الخميس، 20 فبراير 2025

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (4)

بقلم فخري كرم

تكلمنا فيما مضى عن حزن الروح وأسبابه، فدعونا الآن نلقي نظرة على نتائجه وآثاره، سواء في حياة الشركة والعبادة، أو في حياة الخدمة والكرازة، أو في عموم الحياة الروحية.

روتينية العبادة

    قلنا سابقا أن الروح هو الذي يستحضر أمام أرواحنا مجد الله، وهو الذي ينقل النفس إلى آفاق الشركة الحية مع الآب والابن وهو الذي يجعل محبة الآب حقيقة واقعة نحس بدفئها، وهو الذي يجعل صليب المسيح قوة حقيقية تطهر الحياة وتصلب الجسد وتميت العالم في نظر المؤمن، وهكذا تكون شركتنا مع الآب والابن شركة متجددة مثمرة، تنقل النفس في كل يوم إلى آفاق جديدة من مجد إلى مجد إلى صورة المسيح عينها.

    لكن إذا حزن الروح بداخلنا فان هذه الحيوية والجدة تتسرب من حياتنا شيئاً فشيئاً، وقد يستمر المؤمن في ممارسة حياة العبادة، إلا أنها تصبح هيكلاً جميلاً من الخارج بينما هو من الداخل خاوٍ بارد مظلم!! تماما كما حدث مع الهيكل القديم عندما خرج منه يسوع حزيناً إذ أصبح مجرد حجارة ينبغي أن تُنقض ولا يبقى فيها حجر على حجر!! وكل العبادات والفرائض والأعياد باتت جوفاء لا قيمة لها رغم أنها نفس العبادات التي أوصى بها الله قديماً، لكن الخطأ ليس في العبادات، بل في فقدان الروح والمعنى والقيمة!! 

    وحزن الروح يكون تدريجياً في معظم الأحوال مما يصعب ملاحظته وسط ضجيج الحياة، ولا يفيق المرء إلا عندما يجد حياته الروحية وقد أصبحت مجرد ممارسات روتينية لا يجد فيها لذة ولا تضيف جديداً إلى قامته الروحية، بل قد تصل إلى كونها ثقلاً يمل حمله!! 

فراغ الكرازة

    بما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فان فاقد الشركة الحية مع الله لا يستطيع أن يقود الآخرين إلى شركة حية مع الله!! إذا كانت محبة الله قد أصبحت بالنسبة لي مجرد حقيقة باردة فكيف أقنع الآخرين بدفء هذه المحبة؟! فان أصبحت دماء المسيح مجرد حقيقة لاهوتية في ذهني فكيف أجعلها تغدو حقيقة عملية في صميم حياة الآخرين؟! وإذا كان الخلاص قد أصبح نظرية أؤمن بها رغم خلو حياتي من تأثيرها، فكيف يمكنني أن أجعل الخلاص قوة مجددة لحياة الآخرين؟! 

    عندما يحزن الروح داخلك فان الخدمة ـ لو استمرت ـ تصبح نشاطاً خالياً من الثمر، أقوال خالية من المفعول، وفى أفضل الأحوال قد تستطيع أن تستثير مشاعر الناس لكنك لن تستطيع تجديدهم، وقد تجعلهم يحبونك لكنك لن تجعلهم يحبون الله!! 

السقوط أمام الأعداء

    لا يستطيع إنسان أن يثبت أمام مثلث الشر ـ إبليس والعالم والجسد ـ إلا بقوة وحكمة الروح القدس ، وإن حزن الروح فان المؤمن يجد نفسه ضعيفاً أمام كل روح ردئ ، ومعرضاً لكل قوة غاشمة تنبع من داخله أو تأتيه من العالم الخارجي ، والأمور التي كانت تبدو له صغيرة في الماضي أصبحت جبالا يصعب تخطيها ، والخطايا التي ظن أنها باتت غير موجودة تهاجمه بضراوة ، ويصبح نفسا هزيلة يمكن خداعها بسهوله ويغدو سقوطها أكيدا ، وهكذا تصبح الحياة سلسلة من السقوط والقيام وأحيانا من السقوط والسقوط !!                                           

فقدان الدافع للتضحية

     فيما مضى كان هناك دافع قوى للتضحية بالوقت والمال والصحة من أجل الله وخدمته، أما في زمن حزن الروح فالمرء يفقد الدافع للبذل ويشعر أنه لا يوجد ما يستحق التضحية، وتبدأ النفس تبخل بالعطاء إلا إذا كان هناك مقابل منظور ، بل أنها تندم على ما بذلت من وقت ومال واحترام الناس ، ولا تعود تقدم إلا من فضلاتها  بعدما كانت تقدم من أعوزاها !!        

الانحراف عن التعليم الصحيح

إذا بلغ حزن الروح إلى انطفاء الروح فعندئذ يبدأ الذهن يحتل مركز القيادة في حياة الإنسان، وما أخطر أن يخضع الإنسان لقيادة ذهن غير خاضع للروح القدس!! لأن الذهن البشرى يميل بطبعه إلى الابتعاد عن فكر الله، وهذا هو منشأ كل التعاليم الغربية والممارسات الجسدية والهرطقات اللاهوتية التي أصابت المسيحية في كل عصورها، إنها نتائج الفكر " البَرى " غير المروض وغير الخاضع للروح القدس.

إن الفكر البشرى يميل إلى وضع قوانين ونظم للحياة والعبادة ولا يفهم كيفية السلوك بالروح، وهو يرتاح إلى روتينية حياته وينزعج ما يسمى بإرشاد الروح!! حقا أنها نهاية بشعة يتردى إليها الإنسان مبتعدا عن الله، وقد بدأت فيه حين حزن الروح داخله، إن أي ثعلب صغير نتركه داخلنا يستطيع أن يفسد كلها!! (يتبع).



السبت، 15 فبراير 2025

أحاديث من القلب

 


عن الروح القدس (3)

بقلم فخري كرم

قلنا في المرة السابقة انه كلما ازدادت شركتنا مع الروح القدس ازدادت بالتالي مع الآب والابن، والعكس أيضا صحيح، فإذا حزن الروح فينا أو انطفأ تناقصت الشركة مع الآب والابن وتجردت من قوتها.

حزن الروح (أف 4 :30)

بادئ ذي بدء نقول إن لفظة " حزن " الروح تنفى أن الروح هو مجرد قوة أو تأثير أو إرشاد فهذه كلها تأثيرات لا يمكن أن تحزن!! وهي في نفس الوقت تعنى إن الروح هو شخص رقيق الإحساس يحزنه ألا يتجاوب الإنسان مع تعاملاته التي تهدف لخيره وبركته. 

    لقد أتى الروح إلى الأرض لكي يمجد الرب يسوع المسيح ويذكرنا بكل ما قاله، ويملأ حياتنا بثمار فداء الصليب، ولكي يتمم هذه الأهداف يحتاج أن نعطيه الفرصة والوقت اللازمين لذلك، بأن نسلم له الذهن كي يملأه بفكر الله ولا نعود نتشبث بأفكارنا البشرية الباليه. وأن نسلم له زمام الحياة كي يخططها كيفما شاء ولا نعكف على السير في الطرق التي نراها ممهدة أمام عيوننا القاصرة. وأن نعطيه مشاعرنا لكي يشكل فينا كياناً يمجد الله في كل نبضات قلبه، كيان يبغض الخطية ويحب البر، ويميت فينا كل الأحاسيس التي تنتمي لعالم البغضة والحسد والشهوة. وأنه يريد أن نمكث وقتا كافيا أمام الكلمة المقدسة لكي يستطيع أن ينقل روحها وحياتها إلى داخل قلوبنا. ويريد أن نعطيه الخضوع الكامل حين يبكتنا على أية خطيه، فنقدم توبة صادقه وننتظر أمامه حتى يطلقنا بسلام الغفران والتطهير، ولكن.. إذا تشبثنا بأفكارنا القديمة وأصررنا على السير في طرقنا البشرية التي نعتقد بصحتها، وعندما يأمرنا الروح بشيء لا يتفق مع إرادتنا نتجاهله أو نحاول تعديله ليلائم فكر الإنسان لكيلا نخسر احترام الناس ولا نعرض أنفسنا للألم، فعندئذ يحزن الروح. 

وعندما نترك أحاسيسنا " البرية " تنمو بداخلنا دون أن نحكم عليها في ضوء الروح، ونترك القلب مرتعاً لمحبة العالم والعين الشريرة والحقد والتعصب والكبرياء والشهوة، ونحاول أن نسمى هذه الخطايا أسماء جميلة فنطلق على محبة العالم " ضرورات اجتماعية " وندعو التعصب " التمسك بالحق " والعين الشريرة نسميها " فطنة وذكاء " … وعندما يحاول الروح القدس اقتحام كل هذه المشاعر ويستبدلها بمشاعر جديدة مسالمة وديعة طاهرة ولا يستطيع، فعندئذ يحزن الروح. 

    عندما لا نصرف وقتا كافياً كل يوم أمام الكلمة المقدسة كتلاميذ منتظمين في مدرسة الله، ونسمح لهموم الحياة أن تسرق الوقت والاهتمام، حتى في الوقت القليل الذي نقرأ فيه الكتاب المقدس يكون الذهن مجهداً والروح منطفئة والقلب مهموماً، فلا يجد الروح فرصته ليستخرج كنوز الكلمة ويضعها في حياتنا، عندئذ أيضا يحزن الروح. 

        وبالإجمال نقول إن الروح لن يتحرك في داخلنا إلا في الحدود التي نسمح له بها!! إذا كان التسليم ناقصاً والإرادة عاصية والوقت قصيراً. عندئذ تكون فرصه عمل الروح فينا ضيقة ومحدودة، رغم أن مشيئة الله هي أن يعمل الروح فينا في كل لحظة، وهذه المحدودية في تعامل الروح نسميها " أحزان الروح " الذي باستمراره يؤدى إلى " إطفاء الروح "!! 

إطفاء الروح (1 تس 5 :19)

إذا سمحنا لفكر العالم أن يسيطر على أذهاننا، وأهملنا معاملات الروح مرة تلو الأخرى، يأتي وقت يكف الروح عن العمل بداخلنا ويسلمنا إلى فكر قلوبنا لنفعل مشيئات الجسد والأفكار، ونسير بمرأى أعيننا. 

ووقتها يشعر المرء إن الأمور أصبحت على ما يرام!! فهو لم يعد يشعر بتبكيت ومعاناة عند كل خطوة كما كان يحدث سابقا، وبات يتمتع بسلام كاذب هو في الحقيقة تبلد للضمير وانطفاء للروح!! وعندئذ يبدأ الذهن البشرى يحتل مكان القيادة بدلاً من الروح ليقود الإنسان بعيداً عن مشيئة الله. وقد لا تتوقف الحياة الروحية الظاهرة لهذا الشخص، بل قد يزداد إنتاجه ونشاطه لكن يا للأسف جاف وخال من لمسة الروح المحيية. 

    إن الكثيرين جداً في كنائسنا وجمعياتنا يفتقدون فرحة الخلاص الأولى ويتذكرون بالأسى أياماً كان فيها الروح عاملاً في حياتهم مرشداً ومعزياً ومطهراً، ولكنهم أصبحوا الآن مكتفين بالنذر الضئيل من لمسات الروح كل حين وآخر، إنهم لا يعلمون أن الروح حزين فيهم ولابد لهذه المشكلة من حل (يتبع) .


أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (2)

بقلم فخري كرم

تحدثنا في المره السابقه عن عمل إلهنا المثلث الأقانيم تجاه الإنسان، ودعونا الآن نتكلم عن تجاوب الانسان مع عمل الله، إن الله ينتظر تجاوباً مع محبته وعطائه، الله ينتظر محبة الإنسان وخضوعه وطاعته، فالعلاقة مع الله ينبغي أن تكون متبادلة، أخذاً وعطاءاً، وهذا ما نسميه " الشركه ": 

ماهية الشركة؟

      الشركة هي اتجاه القلب ـ بكل ما فيه ـ نحو الله. 

      البعض يظن أن علاقتنا بالله هي صلوات وأعمال ينتظر الله أن نقدمها، سواء كانت نابعة من واقع حياتنا أم لا، لذلك نجد الحياة تدور في جانب بينما العبادة تتم بصوره روتينية في جانب آخر. القلب يموج طول اليوم بالعديد من المشاعر، هذا خوف، وهذا ألم، وهذا حزن.. الخ، فالإنسان يتفاعل مع أحداث اليوم بمئات الأحاسيس والمشاعر لكن عندما يأتي ليقف أمام الله في الصلاة تجده يضع كل هذه الأحاسيس جانباً ـ ربما لإدراكه أنها لا تليق ـ ثم يبدأ في ترتيب كلمات جميلة وطلبات مقدسة لا علاقة لها بكل ما حدث أثناء اليوم! ولو كانت الصلاة على مسمع من آخرين لاخترنا لها التعبيرات التى تنتزع " الآمين " من أفواه أخوتنا!! ولا بأس من سرد أكبر قدر من الحقائق الكتابية!! هل هذه شركه أمينة مع الله؟ كلا، إن الله لا يريد صلاة غير تلك الموجودة في قلوبنا فعلاً، ولا يسر بعواطف إلا بتلك التي تتحكم فينا بقية يومنا، وألا صح فينا القول " يقترب " إلى هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عنى بعيدا " (متى 51: 8) 

    إن الشركة التي يريدها الله هي أن نسكب أمامه محتوى قلوبنا أولاً بأول، نضع أمامه دائماً كل أحاسيسنا حتى تلك التي نشعر أنها خاطئة، لا ينبغي أن نختبئ من إلهنا ولا نحاول خداعه. وهكذا يجب أن يكون ذهننا مكشوفاً أمامه دائماً بكل أفكاره وخططه وشكوكه، ونترك نور الله الفاحص يتخلل أذهاننا ويحكم فيها، هذه هي الشركة.

 وفى جو الشركة الحميمة ليست الكلمات هي أداة التعبير الوحيدة، بل أحياناً كثيرة تتحدث الدموع والأنات بلغه غاية في البلاغة!!  

الشركة مع الآب (1 يو 1 :3)

أما من جهة شركتي مع الآب، فكم يحلو لي إن ارتمى في أحضان الأب الذي أحبني وأعد لي كل الخير وانتظر رجوعي وأنا بعد في الكورة البعيدة، ورتب لي فداءاً كاملاً يضمن قبولي حين عودتي، في أحضان الآب أصغى إلى ألحان المحبة والحنان، وأستشعر الحماية الأبوية، وأتلمس الذراع القديرة التي تحرك الكون كله لخيري، ما أطيب أنى بين منكبيه أبيت. لا توجد قوة تمنعني عن حضن أبى!!

الشركة مع الابن (1 يو: 3)

     والشركة مع الابن هي سجودي لمن أخلى نفسه كي يقتفى أثرى في دروب أرض الخطية، وقد بحث عنى مستهيناً بالخزي والألم، ولم يأنف من الخوض في ظلمات خطيتى حتى دفع ثمن رجوعي دماً وعذاباً، ثم حملني على منكبيه عائداً بي إلى المنزل. انه الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن الخراف. 

    إن أعظم لحظات حياتي هي تلك التي أقضيها عند قدميه في حب وعرفان، أستمع لكلمات النعمة الخارجة من فمه، وأتفرّس في جماله حتى ينطبع بعض منه على حياتي، أنه إلهي الذي ظهر في الجسد حتى أستطيع أن أراه وأقترب منه ، ولولاه لظل الله بعيداً لا سبيل لمعرفته ، إن دماه ودموعه ستظل حية ساخنة في حياتي كل يوم ، وستظل موضع سجودي وعبادتي طوال الزمن والأبدية .

الشركة مع الروح القدس (2 كو 13: 14)

   أما شركتي مع الروح القدس فهي خضوعي الكامل لإرشاده وتبكيته، وتقديسه وتعليمه في حياتي اليومية، هي تسليم الذهن كي يجدده بحسب فكر الله، هى الاتكال على حكمته وقوته في مواجهة أمور الحياة. 

    إن الروح القدس هو الذي يمسك بيدي ويدخلني إلى شركتي مع الأب والابن، انه يستحضر أمام روحي محبة الآب وقداسته، ومحبة الابن وفداءه، ويعلمني كيفية التجاوب معهما، وهكذا تتعمق شركتي مع الأب والابن ، أي أنه كلما ازدادت شركتي مع الروح ازدادت بالتالي مع الآب والابن ، والعكس أيضا صحيح للأسف ( يتبع ) .




أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (1)

بقلم فخري كرم

    إن القلم يتردد كثيرا قبل الخوض في الحديث عن شخص الروح القدس والقلب يخفق خشية وخشوعاً أمام سلطان شخصه العظيم المبارك، ويشعر الذهن بعجزه وقصوره إزاءاتساع مجده في الأرض والسماء، ومن أين لنا أن نفحص من هو فاحص لكل شيء حتى أعماق الله؟! وكيف نُلم بأبعاد من يحتوي الكون حكمة واقتداراً؟! ولكن احتياجنا إليه هو الذي يدفعنا للحديث عنه، وعوزنا الشديد هو الذي يحتم إن نلتمس طريقنا إلى محضره، فعندما تتدهور المستويات الروحية ويخيم ضباب الجهل وظلام الموت على النفوس الغالية، وتتشقق الأرض عطشًا ولوعة، فطبيعي إن نصرخ: أين منابع القوة والانتصار؟ أين ينابيع الماء الحي؟ أين الروح القدس؟! 

إنه هنا

    إنه موجود في وسط كنيسته منذ يوم الخمسين، مازال يعمل مُقدساً ومُجدداً، مازال يبنى كنيسة المسيح، إنه يعمل رغم كل الظلام والجهل والخطية، مازال أعلى من كل أعمال إبليس، ومازال أقوى من الموت الضارب أطنابه في كل أرجاء المسكونة. قد يتجاهله الإنسان أو يجهله، قد يقاومه أو يرفضه، لكنه سيبقى دائماً عاملاً، من خلف الستار أو من أمامه، رغم الظروف أو من خلالها، بهدوء الحمامة أو بحريق النار، لكنه مازال يعمل حتى يقدم للسماء عروساً مزيَّنة تليق بعريسها ملك المجد، الرب يسوع المسيح، هل لك نصيب في عمله الدائب هذا.

ما هو عمله؟ 

    لكي نميز عمل الروح القدس فينا ينبغي أن ننظر نظرة شاملة لعمل الاقانيم الإلهية الثلاثة تجاه الإنسان، فعمل الروح ليس منفصلا عن عمل الآب أو الابن، بل متكاملا معه: 

    إن الآب هو الله مصدر كل العطايا والمواهب، والابن هو الله الذي دفع ثمن هذه العطايا والمواهب حتى نستطيع نحن أن نتمتع بها، بينما الروح القدس هو الله الذي ينقلها من عرش النعمة إلي داخل قلوبنا وحياتنا اليومية نحن أبناء القرن العشرين. 

   إن الآب هو الله النار الآكلة الذي يبغض الخطية ويعاقبها، والابن هو الذي حمل الخطية عنَّا ودفع عقابها كاملا لكي تتاح لنا إمكانية الغفران والتبرير، بينما الروح القدس هو الذي يحمل هذا الغفران والتبرير إلى الضمير المعذب ويمنح اليقين القلبي في كفاية عمل المسيح الكفارى ، حتى أن الإنسان المتمتع بعمل الروح داخله يتمتع دائما بيقين الغفران ولا يخشى الاقتراب من محضر الله القدوس ليس لأنه متكبر بل لأنه مُبرر بدم المسيح ، والروح يستأنف عمله فينا بتقديس عملي ، بإماتة أعمال الجسد فينا حتى نصير أكثر فأكثر لائقين لشركة ميراث القديسين في النور . 

    إن الآب هو الله القدوس الذي لا يدخل إلى محضره إلا ما هو مقدس وطاهر، والابن هو الذي صنع لنا ـ بحياته وبموته ـ ثوب البر الذي نستطيع به أن ندخل إلى محضر الله القدوس، والروح القدوس هو " الترزي " المبارك الذي يصنع لكل واحد منا ثوب البر الخاص به الملائم لحياته وظروفه ومكانه في جسد المسيح، وهو الذي يخلع عنا أثواب برّنا البالية ويلبسنا ثوب بر المسيح مما يجعل كنيسة المسيح ذات جمال متنوع متكامل فريد. 

    إن الآب هو الله محبة، والابن المتجسد هو الذي أعلن لنا هذه المحبة وترجمها إلى عمل وحياة، والروح القدس هو الذي ينقلها إلينا في وسط مخاوفنا وضعفنا، بل هو الذي ينقلنا إليها رافعاً إيانا فوق خوفنا وضعفنا. 

    وهكذا نقول إجمالاً أنه إذا كان الآب هو الله غاية طريقنا، فالابن هو الله طريقنا، والروح القدس هو الله رفيق طريقنا وبهذا نرى إن الاقانيم الثلاثة تعمل لخيرنا في توافق تام، ولو نقصت شركتنا مع أي منهم لفقدنا الشيء الكثير، فبدون الآب ليس لنا غاية نصل إليها، وبدون الابن ليس لنا سبيل للوصول إلى غايتنا، وبدون الروح القدس ليست لنا القوة للسير في سبيلنا نحو الغاية (يتبع) .


الاثنين، 1 يوليو 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (72)

الخاتمة

بقلم: فخري كرم

حاولنا أن نتتَّبع الصور الرمزية التي اتخذها الوحى للدلالة على شخص روح اللَّه في الكتاب المقدس ، ووجدنا أنها سبع صور جميلة تعكس كل منها جانباً من جوانب شخصيته وعمله له المجد ، حتى أنه سُمى في سفر الرؤيا «سبعة أرواح اللَّه» إشارة لكمال وتنوع عمله الذي يعمله في العالم بشكل عام وفي حياتنا بشكل خاص ، فرأيناه روح الوداعة في صورة الحمامة التي نزلت على رب المجد في معموديته في بداية خدمته العلانية ، وروح القداسة الذي حلَّ كألسنة منقسمة من نار على التلاميذ في يوم الخمسين ، والروح مانح الحياة في صورة المياه التي تروى و تحيي وتفيض إلى حياة أبدية ، والروح غير الخاضع للفحص في صورة الريح التي تهب حيث تشاء ولا نستطيع أن نعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب ، ورأيناه الروح الذي يمسح ويكرِّس الخدام لعمل مشيئة اللَّه في صورة زيت المسحة المقدس ، وعرفناه روح التعزية والتشجيع في صورة الخمر الجيدة ، وأخيراً رأيناه روح المعرفة والإعلان الذي ينير أمامنا كل شيء حتى أعماق اللَّه وذلك في صورة العين والمصباح المنير.

وأمام هذه الحقائق التي رأيناها من كلمة اللَّه بخصوص روح اللَّه المبارك لا بد أن نَخلُصَ إلى الحقائق التالية:

شخصه وحده يكفي!!

إذا كان هذا الروح المبارك معنا فماذا يعوزنا بعد؟ هل يمكن أن يحتاج المؤمن إلى شيء أو شخص آخر يقوده في مسيرة الإيمان؟ عندما أتى الوقت کی يصعد رب المجد إلى السماء طلب من تلاميذه أن يمكثوا في أورشليم حتى ينالوا موعد الآب ألا وهو شخص الروح القدس، وأمرهم ألا يتحركوا من أماكنهم إلا بقوة حضور روح اللَّه. لم يترك لهم خططاً محددة للكرازة ولا أساليب معينة ينتهجونها في الوصول إلى العالم أجمع. لم يترك معهم سلاحاً ولا مالاً يواجهون به المستقبل المجهول، ولم تكن هناك سلطة دنيوية تحميهم ولا قوة بشرية تسندهم، تركهم في وسط عالم يبغضهم ومجتمع يرفضهم لا لشيء سوى لأنه رفض سيدهم من قبل، تركهم ليحبوا العالم الذي يبغضهم ويقبلوا المجتمع الذي يرفضهم!! وأمام جسامة هذه المسئولية الموضوعة عليهم لم يكن هناك إلا هذا المُعين الوحيد، في مواجهة العمل الخارق المطلوب منهم. لم يكن لهم إلا شخص الروح القدس رفيقاً، لم يترك رب المجد للكنيسة إلا شخص الروح ليكون المُرشد والمُعزي والمُغذّي والشفيع والمُعلم والمُعين والمُبكّت والمُطهّر، وشخصه وحده يكفي بلاشك!!

صانع القديسين!!

في كل العصور وعلى مدى التاريخ المقدس كان الروح القدس كافياً لحياة كل قديسي اللَّه، مَنْ جعل إبراهيم أباً للإيمان؟ أي معونة كانت لإبراهيم وهو يترك بيته وعشيرته ويرحل في الصحراء متوجهاً نحو المجهول، مَنْ كان عوضه عن الأهل والأرض، أليس هو روح التعزية والتشجيع؟ مَنْ جعله يرفع عينيه للسماء وأعطاه القدرة أن يرى المدينة التي لها الأساسات، أليس هو روح المعرفة والإعلان؟ لم يكن لإبراهيم سند بشري ولا مُعين إنساني في طريق الإيمان الذي سلكه، لم يكن له معلم يرشده ولا راعٍ يحفظه ولا صديق يؤنسه، كان روح اللَّه هو كل شيء بالنسبة له، وكان وحده يكفي ليصنع من إبراهيم مثلاً رائعاً للإيمان!!

أيَّة معونة كانت ليوسف وهو يُباع عبداً ويُساق أسيراً ويُهان سجيناً؟ مَنْ كان بجانبه يشدّده ويرتقي به فوق حائط الصعوبات، مّنْ أعطاه الغَلبة على روح البُغضة في إخوته، أليس هو روح الوداعة والمحبة والغفران؟ مَنْ أعطاه الغَلبة على روح النجاسة في امرأة فوطيفار، أليس روح النار والقداسة؟ مَنْ ثبَّت بمتانةٍ قوسه حتى انتصر أخيراً وخرج غالباً ليجلس على عرش مصر؟! إنه روح اللَّه وحده، وهو وحده يكفي ليصنع من يوسف مثالاً جميلاً للوداعة والقداسة المنتصرة!!

مَنْ كان مُعيناً لموسى وهو يتصدى وحده لقيادة شعب متمرد قاسي الرقاب؟ مَنْ أرشده في دروب مصر وشعاب البرية؟ مَنْ جعله كفواً لهذه المُهمّة الجسيمة وهو يُناهز الثمانين من العمر؟ من صاغ منه مثالاً للقائد الناجح مع اللَّه والناس؟ إنه وحده روح الحكمة والإرشاد.

ويعوزنا الوقت لو تكلمنا عن اليد الماهرة التي صنعت صموئيل وداود وسليمان وإيليا وإشعياء ...، كل هؤلاء لم تكن لهم أي معونة بشرية، بل كانت الظروف المحيطة بهم تكفي لتحطيم حياتهم، لكنهم أعطوا أنفسهم بالكامل لهذا الصانع الماهر ووثقوا في كفاية شخصه، ولقد صاغ من كل منهم جوهرة تلمع على مدى الأيام والعصور، لقد كان ومازال روح الله هو وحده صانع القديسين!!

شركاء الروح القدس!!

لكن لماذا لا نرى اليوم قديسين تلمع حياتهم بنفس هذا المجد؟ هل كفَّ الروح القدس عن صنع القديسين؟ حاشا، السبب للأسف هو أن وسائط المعونة أصبحت اليوم كثيرة وسهلة فلم تعد النفوس تتكل على شخص الروح وحده!! صار للروح القدس شركاء في قيادة حياتنا!! لم نعد نثق في كفاية شخصه لقيادة حياتنا بالكامل، أصبح المؤمنون اليوم يستقون تعليمهم من القادة دون الرجوع لروح اللَّه ويلجأون للناس طلباً للمعونة ولا ينتظرون معونة الله، لم تعد الكنيسة تتكل اليوم على شخص الروح كما كانت تتكل عليه في عصرها الأول، أصبحنا نختار الطرق البشرية السهلة للتعليم والتعزية ونتجنب طريق الاتكال على روح اللَّه وحده، وضعنا آخرين في مكان القيادة ونسينا أن الروح لا يقبل أن يكون له شريك في قيادة حياتنا، وكانت النتيجة هي هذا الفقر والجوع والتخبط الذي نعيش فيه!!

عفوا يا روح اللَّه!!

إذا كان هناك هدف من وراء كتابة هذا الكتاب فهو أن نعود بانكسار إلى شخص الروح ونقدم له اعتذارنا لأننا لم نعطه المكان اللائق به في حياتنا، ونبدأ ندرك أن شخصه المبارك فيه كل الكفاية لحياتنا، لن يعوزنا شيء إذا اتكلنا عليه بالكامل وانتظرنا عمله في حياتنا. دعونا ننزع أي آخر من مركز القيادة في حياتنا ونتوِّج روح اللَّه وحده قائداً للحياة، إنه «سبعة أرواح اللَّه» أي أنه وحده القادر أن يعمل إرادة اللَّه في حياتنا بشكل كامل لا ينقصه شيء، له المجد في الكنيسة إلى الأبد، آمين .

 

 

 

 

 

الخميس، 13 يونيو 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (71)

بقلم: فخري كرم

تكلمنا كثيراً عن الصورة السابعة والأخيرة من الصور الرمزية التي ذكرها الكتاب المقدس في آخر أسفاره عن شخص الروح القدس المبارك، ألا وهي صورة العين الثاقبة والمصباح المنير، فقلنا إنه ينير لنا مواضع العثرة في طريقنا لكي يجنّبنا مخاطر السقوط، سواء كانت العثرة تأتي من أنفسنا أو من الآخرين أو من الشيطان نفسه، كما أنه ينير لنا أعماق إلهنا ومشيئته حتى نفهمها ونتممها في حياتنا، وأيضا عرفنا أنه المنير والفاحص لأعماق كل إنسان في كل الأرض ولا يخفى عنه شيء، وأخيراً قلنا إنه ينير لنا معاملات الله معنا حتى نفهمها ونتجاوب معها، فالكثير من أعمال الله في حياتنا تبقى غير مفهومة ولا ملحوظة حتى يُسلّط روح الله نوره عليها ويفسّرها لنا، حينئذ فقط نخرُّ على وجوهنا وتخرج منا كلمات الشكر والتسبيح، وقلنا في هذا الصدد أنه ينير لنا معاملات الله أولا في الماضي، تلك الأحداث التي مرّت بنا دون أن نلاحظ فيها يد الله ونفهم قصده، واليوم نختتم حديثنا عن روح العين والمصباح بالقول إنه ثانيا ينير لنا معاملات الله في ما يلي:

(۲) في المستقبل!!

روح الله هو وحده الذي يعرف المستقبل ومن البدء يخبر بالآتيات (إش 42: 9) لأنه وحده يفحص أعماق الله ويعرف فكره ومشيئته تجاه المستقبل، وهو يلجأ كثيراً لإعلان هذه الأمور المستقبلة للمؤمنين لكي يتهيأوا لها ويشاركوا في تتميمها، والمؤمنون يستقبلون هذه الإعلانات من خلال موهبة النبوة، تلك الموهبة التي يعطيها الروح لشعب الرب حتى يستطيعوا إدراك فكر الله من جهة حياتهم في الحاضر أو المستقبل.

في العهد القديم

          كانت النبوة ركنا أساسياً في تكوين الشعب القديم، ولم يكن الشعب يستطيع الاستغناء عن الأنبياء العظام الذين كان الرب يقيمهم لينطقوا بفكره، كانت كلمات النبوة تنير للشعب واقعهم ومستقبلهم، وكثيراً ما أعلن الرب من خلال الأنبياء أحداث مستقبلة في حياة الشعب والشعوب المحيطة بهم، بل قلما تجد حدثاً في تاريخ الشعب لم يكن الرب قد أنبأ به من قبل على فم الأنبياء، وأكثر حدث تكلمت عنه النبوات كان مجيء المسيا المنتظر، حتى أننا نصاب بالذهول من كثرة ودقة التفاصيل التي ذكرها الأنبياء عن شخص المسيح الآتي!!

 

وفي العهد الجديد

قال رب المجد لتلاميذه عن روح الحق: « يُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ » (يو16 : 13)  ولقد أقام في الكنيسة «أنبياء» في المرتبة التالية بعد الرسل مباشرة (1كو 12 : 28 ، أف 4 : 11) ولقد أعطى الرسول بولس مكانة خاصة لموهبة النبوة في الكنيسة بل أمر المؤمنين أن يجدُّوا للتنبؤ (۱ كو 14 : 1 ، 39) مما يؤكد أن الروح يريد أن يخبر الكنيسة بأمور آتية من خلال أنبياء كما كان يفعل مع الشعب القديم، فالروح لم يتغير ومازال الله كما كان دائما يحب أن يخبر عبيده بكل شيء «إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لاَ يَصْنَعُ أَمْرًا إِلاَّ وَهُوَ يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ» (عا ۷:۳) بل إنه يحثهم على طلب هذا « هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ... اِسْأَلُونِي عَنِ الآتِيَاتِ! مِنْ جِهَةِ بَنِيَّ وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ يَدِي أَوْصُونِي» (إش 45: 11).

وفي الكنيسة الأولى نرى الروح يستخدم الأنبياء بكثرة للإخبار عن أمور آتيـة (أع 11: 27، 28، 21 : 9 -11) بل إنه أوحى بسفر نبوي كامل عن الأحداث الآتية على العالم وهو سفر الرؤيا .

الهدف من النبوة

 أول هدف هو شركة المحبة!! محبة الرب لعبيده تجعله يخبرهم بما يزمع فعله حتى تكون لهم شركة معه (تك 18: 17، يو 15: 15) والهدف الثاني هو لكي يكون لشعب الرب رؤية مستقبلية تمكنه من تحديد أولوياته وأهدافه التي تتفق مع ما يريده الرب، وبالتالي يصبح شعب الرب أداة فعَّالة في تتميم مشيئة الله في العالم.

إذاً ليس الهدف من النبوة هو إشباع فضول الإنسان لمعرفة المستقبل!! فالإنسان يشتهي دائماً أن يعرف ما تخبئه الأيام، ولذلك يلجأ للسحرة والعرافين والمنجّمين لعله يجد عندهم ما ينير ظلام أيامه، لكننا نعلم أن إلهنا وحده يعلم الآتيات لأنه هو صانعها، وهو يعلن لنا بعضها إذا رأي لذلك ضرورة وفائدة، لكنه لا يهتم أن يشبع فضولنا من جهة كل تفاصيل المستقبل ولا يريدنا أن نهتم نحن بتفاصيل قد جعلها في علمه وســـلطانه (مت 6: 25، أع 1: 7)

.. أين النبوة الآن؟!

يبدو يا للأسف أننا أهملنا هذا الجانب من عمل الروح في كنائسنا المعاصرة، أطفأنا موهبة النبوة ولم نعطها الاهتمام اللائق، وخرج علينا البعض بالقول إن هذه الموهبة قد انتهت منذ عصر الرسل والبعض الآخر أوهمنا أن النبوة هي نفسها الوعظ والتعليم!! ونتيجة لهذه الأفكار الخاطئة أهملنا النبوة في كنائسنا وكنيسة بلا نبوة هي كنيسة بلا رؤية مستقبلية، وبدون رؤية يجمع الشعب (أم ۱۸:۲۹) لذلك ليس غريبا أن نرى كم التنافر والتعارض في المسارات التي تسير فيها الكنائس المختلفة. هناك تخبط وعشوائية في كنائس وجمود وروتينية في كنائس أخرى، والسبب هو غياب الرؤية التي تعرف مشيئة الرب لبلادنا وكنائسنا في أيامنا القادمة. لو كانت لنا استنارة الروح من جهة المستقبل لصارت لنا وحدة الهدف، حتى لو تعددت المسارات!! ولصارت الفروق بين الكنائس مادة إثراء وليس إضعافا لها.

ليتنا إذاً نعود نهتم بهذا الجانب العملي من عمل الروح القدس في الكنيسة، دعونا نجدّ للتنبؤ، نسأل الله عن الآتيات، نطلب من الروح أن يرسم مساراً لأيامنا القادمة ويضع أمامنا هدفاً لحياتنا وغرضاً نسعى إليه، دعونا نوصى الرب من جهة بنيه وعمل يديه، وللحديث بقية.

 

الخميس، 30 مايو 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (70 )

بقلم: فخري كرم

قلنا إن روح المصباح المبارك ينير لنا مواضع العثرة في طريقنا لكيلا نعثر، وينير لنا أعماق إلهنا لكي ندخل في شركة معه، ويفحص أعماق كل إنسان في كل الأرض ولا يخفى عنه شيء، وأخيرا نقول إنه ينير لنا:

معاملات الله في حياتنا

الله له مشيئة في حياتنا وهو ينسجها طوال الوقت داخل تفاصيل حياتنا سواء شعرنا بهذا أم لا، هناك خيط ذهبي منسوج بمهارة في وسط خيوط حياتنا المتشابكة، خيط يمتد من بداية أيامنا وحتى نهايتها. إن أمور حياتنا وتفاصيلها الدقيقة وأحداثها التي قد تبدو لنا عشوائية في أحيان كثيرة إنما هي خاضعة لقصد سام وترتيب إلهي دقيق، لكننا للأسف كثيرا ما نخطئ في فهم هذه المعاملات الإلهية بل قد لا نراها أو نلاحظها أبدا!! الذهن البشري المحدود لا يستطيع بمفرده أن يميز هذه المعاملات، عيوننا الإنسانية القاصرة لا تستطيع أن ترى هذا الخيط الذهبي الممتد بطول حياتنا، فقط عندما يسلط روح المصباح المبارك نوره على حياتنا نستطيع أن نرى هذه المعاملات:

(1)         في الماضي

عندما يسلط روح الرب نوره على أحداث حياتنا الماضية نبدأ نرى فيها ما لم نكن نراه من قبل، نبدأ نلاحظ السيناريو الإلهي المبارك الذي صاغ تفاصيل حياتنا الماضية، نبدأ ننبهر بمدى الحكمة والدقة التي كانت وراء كل حدث في حياتنا، نبدأ نميز محبة الله ورحمته التي حفظتنا من أخطار كثيرة وفخاخ عديدة لم نكن نراها ولا نقوى على مواجهتها، أشياء كنا نظنها شرا سنراها خيراً عظيماً، وأحداث كنا نحزن لذكراها ستصير مصدراً للفرح والابتهاج، حقا ما أبعد الفرق بين رؤيتنا البشرية لحياتنا ورؤيتنا لها في ضوء الروح القدس واستنارته!!

الله قصد خيراً!!

النظرة البشرية لأحداث حياة يوسف ترى فيها شرا وظلماً فادحاً، التأمل فيها يثير الحيرة والحزن والألم، ولو رأي يوسف حياته الماضية بعينيه الإنسانية لسقط في بئر مظلم من مشاعر الألم والرثاء للنفس، بل والغضب والرغبة في الانتقام!! لكنه كان رجلا يرى الأمور بعيني الله، وفي ضوء روح الله استطاع أن يرى شيئا مختلفاً عما تراه العين البشرية، رأى أن إخوته قصدوا شراً لكن خلف الستار كانت هناك يد قديرة تنسج في وسط هذه الأحداث خيراً عظيماً. هذه الرؤية المباركة حفظت سلامه في وسط الأمواج العاتية المتقلبة، وحفظته فوق مشاعر الحقد والانتقام وجعلته يستطيع الغفران لإخوته ويقول لهم قوله المأثور «أنتم قصدتم لي شراً، أما الله فقصد به خيراً!! أي قصد تراه في حياتك الماضية؟ قصد الناس تستطيع أن تراه وتفهمه بعينيك البشرية أما قصد الله فلا تستطيع أن تراه إلا وأنت خاضع لاستنارة روح الله المبارك!!

أنت هو الرجل!!

نظر داود لأحداث قضية أوريا الحثي بنظرة إنسانية فلم يجد ما يدعو للانزعاج!! بل لعله رأي ما يبرر أفعاله أو على الأقل يلتمس له العذر فيها، فلم يستطع أن يقدم توبة حقيقية لمدة طويلة!! نظرته للأمور لم تدفعه للانكسار، بل لمحاولة التستر والإنكار. إنها النظرة البشرية الأنانية النجسة والنظرة التي لا تستطيع أن ترى إلا مصلحتها وتقيس كل الأمور بمقياس الذات الرديئة!! ولو ظل طوال عمره خاضعاً لهذه النظرة ما استطاع أن ينكسر أبدا، فنظرتنا الذاتية للأمور لا يمكن أن تدفعنا للانكسار أمام الرب!!

كان داود في حاجة لأن يرى الأحداث الماضية في حياته في نور الروح القدس وكان يحتاج أن يراها كما يراها الله. كان محتاجاً أن يخضع لنور المصباح الإلهي المبارك، وهذا كل ما فعله رجل الله ناثان، كان ناثان رجلا يرى الأحداث كما يراها الله، ولقد استطاع بحكمة وقيادة الروح أن يقود داود ليرى الأمور بعيني الله فحكى له السيناريو الحقيقي للأحداث كما يراها الله وليس كما يراها داود، وما أعظم الفرق!! في نور الروح استطاع داود أن يرى بشاعة فعله حتى أنه أصدر حكماً بالموت على نفسه دون أن يدري!! إلى هذا الحد كانت النظرة البشرية قد خدرت ضميره حتى أنه لم يلحظ من البداية أن ناثان يتكلم عنه شخصياً!! لكن عندما سلط النبي نور المصباح في وجهه قائلا «أنت هو الرجل» بدأ يبصر الحقيقة ويراها لأول مرة!! وهذه الرؤية الإلهية قادته للانكسار والاعتراف والتوبة. إن رؤيتنا لأخطائنا في نور الروح القدس هي وحدها القادرة أن تدفعنا للتوبة والانكسار أمام الرب!!

من بطن أمي!!

          كان بولس يعتقد أن حياته سارت بشكل طبيعي مثل كل البشر وكان يظن أنه هو الذي اختار لنفسه طريقه وصنع بإرادته خطواته، حتى جاء يوم مبارك تواجه فيه مع نور الرب الساطع فسقط تحت سلطان هذا النور، وقام وقد أدرك أنه لم يكن يرى أي شيء بشكل صحيح وفهم أن عينيه مغطاة بالقشور وأنه يحتاج أن ينير الرب عينيه لكي يبصر الأشياء بشكل صحيح، وعندما سقطت القشور استطاع أن يرى كل أحداث حياته الماضية كان يحكمها قصد سماوي مبارك واكتشف لدهشته أن مشيئة إلهية كانت تقود خطواته من خلف الستار، ليس من وقت لقائه بالرب على أبواب دمشق بل من بطن أمه (غل 1 : 15)!! وهذه الرؤية المباركة دفعته لأن يكرس كل حياته لتتميم هذا القصد الرائع والمشيئة الصالحة، الرؤية الحقيقية وحدها تصنع تكريساً حقيقياً!! وللحديث بقية.