياة الروحية هي مرادف لتغييب الذهن والتواكل، هذا استسلام وليس تسليما !!

المؤمن لا يستسلم للظروف بل هو يسعى بكل جد واجتهاد في الطريق الذي يراه صوابا، ويبذل كل جهده في التفكير وفهم الحقائق ويحمل مسئولية الاختيار، ولكن عندما - ورغم كل اجتهاده - يجد نفسه يواجه ريحاً أقوى منه تقوده لطريق لم يختره وبحسب مقاييس فهمه لا يقبله، ورغم كل محاولاته يجد نفسه مضطراً للسلوك في هذا الطريق ويكتشف أنه أصبح يواجه ظروف تعجز أمامها كل حكمته وتقصر دونها كل قوته، عندئذ فقط يبدأ التسليم بكامل وعيه وإدراكه للقوة الأعلى التي قادته لهذا الطريق ويتكل على الحكمة الأعظم من حكمته والذراع الأقوى من ذراعه لكي تقوده في هذا الطريق المجهول وتصل به إلى الخير الذي لا يراه بعينيه ولا يفهمه بذهنه لكنه يثق في وجوده لأنه يثق أن الرب صالح ومشيئته دائما هي الخير.

هذا هو التسليم، هو وصول الحكمة الإنسانية إلى مداها ثم التسليم للحكمة الإلهية في مواجهة ظروف أكبر من الحكمة الإنسانية، أما الاستسلام فهو عدم استخدام الحكمة الإنسانية إطلاقا وتفضيل الجهل والتواكل والسلبية وتغييب الذهن، التسليم يصنع قديسين وصلوا في حكمتهم الإنسانية إلى مداها ثم قادهم الرب إلى الحكمة الإلهية أيضا، أما الاستسلام فيصنع كيانات نكرة لا قيمة لها سواء في مجال الحكمة الإنسانية أو الإلهية!!

فرصة للارتقاء فوق الطبيعة

كثيرا ما يكون هدف روح الريح هو أن يحمل المؤمن لآفاق أرحب من حدود القوانين الطبيعية التي تسجن الإنسان بداخلها ، فعندما يتأخر حتى يموت لعازر فهو في الحقيقة يرفع إيماننا لمستوى الإقامة من الأموات، وعندما يدفعنا إلى الأتون المحمي سبعة أضعاف فلأنه يرتقي بنا للتعامل مع الإله القادر أن يبطل قوة النيران، وعندما يتركنا في وسط البحر الهائج يقدم لنا فرصة للسير فوق المياه !! في كل مرة يغلق الرب علينا تحت ظروف يبدو أنه لا رجاء فيها تكون الفرصة مواتية للارتقاء بإيماننا لآفاق أرحب وللسير فوق الظروف!!

.. وليس لكسر قوانين الطبيعة !!

لكن ينبغي ألا نظن أن المؤمن هو إنسان يسير دائماً ضد قوانين الطبيعة، كلا، المؤمن إنسان ملتزم يعرف جيدا القوانين التي وضعها الله لتحكم حياة البشر وهو أول من يحفظ هذه القوانين ويسير بحسبها، وهو يعلم جيدا أن كسر هذه القوانين يعرض الإنسان للعقاب الفوري،

لكن ما نقوله هو أنه أحيانا وفي حالات خاصة قد يقود الروح المؤمن للسير فوق ما هو طبيعي لا لكي يكون هذا قانونا فيما بعد بل لكي يعلن أنه إله الطبيعة الذي خلقها ووضع قوانينها وسيظل دائما فوقها، في هذا الوقت يختبر المؤمن السير فوق الطبيعة وبمجرد انتهاء هذا الوقت يعود المؤمن لحفظ قوانين الطبيعة والسلوك بموجبها، نقول هذا لئلا يظن أحد أن الحياة الروحية هي مرادف للفوضى أو مبرر للسلوك بلا قانون أو ضابط (يتبع).

السبت، 17 يونيو 2023

أحاديث من القلب

   

سبعة أرواح الله (41)

بقلم : فخرى كرم

رأينا عمل روح الريح في حياة بعض رجال الله في العهد القديم مثل إبراهيم ويوسف وإيليا وأيوب، واليوم نتتبع هذا العمل على صفحات العهد الجديد .

يوحنا المعمدان .. رجل لا تحركه الريح !!

قال رب المجد عن المعمدان إنه رجل ليس قصبة تحركها الريح، أي أنه لم يكن رجلا هشاً يسمح للظروف أن تقوده أو ينحني أمام التيار مهما كان عنيفاً، كان رجلا صلباً، نبياً بل وأعظم من نبي، لم يهتز  أمام شرور شعبه ولم ينحنى أمام جبروت هيرودس الماجن، كان يعلم أنه مرسل من الله ليعد الطريق أمام الرب ويعلن حمل الله للشعب اليهودي، كان يستشعر عظمة المسيح حتى حسب نفسه غير مستأهل لحمل حذائه، ولا شك أنه امتلأ بالثقة في أن عظمة المسيح لابد أن تستعلن بانتصار واضح على شرور الشعب وفجور الحاكم.

لم يتوقع يوحنا أن عظمة ابن الله ستستتر خلف وداعة ابن الإنسان، ابن الإنسان الذي لم يأت ليدين العالم بل ليخلص به العالم، لم يكن هذا الزمان زمان دينونة بل زمان نعمة، زمانا لكي يبصر العمى ويمشى العرج ويطهر البرص ويسمع الصم ويقوم الموتى ويبشر المساكين ، وهذا لا يعني أن الشرور ستمر بدون عقاب بل هناك يوم للدينونة عندما يقف الجميع صغارا وكباراً أمام العرش الأبيض العظيم لكي يدانوا بحسب ما هو مكتوب في الأسفار.

لذلك عندما سارت الأمور على نحو غير متوقع وألقي يوحنا في السجن بأمر من هيروديا الفاجرة، وبدا أن يسوع لا يفعل شيئا لتصحيح هذا الظلم، اهتزت نفس يوحنا واضطرب تفكيره وأرسل يسأل ما إذا كان يسوع هو الآتي أم ينتظروا آخر!!

لكن لابد أن نلاحظ هنا أن الرب لم يستاء من سؤال يوحنا بل أجاب عليه بكل رقة واحترام ثم التفت للجموع ومدح يوحنا بأعظم مديح، لماذا ؟ لأن الرب يعلم قسوة الريح المضادة على رجل لا تحركه الريح!! كلما كان المؤمن أمينا للرب ومحباً له كلما عانى أكثر إذا اضطر للخضوع لأحداث لا يعتقد أن فيها مجداً للرب أو تتميماً لمشيئته !! المؤمن الهش الذي اعتاد أن ينحني أمام أي ريح غريبة قد يجد من السهل أن يميل مع روح الرب عندما يقوده في طريق غامض ليس لأنه خاضع للرب بل لأنه سلبي اعتاد الانقياد لكل ريح، أما المؤمن الصلب الذي لم يعتاد الانحناء أمام الريح الغريبة فقد يجد معاناة في خضوعه لروح الريح عندما يقوده في اتجاه لا يفهمه ليس لأنه غير مؤمن بل لأنه لم يعتد الانحناء لما لا يفهم، ولا شك أنه سيخضع في النهاية عندما يتيقن من قيادة الرب له لكن بعد معاناة وحيرة، والرب يحترم هذه المعاناة لأنها دليل صلابة وأمانة ومحبة للرب، لهذا السبب لم يستاء الرب من حيرة المعمدان وسؤاله لأنه كان رجلا لا تحركه الريح... بسهولة!!

 

التلاميذ ... وعدم الفهم الاختيارى !!

في وقت الصليب وجدنا التلاميذ ينزعجون من الأحداث ويهربون كل في طريق، لم يفهموا ما حدث ولم يتوقعوه فلم يستطيعوا التعامل معه بشكل صحيح، لكن هل نستطيع أن نقول أن عدم فهمهم كان نتيجة لغموض إرادة الله؟ كلا، لأن الرب أعلن لهم كثيرا عن ضرورة تسليمه ليد الخطاة ليقتل وفي اليوم الثالث يقوم، أي أن إرادة الله كانت معلنة لهم من قبل، الحقيقة أن عدم الفهم كان نتيجة لعدم قبولهم لأقوال الرب، لم يريدوا أن يقبلوا فكرة الألم فلم يفهموا الكلام. إنه عدم فهم اختياري ناتج عن إرادة غير خاضعة!! إن الإنسان يفهم ما يريد أن يقبله ولا يفهم ما لا يريد أن يقبله!! وعدم فهمنا لمعاملات الله لا يرجع في أحيان كثيرة لغموض هذه المعاملات بل لعدم قبولنا لها !! لكن شكرا لله لأن وضع التلاميذ هذا لم يستمر طويلا.

التلاميذ .. والأمانة حتى الموت !!

لا شك أن حلول الروح القدس في يوم الخمسين جعل التلاميذ رجالا يتميزون بالإيمان والتسليم وسهولة الانقياد للروح، فكم ثارت ضدهم الأحداث بشكل غير متوقع ولكنهم ظلوا على إيمانهم، بل كلما كانت الريح أشد والغموض أكبر صعدت منهم رائحة أطيب وأجمل، فها بطرس ينام بعمق وسط الحراسة وأمام الموت، وها بولس وسيلا يصليان ويسبحان الله في السجن الداخلي، بل ها يوحنا الحبيب يصلي في الروح في يوم الرب رغم أن الريح العاتية ألقت به وحيداً في جزيرة نائية جرداء، إنها الأمانة حتى الموت!! مجداً للرب، لقد استطاع يسوع بحياته وموته وقيامته والروح القدس بحضوره المبارك أن يصنعا شعباً يطيع الرب ويقبل مشيئته مهما كانت غامضة وغير متوقعة، ليتنا نكون في عداد هذا الشعب المبارك!! يتبع.

 

 

أحاديث من القلب

  

سبعة أرواح الله (40)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح «الريح» المبارك الذي يقودنا أحيانا في طريق غامض لا نعرف على وجه اليقين دوافعه أو أهدافه، وقد لا نكتشف حقيقة مقاصده الصالحة إلا بعد نهاية الطريق، هذا إذا سرنا في الطريق بأمانة حتى نهايته رغم الغموض الذي يكتنفه!! ولقد رأينا مثلا لذلك في حياة إبراهيم، واليوم نلقي نظرات سريعة على كل من:

يوسف والأمانة الغالبة

          كل الأحداث التي مر بها يوسف بعد بلوغه السابعة عشرة تبدو غامضة ولا يمكن تفسيرها بسهولة في ضوء محبة الله ورعايته لأبنائه، بعد أن كانت حياته تسير بنعومة على سطح حياة هادئة مستقرة ينعم فيها بالمحبة والرعاية والتميز، هبت فجأة ريح عنيفة قلبت كل الأوضاع رأساً على عقب وبيع يوسف عبداً ، آذوا بالقيد رجليه وفي الحديد دخلت نفسه!! تحولت الراحة إلى تعب والنعومة إلى خشونة، ولم تهدأ الريح إلا بعد أن ألقت به في غياهب السجن بتهمة ظالمة ملفقة!!

كل عقل يتصدى لتبرير أو تفسير هذه الأحداث لابد أن يصاب بالحيرة والإحباط، فالشر يبدو غالباً والخير يبدو مهزوماً، إبليس يبدو سائداً والله يبدو غائباً، لكن هنا يظهر الإيمان ويتزکی وهنا تلمع الأمانة وتغلب ! فالتمسك بالله حين تبدو الأمور مفهومة ومنطقية أمر طبيعي ليس من الإيمان في شيء، أما التمسك بالله حين تبدو الأمور معاكسة وغامضة فهذا هو الإيمان بعينه!! وكما حُسب الإيمان لإبراهيم براً هكذا حُسبت الأمانة ليوسف انتصاراً.

وعندما حان وقت مجيء كلمة الله أرسل الملك فحله وأطلقه وأقامه سيداً على بيته ومتسلطاً على كل ملكه(مز 105 : 18 ـ 20 ) هنا فقط بدت مقاصد الله الصالحة للعيان» واستحقت إعجاب الناظرين وتقديرهم، لكن «الإيمان» كان يرى مقاصد الله صالحة حتى وهو بعد في ظلمة العبودية والسجن!!

أخي، على ماذا تعتمد في تقديرك وخضوعك لمعاملات الله معك؟ على «العيان» أم على «الإيمان» ؟!

أيوب و المنطق البشري

كانت حياة أيوب تسير بشكل مثالي يليق بإنسان كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر، ولكن فجأة هبت رياح على حياته بدت مضادة ومهلكة، ومحاولة تفسير هذه الرياح أدخلت أيوب في مجادلات واسعة مع أصدقائه، وكلها كانت عقيمة لم تتمخض عن رأي مريح أو فكر يهدىء من روعه ويبرد جراحه.

كان من الأفضل لأيوب أن يحني رأسه أمام حكمة الله حتى ولو لم يفهم تماما القصد من ورائها، لكنه لم يستطع أن يفعل هذا بشكل كامل، مما دفع الرب - بعد انتهاء الريح - لمعاتبته على محاولته إخضاع معاملات الله للمنطق البشرى، فحكمة الله لا يمكن وضعها تحت المنطق البشرى، ليس لأنها ضد المنطق البشرى بل لأنها فوق المنطق البشري!!

إيليا والتوقع المسبق

 قلنا سابقا إن خطورة التوقع المسبق تكمن في أنه يفقدنا مرونتنا في التجاوب مع مسار الأحداث الذي يرسمه الله، وهذا ما حدث مع إيليا: فبعد أحداث جبل الكرمل توقع إيليا أن يرجع الشعب إلى الله في توبة جماعية تطيح بعرش الوثنية في إسرائيل، لكنه فوجىء بأن هذا لم يحدث وأن إيزابل مازالت تجلس على العرش تمارس بطشها و تهديداتها ، لذلك أصابه الإحباط وترك مكانه وذهب إلى البرية، لذلك استحق أن يعاتبه الرب قائلا «مالك ههنا يا إيليا » ؟ وذلك بعد ما أجاز أمامه قواته من نار وزلزلة وريح محاولا أن يشرح له أن سير الأحداث بهذا الشكل الغامض ليس لنقص في قدرة الله على تغيير الأوضاع لكن لقصد آخر في قلب الله لا يستطيع إيليا أن يفهمه في الوقت الحاضر.

إنه وقت للإيمان !!

أخي، هل تمر الآن بوقت تبدو فيه الريح مضادة؟ هل تعجز عن فهم فكر الله وإرادته لحياتك ؟ هل يضغط عليك العدو بشكاية ضد صلاح الله؟ هل تشعر بأنك ريشة في مهب الريح»؟ هل تعتقد أن الأحداث الراهنة ستؤدي لتدميرك؟ هل فشل توقعاتك المسبقة أصابك بالإحباط؟ إنه إذن وقت للإيمان!! إنه الوقت المناسب لكى تمارس الإيمان الحقيقي، ثق في صلاح الرب وكن أمينا لله حتى وأنت متألم!! لا تدخل في محاولات عقيمة لوضع تعاملات الله تحت المنطق البشري بل اسلك طريق إيمان الأطفال البسيط، وطوبى لمن آمنوا ولم يروا !! وللحديث بقية.