الاثنين، 18 ديسمبر 2023

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (57)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح يشفع فينا في عدة مجالات، وأول هذه المجالات هو الصلاة، حيث أننا في أحيان كثيرة لا نعرف ما نصلي لأجله كما ينبغي ونحتاج لشفاعة الروح فينا بأنات لا ينطق بها ، عندئذ يتخطى الروح قصورنا عن فهم مشيئة الله واضعاً فينا الصلاة المرضية أمام إلهنا، واليوم نضيف أن الروح يشفع أيضا فينا في مجال ثان ألا وهو:

الحرب الروحية

إننا لا نعاني القصور تجاه مشيئة الله فقط بل أيضا تجاه حربنا مع إبليس والعالم، إننا نواجه عدواً شرساً يمتلك قدراً كبيراً من الذكاء والقدرة، إذا تركنا لأنفسنا في مواجهة هذا العدو فإنه بلا شك يبتلعنا أحياء، إن مكايده وحبائله المنصوبة في طريقنا تكفى لاقتناص أفضل المؤمنين وأكثرهم روحانية إذا تخلت عنه معونة الروح وشفاعته.

لكن نشكر الله أن الروح المبارك يقف في ثغرة حياتنا ويعيننا لكي نفهم فكر عدونا ونفضح أساليبه وننتصر عليه، إن الروح يعطينا أن نفهم فكر الله لكي نصلي كما ينبغي ويعطينا أن نفهم فكر إبليس لكي نحارب كما ينبغي، وإذا كانت وسيلته لفهم مشيئة الله هي الأنات غير المنطوقة فإن وسيلته لفهم فكر إبليس هي

معرفة الحق

 في خطاب الرب الوداعي لتلاميذه وبعد أن تكلم معهم عن ذهابه إلى الآب وعن الضيق الذي سيكون لهم في العالم بسبب مقاومة رئيس هذا العالم لهم، نراه يقدم لهم الوسيلة التي ستعطيهم القدرة على مواجهة كل هذه الصعاب والانتصار عليها، اسمعه يقول « وأما المعزى الروح الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء... متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلي جميع الحق» (يو 14 : 26 ، 16 : 13).

اذاً الوسيلة التي يعيننا بها الروح لمواجهة إبليس هي أنه يعلمنا كل الحق، إن سلاح إبليس هو الكذب لأنه الكذاب وأبو الكذب (يو8 : 44 حسب الترجمة التفسيرية) والإنسان يصدق الكذب في حالة عدم معرفته للحقيقة، إذ لا يوجد إنسان واحد عاقل يصدق الكذب وهو يعلم أنه كذب، أي أن إبليس يجد فرصته للسيطرة على حياة الإنسان طالما كان هذا الإنسان لا يعرف الحق، كل منطقة فينا تجهل حق الله هي منطقة قابلة لتصديق كذب إبليس، وبالتالي هي منطقة قابلة للسقوط أمام هجوم العدو والوقوع في قبضته وأسره ، أما إذا استطاع الروح أن يعلمنا كل الحق فإنه يحصننا من أكاذيب العدو فنستطيع أن نفضح أفكاره ولا نخضع لها، لذلك يقول رب المجـــــد : « وتعرفون الحق والحق يحرركم» ( يو8 : 32). إن الحق هو القوة المحررة من كل قيود الكذب التي يقيد إبليس بها الإنسان، إن التحرر من سلطان العدو لا يحتاج إلي عنف وصراخ وانفعال بل بالحرى يحتاج إلى إنارة الحق بقوة الروح في أعماق أرواحنا المأسورة!!

ترس و مجن حقه

 من (مز 91 : 4) نتعلم أن حق الله هو الترس والمجن اللذان بهما نستطيع أن نطفىء جميع سهام العدو الملتهبة، وأيضا في (أف 6 : 14) نجد الرسول بولس يضع الحق كأول قطعة في سلاح الله الكامل، ويشبه الحق بالمنطقة التي تحيط بجسد الجندي وتمنحه الصلابة في مواجهة عدوه.

جميع الحق

يستخدم الرب تعبيرات مثل «كل شيء » و «جميع الحق» ليؤكد لنا أننا ينبغي أن نتعلم الحق كله وليس بعض أجزائه، فالحق كل لا يتجزء، إن أي جزء مهدوم في سور المدينة يجعل السور غير كاف لحماية المدينة، وأي جزء ناقص في سلاح الجندي يجعله غير كفء للمعركة، ولذلك يقول الرب «جميع الحق» وليس جميع «الحقائق»، فالحق كتلة واحدة لا يمكننا قبول بعض أجزائه وترك الأخرى، إنه كيان حي، إنه طبيعة الله نفسه، لذلك قال يسوع «أنا هو... الحق»!!

بين الحق والحقائق !!

ما أبعد الفرق بين «الحق» الذي يغرسه الروح القدس في أعماقنـا وبيــن «الحقائق » التي قد نتعلمها بأذهاننا، إن مجرد المعرفة الذهنية للحقائق الكتابية لا تكفي للانتصار في الحرب الروحية، إننا نحتاج إلي الحق الحي الذي يغرسه الروح القدس في داخل أرواحنا، فكم من أصحاب المعرفة الذهنية سقطوا في فخاخ العدو وكان سقوطهم عظيماً !! (يتبع).

 

 

 

 

الاثنين، 4 ديسمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (56)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن لنا شفاعة مزدوجة: الرب يسوع هو شفيعنا أمام الآب لأجل غفران الخطايا ، والروح القدس هو شفيعنا في داخل أرواحنا لأجل أن نعيش حياة مقدسة أمام الله، وشفاعة الروح تلك تظهر في أكثر من مجال، وأول هذه المجالات هو

الصلاة

الصلاة هي وسيلة شركتنا مع الله، ولكي تكون صلاتنا مؤثرة ومستجابة ينبغي أن تكون متوافقة مع مشيئة الله وقصده في حياتنا، فإذا كانت الصلاة الخارجة من قلوبنا متوافقة مع القصد الموجود في قلب الله فإنها تكون صلاة فعالة تحرك قلوبنا كما تحرك قلب الله!!

لكن المشكلة أن معرفة مشيئة الله والصلاة في اتجاهها ليست دائمة أمراً سهلاً، توجد مشيئة عامة لله وهي معلنة في الكتاب المقدس، مثل كونه يحب العالم كله ويريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، هذه المشيئة من السهل معرفتها والصلاة في اتجاهها بأذهاننا لأنها معلنة في كلمات واضحة للذهن، لكن هناك مشيئة خاصة بكل فرد منا وبكل يوم من أيام حياتنا ، مشيئة تخص التفاصيل الدقيقة في حياتنا، هذه المشيئة الخاصة لا نستطيع بسهولة أن ندركها بأذهاننا لأنه ما أبعد أفكار الله عن أفكارنا وطرقه عن طرقنا ، هذه المشيئة لا نستطيع أن نجدها في كلمات واضحة لأذهاننا لكن ينبغي أن نتعرف عليها كل يوم من خلال أرواحنا، هذه المشيئة الخاصة هي ما قصدها الرسول بقوله «لأننا لا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطــق بهــا » (رو 8 : 26)

بسبب القصور الإنساني نحن لا نعرف المشيئة التي نصلي لأجلها ، وإذا عرفناها لا نستطيع أن نصلي لأجلها «كما ينبغي»، أي لا نستطيع أن نعطى الصلاة حقها من المواظبة واللجاجة حتى تستجاب، ضعفنا البشري يضع فجوة بيننا وبين مشيئة الله، من يشفع في ضعفنا هذا ؟ من يعين قصورنا ونقصنا حتى نعرف مشيئة الله ونصلي لأجلها كما ينبغي؟

إنه شخص الروح وحده ! لأنه الوحيد الذي يعرف مشيئة الله الخاصة لكل منا ، لأنه الوحيد الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله (1كو 2 : 10) وهو الوحيد القادر أن ينقل هذه المشيئة لأرواحنا لكي نصلي لأجلها كما ينبغي.

وسائل الشفاعة

لأن هذه المشيئة الخاصة غير معلنة لأذهاننا لذلك يجد الروح صعوبة في استخدام ألسنتنا للنطق بكلمات مفهومة تعبيراً عن هذه المشيئة، لذلك فهو يلجأ لوسائل أخرى للتعبير عن هذه المشيئة، يقول عنها الرسول هنا: «أنات لا ينطق بها»، أي لا يمكن التعبير عنها بكلمات مفهومة، في هذا الوقت يشعر المؤمن بتحرك الروح بداخله ورغبة جارفة لرفع صلاة أمام الله رغم عدم وجود مادة مفهومة في ذهنه، مما يدفعه للتعبير عن هذا التحرك بأنات مكتومة وأحيانا بدموع وربما صرخات!!

هذه هي شفاعة الروح في أرواحنا، إنه يصلي في داخل أرواحنا بالنيابة عنا !! إنه يرفع لأجلنا طلبات بحسب مشيئة الله التي لا يعرفها إلا شخصه وحده !! وكل هذا دون أن يدرك الذهن أي شيء!! وتستمر هذه الأنات حتى نشعر براحة في أرواحنا ونتيقن أن صلاتنا قد استجيبت!!

وإذا سألنا كيف يستجيب الرب لصلاتنا رغم أننا لم ننطق بأي كلمات مفهومة يجيبنا الرسول: « إن الذي يفحص القلوب يعرف ما هو اهتمام الروح» (رو 8 : 27). إن الله لا يستمع لكلمات أفواهنا فقط بل بالحرى يفحص قلوبنا ويعرف ما يقصده الروح بأناته المكتومة تلك!!

شفاعة الروح تلك واجبة الاستجابة!! لا يمكن أن يرفضها الله، لماذا ؟ لأنـــــه « بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين »، إن شفاعة الروح هي بحسب مشيئة الله لنا، هناك توافق تام بين ما يطلبه الروح وما يريده الله، لذلك فالصلاة التي تستجاب فورأ هي الصلاة التي نرفعها بشفاعة الروح القدس.

هناك أيضأ موهبة التكلم بألسنة التي قد يستخدمها الروح لكي يشفع فينا بكلمات غير مفهومة لأذهاننا لكنها مفهومة أمام الله، في هذا الوقت يكون المؤمن متحدثاً «بأسرار» (۱كو 14 : 2) أى بأمور غير معلنة لذهنه هو نفسه، لكن فيما بعد وبعد أن تستجاب شفاعة الروح وتبدأ تتحقق في أرض الواقع عندئذ يبدأ الذهن يدرك ما كان الروح يصلى به، ولا يعود بعد «أسراراً، بل «معلنات »!!

إذا .. لا تطفئوا الروح !!

إذا كانت شفاعة الروح بهذه الأهمية وبدونها لا نستطيع أن نصلي كما ينبغي، إذا دعونا نخضع لقيادة الروح ونفسح له المجال لكي يشفع فينا، ونتعلم كيف نصغي لأناته ونتجاوب معها. (يتبع). |

 

السبت، 25 نوفمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (55)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الصورة الرمزية للخمر تشير إلى شخص الروح القدس باعتباره «المعزى»، وقلنا إن أحد معاني «المعزي» هو الشخص الذي يهديء روعنا ويطمئن مشاعرنا ويمنحنا الراحة والمعونة والتشجيع، تماما كما يحتاج الطفل المضطرب إلى حضن أبويه لكي يهدأ ويطمئن بل يتغذى ويتعلم أيضا، واليوم نضيف أن «المعزى » لها معنى آخر، ألا وهو

الشفيع

نفس الكلمة اليونانية المترجمة «المعزي » في إنجيل يوحنا هي المترجمة «شفيع» في قول الرسول «إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار» (۱ يو 2 : 1) وهي تعني المحامي الذي يقف بجوار المتهم يدافع عنه ويعضده ويحاول اثبات براءته.

نفس المعنى تكلم عنه الرسول بولس في قوله « الروح أيضا يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها ... لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين» (رو 8 : 26 ، 27).

إذاً أحد أعمال الروح القدس هو أنه شفيع فينا بحسب مشيئة الله، وهذه الشفاعة ضرورية جداً لحياتنا وبدونها لا نستطيع أن نرضي الله، ولكن للأسف فهذه الشفاعة محاطة بالكثير من الجهل والغموض، نحن نحب أن نسمع كثيراً عن شفاعة الرب يسوع لكن ما أقل ما نلتفت لشفاعة الروح القدس !! ولكي نفهم العلاقة بين شفاعة الرب وشفاعة الروح ينبغي أن نفهم أولا

قصد الله الكامل من الفداء

إن قصد الله من فدائنا لا يكمل بمجرد غفران خطايانا ورفع دينونتها عنا ، والرب يسوع لم يبذل حياته لكي يحمل عنا قصاص الخطية فحسب بل بالحرى لكي يمنحنا إمكانية الحياة المقدسة، يقول الرسول «أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة، لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب» (أف 5 : 25 ـ 27).

إذا فقصد الله الكامل من فدائنا ليس فقط أن تغفر خطايانا بل بالحرى أن لا نخطىء، أن نكون قديسين وبلا لوم، الخطية ينبغي أن تكون وضعا استثنائية شاذأ في حياة المؤمن لأن القداسة هي الوضع الطبيعي المستقر، لذلك يقول يوحنا « أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا ، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع... » أي أن أمر الله المبدئي لنا هو أن لا نخطىء، ولكن إذا أخطأ أحد - استثنائياً - فلنا شفيع عند الآب هو الرب يسوع المسيح.

شفاعة الروح و شفاعة الرب

 الكتاب يعلمنا أن لنا شفيعين: أحدهما في السماء والآخر على الأرض. الأول يشفع «عنا » أمام عرش الآب والثاني يشفع «فينا » في داخل أرواحنا، إنهما الرب يسوع والروح القدس.

والحقيقة أننا في احتياج شديد لكلا الشفاعتين لأن لكل منهما مجالاً يختلف عن الآخر، فشفاعة الرب يسوع شفاعة قضائية بينما شفاعة الروح عملية حياتية، الرب يسوع يشفع عنا أمام قضاء الله وعدالته أما الروح فيشفع فينا أمام تحديات الواقع وصعوباته، شفاعة الرب تسعى لرفع القضاء عنا أما شفاعة الروح فتسعى لتقديس حياتنا.

في ضوء ما قلناه تواً عن قصد الله الكامل من فدائنا نقول: إننا نحتاج إلى شفاعة الروح داخلنا لكى لا نخطىء ونحتاج إلى شفاعة الرب عنا إذا أخطأنا !! الروح يعين «ضعفاتنا» أما الرب فيغفر «خطايانا » !! شفاعة الروح تعني أنه يقوينا ويساعدنا لكي نحيا حياة مقدسة مرضية عند الله، أما شفاعة الرب يسوع فتعني أنه يقدم أمام الآب ذبيحته الكاملة ودماءه الطاهرة ، تكفيراً عن حياتنا غير المقدسة، شفاعة الروح تصنع شيئا إيجابية في حياتنا أما شفاعة الرب فتغفر الشيء السلبي في حياتنا، شفاعة الروح تسعى لكي تأتي برضا الله على حياتنا أما شفاعة الرب فترفع غضبه عنها !!

الشفيع - والمشتكى !!

 هذه التعبيرات الكتابية مأخوذة من ساحات القضاء، فإذا كان الشفيع هو المحامي فإن المشتكي هو ممثل الادعاء!! المشتكي يسعى لكي يثبت الاتهام علينا والشفيع يسعى لتبرئة ساحتنا، وعمل إبليس كالمشتكي عمل مزدوج: فهو يسعى لاسقاطنا في الخطية عملياً ثم يصعد أمام عدالة الله مطالباً بالقصاص منا، لذلك نحن نحتاج إلى شفاعة مزدوجة أيضا : الروح يسعي لكي لا نسقط عملياً في الخطية وإذا سقطنا فشفاعة الرب أمام الآب ترفع عنا القصاص، وللحديث بقية.

 

 

الاثنين، 20 نوفمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (54)

بقلم : فخري كرم

المؤمن يحتاج إلى تعزية الروح القدس التي تعطي دفئاً للمشاعر، والتي تشبه في بعض جوانبها مشاعر الأبوة الحميمة، المشاعر التي تربي وتحمي وتسدد الاحتياج، واليوم نضيف أن تعزية الروح تشبه في جوانب أخرى : .

حضن الأم

يقول الرب « هأنذا أدير عليها سلاماً  كنهر ومجد الأمم كسيل جارف فترضعون وعلى الأيدي تحملون وعلى الركبتين تدللون، كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا » (إش 66 : 12 ، 13) هنا يشبه الرب تعزيته لشعبه بتعزية الأم - وليس الأب - لطفلها، لماذا؟ لأن حضن الأم يمتاز بعدة مميزات:

الحنان

الحنان هو المحبة المجردة دون انتظار لأي مقابل أو رد فعل، فإذا قلنا إن حضن الأب يشمل دائماً التعليم والتأديب فإن حضن الأم يعني دفئاً وحناناً دون أن يتكلم أو يقدم النصائح.

في أحيان كثيرة يحتاج الإنسان لمشاعر الحنان هذه، وبالأكثر في أوقات الخطأ وجرح المشاعر حين يكون الإنسان في وضع لا يريد فيه أن يسمع نصائح أو ينال تعليماً أو يتعرض لتوبيخ، إنه يحتاج إلى محبة فقط، محبة تضمد جراحه و تعيد كرامته، محبة لا تذكره بخطئه ولا تنبش في جرحه بل ترفعه فوقهما.

فيما بعد وبعد أن يهدأ روعه وتطيب جراحه قد يكون من الضروري أن يضمه حضن آخر، حضن أبوي يمزج المحبة بالتعليم والنصح والتقويم، لكن لأول وهلة يحتاج الإنسان المجروح أن يرتمي في حضن الأم.

لذلك يشبه الرب معاملاته مع شعبه في هذا الجزء بمحبة الأم وليس الأب، لأن الشعب كان راجعاً من أوضاع مزرية وأخطاء متكررة أطاحت به بعيداً عن مرضاة الله لسنوات طويلة، ولقد نال من قصاص الله ما أبلى لحمهم وجفف عظامهم، وصار الشعب إلى حال لم يعد يقوى فيه على احتمال المزيد من اللوم ولا يستطيع الخضوع لمزيد من التأديب، لذلك يعدهم الرب بسلام كنهر ومجد كسيل جارف، ولا يذكر حتى خطاياهم وتعدياتهم فيما بعد، فتفرح قلوبهم المكسورة وتزهو عظامهم المسحوقة، وما أشبه هذه المحبة بمحبة الأم!!

التدليل

 التدليل هو المحبة الزائدة عن الحاجة!! المحبة في وقت الألم والاحتياج ليست تدليلا بل ضرورة ، أما بعد أن تشفي المحبة جراحنا وتسدد احتياجنا فإن استمرارها بعد ذلك يصبح « تدليلاً»، عندما يكون الطفل مشبعاً في نفسه وجسده ثم يجد مزيدا من المحبة تتدفق نحوه عندئذ يشعر بمشاعر جديدة هي مشاعر «الدلال »!! حيث يشعر بأنه محبوب ليس فقط لأنه محتاج للمحبة بل لأنه موضوع للمحبة وهدف لها في حد ذاته حتى لو لم يكن محتاجاً.

وهذا ما فعله الرب مع شعبه وما يفعله دائما ، فهو لا يعطى سلاماً قدر الحاجة بل سلاماً فائضاً كنهر، ومجده ليس بحسب الاحتياج بل كسيل جارف، إنه دائما يكيل في أحضاننا کیلاً ملآناً و مهزوزاً وفائضاً، وكثيرا ما أعطانا أكثر كثيرا مما نطلب أو نفتكر، وكثيرا ما أعطانا في وقت لم نكن نشعر فيه بالاحتياج الملح، هذه المحبة المدللة هي أقرب لمحبة الأم.

الرضاعة

بالنسبة للرضيع حضن الأم ليس حنانا ودلالاً فقط بل أيضا غذاء وشبعاً، وما أعظم لبن الأم المقترن بحنان حضنها، إنه أكسير الحياة وضرورة للنمو السليم، إنه غذاء سهل الهضم وكاف في قيمته الغذائية في أثناء شهور الطفل الأولى.

والرب كثيرا ما تعامل معنا بهذه النوعية البسيطة من التعزية، بالذات في بدايات حياتنا الروحية، حيث كان يمزج محبته وحنانه بكلمات بسيطة مشجعة للنفس يقول عنها الرسول «سقيتكم لبناً لا طعاماً لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون » (1كو 3 : 2).

لذلك يقول الرب لشعبه الراجع أنهم « سيرضعون» أي أنه سيتكلم معهم كلاماً بسيطاً مغذياً ومشبعاً للنفس ولن يثقل كاهلهم بكلمات وتعاليم ثقيلة. ما أشبه تعزية الروح في أوقات رجوعنا الأولى بحضن الأم الذي يرضع!!

ولكن إذا كانت مشاعر الأبوة والأمومة التي غرسها الرب في نفوس البشر ما هي إلا قبسأ من مشاعره هو له المجد إلا أن محبته تبقى أعظم بما لا يقاس ، فمحبة الأب والأم كثيراً ما تشوبها النقائص والسلبيات وفي أفضل أحوالها لا تبلغ الكمال، فكم جرحت قسوة الآباء الأبناء، وكم أفسد الحنان والدلال نفوس الأبناء بدلا من تقويتها، ولذلك يقول الكتاب أن آباء أجسادنا أدبونا « حسب استحسانهم» وأن الأم قد تنسى رضيعها ولا ترحم ابن بطنها، أما تعزية الروح فهي تبقى أعظم وأكمل (يتبع).

 

الجمعة، 3 نوفمبر 2023

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله (53)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الصورة الرمزية للخمر تشير إلى شخص الروح القدس بصفته روح التعزية والفرح . والحق أن هذا الجانب من شخص الروح في غاية الأهمية لحياتنا ، فمن منا لا يحتاج بين الحين والآخر إلى لمسات تعزية وتشجيع ، وسط ضغوط الحياة ومسئولياتها . هناك لحظات راحة يمنحها روح التعزية وبدونها لا نستطيع أن نكمل المسيرة ، فالإنسان لا يستطيع أن يظل تحت المسئولية كل الوقت، لابد من وقت يستريح فيه ويشعر أن آخر يحمل مسئوليته!! يشعر أن هناك إله يكتنفه ويهتم به ويحميه!! هذا هو إحساس التعزية الذي لا غنى لنا عنه ، إننا مراراً كثيرة نحتاج إلى موضع خلاء لنستريح قليلا !!

وهناك معان كثيرة لكلمة «المعزى» التي أطلقها الرب على شخص الروح القدس، من ضمن هذه المعاني أنه

يعطى دفئًا للمشاعر

الطفل الصغير لكي ينمو نموا سليماً جسدياً ونفسياً لا يحتاج فقط للنصائح والتعليمات الجافة لكنه يحتاج أيضا إلى حضن أب واع وأم حنون، حضن يمنحه لحظات من الدفء تسكن اضطرابه وتهديء روعه، حضن يخرج منه وهو أكثر قدرة على مواجهة مسئوليات الحياة، حضن يجدد قواه وينعش نفسه.

ونحن أيضا لكي ننمو روحياً لا نحتاج فقط إلى التعاليم والوصايا بل نحتاج أيضا لأحضان روح التعزية المبارك، إنه يعطى للنفس حضناً ودفئاً للمشاعر، وهذا الحضن يشبه.

حضن الأب

يقول الكتاب «كما يتراءف الأب على البنين يتراءف الرب على خائفيه» (مز103 : 13) هناك لحظات نحتاج فيها أن ينقل لنا الروح مشاعر «الترأف هذه، إننا لا نستطيع أن نرى الله الخالق والسيد والديان فقط، لابد أن نراه أيضا أب يتراءف علينا، إننا لا نستطيع أن نعيش تحت المسئولية كل الوقت لكن هناك لحظات فيها تضعف قوانا ورغما عنا تتعثر خطانا، وتخذلنا حكمتنا وتقصر قدرتنا عن مواصلة السعي، وعندئذ نحتاج أن يكتنفنا روح التعزية بمشاعر الأب الذي يتراءف علينا ويحبنا رغم كل ضعفنا ، الأب الذي لا يقبل أن يحملنا أكثر من طاقتنا ، الأب الذي يعرف جبلتنا ويذكر أننا تراب نحن، الأب الذي يغفر وينسى و يجدد فينا القوة والرغبة في مواصلة السعي، من منا لا يحتاج إلى هذه المشاعر بل من منا لم يحتاجها فعلا مرات عديدة ، لذلك كان اسم «الآب» هو الإعلان المميز الذي أتى به رب المجد عن شخص الله. والواقع أن حضن الأب يتميز بأنه حضن :

يعلم

« أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه » (مت 6 : 8) حضن الأب هو حضن واع، لا يمنح دفئاً كاذباً يغيب الذهن عن الوعي والواقع، بل هو حضن « يعلم» كل احتياجاتنا ويسر بأن يسددها بحسب غناه في المجد.

كم من أحضان ووسائل أخرى يلجأ إليها الإنسان لكي يهرب من احتياجاته لكنه يعود أكثر جوعاً وعوزاً، لأنها أحضان لا «تعلم» ما نحتاج إليه !!

يربي

يقول الكتاب «ربيت بنين ونشأتهم» ( إش1 : 2) حضن الأب لا يعطى دفئاً للمشاعر فقط بل بواسطة هذه المشاعر يغرس حقه في داخل نفوسنا ، إنه يعطى تعزية ممزوجة بالحق، الأب الصالح هو الذي يعرف أن يمزج تعليمه مع رأفته حتى تصل التعاليم بسلامة وهدوء أعماق نفس الابن وتنغرس هناك. إن أثقل التعاليم والمسئوليات إذا قيلت في حضن دافيء تصير خفيفة وسهلة!! ألم يقل يوحنا «وصاياه ليست ثقيلة» ؟ ولماذا قال هذا ؟ لأنه كان دائما يتكيء في حضن يسوع!!

الخمر قد تعطى دفئاً مؤقتاً للمشاعر لكنها في ذات الوقت تجرد الإنسان من كرامته وتنحدر بأخلاقه إلى الحضيض، أما تعزية الروح فهي مثل حضن الأب الذي يترأف و يربي في ذات الوقت.

يحمي

يحتاج الطفل أن يرتمي في حضن أبيه حين يستشعر الخطر المحيط به، ومن مثل الأب يمنح الحماية لأبنائه حتى أنه يقول «من يمسكم يمس حدقة عينه» (زك ۸:۲) كثيرا ما بسط روح التعزية جناحيه حولنا وحجب عنا الشر الآتي علينا، وكثيرا ما رتب لنا مائدة تجاه مضايقينا !! (يتبع).

الخميس، 26 أكتوبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (52)

بقلم : فخري كرم

بعدما تكلمنا عن خمسة صور رمزية للروح هي الحمامة والنار والمياه والريح والزيت، وعرفنا أن كلا منها تشير إلى عمل خاص للروح القدس، نبدأ اليوم حديثنا عن الصورة السادسة للروح ألا وهي:

الخمر

كانت الخمر من ضرورات الحياة في إسرائيل حتى أن أبسط طعام يتناوله الإسرائيلي كان الخبز والخمر (تك 14 : 18 ، قض 19 : 19 ) لذلك كانت وفرة الخمر عنوانا لبركة الله (تك 27 : 28 ، عا 9 : 13) كما أن قلتها كانت عنوانا لغضبه (إش 62 : 8 ) وكانت الخمر أيضا تستخدم لعلاج بعض الأمراض (۲صم 16 : 2 ، لو 10 : 34 ، 1تي 5 : 23 ) وأهم فوائد الخمر أنها كانت تستخدم في العبادة كسكيب مقدس على الذبائح (لا 23 : 13) ولذلك كان في الهيكل مخزون للخمر (1 أخ 9 : 29 ).

وفي العهد الجديد رأينا الوحي يقرن بين عمل الروح وتأثير الخمر في الإنسان، ففي يوم الخمسين ظهرت على التلاميذ مظاهر غريبة من الفرح والابتهاج جعلت الناس يظنون أن التلاميذ سكارى (أع 2 : 15 ) وفي (أف 5 : 18) يقول الرسول «لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح». .

ولكي نفهم هذه المقارنة بين الخمر والروح ينبغي أن نفهم تأثير الخمر على شاربها، إن الخمر إذا أستخدمت بمقدار معقول تسبب شعور الإنسان بالفرح وطيب القلب ودفء المشاعر (مز 104 : 15 ، جا 9 : 7 ، 10 : 19) وعندئذ يشعر الإنسان أنه قوي ومنتصر على همومه ولا يذكر أحزانه بعد (أم 31 : 7) وعلى ذلك نستطيع أن نفهم أن صورة الخمر وارتباطها بعمل الروح إنما هو إشارة للروح القدس باعتباره

روح التعزية والفرح

تكلم الرب كثيرا عن شخص الروح المبارك باعتباره «المعزى» (يو 14 : 16) والتي تعني «المعين » و «المشجع» و «المقوى »، إن الروح القدس له عمل في قلب المؤمن يشبه عمل الخمر في قلب الإنسان، فإذا كانت الخمر تبهج شاربها وتجعله يرتفع فوق همومه وأحزانه فإن الروح له ذات التأثير وإن كانت طريقة العمل مختلفه !!

الخمر ترفع صاحبها فوق أحزانه بواسطة «النسيان»، حيث تجعله ينسى بشكل مؤقت أحزانه مما يعطى لمشاعره انتعاشاً مؤقتاً وفرحاً وقتياً، وعندما ينتهي تأثير الخمر يعود شاربها إلى أرض الواقع ليجد أن كل شيء على ما هو عليه وأحزانه باقية كما هي، مما قد يدفعه لمزيد من الشراب ليتحول الأمر إلى سكر وإدمان ورغبة في الغياب عن الوعي والهروب من الواقع.

أما الروح القدس فهو يرفع الإنسان فوق مشاكله وأحزانه بواسطة مواهب روحية حقيقية وعطايا وبركات واقعية وإعلانات إلهية عما هو مذخر له في السماوات، كل هذا يرفع المؤمن وينعش روحه ويقويه لمواصلة السعي في هذه البرية واحتمال الآلام والمضايقات التي تواجهه، وهو في هذا ليس غائباً عن الوعى أو هارباً من الواقع بل مرتفعاً فوقه ومنتصراً عليه بوسائط حقيقية ومؤكدة.

إن شارب الخمر يحلق برأسه فوق السحاب وترتفع أقدامه من فوق الأرض ليهرب من الواقع بواسطة أجنحة الوهم والخيال، ولكنه عندما يفيق من الخمر لا تستطيع هذه الأجنحة الهشة أن تحمله فيما بعد، فيهوى بكل ثقله إلى الأرض متحطماً !! أما المؤمن الممتلىء بروح التعزية فترتفع هامته فوق السحاب وتنظر عيناه إلى ما فوق الغيوم ولكن أقدامه تظل تسير على الأرض لا ترتفع فوقها . لذلك فهو دائما في مأمن من السقوط والتحطيم!!

الكرمة الحقيقية

قال الرب عن نفسه أنه هو الكرمة الحقيقية ونحن الأغصان في هذه الكرمة، إشارة إلى كونه له المجد هو المصدر للفرح والتعزية الحقيقية في هذا العالم مقارنة مع الكروم الأخرى التي تعطي للإنسان فرحة مؤقتة وتعزية زائلة، لذلك فلا عجب أن أول ثمار الروح التي ينبغي أن نحملها نحن الأغصان هو الفرح (غلا 5 : 22).

كلمة لابد منها !!

نريد أن نؤكد هنا أنه رغم بعض الفوائد التي للخمر إلا أن الكتاب ينهى تماما عن سوء استخدامها وتحويلها إلى مادة للسكر والإدمان، والآيات التي تؤكد هذا لا حصر لها في العهدين القديم والجديد ( أم 20 : 1 ، 23 : 29 ـ 35 ، 1كو 5 : 11 ، 1بط 4 : 3 ) وكم أفسدت الخمر حياة رجال كثيرين مثل نوح ولوط، وللحديث بقية


الخميس، 19 أكتوبر 2023

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله (51)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الكنيسة ينبغي أن تشارك الرب في مسحته الكاملة الأبدية الفائضة، فالكنيسة مسئولة أن تعلن ملك الرب على النفوس في هذا الزمان الحاضر، وهي مسئولة أيضا أن تدخل إلى الأقداس في كل حين لكي تشفع في الجميع، إننا نشارك الرب في مسحة الملك والكهنوت التي مسح بها شخصه الكريم مرة واحدة وإلى الأبد، واليوم نختتم حديثنا عن روح المسحة المبارك بالقول إننا أيضا نشارك الرب في مسحة النبوة.

النبي الكامل

كان ربنا هو «النبي» الآتي إلى العالم، النبي الكامل الذي حمل إلينا ليس مجرد حق من الله مثل باقي الأنبياء بل حمل إلينا «الحق» الكامل الذي رآه في أبيه، ولم ينقله لنا بكلماته فحسب بل كان هو بنفسه «الحق» المتجسد كاملا غير منقوص، حتى أن كل من رآه فقد رأى الآب.

حمل إلينا حقا كاملاً عن الله والإنسان، حقا كاملاً عن العالم والشيطان، حقا كاملاً عن الحياة والخلود ، حقاً كاملاً عن السماء والجحيم، كانت مسحة النبوة المنسكبة على شخصه مسحة كاملة وشاملة.

لكن من الناحية الأخرى نحن نحتاج أن تظل تعاليم الرب وحياته ماثلة للأذهان مسموعة للآذان مؤثرة في الوجدان على مر العصور والأزمان، وهنا تأتي مسئولية الكنيسة من خلال خدمة

الأنبياء

وضع الروح القدس في الكنيسة مواهب تأسيسية من ضمنها «الأنبياء» (أف4 : 11)، وهم يأتوا في المرتبة الثانية بعد الرسل مباشرة، هؤلاء الأنبياء هم المسئولون في الكنيسة عن جعل فكر الله واضحاً للشعب على الدوام، وقيادة الشعب للسلوك بحسب هذا الفكر، وذلك من خلال كلمات هؤلاء الأنبياء وسلوكهم وسط الكنيسة، إن كنيسة بدون أنبياء هي كنيسة بلا رؤية لفكر الله الخاص بها، وبلا رؤية يجمح الشعب.

وما نريد أن نؤكد عليه الآن هو أن هؤلاء الأنبياء ليس لهم مسحة نبوة جديدة مستقلة عن مسحة ربنا له المجد، بل أن مسحة النبوة التي لهم ليست سوى قطرة من فيض مسحة ربنا، أي أن كل ما يمكن أن يأخذوه من معرفة لفكر الله ليس سوى جزء مما سبق ربنا وأعلنه في أثناء حياته، هؤلاء الأنبياء لا يأخذون إعلاناً جديداً عن أي شيء، بل لا يوجد في كل تاريخ الكنيسة ما يمكن أن يسمي إعلاناً جديداً ، لأن رب المجد قد نقل إلينا كل الحق مرة واحدة وإلى الأبد، ولن يوجد إعلان بعد إعلانه له المجد، لكن سيظل هناك إعلانات جزئية ضمن الإعلان الكبير، إعلانات تسلط الضوء على كلمات الرب وتشرحها وتظهر خفاياها وتجعلها حية في أذهان الناس قابلة للتطبيق في كل عصر وتحت كل ظرف.

الحق واحد والاعلانات متعددة

عندما أتى الرب في جيله حمل لهم فكر الله بوسائل وكلمات وأمثلة تناسب ثقافة ذلك العصر وعاداته، ورغم أن مضمون هذا الحق سيبقى ثابتاً لا يعتريه أدنى تغيير إلا أنه يحتاج في كل عصر إلى أنبياء يحملونه إلى أبناء جيلهم بكلمات ووسائل تناسب تطور ثقافات الشعوب وأساليب حياتها.

إن كل بلد تحتاج إلى أنبياء يحملون فكر الله إلى بلدهم بما يتناسب مع ثقافتها الخاصة وتاريخها، بل أن كل كنيسة في داخل البلد الواحد تحتاج إلى أنبياء يحملون لها فكر الله الخاص بها والمتناسب مع ظروفها ومشاكلها.

لقد استخدم الرب بولس كنبي للأمم يخاطبهم بلغتهم وبثقافتهم حاملا إليهم فكر الله الكامل، كما استخدم بطرس كإناء يحمل ذات الفكر إلى اليهود ، إن جوهر الإعلان سيظل واحداً لكن أواني الأنبياء ستتعدد بما يتناسب مع تعدد واختلاف الظروف والأماكن.

إن مهمة الأنبياء أساسية جدا لكي يظل الإعلان الكامل الذي أتى به ربنا حيا ساري المفعول في كل أنحاء المسكونة، لأنه في غياب هذا الإعلان الحق عانت الكنيسة كثيراً ومازالت تعاني من أنبياء و «نبيات » كذبة حملوا إعلانات بعيدة عن الحق سببت الكثير من الضلال والإنقسام !!

آه يا روح المسحة المبارك !! ليتك ترسل إلينا قطرات من مسحة النبوة التي انسكبت على رأس سيدنا في ملء الزمان، لننقل إلى كنائسنا وشعوبنا فكر الله الحقيقي بقوة وسلطان، ولكي تعود كلمات ربنا يسوع المسيح تكتسب سلطانها على أذهان الجيل الحاضر الذي نعيش فيه (يتبع).