الاثنين، 18 سبتمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (49)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن الروح القدس هو روح «المسحة» أي أنه المسئول عن تكريس وتقديس وفرز الإنسان لأداء مهام محددة، ولقد رأينا هذه المسحة تتم بشكل رمزي وجزئي في العهد القديم من خلال مسحة الزيت المقدس للملوك والكهنة والأنبياء، ورأينا أيضا كيف أن كل هذه المسحات قد اجتمعت واكتملت في شخص واحد هو شخص ربنا يسوع المسيح، حيث حل الروح القدس عليه بكل ملئه جاعلا إياه «المسيح» المعيّن من الله ملكاً وكاهناً ونبياً إلى الأبد ، وهذه المسحة أبدية أي أنها لن تتكرر مع أي إنسان آخر، لأن ربنا المعبود ملأ ويملأ وسيملأ هذه المراكز بشكل كامل لا يحتاج إلى إضافة، قد يشهد العالم « مسحاء» كثيرين لكنهم مسحاء كذبة (مت 24 : 24 ). والآن وقد رأينا هذه المسحة في العهد القديم ورأيناها في حياة ربنا له المجد ، ماذا عنا نحن؟ ما علاقتنا نحن في العهد الجديد بروح المسحة المبارك؟ وهنا نقول: وإن كانت مسحة الروح لربنا لن تتكرر مرة أخرى مع أي إنسان آخر إلا أن أصغر مؤمن في كنيسة المسيح له نصيب في هذه المسحة، إن المؤمن لا يمسح من الروح مسحة جديدة لأن كل المسحات اكتملت في شخص ربنا المعبود، ولكنه ينال نصيبا من مسحة ربنا نفسه، لأن مسحة الروح ليسوع كانت أيضا:

مسحة فائضة

         « هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معا، مثل الدهن (المسحة) الطيب على الرأس، النازل على اللحية، لحية هرون ، النازل إلى طرف ثيابه» (مز ۱۳۳ : 1 ، 2 ).

عندما يجتمع الإخوة معا ينالون بركة ومسحة الروح، لكن هذه المسحة ليست خاصة ومستقلة لكل واحد منهم بل هي ذاتها المسحة التي انسكبت على «الرأس » بفيض حتى أنها انسابت إلى اللحية ثم إلى كل أطراف ثيابه، ومن هو «الرأس » العظيم الذى انسكبت عليه المسحة بهذا الفيض ؟ من هو رئيس الكهنة الحقيقي الذي كان هرون مجرد رمز له؟ إنه ربنا يسوع المسيح.

إن كل عضو في جسد المسيح له حق التمتع بذات المسحة التي انسكبت بفيض على شخص ربنا ، إن لنا نصيبا في كل مسحات الروح التي تكلمنا عنها، لكن هذا النصيب لا نناله إلا من

خلال شركتنا والتصاقنا بالرأس، وكلما اقتربنا من الرأس كلما كان نصيبنا من هذه المسحات أكبر !! إننا لا نستطيع أن نأخذ مسحات من الروح بالاستقلال عن يسوع لأن الروح قد أعطى كل ملئه ليسوع ونحن نستطيع فقط أن نكون مملوئين «فيه» ( كو 2 : 9 ، 10 ) إنه وحده المملوء نعمة وحقا ونحن لنا الحق أن نأخذ «من ملئه » نعمة فوق نعمة (يو 1 : 14 ، 16 )

 يؤكد الكتاب هذه الحقيقة العجيبة وهي أن كل المسحات التي أخذها رب المجد يسوع قد أعطانا الحق في التمتع بها ، أي أننا يمكن أن نكون:

ملوكاً وكهنة !!

يؤكد لنا الرسول بطرس أننا «كهنوت ملوکی» (۱بط 2 : 9 ) أي أننا نتمتع بمسحة الكهنوت والملك في وقت واحد، ونحن نعلم أن الجمع بين هاتين المسحتين لم يكن ممكنا في العهد القديم ولم يجتمعا إلا في شخص ربنا يسوع، أي أن مسحتنا هي من ذات طبيعة مسحة ربنا المعبود !!

ويوحنا في مقدمة سفر الرؤيا يخاطب المؤمنين البسطاء الموجودين في السبع كنائس التي في آسيا قائلا عن شخص ربنا يسوع المسيح: « الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه» (رؤ1 : 5 ، 6 ) وفي نفس السفر نسمع الكنيسة المنتصرة وهي تنشد « وجعلتنا لإلهنا ملوكة وكهنة فسنملك على الأرض » ( رؤ 5 : 10 ) .

.. وأنبياء أيضأ !!

يقول الرسول بولس عن شخص ربنا الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل، وهو أعطى البعض أن يكونوا ... أنبياء» (أف 4 : 10 ، 11 ) هذه الكلمات تؤكد ما قلناه وهو أن الرب يسوع هو الذي يملأ الكل بمسحته الفائضة وأنه لا توجد مسحات جديدة، والرسول يحث كل المؤمنين أن ينالوا نصيبا من هذه المسحات المباركة التي في شخص المسيح وبالذات مسحة النبوة (1كو 14 : 1 )، وللحديث بقية.

 

الأحد، 10 سبتمبر 2023

احاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (48)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن النبي هو الشخص الذي يقترب من الله ليعرف فكره الخاص بشعبه في وقت محدد من التاريخ، ثم يقترب من الشعب لينقل إليهم هذا الفكر وقد يستطيع أن يقودهم أيضا لتحقيق هذا الفكر، ولقد ظل موسى هو النموذج الكامل للنبي في عيون بني إسرائيل والقمة التي لم يدنو منها أى نبي آخر في تاريخهم، حتى جاء يسوع إلى العالم، وكما مسحه الله بمسحة الملك والكهنوت نراه أيضا يمسحه

مسحة النبوة

          « روح السيد الرب على لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسرى القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالاطلاق، لأنادي بسنة مقبولة للرب (إش 61 : 1 ، 2 ) . في بداية خدمة الرب العلانية نراه في مجمع الناصرة يقرأ هذه الآيات ويؤكد أنها قد تمت في شخصه، إنه هو النبي الذي مسح لكي ينقل فكر الله هذا إلى الشعب، ويا له من فكر جميل!! لقد كان فكر الله تجاه شعبه هو فكر الشفاء والعتق والقبول في وقت كان الشعب في حضيض الضعف والهوان والموت!! كان يسوع هو المسئول عن نقل هذا الفكر إلى الشعب ليس فقط بكلامه بل أيضأ بحياته التي جال فيها يصنع خيرأ ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس.

من هذه الزاوية كان الرب «مثل» موسى، الذي أيضا جاء إلى الشعب في وقت كانوا في حضيض العبودية والذل والهوان لينقل لهم فكر الحرية والعتق والاستقلال، واستطاع بكلماته وبحياته أن ينقلهم من كونهم عبيداً في أمة غريبة إلى شعب له أرض ووطن، كل من موسى و يسوع كانت خدمته فاصلة في تاريخ شعب إسرائيل، كل منهما نقل الشعب من وضع إلى وضع آخر، كل منهما أنهى كياناً قديما وأنشأ كياناً لم يكن موجوداً من قبل، كل منهما نقل للشعب أقوالاً إلهية حاسمة ظلت منهجاً للسلوك عبر الأجيال، كل منهما قدم إعلاناً عن الله لم يكن معروفاً من قبل، كل هذا جعل الروح القدس يشير إلى نبـــوة موســى فـي (تث 18 : 15 )  ويؤكد أنها قد تمت في شخص الرب له كل المجد (أع 3 : 22 ، 7 : 37 ) أي أن يسوع هو النبي الذي جاء إلى الشعب «مثل» موسى !!

ولكن ... !!

 هنا لابد أن نقف ونستدرك ونقول إن وجه الشبه بين موسى و يسوع محصور فقط في كون خدمتهما كانت حاسمة وفاصلة في تاريخ الشعب، لكن لا يظن أحد أننا نقصد أن مضمون خدمتهما كان متشابهاً، حاشا !! فالفرق شاسع جدا بين مضمون خدمة موسى ومضمون خدمة يسوع، بل أننا نقول إن كل ما فعله موسى في وسط الشعب لم يكن إلا ظلا باهتاً لما كان يسوع مزمع أن يفعله للشعب.

أخرج موسى الشعب من تحت عبودية فرعون أما الرب فقد أتى لكي يحررنا من عبودية الخطية، وما أبعد الفرق بين العبودية الخارجية لإنسان والعبودية الداخلية للشيطان !! فتح موسى البحر أمام الشعب أما الرب فقد فتح لنا طريقاً في السماويات إلى الأقداس عينها، أطعم موسى الشعب بالمن أما الرب فقد أعطانا الخبز الحي الواهب الحياة ، وهذا الخبز لم يكن سوى حياته نفسها، لقد أعطانا جسده مأكل حق ودمه مشرب حق، وما أبعد الفرق بين من يعطى خبزاً ومن يعطي حياته!! بشفاعة موسى هزم الشعب أعداءه وبشفاعة الرب صار لنا السلطان أن ندوس حيات وعقارب وكل قوة العدو، لقد أشهر أمامنا ليس أجناداً بشرية بل كل الأجناد الروحية في السماويات ظافراً بهم في الصليب، أتى موسى بالناموس للشعب وبالناموس صار حكم الموت على الجميع إذ أخطأ الجميع، أما يسوع فقد أتي لنا بالنعمة والحق، النعمة التي تستطيع أن تغفر للإنسان خطاياه وتعطيه القدرة ليعيش بحسب الحق، رفع موسى حية نحاسية لكي يشفي الشعب من آلام المرض أما الرب فقد رفع بنفسه على الصليب لكي يمنحنا حياة أبدية، بنى موسى للشعب خيمة الاجتماع التي هي ظل للأقداس السماوية أما يسوع فقد شق أمامنا الحجاب لكي ندخل معه إلى الأقداس عينها ... وماذا نقول أيضا ؟! إننا لا نستطيع أبدأ أن نحصر بكلماتنا الفروق الواسعة التي بين خدمة موسى وخدمة رب المجد، لأن الفرق بينهما كالفرق بين الأرض والسماء أو بين الجسد والروح أو بين الموت والحياة... وكلها فروق أبعد من قدرتنا على البيان !!

لكن كل ما نستطيع أن نقوله هو إن « النبي» العظيم قد جاء، النبي الذي حمل إلينا أكمل وأجمل إعلان عن شخص الله، هل قبلت هذا الإعلان في حياتك ؟ وللحديث بقية.

الاثنين، 14 أغسطس 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (47)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن سيدنا قد مسح ملكاً وكاهناً إلى الأبد ، وقد اكتملت في شخصه المبارك كل المسحات الرمزية والجزئية التي كانت لملوك وكهنة العهد القديم، واليوم نضيف أن روح المسحة المبارك قد مسحه أيضا «نبياً» بل بالحرى «النبي»!!

من هو النبي ؟

النبي هو الشخص المسئول عن معرفة فكر الله الخاص بالشعب في الأوقات والظروف المختلفة، وهو المسئول عن نقل هذا الفكر للشعب بأكمل صورة ممكنة، وفي بعض الأحيان يكون مسئولاً أيضا عن تحقيق هذا الفكر وتحويله إلى واقع ملموس.

ووظيفة النبي أساسية جدأ لأن طبيعة القلب الإنساني هي الضلال سريعاً عن فكر الله والتحول إلى الطقسية والروتينية المميتة، ولذا يحتاج شعب الله إلى من يعرف فكر الله الخاص لكل موقف يمر به الشعب وينقل لهم هذا الفكر المتجدد الحي.

وكثيرا ما كانت وظيفة النبي مؤلمة ومكلفة، لأنه في أغلب الأحيان يكون فكر الله غير مستساغ وغير مقبول من الشعب لا سيما في أوقات الضلال والارتداد ، والشعب دائما يحب سماع الأقوال الناعمة وعندما يحمل الأنبياء فكر الله ودينونته على الشر لا يلقى هذا الفكر في الغالب قبولا، وكثيرا من الأنبياء دفعوا حياتهم ثمنا لحملهم فكر الله لشعوبهم، وآخرون عذبوا وتجربوا في هزء وجلد وقيود أيضا وحبس، بل رجموا ونشروا وطافوا في جلود غنم ومعزى معتازين مكروبين مذلين، وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم!! ولقد استحقت أورشليم عن جدارة لقب «قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها » !!

وقيمة النبي كانت تقدر بمدى قيامه بهذه المسئوليات، فهناك الأنبياء الصغار الذين نقلوا فكر الله ولكننا لم نر لهم أعمالا مؤثرة في تاريخ الشعب، وفي المقابل هناك الأنبياء الكبار الذين لم ينقلوا فقط أقوال الله بل استطاعوا بحياتهم أن يغيروا مسار الشعب رجوعاً إلى الله، مثل صموئيل وداود وإيليا ... وقبل الكل يقف

موسى النبي النموذجي !!

لم يستطع شعب إسرائيل أن ينسى ما فعله موسي معهم، هذا الإنسان الذي اختار أن يترك كل خزائن مصر ويربط مصيره بهذا الشعب المستعبد ، موسي الذي كان يتكلم مع الله وجها لوجه ثم ينزل إلى الشعب لكي ينقل لهم أقوال الله ووصاياه، ولم ينقلها بالكلام فقط بل استطاع بآناته وحلمه ورعايته واحتماله أن ينقل صورة الله للشعب، نقل لهم فكر الخلاص والتحرير في وقت عبوديتهم القاسية واستطاع أن يكون الأداة التي يحقق بها الله هذا الخلاص ويجعله واقعاً ملموساً، لقد كان موسى نبياً عظيماً وكان دوره محورياً  وفاصلاً في تاريخ شعب إسرائيل، لقد ارتبط تاريخ إسرائيل بموسى كما لم يرتبط بأي شخص آخر، حتى أن الله خشي أن يعبدوه بعد موته فأخفي جسده عن أنظارهم!!

لقد كان موسى بحق النبي النموذجي حتى أنه قال قبل موته « يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي ، له تسمعون» (تث 18 : 15 ) أي أن كل نبي يأتي بعده كان يكتسب مصدقيته من مقدار تشبهه بموسى، ولقد اعتبر الشعب أن هذه الأقوال بمثابة نبوة عن مجيء نبي له نفس تأثير موسى في تاريخ الشعب، نبي يكون دوره محورياً وفاصلاً في حياة الشعب كما فعل موسى، ورغم تعاقب العديد من الأنبياء الكبار والصغار على إسرائيل إلا أن الشعب لم يقيم أحداً منهم بأنه «مثل» موسى، كان موسى هو المقياس الذي يقيسون عليه كل الأنبياء، ولذلك نراهم في أيام الرب يحاولون كثيراً مقارنته بموسى (يو6 : 31 ، 9 : 29 ) .

ولأن أياً من أنبياء العهد القديم لم يرقى إلى مستوى موسى اعتبروا أن هذه النبوة لم تتم بعد وظلوا ينتظرون مجيء «النبي» الذي يشبه موسى ، حتى عندما جاء المعمدان سابقأ للمسيح كان السؤال الذي وجه إليه:

ألنبي أنت ؟!

 والحقيقة أن إسرائيل كان فعلاً في هذه الأيام على موعد مع «النبي» الموعود ، ولكن ليس في شخص المعمدان بل في شخص يسوع، النبي الحقيقي الذي كان مزمعاً أن يغير مسار الشعب وتاريخه جذرياً، وللحديث بقية.

 

الجمعة، 4 أغسطس 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (46)

بقلم : فخرى كرم

إذا كان زيت المسحة المقدس قد أستخدم قديماً لتكريس الملوك والكهنة والأنبياء بشكل جزئي ورمزي، فإن روح المسحة المبارك قد أكمل كل هذه الرموز والظلال عندما حل بكل ملئه على شخص ربنا يسوع «المسيح» مكرسا إياه ملكاً وكاهناً ونبياً بشكل كامل و أبدي، ولقد تكلمنا في المرة السابقة عن مسحة الملكوت واليوم نتحدث عن مسحة الكهنوت.

من هو الكاهن ؟

كانت وظيفة الكاهن أن يكون وسيطاً بين الله والناس ، كان عمله مزدوجاً: أن يقف أمام الله لأجل الناس ويقف أمام الناس لأجل الله!! من الناحية الأولي كان ينبغي أن يكون مقدساً بشكل خاص لكي يستطيع الدخول إلى المقادس والمثول أمام الله، وعندما يقف أمام الله كان يعلم أنه لا يقف لأجل نفسه بل لأجل الشعب، كان رئيس الكهنة يحمل على كتفيه وصدره أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر، إشارة رمزية إلى أنه يدخل إلى المقادس لأجل كل فرد في الشعب، يتشفع لأجلهم ويلتمس غفراناً لخطاياهم وتســديداً لاحتياجاتهـــم (عب 5 : 1 ، 2 ) أي أنه من خلال الكهنوت كان الشعب يبقى ماثلا أمـــام الله دائمــــا (خر28 : 29 ، 30 ). ومن الناحية الثانية كان ينبغي أن يقف الكاهن أمام الشعب لأجل أمور الله، كانت مسئوليتهم أن يعلموا الشعب الشريعة ويحثوهم على حفظها (لا 10 : 11 ) كان ينبغي أن يكونوا ممثلين لقداسة الله أمام الشعب ساعين لدفع الشعب لحياة القداسة والطاعة لوصايا الله، كان ينبغي أن يقووا المريض ويعصبوا الجريح ويجبروا الكسير ويستردوا المطرود ويطلبوا الضال. بالاختصار كان ينبغي أن يكونوا ممثلين لشخص الله أمام الشعب.

ولكن ..

غني عن البيان أن نقول إن هذا الوضع المثالي لم يتحقق قط في ظل الكهنوت اللاوي، فأحد من الكهنة لم يستطع أن يملأ هذا المركز السامي و يشغل هذه الوظيفة الخطيرة، لقد حملوا أسماء الشعب طقسا لكن لم يحملوهم فعلاً وحباً، لقد اهتم الكهنة بشؤونهم الخاصة ورعوا أنفسهم ولم يرعوا الشعب بل تسلطوا عليهم بعنف (حز34 : 4 ) ، ولم يهتموا بتعليم الشريعة للشعب لأنه كلما كان الشعب جاهلاً وخاطئاً كانت السيطرة عليه أسهل!! ورغم أن هناك استثناءات لبعض الكهنة الصالحين الذين خدموا بأمانة في أيامهم إلا أن الغالبية لم تكن على قدر المسئولية، ويعوزنا الوقت لكي نسرد الأحداث المؤسفة والمخجلة التي صاحبت أيام خدمتهم، ويكفي أن نراهم في أيام تجسد سيدنا وقد صاروا تجاراً يحتكرون تجارة الذبائح بأنواعها ويبيعونها بأغلى الأثمان وقد ملأوا الهيكل بالباعة والصيارفة واستحقوا من الرب وصفهم باللصوص !! لقد صارت مهنة الكهنوت مصدرأ للغنى الفاحش بعدما كان الكاهن ليس له نصيب في الأرض لأن نصيبه هو الرب! !

الكاهن الحقيقي

لذلك انسكب روح المسحة في ملء الزمان على شخص ربنا يسوع المسيح ماسحاً إياه كاهناً إلى الأبد على رتبة ملكي صادق (مز 110 : 4 ) لأنه الوحيد الذي استطاع أن يملأ مركز الوسيط بكل كمال واقتدار، فمن الجهة الأولى استطاع بقداسته الشخصية أن يدخل إلى الأقداس السماوية عينها حاملا دم نفسه كفارة وفداء لكل واحد من شعبه، لقد أحبنا فعلا وحملنا فعلا على كتفيه وقلبه ودخل بنا إلى المقادس عينها متشفعاً لأجلنا، وهو مازال هناك في الأقداس متشفعاً فينا حتى يصل بنا إلى الخلاص التام، إنه قادر أن يخلص إلى التمام جميع المتقدمين به إلى الله لأنه حي في كل حين ليشفع فيهم (عب 7 : 25 ) له كل المجد!!

ومن الناحية الثانية كان هو الوحيد الذي استطاع أن يقدم للانسان صورة كاملة عن الله، ليس بالكلمات والتعاليم الجوفاء بل بحياته عينها، لقد رأينا في شخصه الله كاملاً، لقد ظهر الله في الجسد (۱تي 3 : 16) لقد استطاع بحياته أن يجعلنا نحب الله ونسعى إليه، ولقد رسم لنا بحياته وموته طريقاً للوصول إلى الآب، طريقاً حياً كرسه لنا بجسده، له كل المجد!! وهكذا استحق سيدنا أن يكون كاهنا إلى الأبد و الوسيط الوحيد بين الله والناس (1تي 2 : 5 ) وهو الآن يقوم بهذا العمل المزدوج بكل اقتدار: يشفع أمام الله لأجلنا ويتعامل معنا بروحه لأجل تقديسنا وتكميلنا.

أخي، هل استمتعت بشفاعته هذه ؟ هل تتقدم إلى الله من خلال يسوع وحده ؟ وهل تقبل عمل روحه فيك؟ إنه رئيس كهنتك الوحيد، ليس لك قبول أمام الله إلا فيه وليس لك تقديس في الحياة إلا به!! (يتبع)

 

الجمعة، 28 يوليو 2023

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (45)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن عمل المسحة الذي يقوم به الروح القدس وجد كماله في شخص ربنا يسوع المسيح، لقد كان ربنا هو الشخص الوحيد الذي اجتمعت فيه كل «المسحات» التي رأيناها تتم بشكل جزئي ورمزي في العهد القديم ، كان دهن المسحة يستخدم لمسح الملوك والأنبياء والكهنة في العهد القديم، وفي العهد الجديد رأينا الروح يمسح ربنا المعبود ملكا ونبياً وكاهناً في آن واحد!!

ملك الأرض كلها !!

 قال الله عن المسيح بروح النبوة « أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي» (مز 6:۲) وهذا الملك ليس مقصوراً على شعب واحد أو مكان واحد بل هو يمتد إلى جميع الأمم وإلى أقاصى الأرض (مز ۸۰۲).

ولقد أخذ الرب هذا الحق في الملك بسبب قبوله الألم لأجل كل إنسان، إن ملكه مؤسس على استحقاق كونه الوحيد الذي أحب الإنسان حباً حقيقياً ، لذلك يقول الكتاب « يسوع نراه مكللا بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت، لكي يذوق (أو لأنه ذاق) بنعمة الله الموت لأجل كل واحد » (عب ۲: ۹).

    ملوك الأرض يسودون الناس ويتسلطون عليهم ويعتبرون تسلطهم إحسانا (لو 22 : 25 ) قمة الغطرسة والكبرياء!! أما الملك الحقيقي فهو الذي تواضع ونزل تحت الجميع لكي يخدم ويفدى الجميع، لذلك استحق أن يكون ملكا على الجميع، لقد نزل إلى أقسام الأرض السفلي بمحبته وفدائه لذلك استحق أن يكون ملك الأرض كلها .

تشهد الأرض ملوكاً من كل شكل ولون، قليلون صالحون وكثيرون طالحون ولكن جميعهم زائلون، وملكهم سطحي وجزئي وسلطانهم يصب في صالحهم أكثر مما يصب في صالح شعوبهم، أما ملك سيدنا فهو الوحيد الدائم والأبدي ، لأنه الوحيد الذي يصب في صالح الإنسان ومجد الله ولأنه أيضا الوحيد المؤسس على الحق والاستقامة، وفي هذا يقول الكتاب بوضوح «وأما عن الابن : كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب مملكك» (عب 1 : 8 ).

لكنه ملك غائب !!

لكننا في الزمان الحاضر لا نرى أن كل شيء خاضع فعلا لسيادة الرب يسوع المسيح، إنه غائب عن الأرض ومازال جالساً عن يمين الله منتظراً حتى يضع أعداءه موطئاً لقدميه، لكن هذا الوضع مؤقت حتى تنتهي سنة الرب المقبولة التي فيها يتعامل الله مع الإنسان بالنعمة تاركاً له حرية الاختيار، حتي لو اختار الإنسان ألا يخضع لملك الرب وكأن لسان حاله: «لا نريد أن هذا يملك علينا» (لو 19 : 14 ) . لكن نشكر الله أنه حتى في هذا الزمان الشرير هناك عبيد أمناء لهذا الملك الغائب، يعيشون بأجسادهم تحت سلطان هذا الزمان لكن قلوبهم لا تعترف ولا تجثو إلا للملك الغائب، يعيشون بأمانة له وكأنه موجود معهم بالجسد، يعطونه سلطان الملك على كل أفكارهم وخلجات نفوسهم، يطيعون أوامره ويضعون حياتهم رهن إشارته، كلمة واحدة منه تفجر ينابيع القوة فيهم ولحظة صمت منه توقف سريان الحياة فيهم!! لأن الحياة بالنسبة لهم هي شخصه العظيم.

إنهم يعلمون أن الأرض ملكا له ولكنهم يرتضون أن يحيوا فيها غرباء مكتفين بخيمة ومذبح، وبعضهم لم يجد خيمة وعاش تائها في مغاير وشقوق الأرض، يعلمون أن سيدهم له السلطان على النيران الملتهبة والأسود الجائعة ولكنهم لا يطالبونه بأن يفعل لأجلهم شيئا لأنهم يحبونه ويخضعون له حتى وإن لم يفعل ما يجنبهم الألم!! سلطان الملوك لا يرهبهم وأموالهم لا تغريهم وبريق العالم لا يخدعهم وقسوته لا تكسرهم، إنهم موجودون في كل جيل سواء بشكل علني أو مستتر، لكن دائما هناك عبيد أمناء لهذا الملك الغائب ، وصلاتهم في الليل والنهار هي:

ليأت ملكوتك !!

هذا الملك الخفي لابد أن يستعلن، والملك الذي ارتضى أن يخفى ملكوته كل هذا الزمان لابد أن تنشق السماء يوما ويراه الجميع نازلاً راكباً على فرس أبيض ومتسربل بثوب مغموس بالدم، ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم ويرعاهم بعصا من حديد ، سيحارب ويهزم كل ملوك الأرض ولكن حربه تختلف عن كل حرب رأتها البشرية، لأنه «بالعدل يحكم ويحارب» !! وعندئذ سيرى الجميع اسمه المكتوب على ثوبه وفخذه: ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ ۱۹). يتبع.

 

السبت، 22 يوليو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (44)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن الصورة الرمزية للزيت وقلنا إنها تشير إلى أحد أعمال شخص الروح القدس ألا وهو عمل التكريس والتقديس، ففي العهد القديم كان زيت المسحة يستخدم في مسح الأماكن والأشياء والأشخاص إعلان عن تكريسهم لخدمة رب الجنود ، وهذا يقودنا لحقيقة كتابية هامة ألا وهي:

مبدأ التكريس للخدمة

          إن خدمة الله لا تتم إلا بمواد مقدسة ومكرسة للخدمة، فالله لا يقبل أن تمتد أيادي غير طاهرة لتعمل في هيكله، والقلب الذي يحب العالم ويقبل نيره على عنقه لا يمكن أن يأتي ليقدم خدمة مقبولة لرب الجنود ، فلا يمكننا أن نخدم الرب بقلب منقسم أو نكرمه بفضلات أوقاتنا وممتلكاتنا ، لأننا في الواقع لا يمكننا أن نخدم سيدين ، وعلى من يريد أن يخدم الرب أن يكون أولا ملكاً للرب.

ولقد أراد الرب أن يرسخ هذا المبدأ في نفوس الشعب القديم من خلال عدة وصايا ،  فمن بين الأبناء يكون الابن البكر مكرساً للرب، ومن بين غلة الأرض تكون الباكورة للرب، ومن بين البهائم الطاهرة تكون أفضلها ذبيحة للرب، ومن بين الأيام هناك يوما مقدسا للرب، ومن بين السنين تكون السنة السابعة سبتاً للرب، ومن بين الممتلكات يكون العشر ملكاً للرب، ومن بين الأسباط يكون سبط لاوي مخصصاً لخدمة الرب... إلخ.

لم يكن القصد الإلهي من هذه الوصايا هو تلك الأمور المادية بل بالحرى ترسيخ مبدأ التكريس للرب، تأكيد حقيقة أن للرب الأرض وملأها المسكونة والساكنين فيها، أن للرب حقاً في كل ما تمتلكه أيدينا وهو لا ينتظر ما يجود به الإنسان بل من حقه أن يقتطع لنفسه أشياء وأشخاصاً يكرسهم لخدمته، وكان المسح بالزيت المقدس هو العلامة لهذا التكريس وكل ما مسح بالزيت لم يكن ممكناً أن يستخدم في أغراض أخرى بخلاف خدمة رب الجنود ، فكما أن الرب لا يقبل في خدمته من هو غير مكرس له كذلك لا يقبل من تكرس له أن يخدم آلهة أخرى!! لذلك نقرأ أن الرب أمات عزة» لأنه مد يده إلى تابوت العهد وهو ليس مقدساً لخدمة التابوت، كما نقرأ أن الرب ضرب «عزيا » الملك بالبرص لأنه دخل إلى المقادس وهو ليس بكاهن، فالله لا يقبل الخدمة إلا ممن دعاهم هو لخدمته! !

كذلك فمن دعاه الرب لخدمته لا يمكن أن يستخدم لأغراض أخرى، فنقرأ أن المكان الذي اختاره الرب ليضع اسمه فيه مسح بالزيت وتكرس لعبادة رب الجنود ، ولذلك نرى الرب يغضب ويطرد الباعة من الهيكل قائلا «بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص » (مت 21 : 13 ) والأواني التي مسحت لخدمة الهيكل ما كان ممكناً أن تستخدم لغرض آخر، لذلك أعتبرت إهانة بالغة أن يشرب بيلشاصر الملك ورفقاؤه في أواني الهيكل خمرة وهم يسبحون آلهة أخرى، وكان لابد عندئذ أن تتدخل اليد الإلهية لتكتب قصاصاً قاسياً رداً على هذه الإهانة (دا 5 : 1 ـ 4 ) . وكذلك الأشخاص الذين يتكرسون لخدمة الرب كان الدم يوضع على آذانهم اليمنى وإبهام أيديهم اليمنى وأرجلهم اليمنى إشارة إلى موتهم عن العالم وتكريسهم فيما بعد لخدمة رب الجنود وحده .

لكن لابد هنا أن نؤكد أن كل هذه المعاني لم تصل أبدا إلى كمالها في ظل العهد القديم، لأنها كانت تتم بشكل طقسي ورمزي و مجازي لم يرتق أبدأً إلى الحقيقة التي يريدها رب الجنود ، إلى أن جاء في ملء الزمان من سمي بحق:

«المسيح» !!

 أحد أسماء ربنا هو «المسيح» فهو ليس «مسيح» الرب مثل كثيرين في العهد القديم بل هو «المسيح» الوحيد الذي قبل مسحة كاملة من الله، لقد عاش حياة التكريس الحقيقية بكل عمقها مما أشبع قلب الأب وأرضاه، حتى قيل عنه بروح النبوة «أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك» (مز 45 : 7 ) وقيل أيضا « يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه» (أع 10 : 38 ) .

لقد نسج المسيح بروح المسحة وهو بعد في بطن أمه، ونراه وهو صبي يعيش فيما لأبيه، لم تكن له حياته الخاصة بل كل سروره كان في عمل مشيئة أبيه، لم يخدم ذاته قط بل قدسها لكي يصنع شعباً مقدساً لله، إن كل المسحات الرمزية التي تمت في العهد القديم وجدت كمالها وتمامها في يسوع المسيح» (يتبع).

 

 

 


الاثنين، 17 يوليو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (43)

بقلم : فخرى كرم

بعد ما تكلمنا عن روح الوداعة في صورة الحمامة، وروح القداسة والقضاء في صورة النار، وروح الارتواء في صورة المياه، وروح العمل الخفي في صورة الريح، نبدأ اليوم حديثنا عن صورة رمزية خامسة لروح الله ألا وهي:

الزيت

منذ فجر التاريخ المقدس وجدنا رجال الله يستخدمون الزيت للتعبير عن تكريس الأشياء وتقديسها لخدمة الله، حتى قبل مجيء الشريعة بطقوسها المحددة كان صب الزيت على الأشياء أو الأشخاص يشير لتكريسها للرب.

عندما قام يعقوب ليذهب إلى حاران ولاقاه الرب في البرية برؤيا السلم المنصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء، قام يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه عمودا وصب زيتاً على رأس هذا العمود ودعا اسم ذلك المكان « بيت إيل»، كان هذا المكان من قبل بقعة جرداء لكن عندما نزل الله ليتكلم مع يعقوب في هذا المكان أصبح بيتا لله وباباً للسماء، تماما مثل الحجر الصلب الجاف عندما يصب فوقه الزيت الناعم المنعش (تك 28 : 18 ).

 وعندما أتم الله وعوده وعاد يعقوب سالماً مباركاً إلى بيت إيل وتكلم الله معه مرة أخرى هناك، عاد فنصب عموداً من حجر وسكب عليه زيتاً، ودعا اسم المكان الذي فيه تكلم الله معه بيت إيل (تك 14:35 ). إن حياتنا مثل البرية الجرداء لكن عندما يختار الله أن يقترب منا ويتكلم معنا تصير حياتنا بيتاً لله وباباً للسماء!! عندئذ يصب الزيت المنعش على القلب الحجري الجاف ويتحول إلى مذبح لعبادة رب الجنود !!

دهن المسحة

بعدما جاء الناموس صارت هذه الممارسة التلقائية التي قام بها يعقوب إحدى طقوس العبادة الرئيسية، حيث طلب الله من موسى أن يصنع دهن المسحة المقدس من قاعدة رئيسية هي زيت الزيتون مضافا إليه أفضل و أزکی العطور والأطياب بنسب محددة وثابتة (خر 30 : 22 ـ 24 ) وكان يمسح المسكن وكل ما فيه بدهن المسحة المقدس لكي يتقدس للرب، وكذلك المذبح وجميع آنيته والمرحضة وقاعدتها (لا 8 : 10 ، 11 ) ويصب منه على رأس هارون ورؤوس بنيه لتقديسهم للخدمة (لا ۱۲:۸) كما كان يستخدم لمسح الملوك (اصم 10 : 1 ، 16 : 1 ) ومسح الأنبياء (۱مل 19 : 16 ) وكانت هذه المسحة تشير إلى أنهم صاروا مكرسين لخدمة الرب فقط، لم يعد مسموحاً لهم أن يعيشوا حياتهم كما يريدون بل كما يريد الله، «والكاهن الأعظم الذي صب على رأسه دهن المسحة لا يكشف رأسه ولا يشق ثيابه ولا يأتي إلى نفس ميتة ولا يتنجس لأبيه أو أمه ولا يخرج من المقدس... لأن إكليل دهن مسحة إلهه عليه» (لا 21 : 1 ـ 12 ).

كان شاول ابن قيس يسعى في آثر أتن أبيه الضالة لكن عندما التقاه صموئيل وأخذ قنينة الدهن وصب على رأسه أصبح شاول رجلا آخر، لقد مسحه الرب على ميراثه رئيسا وأعطاه قلبة يصلح لهذه المهمة ( 1صم 10 : 1 ، 9 ) . كانت هذه المسحة تشير إلى أن الله يدعو شخصاً ما لعمل ما، والذي يدعو إلى العمل يعطي الإمكانية والكفاية للقيام به! !

روح المسحة

عندما نأتي إلى العهد الجديد نفهم أن دهن المسحة كان رمزا لأحد أعمال الروح القدس ألا وهو عمل التكريس والتقديس، والروح هو الذي ينسكب على حياتنا الجرداء فيصيرها قدساً للرب وموطئاً لقدميه، فالرسول يقول «أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذى لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم؟» (۱ كو 6 : 19 ) إن سكنى الروح القدس فينا جعلت من حياتنا هيكلا مقدساً لله، لم نعد ملكا لأنفسنا ولا في مقدورنا أن نعيش كما نريد بل كما يريد الله.

والروح الذي يقدسنا و يكرسنا لمجد الله يمنحنا في ذات الوقت الإمكانية والكفاية للقيام بالعمل الذي يدعونا إليه، لذلك يقول الرسول أيضا «ليس أننا كفاة من أنفسنا بل كفايتنا من الله الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد » (۲ كو 3 : 5 ، 6 ) والرسول يوحنا يتكلم عن عمل الروح بداخلنا مشبها إياه بمسحة الدهن في العهد القديم: «وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً » (۱يو 2 : 27 ) ونحن نعلم من كلمات الرب في (يو 14 : 26 ، 15 : 26 ) أن الذي يعلمنا كل شيء وهو الحق هو شخص الروح القدس نفسه، أي أن المسحة التي يتكلم عنها الرسول يوحنا هي شخص الروح، وللحديث بقية