الجمعة، 19 يناير 2024

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (60)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح المعزي يشفع فينا في مواجهة الكيان الساقط الموجود بداخلنا ، ولقد استعرضنا بعض الأسماء والصفات التي وصف بها الكتاب المقدس هذا الكيان ، فهو إنسان" عتيق و ناموس" كامن في أعضائنا و"حية" بنت أفعى !! واليوم نضيف أن هذا الكيان يسمى أيضا :

الجسد

أثار هذا الاسم الكثير من سوء الفهم في الأوساط الروحية والسبب أن الرسول يستخدم كلمة "الجسد" بمعنيين مختلفين في كل رسائله ، وعدم التمييز بين هذين المعنيين أدى إلى الخلط بينهما وتسبب في معاناة روحية للكثيرين !! لذلك من الضروري أن نفهم فكر الرسول جيداً ونميز بين هذين المعنيين المختلفين ، المعنى الأول والبسيط هو :

الجسد المادي

وهو الجسد الذي أخذناه بالميلاد وسنتركه بالموت ، وعندما يتكلم الرسول عن الجسد بهذا المعنى نراه يحترمه ويقدره ، كيف لا وهو الذي حمل سمات الرب يسوع في "جسده" (غل6 : 17) وسعى في كل حياته أن يتعظم المسيح في "جسده" سواء بحياة أو بموت (في۱: ۲۰) ولا يظن أحد أن الرسول كان يعتبر الجسد المادي شرا وإلا كيف يصف الكنيسة بأنها " جسد " المسيح (أف ۱: ۲۳) !! لا يمكن أن الرسول يلجأ لتشبيه الكنيسة بالجسد إذا كان الجسد له معاني سيئة في ذهنه ، وفصل الخطاب في هذه المسألة هو قوله الصريح: "فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب أيضا للكنيســــة " (أف 5: ۲۹) وإذا قال الرسول أن أحدا لم يبغض جسده قط فلابد أن الرسول كان يحب جسده !! ولذلك كان يصلي لأجل شفائه (۲ كو 12 : 8) وطلب من تلميذه تيموثاوس أن يهتم بجسده (1تي 5: ۲۳) وصلى لكي تحفظ أجساد مؤمني تسالونيكي كاملة حتى مجيء ربنا يسوع المسيح (1تس 5: ۲۳)

بل إن تعليم الرسول عن الجسد المادي يتعدى الاحترام والتقدير إلى التقديس !! فنراه يطلب من مؤمني رومية أن يقدموا أجسادهم ذبيحة حية "مقدسة" مرضية عند الله (رو ۱۲: ۱) ولأهل كورنثوس يقول: "أن أجسادكم هي أعضاء المسيح.. أن جسدكم هو هيكل للروح القدس.. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله "(1كو6 : 15 ، 19 ، 20) وهل يمكن أن تكون أعضاء المسيح غير مقدسة ؟! أو هل يسكن الروح في هيكل غير مقدس ؟! وهل يمكن أن يتمجد الله في الجسد كما في الروح إلا إذا كان الجسد يتقدس تماما مثل الروح ؟! خلاصة القول أن الجسد المادي مقدر ومحترم وقابل للتقديس حتى يصير مسكناً للروح القدس وذبيحة مرضية أمام الله وسبب مجد لإلهنا وأداة بر في يد الله (روة : ۱۳).

أما المعنى الثاني لكلمة " الجسد" في كتابات الرسول بولس فهو:

جسد الخطية (رو6 : 6)

 وهو الإنسان العتيق الشرير الموجود بداخلنا ، ومن أشهر الأجزاء التي ورد بها هذا المعنى الإصحاحان السابع والثامن من رسالة رومية حيث نقرأ عنه هذه الصفات : "ليس فيه شيء صالح" ، "جسد هذا الموت " ، " خادم الخطية"، " اهتمامه موت وعداوة لله" ، "لا يستطيع أن يرضى الله" ... الخ

ومن الاختلاف - بل التناقض - الواضح بين الأوصاف التي استخدمها الرسول في وصف الجسد المادي وتلك المستخدمة في وصف جسد الخطية نتأكد أن الرسول يقصد أمرين مختلفين تماما ، فأحدهما يسكن فيه الروح القدس والآخر لا يسكن فيه شيء صالح، أحدهما ينبغي أن يتقدس ويقدم لله كذبيحة حية بينما الآخر ينبغي أن يموت ويصلب ، أحدهما آلات بر لله والآخر خادم للخطية ، أحدهما ينبغي الاهتمام به والآخر الاهتمام به عداوة لله ، إذا فالجسد المادي لا يمكن أن يكون هو جسد الخطية ، لكن للأسف كم من مؤمنين خلطوا بين المعنيين وعاشوا حياتهم في خصومة مع أجسادهم المادية ، واعتقدوا أن معركتهم هي مع اللحم والدم ، وغاب عنهم أن العدو الحقيقي أعمق من هذا بكثير!!

لماذا الجسد ؟

          والآن نسأل لماذا استخدم الرسول كلمة "الجسد" للتعبير عن هذا الكيان الساقط ؟ لماذا لم يستخدم كلمة أخرى تفاديا للخلط بينه وبين الجسد المادي ؟ والإجابة هي : أن هذا الكيان الشرير يمارس قوته وسطوته من خلال احتياجات ورغبات الجسد المادي، يسعى لتضخيم الأمور المادية ليجعل الإنسان يقضي كل حياته يلهث وراءها ، يحرص أن يظل الإنسان منكباً على شهواته منذ ميلاده وحتى موته، أي أن الجسد المادي هو الأداة التي يستخدمها جسد الخطية - في معظم الأحيان . لممارسة سلطانه على الإنسان ، حتى أننا نستطيع أن نميز سلطان جسد الخطية على إنسان ما من خلال اهتمامه الزائد باحتياجات جسده المادي، وبسبب هذا الارتباط بينهما قرر الرسول أن يستخدم كلمة واحدة للتعبير عنهما، كلمة واحدة تعبر عن الدافع الخفي والعمل الظاهر، عن القوة المحركة والأداة المستخدمة، مع ضرورة بقاء الفرق بينهما واضحا في ذهن و روح كل من الكاتب الملهم والقارئ المختبر !! وللحديث بقية .

 

الأحد، 14 يناير 2024

[حاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (59)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح «المعزي » يعين ضعفنا في مجالات شتى: فهو يعيننا في مجال الصلاة فيشفع فينا بأنات لا ينطق بها ، وهو يشفع فينا في مجال الحرب الروحية فيعلمنا كل الحق الذي به نواجه أكاذيب إبليس وننتصر. ويشفع فينا في مجال الخدمة فينطق فينا أمام الناس بما يناسب احتياجاتهم وبما يفوق - في أحيان كثيرة - علمنا وخبرتنا، واليوم نتحدث عن آخر تلك المجالات وأعمقها ألا وهو:

الصراع الداخلي (غل 5 : 17 )

 يعلمنا الكتاب أن صراعنا الأكبر ليس مع العالم أو إبليس بل مع كيان فاسد موجود في أعماقنا، فإذا كان العالم وإبليس قوي خارجية يمكن تمييزها فإن هذا الكيان يختبيء في اللاوعي داخلنا ويصعب تمييزه بسهولة، يعمل في الخفاء مثل الجاسوس لصالح العدو يفسد أشياء في حياتنا دون أن نراه ويقطع علاقتنا مع الله مراراً دون أن نشعر !! والكتاب يستخدم بعض الأسماء للدلالة على هذا الكيان، وكل تسمية لها معنى خاص وتشير إلى جانب مختلف من جوانب هذا الكيان:

الانسان العتيق (رو6 : 6)

إن هذا الكيان ليس مجرد قوى غريزية عشوائية كما يظن البعض بل هو «إنسان» كامل له فكر و مشاعر وإرادة، إنه كيان عاقل متكامل، إذا تركنا له الفرصة يستطيع أن يقود الحياة كلها!! بل إنه بالفعل يقود حياة الناس ويسيطر عليهم ويسبيهم إلى فعل الخطية ولو من طرف خفي !!

والرسول يستخدم كلمة « إنساننا » العتيق بالمفرد وليس بالجمع لأن هذا الكيان له جوهر واحد في جميع الناس، قد تختلف أشكاله وأساليبه من شخص إلى آخر بحسب البيئة والنشأة والثقافة لكن يبقى الجوهر واحد لأن جذور هذا الكيان ترجع إلى بذرة واحدة !!

فهذا الكيان « عتيق» لأن جذوره قديمة ترجع إلى نشأة الإنسان الأولى في جنة عدن. لقد ألقى إبليس بذرة هذا الكيان في داخل الإنسان البرىء عندما همس في أذن حواء أن تكف عن الخضوع لمشيئة الله وتنصاع لشهوتها، سقطت هذه البذرة في أرض الإنسان ولاقت قبولا منه فرعاها واحتضنها على مدار الأجيال، وسقاها من عصارة ذهنه ومشاعره حتى صارت شجرة عميقة الجذور يستحيل اقتلاعها، وأصبحت إنسانا متكاملا له فكره ومنطقه ونظرته للأمور ولذلك يسميه الرسول أيضا:

ناموس في الأعضاء (رو 7 : 23)

« ناموس» تعني أن هذا الكيان له حكمه ومقاييسه للصواب والخطأ والخير والشر أي أنه ليس مجرد غرائز غير عاقلة بل سيداً قاسياً له سلطانه على الإنسان كله!! لكن المشكلة أن حكمه ومقاييسه مخالفة تماما لحكم ومقاييس الله. إنه يستطيع أن يريح الضمير على أفعال أثيمة ويزعجه جدا إذا قرر فعل مرضاة الله!!

وهذا الناموس هو «في أعضائنا ، أي أنه في صميم تكويننا، إنه ليس عدواً خارجياً يمكن تجنبه بل داخلياً لا يمكننا الهروب منه، إنه متغلغل في كل أجزاء الكيان. كامن خلف كل الأفكار ورابض وراء كل المشاعر ومحرك لكل إرادة!! إنه يولد معنا وينمو معنا ولا يفارقنا إلا بالموت.

حيات أولاد أفاعي (مت 23 : 33)

عندما وصف الرب الكتبة والفريسيين بهذه العبارة لم يكن يشتمهم - حاشا - بل كان يصف الحقيقة المجردة، وأحيانا تكون الحقيقة قبيحة مثل الشتيمة !! فهذا الكيان مخادع ومراوغ جداً ، يجيد التخفي والتلون، يرتدي أي ثوب ويتكلم بأي لغة لكي يلقي القبول، إذا شعر بنجاسة في الداخل أظهر قداسة في الخارج، وإذا لمس حقداً وحسداً أسرع في إظهار المحبة، لا يعنيه ما بداخل الكأس إذا كان الخارج نظيفاً، يحاول الالتفاف على وصايا الله بأن يظهر تقديسه لها في العلن بينما يكسرها كل لحظة في الخفاء، إذا لاحظ الإعجاب في عيون الناس شعر بالرضا عن النفس حتى لو كانت أعماقه تموج بكل شر، إن دينه هو المظهر الجميل وإلهه هو عيون الناس !! لذلك يقول الرب «القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس، من يعرفه؟» (إر 9 : 17).

وإذا تذكرنا أن إبليس هو «الحية القديمة » ندرك على الفور «صلة القرابة» التي بين إبليس وبين هذا الكيان الساقط!! ونفهم لماذا قال الرب «أنتم من أب هو إبليس» (يو 8 : 44) إن هذا الكيان يحمل نفس طبيعة إبليس المخادعة!! وللحديث بقية.

 

 

 

 

الاثنين، 18 ديسمبر 2023

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (58)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح المعزى يشفع فينا في عدة اتجاهات، في اتجاه علاقتنا بالله هو يشفع فينا بأنات لا ينطق بها لكي يجعلنا نصلي بحسب مشيئة الله، وفي اتجاه حربنا مع إبليس هو يعلمنا كل الحق الذي به نفضح كل أكاذيب العدو، واليوم نضيف أن الروح يعيننا في اتجاه ثالث ألا وهو

الخدمه

قال رب المجد «ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب.. فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم» (مت 10 : 16 ـ 20) إن الروح الذي يصلي فينا أمام الله هو نفسه يتكلم فينا أمام الناس!!

لقد أرسل الرب تلاميذه برسالة الحياة إلى العالم أجمع، وكان عدم التكافؤ ظاهراً بين التلاميذ وبين الإرسالية المنوطة بهم، فمعظمهم كان عامياً محدود المعرفة لم يخرج تقريباً من قرى الجليل الفقيرة إلا إلى أورشليم في المواسم والأعياد ، كيف يستطيع هؤلاء البسطاء أن يكرزوا للعالم أجمع ويقفوا أمام مجامع وملوك ويحاجوا علماء الشريعة وأصحاب أفكار ومبادىء؟! إن القصور الذهني كان يمثل عائقاً كبيراً في سبيل إتمام هذه الإرسالية.

الروح يشفع في القصور الذهني

في يوم الخمسين وما تلاه نرى صورة رائعة لشفاعة الروح في القصور الذهني للتلاميذ، ونراه ينطق على أفواههم بكلمات المنطق والحجة التي كانت دائما تفحم سامعيهم وتؤثر فيهم وتخرس ألسنتهم !!

عندما ننظر إلى بطرس وهو يقف ليتكلم أمام الآلاف بكل سلطان وقوة نندهش بشدة إذ نراه يقتبس من النبوات القديمة، وتزداد دهشتنا عندما نراه يفسر النبوات ويطبقها على الأحداث الجارية كأنه خبير في دراسة النبوات و تفسيرها رغم كونه عامياً لم نسمعه يناقش الرب مرة في نبوة أو تفسير !!

والعجيب أن نوعية سامعيه كانت على النقيض منه، فمعظمهم كانوا يهودا أتقياء من كل أمة تحت السماء، ومن يتكبد مشقة السفر من أمة بعيدة لكي يسجد في أورشليم لابد أنه من الطبقة الراقية الغنية المتعلمة، الذين لا يقبلون بسهولة أي فكر ولا يخضعون بسذاجة لأي منطق.

ومع ذلك نجد كلمات بطرس حركت قلوبهم ونخستها، وأقنعت أذهانهم بأسلوب لا يقبل المجادلة، كيف حدث هذا ؟! إنها بلا شك شفاعة الروح القدس ومعونته، فبطرس ليس هو المتكلم ولا المفكر ولا المفسر بل بالحرى روح أبيه الذي فيه.

... والقصور الروحي !!

 قد يكون هناك أشخاص أذكياء بالطبيعة ومتعلمون وأصحاب فكر ومنطق، ولا تعوزهم القدرة على مقارعة الحجة بالحجة واقناع سامعيهم، أمثال بولس وأبولس واستفانوس.. هل هؤلاء ليسوا في حاجة لشفاعة الروح هذه ؟ حاشا، فالقصور الإنساني عن أداء خدمة إلهنا ليس فقط قصوراً ذهنياً بل هناك أيضا قصور روحي .

إننا روحيا لا نستطيع أن نستوعب كل أرواح الناس الذين نخدمهم، ولا يوجد خادم - مهما كان ذكياً . يستطيع أن يدرك أعماق واحتياجات الشعب الذي يخدمه بشكل كامل ودائم، إننا نتعامل مع الظاهر أما الأعماق فتخفي أشياء كثيرة، كيف إذا نستطيع أن نقدم لهم الحق ومن أي جانب ؟ كيف يمكن أن تكون كلماتنا كتفاح من ذهب في مصوغ من فضة؟ كيف تصل الكلمة المناسبة إلى المكان المناسب في الوقت المناسب؟ الإجابة تكمن في شفاعة الروح وحدها ، لأن الروح يعرف احتياجات الناس الحقيقية ويكشف أعماقهم المستورة ويستطيع أن يرسل إلى تلك الأعماق الكلمة المناسبة، حتى أذكى الخدام وأكثرهم فصاحة يحتاج أن يتكل على معونة الروح داخله ليعرف ماذا يقول وماذا يتكلم.

وقف بولس مرة أمام فيلكس الوالي لكي يحاج عن تهم نسبها إليه اليهود ولكننا نندهش إذ نجده يتكلم عن البر والتعفف والدينونة (أع 24 : 25)، ما علاقة البر والتعفف والدينونة بموضوع المحاكمة ؟! إنها بلا شك قيادة الروح القدس الذي يعرف الأعماق الحقيقية لفيلكس الوالي، لذلك لا غرابة أن نجد فيلكس يرتعب!! فالكلمات إذا خرجت من الأفواه فإنها تدغدغ الآذان، وإذا خرجت من الأذهان فقد تحرك الأفكار، أما إذا خرجت من الروح فإنها تزلزل الأعماق!! يتبع

 

 

 

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (57)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح يشفع فينا في عدة مجالات، وأول هذه المجالات هو الصلاة، حيث أننا في أحيان كثيرة لا نعرف ما نصلي لأجله كما ينبغي ونحتاج لشفاعة الروح فينا بأنات لا ينطق بها ، عندئذ يتخطى الروح قصورنا عن فهم مشيئة الله واضعاً فينا الصلاة المرضية أمام إلهنا، واليوم نضيف أن الروح يشفع أيضا فينا في مجال ثان ألا وهو:

الحرب الروحية

إننا لا نعاني القصور تجاه مشيئة الله فقط بل أيضا تجاه حربنا مع إبليس والعالم، إننا نواجه عدواً شرساً يمتلك قدراً كبيراً من الذكاء والقدرة، إذا تركنا لأنفسنا في مواجهة هذا العدو فإنه بلا شك يبتلعنا أحياء، إن مكايده وحبائله المنصوبة في طريقنا تكفى لاقتناص أفضل المؤمنين وأكثرهم روحانية إذا تخلت عنه معونة الروح وشفاعته.

لكن نشكر الله أن الروح المبارك يقف في ثغرة حياتنا ويعيننا لكي نفهم فكر عدونا ونفضح أساليبه وننتصر عليه، إن الروح يعطينا أن نفهم فكر الله لكي نصلي كما ينبغي ويعطينا أن نفهم فكر إبليس لكي نحارب كما ينبغي، وإذا كانت وسيلته لفهم مشيئة الله هي الأنات غير المنطوقة فإن وسيلته لفهم فكر إبليس هي

معرفة الحق

 في خطاب الرب الوداعي لتلاميذه وبعد أن تكلم معهم عن ذهابه إلى الآب وعن الضيق الذي سيكون لهم في العالم بسبب مقاومة رئيس هذا العالم لهم، نراه يقدم لهم الوسيلة التي ستعطيهم القدرة على مواجهة كل هذه الصعاب والانتصار عليها، اسمعه يقول « وأما المعزى الروح الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء... متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلي جميع الحق» (يو 14 : 26 ، 16 : 13).

اذاً الوسيلة التي يعيننا بها الروح لمواجهة إبليس هي أنه يعلمنا كل الحق، إن سلاح إبليس هو الكذب لأنه الكذاب وأبو الكذب (يو8 : 44 حسب الترجمة التفسيرية) والإنسان يصدق الكذب في حالة عدم معرفته للحقيقة، إذ لا يوجد إنسان واحد عاقل يصدق الكذب وهو يعلم أنه كذب، أي أن إبليس يجد فرصته للسيطرة على حياة الإنسان طالما كان هذا الإنسان لا يعرف الحق، كل منطقة فينا تجهل حق الله هي منطقة قابلة لتصديق كذب إبليس، وبالتالي هي منطقة قابلة للسقوط أمام هجوم العدو والوقوع في قبضته وأسره ، أما إذا استطاع الروح أن يعلمنا كل الحق فإنه يحصننا من أكاذيب العدو فنستطيع أن نفضح أفكاره ولا نخضع لها، لذلك يقول رب المجـــــد : « وتعرفون الحق والحق يحرركم» ( يو8 : 32). إن الحق هو القوة المحررة من كل قيود الكذب التي يقيد إبليس بها الإنسان، إن التحرر من سلطان العدو لا يحتاج إلي عنف وصراخ وانفعال بل بالحرى يحتاج إلى إنارة الحق بقوة الروح في أعماق أرواحنا المأسورة!!

ترس و مجن حقه

 من (مز 91 : 4) نتعلم أن حق الله هو الترس والمجن اللذان بهما نستطيع أن نطفىء جميع سهام العدو الملتهبة، وأيضا في (أف 6 : 14) نجد الرسول بولس يضع الحق كأول قطعة في سلاح الله الكامل، ويشبه الحق بالمنطقة التي تحيط بجسد الجندي وتمنحه الصلابة في مواجهة عدوه.

جميع الحق

يستخدم الرب تعبيرات مثل «كل شيء » و «جميع الحق» ليؤكد لنا أننا ينبغي أن نتعلم الحق كله وليس بعض أجزائه، فالحق كل لا يتجزء، إن أي جزء مهدوم في سور المدينة يجعل السور غير كاف لحماية المدينة، وأي جزء ناقص في سلاح الجندي يجعله غير كفء للمعركة، ولذلك يقول الرب «جميع الحق» وليس جميع «الحقائق»، فالحق كتلة واحدة لا يمكننا قبول بعض أجزائه وترك الأخرى، إنه كيان حي، إنه طبيعة الله نفسه، لذلك قال يسوع «أنا هو... الحق»!!

بين الحق والحقائق !!

ما أبعد الفرق بين «الحق» الذي يغرسه الروح القدس في أعماقنـا وبيــن «الحقائق » التي قد نتعلمها بأذهاننا، إن مجرد المعرفة الذهنية للحقائق الكتابية لا تكفي للانتصار في الحرب الروحية، إننا نحتاج إلي الحق الحي الذي يغرسه الروح القدس في داخل أرواحنا، فكم من أصحاب المعرفة الذهنية سقطوا في فخاخ العدو وكان سقوطهم عظيماً !! (يتبع).

 

 

 

 

الاثنين، 4 ديسمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (56)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن لنا شفاعة مزدوجة: الرب يسوع هو شفيعنا أمام الآب لأجل غفران الخطايا ، والروح القدس هو شفيعنا في داخل أرواحنا لأجل أن نعيش حياة مقدسة أمام الله، وشفاعة الروح تلك تظهر في أكثر من مجال، وأول هذه المجالات هو

الصلاة

الصلاة هي وسيلة شركتنا مع الله، ولكي تكون صلاتنا مؤثرة ومستجابة ينبغي أن تكون متوافقة مع مشيئة الله وقصده في حياتنا، فإذا كانت الصلاة الخارجة من قلوبنا متوافقة مع القصد الموجود في قلب الله فإنها تكون صلاة فعالة تحرك قلوبنا كما تحرك قلب الله!!

لكن المشكلة أن معرفة مشيئة الله والصلاة في اتجاهها ليست دائمة أمراً سهلاً، توجد مشيئة عامة لله وهي معلنة في الكتاب المقدس، مثل كونه يحب العالم كله ويريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، هذه المشيئة من السهل معرفتها والصلاة في اتجاهها بأذهاننا لأنها معلنة في كلمات واضحة للذهن، لكن هناك مشيئة خاصة بكل فرد منا وبكل يوم من أيام حياتنا ، مشيئة تخص التفاصيل الدقيقة في حياتنا، هذه المشيئة الخاصة لا نستطيع بسهولة أن ندركها بأذهاننا لأنه ما أبعد أفكار الله عن أفكارنا وطرقه عن طرقنا ، هذه المشيئة لا نستطيع أن نجدها في كلمات واضحة لأذهاننا لكن ينبغي أن نتعرف عليها كل يوم من خلال أرواحنا، هذه المشيئة الخاصة هي ما قصدها الرسول بقوله «لأننا لا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطــق بهــا » (رو 8 : 26)

بسبب القصور الإنساني نحن لا نعرف المشيئة التي نصلي لأجلها ، وإذا عرفناها لا نستطيع أن نصلي لأجلها «كما ينبغي»، أي لا نستطيع أن نعطى الصلاة حقها من المواظبة واللجاجة حتى تستجاب، ضعفنا البشري يضع فجوة بيننا وبين مشيئة الله، من يشفع في ضعفنا هذا ؟ من يعين قصورنا ونقصنا حتى نعرف مشيئة الله ونصلي لأجلها كما ينبغي؟

إنه شخص الروح وحده ! لأنه الوحيد الذي يعرف مشيئة الله الخاصة لكل منا ، لأنه الوحيد الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله (1كو 2 : 10) وهو الوحيد القادر أن ينقل هذه المشيئة لأرواحنا لكي نصلي لأجلها كما ينبغي.

وسائل الشفاعة

لأن هذه المشيئة الخاصة غير معلنة لأذهاننا لذلك يجد الروح صعوبة في استخدام ألسنتنا للنطق بكلمات مفهومة تعبيراً عن هذه المشيئة، لذلك فهو يلجأ لوسائل أخرى للتعبير عن هذه المشيئة، يقول عنها الرسول هنا: «أنات لا ينطق بها»، أي لا يمكن التعبير عنها بكلمات مفهومة، في هذا الوقت يشعر المؤمن بتحرك الروح بداخله ورغبة جارفة لرفع صلاة أمام الله رغم عدم وجود مادة مفهومة في ذهنه، مما يدفعه للتعبير عن هذا التحرك بأنات مكتومة وأحيانا بدموع وربما صرخات!!

هذه هي شفاعة الروح في أرواحنا، إنه يصلي في داخل أرواحنا بالنيابة عنا !! إنه يرفع لأجلنا طلبات بحسب مشيئة الله التي لا يعرفها إلا شخصه وحده !! وكل هذا دون أن يدرك الذهن أي شيء!! وتستمر هذه الأنات حتى نشعر براحة في أرواحنا ونتيقن أن صلاتنا قد استجيبت!!

وإذا سألنا كيف يستجيب الرب لصلاتنا رغم أننا لم ننطق بأي كلمات مفهومة يجيبنا الرسول: « إن الذي يفحص القلوب يعرف ما هو اهتمام الروح» (رو 8 : 27). إن الله لا يستمع لكلمات أفواهنا فقط بل بالحرى يفحص قلوبنا ويعرف ما يقصده الروح بأناته المكتومة تلك!!

شفاعة الروح تلك واجبة الاستجابة!! لا يمكن أن يرفضها الله، لماذا ؟ لأنـــــه « بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين »، إن شفاعة الروح هي بحسب مشيئة الله لنا، هناك توافق تام بين ما يطلبه الروح وما يريده الله، لذلك فالصلاة التي تستجاب فورأ هي الصلاة التي نرفعها بشفاعة الروح القدس.

هناك أيضأ موهبة التكلم بألسنة التي قد يستخدمها الروح لكي يشفع فينا بكلمات غير مفهومة لأذهاننا لكنها مفهومة أمام الله، في هذا الوقت يكون المؤمن متحدثاً «بأسرار» (۱كو 14 : 2) أى بأمور غير معلنة لذهنه هو نفسه، لكن فيما بعد وبعد أن تستجاب شفاعة الروح وتبدأ تتحقق في أرض الواقع عندئذ يبدأ الذهن يدرك ما كان الروح يصلى به، ولا يعود بعد «أسراراً، بل «معلنات »!!

إذا .. لا تطفئوا الروح !!

إذا كانت شفاعة الروح بهذه الأهمية وبدونها لا نستطيع أن نصلي كما ينبغي، إذا دعونا نخضع لقيادة الروح ونفسح له المجال لكي يشفع فينا، ونتعلم كيف نصغي لأناته ونتجاوب معها. (يتبع). |

 

السبت، 25 نوفمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (55)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الصورة الرمزية للخمر تشير إلى شخص الروح القدس باعتباره «المعزى»، وقلنا إن أحد معاني «المعزي» هو الشخص الذي يهديء روعنا ويطمئن مشاعرنا ويمنحنا الراحة والمعونة والتشجيع، تماما كما يحتاج الطفل المضطرب إلى حضن أبويه لكي يهدأ ويطمئن بل يتغذى ويتعلم أيضا، واليوم نضيف أن «المعزى » لها معنى آخر، ألا وهو

الشفيع

نفس الكلمة اليونانية المترجمة «المعزي » في إنجيل يوحنا هي المترجمة «شفيع» في قول الرسول «إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار» (۱ يو 2 : 1) وهي تعني المحامي الذي يقف بجوار المتهم يدافع عنه ويعضده ويحاول اثبات براءته.

نفس المعنى تكلم عنه الرسول بولس في قوله « الروح أيضا يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها ... لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين» (رو 8 : 26 ، 27).

إذاً أحد أعمال الروح القدس هو أنه شفيع فينا بحسب مشيئة الله، وهذه الشفاعة ضرورية جداً لحياتنا وبدونها لا نستطيع أن نرضي الله، ولكن للأسف فهذه الشفاعة محاطة بالكثير من الجهل والغموض، نحن نحب أن نسمع كثيراً عن شفاعة الرب يسوع لكن ما أقل ما نلتفت لشفاعة الروح القدس !! ولكي نفهم العلاقة بين شفاعة الرب وشفاعة الروح ينبغي أن نفهم أولا

قصد الله الكامل من الفداء

إن قصد الله من فدائنا لا يكمل بمجرد غفران خطايانا ورفع دينونتها عنا ، والرب يسوع لم يبذل حياته لكي يحمل عنا قصاص الخطية فحسب بل بالحرى لكي يمنحنا إمكانية الحياة المقدسة، يقول الرسول «أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة، لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب» (أف 5 : 25 ـ 27).

إذا فقصد الله الكامل من فدائنا ليس فقط أن تغفر خطايانا بل بالحرى أن لا نخطىء، أن نكون قديسين وبلا لوم، الخطية ينبغي أن تكون وضعا استثنائية شاذأ في حياة المؤمن لأن القداسة هي الوضع الطبيعي المستقر، لذلك يقول يوحنا « أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا ، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع... » أي أن أمر الله المبدئي لنا هو أن لا نخطىء، ولكن إذا أخطأ أحد - استثنائياً - فلنا شفيع عند الآب هو الرب يسوع المسيح.

شفاعة الروح و شفاعة الرب

 الكتاب يعلمنا أن لنا شفيعين: أحدهما في السماء والآخر على الأرض. الأول يشفع «عنا » أمام عرش الآب والثاني يشفع «فينا » في داخل أرواحنا، إنهما الرب يسوع والروح القدس.

والحقيقة أننا في احتياج شديد لكلا الشفاعتين لأن لكل منهما مجالاً يختلف عن الآخر، فشفاعة الرب يسوع شفاعة قضائية بينما شفاعة الروح عملية حياتية، الرب يسوع يشفع عنا أمام قضاء الله وعدالته أما الروح فيشفع فينا أمام تحديات الواقع وصعوباته، شفاعة الرب تسعى لرفع القضاء عنا أما شفاعة الروح فتسعى لتقديس حياتنا.

في ضوء ما قلناه تواً عن قصد الله الكامل من فدائنا نقول: إننا نحتاج إلى شفاعة الروح داخلنا لكى لا نخطىء ونحتاج إلى شفاعة الرب عنا إذا أخطأنا !! الروح يعين «ضعفاتنا» أما الرب فيغفر «خطايانا » !! شفاعة الروح تعني أنه يقوينا ويساعدنا لكي نحيا حياة مقدسة مرضية عند الله، أما شفاعة الرب يسوع فتعني أنه يقدم أمام الآب ذبيحته الكاملة ودماءه الطاهرة ، تكفيراً عن حياتنا غير المقدسة، شفاعة الروح تصنع شيئا إيجابية في حياتنا أما شفاعة الرب فتغفر الشيء السلبي في حياتنا، شفاعة الروح تسعى لكي تأتي برضا الله على حياتنا أما شفاعة الرب فترفع غضبه عنها !!

الشفيع - والمشتكى !!

 هذه التعبيرات الكتابية مأخوذة من ساحات القضاء، فإذا كان الشفيع هو المحامي فإن المشتكي هو ممثل الادعاء!! المشتكي يسعى لكي يثبت الاتهام علينا والشفيع يسعى لتبرئة ساحتنا، وعمل إبليس كالمشتكي عمل مزدوج: فهو يسعى لاسقاطنا في الخطية عملياً ثم يصعد أمام عدالة الله مطالباً بالقصاص منا، لذلك نحن نحتاج إلى شفاعة مزدوجة أيضا : الروح يسعي لكي لا نسقط عملياً في الخطية وإذا سقطنا فشفاعة الرب أمام الآب ترفع عنا القصاص، وللحديث بقية.

 

 

الاثنين، 20 نوفمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (54)

بقلم : فخري كرم

المؤمن يحتاج إلى تعزية الروح القدس التي تعطي دفئاً للمشاعر، والتي تشبه في بعض جوانبها مشاعر الأبوة الحميمة، المشاعر التي تربي وتحمي وتسدد الاحتياج، واليوم نضيف أن تعزية الروح تشبه في جوانب أخرى : .

حضن الأم

يقول الرب « هأنذا أدير عليها سلاماً  كنهر ومجد الأمم كسيل جارف فترضعون وعلى الأيدي تحملون وعلى الركبتين تدللون، كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا » (إش 66 : 12 ، 13) هنا يشبه الرب تعزيته لشعبه بتعزية الأم - وليس الأب - لطفلها، لماذا؟ لأن حضن الأم يمتاز بعدة مميزات:

الحنان

الحنان هو المحبة المجردة دون انتظار لأي مقابل أو رد فعل، فإذا قلنا إن حضن الأب يشمل دائماً التعليم والتأديب فإن حضن الأم يعني دفئاً وحناناً دون أن يتكلم أو يقدم النصائح.

في أحيان كثيرة يحتاج الإنسان لمشاعر الحنان هذه، وبالأكثر في أوقات الخطأ وجرح المشاعر حين يكون الإنسان في وضع لا يريد فيه أن يسمع نصائح أو ينال تعليماً أو يتعرض لتوبيخ، إنه يحتاج إلى محبة فقط، محبة تضمد جراحه و تعيد كرامته، محبة لا تذكره بخطئه ولا تنبش في جرحه بل ترفعه فوقهما.

فيما بعد وبعد أن يهدأ روعه وتطيب جراحه قد يكون من الضروري أن يضمه حضن آخر، حضن أبوي يمزج المحبة بالتعليم والنصح والتقويم، لكن لأول وهلة يحتاج الإنسان المجروح أن يرتمي في حضن الأم.

لذلك يشبه الرب معاملاته مع شعبه في هذا الجزء بمحبة الأم وليس الأب، لأن الشعب كان راجعاً من أوضاع مزرية وأخطاء متكررة أطاحت به بعيداً عن مرضاة الله لسنوات طويلة، ولقد نال من قصاص الله ما أبلى لحمهم وجفف عظامهم، وصار الشعب إلى حال لم يعد يقوى فيه على احتمال المزيد من اللوم ولا يستطيع الخضوع لمزيد من التأديب، لذلك يعدهم الرب بسلام كنهر ومجد كسيل جارف، ولا يذكر حتى خطاياهم وتعدياتهم فيما بعد، فتفرح قلوبهم المكسورة وتزهو عظامهم المسحوقة، وما أشبه هذه المحبة بمحبة الأم!!

التدليل

 التدليل هو المحبة الزائدة عن الحاجة!! المحبة في وقت الألم والاحتياج ليست تدليلا بل ضرورة ، أما بعد أن تشفي المحبة جراحنا وتسدد احتياجنا فإن استمرارها بعد ذلك يصبح « تدليلاً»، عندما يكون الطفل مشبعاً في نفسه وجسده ثم يجد مزيدا من المحبة تتدفق نحوه عندئذ يشعر بمشاعر جديدة هي مشاعر «الدلال »!! حيث يشعر بأنه محبوب ليس فقط لأنه محتاج للمحبة بل لأنه موضوع للمحبة وهدف لها في حد ذاته حتى لو لم يكن محتاجاً.

وهذا ما فعله الرب مع شعبه وما يفعله دائما ، فهو لا يعطى سلاماً قدر الحاجة بل سلاماً فائضاً كنهر، ومجده ليس بحسب الاحتياج بل كسيل جارف، إنه دائما يكيل في أحضاننا کیلاً ملآناً و مهزوزاً وفائضاً، وكثيرا ما أعطانا أكثر كثيرا مما نطلب أو نفتكر، وكثيرا ما أعطانا في وقت لم نكن نشعر فيه بالاحتياج الملح، هذه المحبة المدللة هي أقرب لمحبة الأم.

الرضاعة

بالنسبة للرضيع حضن الأم ليس حنانا ودلالاً فقط بل أيضا غذاء وشبعاً، وما أعظم لبن الأم المقترن بحنان حضنها، إنه أكسير الحياة وضرورة للنمو السليم، إنه غذاء سهل الهضم وكاف في قيمته الغذائية في أثناء شهور الطفل الأولى.

والرب كثيرا ما تعامل معنا بهذه النوعية البسيطة من التعزية، بالذات في بدايات حياتنا الروحية، حيث كان يمزج محبته وحنانه بكلمات بسيطة مشجعة للنفس يقول عنها الرسول «سقيتكم لبناً لا طعاماً لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون » (1كو 3 : 2).

لذلك يقول الرب لشعبه الراجع أنهم « سيرضعون» أي أنه سيتكلم معهم كلاماً بسيطاً مغذياً ومشبعاً للنفس ولن يثقل كاهلهم بكلمات وتعاليم ثقيلة. ما أشبه تعزية الروح في أوقات رجوعنا الأولى بحضن الأم الذي يرضع!!

ولكن إذا كانت مشاعر الأبوة والأمومة التي غرسها الرب في نفوس البشر ما هي إلا قبسأ من مشاعره هو له المجد إلا أن محبته تبقى أعظم بما لا يقاس ، فمحبة الأب والأم كثيراً ما تشوبها النقائص والسلبيات وفي أفضل أحوالها لا تبلغ الكمال، فكم جرحت قسوة الآباء الأبناء، وكم أفسد الحنان والدلال نفوس الأبناء بدلا من تقويتها، ولذلك يقول الكتاب أن آباء أجسادنا أدبونا « حسب استحسانهم» وأن الأم قد تنسى رضيعها ولا ترحم ابن بطنها، أما تعزية الروح فهي تبقى أعظم وأكمل (يتبع).