الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (6)
فخرى كرم
«كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه» (أش53: 7)
كان سيدنا عظيماً وبليغاً في سكوته تماماً كما كان عظيماً وبليغاً في كلامه، كان نموذجاً للإنسان الكامل الذي يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، حتى استحق أن يُذكر صمته في النبوة قبل مجيئه بمئات السنين.
عندما تعرَّض أيوب لمحاكمة أصحابه واتهاماتهم لم يستطع أن يظل معتصماً بالصمت بل اندفع يتكلم لكي يبرِّر نفسه وينفي عنها الاتهام، وفي معرض دفاعه عن نفسه وجدنا الكثير من القصور بل والحماقة في الكلام، وهذا القصور وتلك الحماقة موجودة بكثرة في داخل كل واحد منا لكن ربما تحتاج إلى ظروف ضاغطة لكي تُخرجها للعلن.
ولقد تعرَّض سيدنا لمحاكمة أكبر بكثير من محاكمة أيوب ووجِّهت له اتهامات أخطر وأفظع من تلك التي وُجِّهت لأيوب لكنه مع ذلك استطاع أن يظل متمسكاً بصمته المملوء إيماناً وتسليماً لمن يقضي بعدل، أصحاب أيوب تكلموا معه بالمنطق والحجة فلم يحتمل كلماتهم أما سيدنا فقد تكلم معه الحكام بالأكاذيب والإهانات والشتائم، واستخدموا التهديد والسخرية والاستهزاء، ولجأوا للعنف والضرب والتعذيب، وانتهوا بالصلب والموت والسحق، لكن رغم كل ذلك لم تخرج من فمه كلمة لا تمجِّد الله أو تنسب له حماقة، ولقد كان هذا الصمت شديد البلاغة وعميق الدلالة، يحمل الكثير من المعاني التي ينبغي أن نتأمل فيها قليلاً:
† أولاً: لا ينبغي التكلم حين لا يكون للكلام قيمة!! قيمة الكلام أن يكون له تأثير ايجابي في نفوس سامعيه، لقد قال ربنا «ان كل كلمة بطَّالة (بلا فائدة) يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين» (مت12: 36) ويذكر الرسول بولس نفس المعنى في قوله «لا تخرج كلمة ردِّية من أفواهكم بل كل ما كان صالحاً للبنيان حسب الحاجة كي يعطي نعمة للسامعين» (أف4: 29) ولكي يكون للكلام قيمة إيجابية ينبغي أن تتوفر النية للاستفادة من الكلام (ولو في حدها الأدنى) في نفوس السامعين، كان الرب دائماً يتوجه بكلامه لمن عندهم «أذن للسمع» أي لديهم ولو الحد الأدنى من الرغبة في الاستماع والاستعداد للاستفادة من الكلام.

في أثناء محاكمة الرب بل وقبل المحاكمة بأسبوع لم يعد لقادة اليهود «أذن للسمع» ليسمعوا أقوال الرب، لقد عقدوا النية أن يقتلوه، وفي كل مرة كانوا يتكلمون معه لم يكن الهدف أن يستفيدوا من أقواله بل أن يصطادوه بكلمة لكي يشتكوا عليه، كانوا يستدرجوه لكي يتكلم ونيتهم معقودة على اتخاذ كلماته حجة ضده، أياً كان الكلام الذي سيقوله كان سيستخدم ضده، وبالتالي فأي كلمات سيقولها الرب في موقف المحاكمة لن يكون لها تأثير ايجابي في نفوس سامعيه، لذلك قرر الرب أن يصمت لكي يعلمنا درساً مهماً وهو أننا إذا استشعرنا أن كلماتنا لن تؤثر في شيء فلا داعي للنطق بها، فما قيمة كلمات تنطق بها أمام قاضٍ قرَّر بالفعل ما سيصدره من أحكام؟! وما الهدف من كلمات تقولها إذا كان المستمعون قد عقدوا العزم ألا يستفيدوا منها؟! وللحديث بقية (يتبع)   

الجمعة، 10 أكتوبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (5)
فخرى كرم
ولكني قد نطقت بما لم أفهم، بعجائب فوقي لم أعرفها» (أي42: 3)
خطأ الكلام لا يكمن عادة في الكلمات المجردة التي ننطق بها بل في دافع الكلام وروحه وهدفه، يكمن في اعتقاد الإنسان انه يفهم كل شيء وأنه مؤهل لإسداء النصائح والتوجيهات، الإنسان يظن أن بعض المعلومات السطحية التي عنده تعطيه الحق أن يصدر قرارات وأحكام على الظروف والأشخاص وحتى على الله نفسه، وكل من أيوب وأصحابه الثلاثة وقع في هذا الخطأ.
أيوب أصدر أحكاماً على حياته وعلى يوم ميلاده، حَكَم على حياته بأنها لا تستحق أن تُعاش وأن قرار مجيئه إلى الدنيا كان قراراً خاطئاً، ورغم أنه تحاشى في البداية أن يتهم الله بالقساوة بكلمات صريحة وتجنَّب أن ينسب الخطأ لله بشكل مباشر إلا أن روح الكلام وهدفه الخفي هو أن ينسب انعدام الحكمة والقساوة لشخص الله!! إذا كنا نؤمن أن الميلاد والحياة والموت بيد الله فتكون شكايتنا على يوم ميلادنا أو على ظروف حياتنا هي شكاية على الله نفسه!! بعض الأحداث الخارجية التي حدثت لأيوب جعلته يعتقد أنه مؤهل لإصدار الأحكام على الحياة والأيام والميلاد والموت وهي كلها أمور من شأن الله وحده الذي بيده آجالنا، أيوب لا يفهم لماذا سمح الله له أن يأتي إلى هذه الحياة ولا لماذا سمح له بالظروف التي مرت به ولا يعلم ما سوف تنتهي إليه الأحداث في المستقبل ولا البركة التي ذخرها الله له في نهاية الأيام، ورغم كل هذا الجهل وعدم الفهم إلا أنه تكلم بما لم يفهم وخاض في عجائب فوقه لم يعرفها.
المدقق في كلمات أصحاب أيوب الثلاث يكتشف أنها خالية من أي أخطاء لاهوتية أو تعليمية، بمنطق الكلمات المجردة هي كلمات صحيحة تحمل معانٍ ومفاهيم في غاية الروعة، كلماتهم تحاول أن تبرر الله وتنزهه عن كل خطأ أو ظلم، أقوالهم تعتبر نموذجاً للخطاب الديني الممجد لله والداعي لطريقه القويم، ومع ذلك نجد الله يدين أقوالهم هذه ويأمرهم أن يعتذروا عنها لأيوب ويطلبوا صفحه عنهم وصلاته لأجلهم!! أين الخطأ إذاً؟! مرة أخرى نؤكد أن الخطأ ليس في نص الكلمات أو فحواها بل في إدعاء الفهم لبوطن الأمور واصدار الأحكام بدون معرفة.
 رؤية أصحاب أيوب للأحداث التي حاقت به جعلتهم يعتقدون أنه بلاشك ينال عقوبة من الله عن شرور مستترة، وبدأوا يتكلمون معه بروح المعلم الذي يفهم ما يجري وهم في الحقيقة غير فاهمين لحقيقة ما جرى لأيوب، وكان كلامهم بدافع إلصاق التهم بأيوب ودفعه دفعاً للتوبة عن شر غير موجود ولا يدري أيوب عنه شيئاً، لقد كانت كلامتهم صحيحة وتحمل تعاليم رائعة لكن مع ذلك كانت أحاديثهم خاطئة ينبغي الإعتذار عنها!! لكي يكون كلامنا صحيحاً لا يكفي أن يكون مضمونه صحيحاً بل ينبغي أن يكون مضمونه صحيحاً ويُقال للشخص الصحيح في التوقيت الصحيح!! كلام أصحاب أيوب كان كلاماً يحمل مضموناً صحيحاً لكنه لم يُقال للشخص الصحيح ولا في التوقيت الصحيح، لم يكن أيوب هو الشخص الخاطئ الذي في مخيلتهم ولم يكن في هذا التوقيت يحتاج إلى مَن يُكيل له الإتهام ويضيف على ضيقه ضيقاً، كان أيوب في هذا الوقت يحتاج لمَن يرثي له ويجلس بجانبه في سكوت بليغ لكي يساعده أن يهدأ ويرفع نظره إلى الله لعل الله يكشف له سر البلاء الذي أصابه، لكن الإنسان في غروره يأبى أن يسكت ولا يرضى إلا بأن يلعب دور الفاهم والعارف ببواطن الأمور.

لقد استذنب أيوب الرب لكي يبرر نفسه وكان في هذا مخطئاً، ولقد إستذنب الأصدقاء الثلاثة أيوب لكي يبرروا الله وكانوا في هذا مخطئين أيضاً!! لم يكن ثمة خطأ من جانب الله أو أيوب، لقد كان الله باراً في كل ما سمح به وكان أيوب أيضاً باراً في حدود فهمه وعلمه كانسان، لقد دخل أيوب التجربة باراً بشهادة الرب وخرج منها وهو أكثر براً!! لم يكن هناك خطأ أصلاً يحتاج إلى تبرير سواء من جانب الله أو من جانب أيوب، هل تتصور أن كل المجادلات والحوارات في سفر أيوب هي في الحقيقة محاولة لتبرير خطأ غير موجود أصلاً!! لكن هذا هو دأب الإنسان وولعه الشديد بالكلام وإدعاء الفهم، وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (4)
فخرى كرم
«كُفَّ عني لأن أيامي نفخة!! ما هو الإنسان حتى تعتبره؟ وحتى تضع عليه قلبك؟ وتتعهَّده
كل صباح وكل لحظة تمتحنه؟ حتى متى لا تلتفت عني ولا ترخيني ريثما أبلع ريقي؟»( أي 7: 16-19)
قد يوجد في أرواحنا قدراً من محبة الله ورغبة في السير معه والجلوس تحت ظله، وهذه المحبة هي من عمل روح الله في داخل أرواحنا، لكن هذا لا ينفي أنه في ذات الوقت يوجد جهل مطبق بالله في داخل أنفسنا، الاستنارة التي يصنعها الروح في داخل أرواحنا لا تصل بسهولة إلى أعماق مشاعرنا وأفكارنا، لأن لكل من الروح والنفس طبيعة مختلفة، أرواحنا تستقبل بسهولة عمل الروح القدس وإعلاناته بينما نفوسنا تجد صعوبة شديدة في ذلك، أرواحنا قريبة للروح القدس بحكم طبيعتها المأخوذة منه أما نفوسنا وأجسادنا فهي قريبة أكثر للعالم المادي وتمتلئ بسهولة بمنطق الإنسان وأفكاره، لذلك كثيراً ما نرى بداخلنا صراع بين أرواحنا ونفوسنا، فبينما أرواحنا تريد أن تأخذنا بقرب الله نجد أنفسنا تبتعد بنا بعيداً عنه!!
عندما تعرَّض أيوب للتجربة المريرة خرج من داخله موقفان: أحدهما من روحه التي تحب الله وتثق فيه والآخر من نفسه التي تجهل كل شيء عن الله وتتعامل معه بمنطق الإنسان وأفكاره، وعلى مَن يقرأ أقوال أيوب أن يميز كل الوقت بين ما تنطق به روح أيوب وبين ما تقوله نفسه، فالاختلاف بينهما كبير ويدعو للدهشة!!
أمام التجربة اتخذت روح أيوب موقف السكوت البليغ الذي يعني التسليم لمشيئة الله وقبول كل الأمور من يديه بشكر، السكوت الذي يعني تقديم المجد لله سواء أعطى أو أخذ، السكوت الذي يعني اعتراف الإنسان بعجزه عن فهم كل ما يجري حوله وجهله بالكثير من القوى المحيطة بحياته والمؤثرة فيها، السكوت الذي ينشر عبق الطاعة وبخور التسليم ليغطي على دخان الشكوى الذي يريد العدو أن ينشره في الأجواء المحيطة، السكوت الذي يجعل السلام يسود في المنطقة التي أراد العدو أن يعمَّها الفوضى والاضطراب.
  لكن هذا العبق الجميل الخارج من روح أيوب لم يستمر طويلاً، فبعد سبعة أيام بدأ يتكلم بما في نفسه ومشاعره، بدأت النفس الإنسانية تتكلم بمنطقها وتستعرض أفكارها، فوجدنا صبغة الكلام تختلف ووجهة النظر تتغير، تبدلت نغمة الخضوع والتسليم في كلامه ووجدنا نغمة الرثاء للذات تملأ أقواله، وعوضاً عن صبغة تمجيد الله التي صبغت أيام التجربة الأولى رأينا صبغة الشكوى من الله وتصويره كإله جبار يتسلط على حياة الإنسان بعنف غير مبرر، وبدل اشتياق الروح للاقتراب من محضر الله والتمتع بلمسته رأينا النفس تريد الابتعاد عنه حتى أنها تقول بجسارة غريبة: «كفّ عني..حتى متى لا تلتفت عني ولا ترخيني»!!

روح أيوب ترى الله إلهاً صالحاً ممجداً حين يعطي وحين يأخذ بينما نفسه التي تربَّت على أفكار العالم ترى الله إلهاً قاسياً ممتلئاً بالعنف والشدة، روح أيوب تشعر بالأمان في عين الله الساهرة عليها أما نفسه فتتمنى أن تلتفت عين الله بعيداً عنها وتتركها، روح أيوب تشعر بالامتنان والفخر لأنه عاش حياته في رفقة هذا الإله العظيم وتعترف انها اخذت منه الكثير من الخير، أما نفسه فتشعر بالمرارة الشديدة تجاه حياته وتتساءل لماذا أعطاه الله حياةً ولماذا لم يمت وهو بعد جنين في رحم أمه، وكلماته هذه تعني أنه لم يجد في حياته الطويلة مع الله يوماً واحداً يستحق أن يحياه، كما لو أن هذا الإله العظيم لم يضف لحياته أي شيء جميل يجعل الحياة تستحق أن تُعاش!! أليست هذه الكلمات مملوءة بحماقة شديدة وجحود ونكران جميل مفرطين؟! كيف يخرج من الإنسان الواحد ماءً عذباً منعشاً وماءً عكراً شديد المرارة، كيف تهدأ الروح وتسكت بينما تصر النفس أن تملأ الأجواء ضجيجاً وتنشر دخان الشكوى وضباب الجهل في كل مكان؟! لكن على كل حال هذا هو الإنسان في كل زمان ومكان، وإختبارنا اليوم لا يختلف في شيء عن إختبار هذا القديس الذي عاش في زمان قديم!(يتبع)  

الخميس، 7 أغسطس 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (3)
فخرى كرم
«في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه...
بعد هذا فتح أيوب فاه وسبَّ يومه» (أي2: 10، 3: 1)
تعرَّض أيوب لسلسلة من الأحداث المتوالية ذات السيناريو المتشابه بما يشي بأنها أحداث مدبَّرة وليست عشوائية، أحداث يقف وراءها عقل واحد جبار وذراع قادرة على الشر، أحداث تؤكد أن مَن يقف وراءها يبغض أيوب بغضة شديدة ويريد أن يسحقه سحقاً، أحداث حولته في فترة زمنية قصيرة من أغنى بني المشرق إلى أكثرهم مدعاة للشفقة والرثاء!!
لم يكن الإعلان الروحي والكتابي كاملاً في وقت أيوب بل كانت هناك معرفة بدائية عن وجود إله يتحكم في الكون، لم يكن هناك إعلان عن الشيطان الذي يشتكي على أبناء الله ليلاً ونهاراً، ولا عن قدرة مملكته الشريرة على تحريك البشر والرياح وكل الظروف لصناعة الموت والدمار، ولا عن قدرة هذه القوات الشريرة على تسبيب الأمراض والعلل في جسد ونفس الإنسان.
عندما نقرأ سفر أيوب يكشف لنا الوحي عما كان يدور في السماويات وما ترتب عليه من أحداث في الأرض، لكن هذه الحقائق لم تكن واضحة في ذهن أيوب ولا في روحه، معرفته البدائية عن الأمور الروحية لم تستطع أن تفسر له ما يحدث، عدم معرفته بوجود مملكة شريرة في السماويات جعله ينسب كل ما يجري لله وحده، وهو نفس التوجُّه الفكري الذي اتخذه أصدقاؤه عندما حاولوا أن يفسروا ما جرى له، وهذا القصور في المعرفة الروحية خلق للجميع معضلة صعبة تستعصي على الحل، ألا وهي: كيف يكون الله بهذه القسوة غير المبرَّرة؟ وكيف يمكن الجمع بين صورة الله الجميلة في خيال البشر وبين المفاسد التي تحدث في أرض الواقع؟ كيف يظل الإنسان يؤمن بعدالة الله ومحبته في ظل المآسي التي يتعرض لها كل يوم؟!
وأفضل حل لهذه المعضلة هو أن يعترف الإنسان بعجزه عن حلها!! كم هو مريح للإنسان أن يقرُّ بقصور معرفته ومحدودية إدراكه، كم هو جميل أن يتواضع الإنسان أمام جبروت هذه الأحداث القاهرة ويسلِّم بجهله وعجزه عن فهم ما يدور حوله، كم هو رائع أن يتخذ الإنسان موقف الفطيم الضعيف الذي يلوذ بحضن أمه ويجد فيه كل العزاء رغم عدم فهمه لما يدور حوله، كم هو حسن أن يتعلَّم الإنسان كيف يهدِّئ ويسكِّت نفسه ويتجنب كبرياء النفس الذي يدفعه للخوض بحماقة في العظائم والعجائب التي فوقه، إن السكوت المصحوب بالتسليم لإرادة وحكمة الله في هذه المواقف هو الأكثر بلاغة من أي كلام، السكوت المقترن بالثقة في صلاح الله والانتظار لإعلانه هو الأكثر مرضاة لله من أي مماحكات كلام باطلة.
لكن يبدو أن السكوت ليس أمراً سهلاً، بل أنه أحياناً يكون شديد الصعوبة!! لقد استطاع أيوب أن يسكت لبعض الوقت ولم يخطئ بشفتيه، وفي هذا الوقت القصير كان مازال متمسكاً بكماله أمام الله مسلماً بحكمة الله وصلاحه، لكن تحت وطأة المرض الذي مسّ جسده وعيون أصحابه الممتلئة بالشك والاتهام قرر أيوب أن يتكلم ويتصدى لمحاولة تفسير ما يجري له من أحداث، وهنا فقط بدأ التدهور من خطأ إلى خطأ ومن حماقة إلى أخرى، وكشفت كلماته عن مكنون قلب الإنسان الجاهل بطبيعة الله والممتلئ بالشك في صلاحه، للأسف لم تستمر بلاغة السكوت في حياة أيوب أكثر من سبعة أيام وبعدها بدأت حماقة الكلام!! ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الأربعاء، 2 يوليو 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (2)
فخرى كرم
«يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعلِ عيناي ولم أسلك في العظائم ولا في عجائب فوقي، بل هدَّأت وسكَّت
نفسي كفطيم نحو أمه، نفسي نحوك كفطيم» (مز131: 1، 2)
كثيراً ما تمر حياتنا بظروف لا نفهمها، ونجتاز في أحداث غريبة لا نعرف القوى المتحكمة فيها ولا المعاني التي تقف وراءها، والحقيقة أننا كائنات ضئيلة الشأن جداً تتحكم فينا قوى خفية تحركنا مثل قطع الشطرنج على رقعة صغيرة لتحقيق أهداف خفية لا ندرك كنهها، والإنسان الذي يظن في نفسه أنه يفهم مجريات الأمور وأبعادها هو إنسان مرتفع القلب ومنتفخ من قِبِل ذهنه الباطل، والإنسان الذي يتكلم كثيراً في محاولة لشرح الأحداث ووضع التفسيرات لكل ما يجري حوله هو في الحقيقة إنسان مغرور لدرجة تثير الشفقة والضجر، فالإنسان لا يدرك إلا نسبة ضئيلة جداً مما يحدث في حياته وهو في معظم الوقت مفعول به لا فاعل، تحركه قوات أعلى منه وأكثر ذكاء مما يتصور، ومحاولة الاطلاع على هذه العجائب والعظائم التي فوقنا محاولة فاشلة بكل المقاييس إلا إذا أنار الروح القدوس أعيننا وجلى بصيرتنا لنبصر (ولو بقدر محدود) هذه العوالم الخفية.
وهذه القوى الخفية التي تتحكم في حياتنا تنقسم إلى قوى شريرة وأخرى صالحة، فكما ان هناك مملكة ضخمة للشر تسود وتعمل في أبناء المعصية لتتميم مشيئة الشيطان، هناك أيضاً ملكوت الله الذي يعمل من خلال أبنائه لتتميم مشيئة الله الصالحة على الأرض، فسلطان الله على البشر ومحاصرة روح الله للإنسان في كل أحواله وأوضاعه أمر يفوق خيالنا ولا نستطيع تصوره، قال عنه داود «من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت عليّ يدك،  عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها، أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب؟» (مز139) إن معرفة الله لتفاصيل حياتنا الدقيقة وتحكّمه فيها أمور ترتفع فوق ادراكنا ولا نستطيع فهمها بالكامل واستيعابها.
لكننا للأسف لا نكفُّ أبداً عن حماقة اعتقادنا أننا نفهم كل شيء!! نرتئي دائماً فوق ما ينبغي أن نرتئي ونظن في أنفسنا أننا نملك ناصية المعرفة ومفاتيح الفهم، حتى أننا لا نتوانى عن محاولة شرح الأحداث والتفاصيل التي تمر بها حياتنا وحياة المحيطين بنا، فننسب هذا للشيطان وذاك لله وتلك للإنسان...، ونتقدم أكثر في كبريائنا فنُسدي النصيحة للواحد بأن يفعل هذا وللآخر بأن يتصرف هكذا، وكأننا المدركين لبواطن الأمور والفاهمين لمسارات الأحداث والمطّلعين على نهاياتها، لعن الله كبرياء الإنسان وغروره في كل زمان ومكان!!
لكن الأكثر مدعاة للأسف أننا ندخل إلى محضر الله بذات الروح المتعالية التي تظن أنها تعرف كل شيء وهي في الغالب لا تعرف أي شيء، ونحن أمام الله لا نكف عن الكلام في ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون، نحاول أن نملأ وقت صلاتنا بأحاديث عن ما يصح وما لا يصح، عن ما ينبغي أن يفعله الله وما لا يجوز أن يسمح به، نحمل حكمتنا ونرفعها بكبرياء أمام عرش الله، بل قد تجدنا في ذات الوقت نشكِّك في حكمة الله وصواب أفعاله بتصلُّف وغباء لا نُحسد عليه، غباء الجُبلة حين تحاول التعديل على جابلها والتشكيك في حكمته!!

داود يعلمنا أنه عندما نمر بأحداث لا نفهمها ويقصر إدراكنا على الإلمام بأبعادها فهذا هو الوقت المناسب لنتعلم السكوت أمام الله!! عندما تدخل النفس إلى محضر الله وترفع إليه عينين دامعتين ولا تنطق بكلمة فهذا السكوت هو أبلغ من أي كلام، السكوت هنا يحمل معانٍ لا تستطيع الكلمات مهما كانت بلاغتها أن تحملها، عندما نهدئ ونسكِّت نفوسنا أمام الله فالسكوت هنا يحمل معنى إدراكي أني صغير جداً عن فهم ما يجري حولي، صغير مثل الفطيم الذي لا يعرف من الحياة إلا صدر أمه وبعض اللعب والعرائس، ولكني رغم صغري المتناهي أؤمن أن ليّ إلهاً يرعاني كالأم الرؤوم التي تفوقني فهماً وإدراكاً، الأم التي لم ولن ينقصها قط المحبة والإرادة أن تفعل لي أفضل الأشياء وتختار لي أفضل المسارات، هذا السكوت يقول أني لن يرتفع قلبي وتستعلي عيناي وأخوض في العظائم والعجائب التي ترتفع فوقي، لن أحاول أن أتكلم بجهل عن الأسرار الروحية التي تجري في السماويات طالما الله لم يعلنها لي، السكوت يقول اني لن أحاول بغباء أن أشتكي على صلاح وحكمة الله تماماً مثل الفطيم الذي لا يمكنه مهما كان جهله وغباؤه أن يشكِّك في صلاح أمه التي أرضعته كل الخير في كل أيام حياته، السكوت هنا يحمل الكثير من المعاني التي ربما نتكلم عنها في المرات القادمة (يتبع)            

الثلاثاء، 3 يونيو 2014

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (1)
فخرى كرم
«للسكوت وقت وللتكلم وقت» (جا3: 7)
البلاغة هي القدرة على «ابلاغ» المعنى للمتلقِّي، وكلما كان الإنسان قادراً على توصيل المعنى الذي يقصده للآخرين بدقة وبوضوح كلما كان «بليغاً»، ولا شك أن البشر يتفاوتون في درجة بلاغتهم تفاوتاً كبيراً، ففئة الأدباء والشعراء هم أكثر الناس قدرة على تبليغ المعاني والمشاعر التي تختلج داخلهم للآخرين، يمتلكون أدواتهم من الألفاظ والتشبيهات والصور الذهنية التي يستخدمونها بحِرَفية وبراعة لتوصيل أفكارهم للآخرين، فالأديب الحقيقي اذا قرأت له أو استمعت إليه تجد نفسك قد امتلأت بفكر وأحاسيس ووجهة نظر جديدة لم تكن تمتلكها من قبل، ولكن هناك آخرون أقل بلاغة من هؤلاء يجدون صعوبة في توصيل ما يقصدونه للآخرين ولا تستطيع التواصل معهم إلا بمعاناة، ناهيك عن بعض الناس الذين تنقصهم البلاغة تماماً حتى أنك تصاب بالارتباك والضجر إذا حاولت فهمهم وبالتالي تفضِّل الابتعاد عنهم وتجنُّب الحديث معهم!!  
وللبلاغة وسائط كثيرة وإن كان أشهرها هو الألفاظ والكلمات، حتى ظن البعض ان فن البلاغة قاصر على الأدب المكتوب، لكن هناك مَن يستطيع أن يكون بليغاً ويعبِّر عما بداخله بتعبيرات وجهه أو بابتسامته الرقيقة أو بصرخة غضب مكتوم أو بحركة معبِّرة من جسده، حتى أن الكثيرون من أشقائنا في المجتمع من أصحاب الإعاقة أصبحوا يتواصلون بلغة الإشارة التي تتكون من مجموعة من الحركات الجسدية المقنَّنة، ومن أشهر فنون البلاغة هو فن الباليه الذي يعتمد على الموسيقى المصاحبة لحركات الجسد الرشيقة للتعبير عن المعاني المقصودة دون استخدام للكلمات والألفاظ إلا في أضيق الحدود.
لكن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن السكوت أحياناً يكون أكثر بلاغةً من أي كلمات أو تعبيرات، والشخص الحكيم حقاً يعلم أن للسكوت وقت كما أن للتكلُّم وقت، والبليغ فعلاً يعرف أن يعبِّر بسكوته عما لا تستطيع الكلمات أن تعبِّر عنه، وما لا يعلمه الكثيرون أيضاً أن الجاهل هو الذي يُكثر الكلام (جا10: 14) كما أن كثرة الكلام لا تخلو من معصية (أم10: 19) وأن مَن يحب أن يتخذ موضع المُعلِّم ويتكلم كثيراً يأخذ دينونة لنفسه لأنه في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع3: 1، 2)

وللأسف فإن احدى الآفات التي أصابت مجتمعنا المصري في الآونة الأخيرة هي كثرة الكلام، وللأسف أيضاً أن الكنيسة لم تنجو من هذه الآفة المدمرة، أصبح الكلام سلعة تُباع وتُشترى، بل أصبح الكلام حرفة للبعض تجلب لهم الرزق، وأصبح التنافس بين الجميع على مَن يستطيع أن يتكلم أكثر من الآخرين ومَن يرفع صوته فوق الآخرين، أصبحنا نشعر أننا في «مكلمة» كبيرة تبتلع الأمة كلها وتصيبها بالارتباك والانقسام والتشرذم، كل هذا يحدث بينما الواقع على الأرض يتدهور من سيء إلى أسوأ في كل يوم، مما يعطي مؤشراً واضحاً لكوننا لا نفهم القيمة الحقيقية للكلام والهدف منه ومدى جدواه، ومما يؤشِّر أيضاً لكوننا نحتاج أن نفهم قيمة السكوت وبلاغته وتوقيت اللجوء إليه، وهذا ما سنحاول أن نناقشه في المرات القادمة مسترشدين بكلمة الله التي تُنير وتُعقِّل الجُهَّال (يتبع)