الأربعاء، 2 يوليو 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (2)
فخرى كرم
«يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعلِ عيناي ولم أسلك في العظائم ولا في عجائب فوقي، بل هدَّأت وسكَّت
نفسي كفطيم نحو أمه، نفسي نحوك كفطيم» (مز131: 1، 2)
كثيراً ما تمر حياتنا بظروف لا نفهمها، ونجتاز في أحداث غريبة لا نعرف القوى المتحكمة فيها ولا المعاني التي تقف وراءها، والحقيقة أننا كائنات ضئيلة الشأن جداً تتحكم فينا قوى خفية تحركنا مثل قطع الشطرنج على رقعة صغيرة لتحقيق أهداف خفية لا ندرك كنهها، والإنسان الذي يظن في نفسه أنه يفهم مجريات الأمور وأبعادها هو إنسان مرتفع القلب ومنتفخ من قِبِل ذهنه الباطل، والإنسان الذي يتكلم كثيراً في محاولة لشرح الأحداث ووضع التفسيرات لكل ما يجري حوله هو في الحقيقة إنسان مغرور لدرجة تثير الشفقة والضجر، فالإنسان لا يدرك إلا نسبة ضئيلة جداً مما يحدث في حياته وهو في معظم الوقت مفعول به لا فاعل، تحركه قوات أعلى منه وأكثر ذكاء مما يتصور، ومحاولة الاطلاع على هذه العجائب والعظائم التي فوقنا محاولة فاشلة بكل المقاييس إلا إذا أنار الروح القدوس أعيننا وجلى بصيرتنا لنبصر (ولو بقدر محدود) هذه العوالم الخفية.
وهذه القوى الخفية التي تتحكم في حياتنا تنقسم إلى قوى شريرة وأخرى صالحة، فكما ان هناك مملكة ضخمة للشر تسود وتعمل في أبناء المعصية لتتميم مشيئة الشيطان، هناك أيضاً ملكوت الله الذي يعمل من خلال أبنائه لتتميم مشيئة الله الصالحة على الأرض، فسلطان الله على البشر ومحاصرة روح الله للإنسان في كل أحواله وأوضاعه أمر يفوق خيالنا ولا نستطيع تصوره، قال عنه داود «من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت عليّ يدك،  عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها، أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب؟» (مز139) إن معرفة الله لتفاصيل حياتنا الدقيقة وتحكّمه فيها أمور ترتفع فوق ادراكنا ولا نستطيع فهمها بالكامل واستيعابها.
لكننا للأسف لا نكفُّ أبداً عن حماقة اعتقادنا أننا نفهم كل شيء!! نرتئي دائماً فوق ما ينبغي أن نرتئي ونظن في أنفسنا أننا نملك ناصية المعرفة ومفاتيح الفهم، حتى أننا لا نتوانى عن محاولة شرح الأحداث والتفاصيل التي تمر بها حياتنا وحياة المحيطين بنا، فننسب هذا للشيطان وذاك لله وتلك للإنسان...، ونتقدم أكثر في كبريائنا فنُسدي النصيحة للواحد بأن يفعل هذا وللآخر بأن يتصرف هكذا، وكأننا المدركين لبواطن الأمور والفاهمين لمسارات الأحداث والمطّلعين على نهاياتها، لعن الله كبرياء الإنسان وغروره في كل زمان ومكان!!
لكن الأكثر مدعاة للأسف أننا ندخل إلى محضر الله بذات الروح المتعالية التي تظن أنها تعرف كل شيء وهي في الغالب لا تعرف أي شيء، ونحن أمام الله لا نكف عن الكلام في ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون، نحاول أن نملأ وقت صلاتنا بأحاديث عن ما يصح وما لا يصح، عن ما ينبغي أن يفعله الله وما لا يجوز أن يسمح به، نحمل حكمتنا ونرفعها بكبرياء أمام عرش الله، بل قد تجدنا في ذات الوقت نشكِّك في حكمة الله وصواب أفعاله بتصلُّف وغباء لا نُحسد عليه، غباء الجُبلة حين تحاول التعديل على جابلها والتشكيك في حكمته!!

داود يعلمنا أنه عندما نمر بأحداث لا نفهمها ويقصر إدراكنا على الإلمام بأبعادها فهذا هو الوقت المناسب لنتعلم السكوت أمام الله!! عندما تدخل النفس إلى محضر الله وترفع إليه عينين دامعتين ولا تنطق بكلمة فهذا السكوت هو أبلغ من أي كلام، السكوت هنا يحمل معانٍ لا تستطيع الكلمات مهما كانت بلاغتها أن تحملها، عندما نهدئ ونسكِّت نفوسنا أمام الله فالسكوت هنا يحمل معنى إدراكي أني صغير جداً عن فهم ما يجري حولي، صغير مثل الفطيم الذي لا يعرف من الحياة إلا صدر أمه وبعض اللعب والعرائس، ولكني رغم صغري المتناهي أؤمن أن ليّ إلهاً يرعاني كالأم الرؤوم التي تفوقني فهماً وإدراكاً، الأم التي لم ولن ينقصها قط المحبة والإرادة أن تفعل لي أفضل الأشياء وتختار لي أفضل المسارات، هذا السكوت يقول أني لن يرتفع قلبي وتستعلي عيناي وأخوض في العظائم والعجائب التي ترتفع فوقي، لن أحاول أن أتكلم بجهل عن الأسرار الروحية التي تجري في السماويات طالما الله لم يعلنها لي، السكوت يقول اني لن أحاول بغباء أن أشتكي على صلاح وحكمة الله تماماً مثل الفطيم الذي لا يمكنه مهما كان جهله وغباؤه أن يشكِّك في صلاح أمه التي أرضعته كل الخير في كل أيام حياته، السكوت هنا يحمل الكثير من المعاني التي ربما نتكلم عنها في المرات القادمة (يتبع)            

الثلاثاء، 3 يونيو 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (1)
فخرى كرم
«للسكوت وقت وللتكلم وقت» (جا3: 7)
البلاغة هي القدرة على «ابلاغ» المعنى للمتلقِّي، وكلما كان الإنسان قادراً على توصيل المعنى الذي يقصده للآخرين بدقة وبوضوح كلما كان «بليغاً»، ولا شك أن البشر يتفاوتون في درجة بلاغتهم تفاوتاً كبيراً، ففئة الأدباء والشعراء هم أكثر الناس قدرة على تبليغ المعاني والمشاعر التي تختلج داخلهم للآخرين، يمتلكون أدواتهم من الألفاظ والتشبيهات والصور الذهنية التي يستخدمونها بحِرَفية وبراعة لتوصيل أفكارهم للآخرين، فالأديب الحقيقي اذا قرأت له أو استمعت إليه تجد نفسك قد امتلأت بفكر وأحاسيس ووجهة نظر جديدة لم تكن تمتلكها من قبل، ولكن هناك آخرون أقل بلاغة من هؤلاء يجدون صعوبة في توصيل ما يقصدونه للآخرين ولا تستطيع التواصل معهم إلا بمعاناة، ناهيك عن بعض الناس الذين تنقصهم البلاغة تماماً حتى أنك تصاب بالارتباك والضجر إذا حاولت فهمهم وبالتالي تفضِّل الابتعاد عنهم وتجنُّب الحديث معهم!!  
وللبلاغة وسائط كثيرة وإن كان أشهرها هو الألفاظ والكلمات، حتى ظن البعض ان فن البلاغة قاصر على الأدب المكتوب، لكن هناك مَن يستطيع أن يكون بليغاً ويعبِّر عما بداخله بتعبيرات وجهه أو بابتسامته الرقيقة أو بصرخة غضب مكتوم أو بحركة معبِّرة من جسده، حتى أن الكثيرون من أشقائنا في المجتمع من أصحاب الإعاقة أصبحوا يتواصلون بلغة الإشارة التي تتكون من مجموعة من الحركات الجسدية المقنَّنة، ومن أشهر فنون البلاغة هو فن الباليه الذي يعتمد على الموسيقى المصاحبة لحركات الجسد الرشيقة للتعبير عن المعاني المقصودة دون استخدام للكلمات والألفاظ إلا في أضيق الحدود.
لكن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن السكوت أحياناً يكون أكثر بلاغةً من أي كلمات أو تعبيرات، والشخص الحكيم حقاً يعلم أن للسكوت وقت كما أن للتكلُّم وقت، والبليغ فعلاً يعرف أن يعبِّر بسكوته عما لا تستطيع الكلمات أن تعبِّر عنه، وما لا يعلمه الكثيرون أيضاً أن الجاهل هو الذي يُكثر الكلام (جا10: 14) كما أن كثرة الكلام لا تخلو من معصية (أم10: 19) وأن مَن يحب أن يتخذ موضع المُعلِّم ويتكلم كثيراً يأخذ دينونة لنفسه لأنه في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع3: 1، 2)

وللأسف فإن احدى الآفات التي أصابت مجتمعنا المصري في الآونة الأخيرة هي كثرة الكلام، وللأسف أيضاً أن الكنيسة لم تنجو من هذه الآفة المدمرة، أصبح الكلام سلعة تُباع وتُشترى، بل أصبح الكلام حرفة للبعض تجلب لهم الرزق، وأصبح التنافس بين الجميع على مَن يستطيع أن يتكلم أكثر من الآخرين ومَن يرفع صوته فوق الآخرين، أصبحنا نشعر أننا في «مكلمة» كبيرة تبتلع الأمة كلها وتصيبها بالارتباك والانقسام والتشرذم، كل هذا يحدث بينما الواقع على الأرض يتدهور من سيء إلى أسوأ في كل يوم، مما يعطي مؤشراً واضحاً لكوننا لا نفهم القيمة الحقيقية للكلام والهدف منه ومدى جدواه، ومما يؤشِّر أيضاً لكوننا نحتاج أن نفهم قيمة السكوت وبلاغته وتوقيت اللجوء إليه، وهذا ما سنحاول أن نناقشه في المرات القادمة مسترشدين بكلمة الله التي تُنير وتُعقِّل الجُهَّال (يتبع)     

الاثنين، 5 مايو 2014

أحاديث من القلب

المهنة: قاتل!!
فخرى كرم
«أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن
تعملوا، ذاك كان قتَّلاً للناس من البدء» (يو8: 44)
أناس كثيرون في بلدي امتلأوا بشهوة القتل، قتل على كل شكل ولون، قتل مادي وقتل معنوي، قتل على خلفيات كثيرة ولأسباب متعددة، قتل لأسباب إجرامية وأسباب عرقية وأسباب سياسية وأسباب دينية... وأحياناً بدون أسباب!! لم يعد القتل فعلاً شاذاً عارضاً في بلادنا بل أصبح عند الكثيرين منهجاً للحياة واسلوباً للتفكير، صار القتل للبعض مهنة يمتهنها وحرفة تجلب له المال، وصار للبعض الآخر وسيلة لإثبات القوة وطريق للوصول للمركز والنفوذ، وثالثة الأثافي أن البعض أصبح يعتقد أن القتل هو طريقة الوصول لرضا الله ونعيمه!! البعض صار يوثِّق لجرائم القتل التي يرتكبها بالصوت والصورة لكي يضيفها لسجل شرفه المهني، لم يعد القتل سباباً للخزي والتواري خجلاً بل مادة للمجد والتباهي فخراً!! أصبح الكثيرون في بلدي يستحقون عن جدارة أن يُكتب في بطاقات هويتهم «المهنة: قاتل»!!
وإذ أرفع عيني من على هذا الواقع المرير الذي صرنا نعيشه جميعاً وأرجع لكلمة الله التي بين أيدينا وأسكب حيرتي وتساؤلاتي عند أقدام سيدي أجده يعلِّمني ما يجلو بصيرتي ويبدِّد حيرتي، أجده يخبرني أن القتل هو شهوة إبليس وعمله منذ بدء الخليقة، هو الذي يقف وراء كل جرائم القتل منذ البداية وحتى الآن، وهو ينفذ مشيئته القبيحة هذه من خلال أبنائه الذين يمتلئون بشهوات أبيهم ويعملونها، حتى أنك إذا سمعتَ في مكانٍ ما صراخاً وعويلاً ورأيتَ دموعاً وعذاباً فلتتأكد أن إبليس مرَّ من هناك أو أن أحد أبنائه خطا في هذا المكان!!
وإذ أُقلِّب صفحات الوحي أجد سيدي يعلِّمني أيضاً أن البغضة هي الأم الشرعية للقتل والمنشأ الأول لهذه الجريمة، القتل يبدأ داخل الإنسان بمشاعر الكراهية والاستهانة بالآخر، وإذ تترسب هذه المشاعر داخل قلب الإنسان وتتراكم وتتزايد وتتغذَّى وتتقوَّى بمناخ البغضة وثقافة الكراهية السائدة في مجتمعنا يتكوَّن لدينا «قاتل» جديد، إن لم يقتل بيديه فسوف يقتل بلسانه وبمشاعره وبأفكاره وبدعمه المادي والمعنوي للقاتلين، ولذلك يعلِّمني سيدي أيضاً أن الله يحسب البغضة قتلاً ويعتبر مَن يقبل مشاعر سلبية تجاه الآخرين أنه مستوجب نار جهنم!!

وإذ أعترف أن كلمات الوحي هي الحق الكامل والنور الحقيقي الذي ينير الواقع الحاصل في بلدي، وإذ أُصادق على أن مناخ الكراهية للغير والاستهانة بمعتقدات الآخر هو الجذر لكل القتل والموت الذي نشده اليوم في كل مكان، أجد نفسي أتضرع أمام عرش النعمة: «إملأني يا سيدي بروح المحبة والفرح والسلام، روح الحياة الذي يبذر بذور الخير في كل مكان، روح محبة الأعداء ومباركة اللاعنين، روح الوداعة التي تقبل الآخر وتحترم فكره حتى وإن اختلف عن فكري، فروحك المبارك هو وحده القادر أن يقف ضد روح القتل والموت المنتشر في بلادنا، ولا تسمح يا سيدي أن يُكتب في بطاقة هويتي في أي يوم من الأيام وبأي معنى من المعاني: المهنة قاتل»!!

السبت، 5 أبريل 2014

أحاديث من القلب


يا صـاحب !!
فخرى كرم

«يا صاحب، لماذا جئت؟ يا يهوذا، أبقبلة تسلِّم ابن الإنسان؟» (مت26: 50، لو22: 48)

يا صاحب!! نعم، لقد اخترتك منذ ثلاث سنوات لكي «تصاحبني» في كل تفاصيل حياتي اليومية، أدخلتك إلى الدائرة الضيقة من تلاميذي واستأمنتك على ما يخصني، كنت أقصد من وراء هذا أن ترى فيَّ ما يجعلك تحبني وتختارني نصيباً لك وتقرِّر أن ترفض عبوديتك للمال وتختار أن تكون ابناً حقيقياً لله وتلميذاً أميناً لي، لكنك للأسف قرَّرت أن تظل كما أنت: مجرد صاحب!!

لماذا جئت؟! لقد انتهت مصاحبتك لي هناك في العلية عندما قدمت لك آخر أعمال محبتي وأنت رفضتها، لابد أن تعلم أن الإبن فقط هو الذي يبقى في البيت إلى الأبد أما «الصاحب» فلابد أن تأتي لحظة حين لا يستطيع أن يكمل المسير معي، أنا هنا الآن لكي أُكمل مشيئة أبي أما أنت فقد اخترت أن تصنع مشيئتك، لا يمكن ان تصاحبني فيما بعد، فلماذا جئت؟!

أبقبلة تسلِّم ابن الانسان؟! هل إلى هذه الدرجة يمكن أن يكون الانسان مخادعاً؟! هل علَّمك الشرير كيف تغلِّف أحط خيانة بأرق مشاعر؟! ألم تتعلم مني في كل هذه السنين كيف تكون صادقاً وأميناً؟! كيف استطعت أن تضيِّع كل هذه الفرص للتعلُّم والتغيُّر؟! كيف يستطيع الإنسان أن يفقد كل الفرص المقدمة له للخلاص ويخسر كل أعمال المحبة التي تعتني به في كل يوم؟! علَّمتك أن يكون كلامك نعم نعم ولا لا، فكيف تأتي اليوم لتسلِّم ابن الإنسان للموت بقبلة محبة؟!

يا صاحب، لقد كان ولاؤك دائماً لنفسك وسعيك دائماً لمصلحتك، لم تستطع أبداً أن تتحرَّر من أسر ذاتك وقيود أنانيتك، ظللت تصاحبني طالما كانت هناك مصالح في السير معي ولكن عندما بدأت سفينتي تتعرض للأمواج الصاخبة والرياح المضادة قررت أن تقفز من السفينة وتنجو بنفسك بأي مكسب تستطيع الحصول عليه، لكني أريدك أن تعلم أن سفينتي مهما تعرضت للمقاومة والإضطراب فلابد أن ترسو يوماً بآمان على الشاطئ لأني في كل حين أفعل مشيئة الذي أرسلني، أما مَن يقفز من سفينتي فهو يلقي بنفسه إلى أعماق الظلمة حيث لا فرصة قط للنجاة!!

 يا صاحب، ربما كنت تخدع نفسك بأنك تستطيع أن تتوب وترجع إذا تحسنت الأحوال وهدأت الأمواج، لكن للأسف أريدك أن تعلم أن مَن أُستنير مرة وذاق الموهبة السماوية وصار شريكاً للروح القدس وذاق كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي ثم قرر أن يسقط ويرتد لا يمكن تجديده أيضاً للتوبة، لأن الأرض التي شربت المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وأخرجت شوكاً وحسكاً فهي مرفوضة وقريبة من اللعنة، ستندم وتشعر بالخسارة لكنك لن تعرف طريقاً للرجوع لأنك رفضتني أنا الطريق والحق والحياة، وستشعر يومها أنه كان من الأفضل لك لو لم تُولد!!

يا صاحب، يؤسفني أن هناك الكثيرين الذين سيتبعون طريقك ويسلكون مسلكك في كل أجيال الكنيسة، «يصاحبون» المؤمنين الحقيقيين في حياتهم وعبادتهم وخدمتهم، لهم صورة التقوى ولكنهم ينكرون قوتها، يملأون الكنائس طالما هناك مصلحة وعند أول اضطراب أو اضطهاد يتحينون الفرصة للقفز من السفينة، كم يعتصرني الحزن على مصيرهم وأشفع لأجلهم ليلاً ونهاراً لعلهم يتحولون إلى مؤمنين حقيقيين وتلاميذ أمناء لي قبل فوات الآوان!!   

الأربعاء، 5 مارس 2014

أحاديث من القلب


الاسم العجيب (76 الأخيرة)
فخرى كرم

بعد رحلة طويلة حاولنا فيها أن ندرس بعض الأسماء والألقاب التي أُطلقت على ربنا يسوع المسيح ها نحن نصل (ولو مؤقتاً) إلى نهاية هذه السلسلة من التأملات، ونريد أن نؤكد في الختام أننا لم نتطرق إلى كل أسماء ربنا المعبود ولم نحصر كل ألقابه له المجد، وربما نعود يوماً ما لإكمال دراستنا في هذا الاسم العجيب، لكننا شعرنا أننا تطرقنا للقدر الكافي من الأسماء الذي يقدم للقارئ العزيز الحقيقة الخالدة الذي نطق بها الرسول بطرس:

«ليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس اسمٌ آخر تحت السماء

قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص» (أع 4: 12)

الرسول يؤكد هنا أن اسم يسوع هو الاسم الوحيد الذي يمكننا أن نخلص به، إنه ليس مجرد اسم عَلَم كالذي يُطلق على سائر البشر للتعريف بهم، لكنه اسم يكشف عن حقيقة شخصه وعمله وقدرته على خلاص البشر، لقد أردنا في المقالات السابقة أن نقول للقارئ العزيز أنك تحتاج إلى أن تتعرف على «عمانوئيل» لكي تعرف الله الحقيقي وتدخل في شركة معه فتخلص من كل الضلالات والديانات التي تقدم صور مزيفة ومغلوطة عن الله، بدون «عمانوئيل» الذي تفسيره الله معنا لا يمكنك أن تقترب إلى الله أو تتعرف عليه!!

كما أنك تحتاج أن تعرف «يسوع» لكي تخلص من خطاياك، فيسوع هو الاسم الذي أُطلق على ربنا في ميلاده على الأرض لأنه يخلص شعبه من خطاياهم، وهذا الخلاص لا يعني الخلاص فقط من أجرة الخطية بل أيضاً من سلطانها وقوتها على حياتك!!

وأنت تحتاج بشدة أن تدخل في شركة مع «المسيح» لأنه الممسوح من الله نبياً وكاهناً وملكاً لحياتك، بدونه لن تستطيع أن تستقبل فكر الله لحياتك لأنه الممسوح الوحيد من الله نبياً لحياتك، وبدونه لن تستطيع أن تقترب إلى الله بعبادة مقبولة لأنه الممسوح من الله كاهناً لحياتك، وبدونه لن تستطيع أن تحيا ضمن ملكوت الله لأنه الممسوح ملكاً على حياتك!!

وأنت تحتاج أن تعرف «الكلمة» المعبِّر عن فكر الله والشارح والمعلن عن جوهره، وتحتاج أن تعرف «الابن» الشريك في ذات جوهر الله والوارث لكل مجده، وتحتاج في ذات الوقت أن تعرفه «ابن الإنسان» الذي اشترك معنا في اللحم والدم وشاركنا في كل آلامنا وأوجاعنا تاركاً لنا مثالاً لكي نقتفي خطاه، وتحتاج أن تعرفه «العبد» الذي أطاع وخدم الآب على الأرض بشكل كامل مقدماً لنا نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه حياتنا وعبادتنا، وأنت تحتاج أن تعرفه «ملك الملوك ورب الأرباب» لكي تعيش حياتك برجاء مجيئه مرفوع الرأس والعين عن كل ممالك الأرض ومجدها المزيف!!

وهذه المعرفة بصاحب هذا الاسم العجيب كلما ازدادت يوماً بعد يوم سيزداد خلاصك وتحررك من الفخاخ والضلالات والانحرافات الروحية والسلوكية والعقائدية التي أصبحت كثيرة جداً في أيامنا الأخيرة هذه، وكما حفظ يسوع تلاميذه «في اسم» الآب عندما كان معهم على الأرض (يو17: 12) أستودعك عزيزي القارئ للحفظ والحماية «في اسم» يسوع، الجالس الآن عن يمين العظمة في الأعالي، له كل المجد لأبد الدهور!!  

الأربعاء، 5 فبراير 2014

أحاديث من القلب


الاسم العجيب (75)
فخرى كرم

قلنا أن ملكوت ربنا يسوع المسيح الذي سيُعلن في مجيئه الثاني سيختلف جذرياً عن أي ملكوت آخر عرفته الأرض، فمن جهة الشرعية هو يستمد شرعيته من الله وليس الناس، ومن جهة الامتداد هو يمتد مادياً ليشمل كل المسكونة ويمتد روحياً ليضم كل النفوس البشرية والأجناد الروحية الصالح منها والشرير!! واليوم نضيف أن هذا الملكوت سيختلف أيضاً في:

(3) طبيعة الملكوت

ملكوت المحبة والخدمة: طبيعة أي ملكوت على الأرض هي القوة الحاكمة والتسلط على الناس والتحكُّم في مصائرهم، وتُقاس قوة أية مملكة بقدرتها على إخضاع شعبها والتحكم فيه، وقد لخَّص ربنا هذه الحقيقة عندما قال لتلاميذه «أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلطون عليهم» ولكن ربنا يستطرد ليشرح لتلاميذه طبيعة ملكوته المختلفة تماماً «فلا يكون هكذا فيكم، بل من أراد أن فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً، ومَن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً، كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مت20:  25-28) لأول مرة ترى الأرض ملكاً يسود شعبه بسبب محبته وخدمته لهم وليس بسبب التسلط عليهم وقهرهم!! وليس هذا لنقص في قوة هذا الملك فربنا لديه القوة لإخضاع كل أطراف الأرض والسموات لشخصه لكن السبب هو اختلاف طبيعة هذا الملك السماوي عن كل ملوك الأرض، إنها طبيعة الحب والتضحية وليست طبيعة السيادة والتسلط، طبيعة العطاء وليس الأخذ!!

ومن الشاهد الموجود في (في2: 5-11) نعلم أن ربنا لم يرتفع ويأخذ اسماً فوق كل اسم وتجثو باسمه كل ركبة في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض ويعترف بربوبيته كل لسان إلا لأنه أولاً تنازل وأخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وطائعاً حتى الموت موت الصليب، إنه المُلك المؤسس على التواضع والخدمة وليس على الكبرياء والتسلط!!

ملكوت السلام والحق والبر: من أعظم النبوات التي تحدثت عن ملكوت ربنا هي الواردة في (أش9: 6، 7) «لأنه يُولد لنا ولد ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر»  إن سبب غياب السلام من ممالك الأرض هو غياب الحق والبر، شعور الناس بالظلم والفساد يدفعهم للعنف والتمرد، أما طبيعة ملكوت ربنا يسوع المسيح فهي السلام والسبب هو أنه يثبِّت مملكته على الحق والبر!! وهذا ما أكده الرسول بولس في قوله لأهل رومية «لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس» (14: 17) لأن ملكوت الله مؤسس على البر والعدل فلابد أن يسوده السلام والتوافق ويمتلئ أفراده بالفرح والسرور!!

إن الأرض لن ترى هذا الملكوت الرائع إلا في مجيء ربنا الثاني لكن المؤمنين بالمسيح يستمتعون الآن بالوجود في هذا الملكوت بهيئته الروحية غير الظاهرة للعالم، طوبى لكل مَن دخل هذا الملكوت ويوجد فيه، وللحديث بقية (يتبع)