الاثنين، 3 أغسطس 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (14)
فخرى كرم
«لكي يستد كل فم أمامه ويصير كل العالم تحت قصاص من الله»

(رو3: 19)
«فقال له: يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس
 العرس؟! فسكت» (مت22: 12)

لعلها حالة السكوت البليغ الوحيدة في الكتاب المقدس التي لا أتمناها لنفسي ولا لقارئي العزيز!! عندما يسأل الله عن سبب عدم قبول الإنسان للنعمة المجانية فلا يجد الإنسان إجابة ولا يستطيع أن يرد ولا بكلمة واحدة!!
الإنسان بطبعه فصيح جداً في دفاعه عن نفسه ويستثمر كل طاقاته اللغوية والبلاغية والشعورية لتبرئة نفسه واكتساب رضا الناس وتعاطفهم، نحن نعرف جيداً كيف نقلب الحقائق ونلفق الأكاذيب ونخترع التفاصيل حتى نتنصل من المسئولية ونبرَّر أنفسنا من الذنب ونهرب من العقاب، حتى أن الكذب أصبح الصناعة الوحيدة التي نجيدها ونبرع فيها، نكذب على الكل: على القريب والبعيد، على العدو والصديق، بل أحياناً نكذب على أنفسنا!! نحن نفرح حين نشعر أننا كنا بارعين في الكذب على الآخرين لدرجة أننا أقنعناهم ببراءتنا واكتسبنا تعاطفهم، بل في بعض الأحيان نحن نبرع في الكذب والتمثيل لدرجة أننا نصدق أنفسنا ونتبرر في أعين ذواتنا!!
لكن ما لا يعرفه الإنسان أنه ستأتي لحظة لن يستطيع فيها أن يستخدم مهارته في المراوغة والتبرير، هناك سؤال لن يستطيع له إجابة وهناك إتهام لن يستطيع منه هروباً، وإذا أمكنه خداع الناس كلها فستأتي ساعة يقف فيها أمام مَن لا يمكن خداعه، وإذا عاش عمره كله يخادع ضميره ويقنع نفسه ببره الزائف فستأتي لحظة لن يستطيع أن يفعل هذا، ووقتها سيضطر الإنسان آسفاً -ربما لأول مرة -أن يسكت!! إنه سكوت العجز عن المراوغة والفشل في التبرير، سكوت الذهول عندما تنجلي الحقيقة في نور الإله الحق، سكوت الرعب عندما يرى أعماقه ودوافعه وأفكاره التي أخفاها عن الجميع عريانة ومكشوفة لعيني ذلك الذي معه أمرنا!!
أرسل الله الناموس للإنسان لكي يرشده إلى الطريق الصحيح للتمتع برضا الله وبركته، لكن الإنسان فشل في إلتزام هذا الطريق وحاد عنه، ولو حاكم الله الناس بحسب الناموس فلابد أن يستد كل فم أمامه ويصير كل العالم تحت قصاص من الله!! لكن في ملء الزمان تدخلت النعمة في هذا المشهد البائس وظهر بر الله بدون الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء، بر الله بالإيمان بيسوع المسيح، لقد قدم الله لنا عطية أن نصير متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، وأصبح من حق الإنسان الخاطئ أن يخلع ثياب نجاسته ويرتدي ثياب بر المسيح مجاناً، وعندئذ يصبح من حقه أن يدخل إلى الأقداس ويقف أمام الله ويحظى بكل القبول والرضا والحياة الأبدية، يالها من نعمة مجانية عظيمة!! لكن ما رأيكم فيما يستحقه الإنسان إذا رفض هذه النعمة ولم يقبل بر الله المُقدم له؟! وإذا كان الإنسان قد برَّر كسره للناموس بصعوبة الوصايا وقسوتها فبماذا يبرِّر رفضه للنعمة في لطفها ومجانيتها؟!


ولقد حكى لنا الرب هذه الحقائق ببساطة في مَثَل الملك الذي صنع عرساً لإبنه وقال لعبيده أن يذهبوا إلى مفارق الطرق ويدعوا كل من يجدوه إلى العرس، وأن يخلعوا عن المدعوين ثيابهم القذرة ويعطونهم مجاناً ثياب عرس تليق بالوجود في حضرة الملك، ولكننا نندهش عندما نجد إنساناً يقرر أن يرفض هذه الدعوة السخية ويحاول أن يدخل إلى حضرة الملك بثيابه القذرة رافضاً ثياب بر المسيح المقدمة له مجاناً!! لقد وجّه له الملك بكل وداعة السؤال الذي لا يمكن لإنسان أن يجيب عنه «يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا وليس عليك ثياب العرس»؟! وعندئذ سكت لأنه لا يمكن أن يجد الإنسان كلمات يبرر بها رفضه لنعمة الله المجانية، وللأسف إنه السكوت الأخير الذي يعلن أن فرصة التواصل مع الله قد إنتهت إلى الأبد، وإن الإنسان ماضٍ إلى أرض السكوت الأبدي!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 1 يوليو 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (13)
فخرى كرم
«جيد أن ينتظر الإنسان ويتوقع بسكوت خلاص الرب، جيد للرجل أن يحمل النير
في صباه، يجلس وحده ويسكت لأنه قد وضعه عليه» (مراثي3: 26-28)
أحياناً يكون السكوت عن الشكوى هو علامة نضج لشخصية الخادم، فكثيراً ما كانت ظروف وطبيعة الخدمة التي يضعها الرب على كاهلنا مؤلمة وصعبة، ولو استسلم الخادم للشكوى والتذمر ومقارنة نفسه بالآخرين فلن يستطيع القيام بخدمته، بل تكون الشكوى في هذه الحالة علامة على عدم نضج الخادم وعدم قدرته على تحمل المسئولية.
أكثر رجال الله تحملاً للألم بسبب خدمته كان أرميا بلا منازع، كانت حياته كلها سلسلة متصلة من الآلام، دعاه الرب للخدمة وهو بعد صبي صغير لا يزيد عن العشرين سنة، وبينما كان جميع أقرانه يستقبلون الحياة بصدر رحب وأذرع مفتوحة كان هو ينحني بكتفيه تحت نير ثقيل، نير الرسالة التي وضعها عليه الرب والتي ستضعه في مواجهة صادمة مع كل فئات المجتمع اليهودي آنذاك، كانت الرسالة التي في فمه رسالة قضاء ودينونة لكل فئات الشعب، وكانت نبواته تنذر بالخراب والسبي الوشيك، أبغضه إخوته بنو أمه وتآمروا عليه (أر12: 6) أبغضه الكهنة زملاء مهنته وطالبوا بعزله من الخدمة وعقابه (أر 20، 26) أبغضه الملوك وقادة الجيش ونكَّلوا به مرات عديدة (أر37: 15) حتى أن الفئة الوحيدة التي عاملته باحترام كانت فئة البابليين الغزاة!!
وقد واجه أرميا كل هذه الظروف المضادة بالسكوت البليغ!! كان رجلاً في تحمُّله للمسئولية، كان في كل مراحل خدمته ينتظر بصبر ويتوقع بسكوت خلاص الرب، كان قابلاً للجلوس دائماً وحده بلا شريك أو معين، أمره الرب ألا يتزوج ولا يكون له بنين أو بنات (أر16: 1) قضى حياته منبوذاً من شعبه ومات غريباً في أرض مصر على غير إرادته!!
ولو أضفنا إلى كل هذه المعاناة طبيعة أرميا النفسية لوجدنا هذه الآلام تتضاعف عدة مرات!! فطبيعة أرميا النفسية التي نفهمها من الوحي المقدس كانت طبيعة شديدة الحساسية مليئة بفيض من المشاعر الرقيقة تجاه كل افراد شعبه، كان انساناً مرهف الحس كثير البكاء، كان شخصيته أقرب للشاعر الأديب منها للمقاتل الصنديد، ولو نظرنا لسفر المراثي في لغته الأصلية لوجدناه مكتوباً بصيغة شعرية غاية في الروعة والجمال، مما يدفعنا للتساؤل: ما علاقة هذا الشاعر الرقيق بكل هذه الحروب والآلام؟!
 والإصحاح الثالث في سفر المراثي هو قصيدة شعرية كتبها أرميا عن معاناته هو الشخصية، لقد رثى في كل كتاباته جميع فئات الشعب ولكنه في هذا الإصحاح الفريد يرثي نفسه!! يسترجع في نهاية حياته التي قاربت على الثمانين ما تألم به منذ صباه، وفي هذه المرثاة الجميلة يكشف لنا أرميا عن سر سكوته طوال حياته، كيف لم يملأ الدنيا ضجيجاً وشكوى من الظلم الذي يتعرض له، وكان السر هو أنه أحب الرب ووثق في أمانته الكثيرة، قَبِل النير من يده وأراد أن يتمم مشيئته للنهاية، كان يردد دائماً في قلبه أنه من إحسانات الرب أننا لم نفن لأن مراحمه لا تزول، في كل صباح كان ينتظر مراحم جديدة لأنه يؤمن أن السيد لا يرفض إلى الأبد وأنه ولو أحزن يعود يرحم حسب كثرة رحمته!!

ليتك يا سيدي تصنع في حياتي رجلاً ناضجاً يحمل النير بصمت ويتوقع بسكوت خلاصك القريب، وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 6 يونيو 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (12)
فخرى كرم
«الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون» (خر14: 14)
«بالرجوع والسكون تخلصون، بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم» (أش30: 15)
في بعض حروبنا الروحية يكون السكوت أحد الأسلحة المؤثرة في إحراز الانتصار!!
خاض موسى وهارون معركة طويلة لخلاص الشعب الإسرائيلي من تحت حكم فرعون مصر وخروجهم لأرض الموعد، ولقد شهدت هذه المعركة مراحل كثيرة ولكل مرحلة أسلحتها المستخدمة، فقد كانت هناك مرحلة الإعلان المنطوق عن إله العبرانيين الذي يأمر بإطلاق سراح الإسرائيليين ليخرجوا ويعبدوه في أرض جديدة، وفي هذه المرحلة كانت الضربات والعجائب التي أجراها الرب بأرض مصر هي السلاح المستخدم لإثبات صدق الإعلان الذي في فم موسى وهارون، وكان الهدف من هذه المرحلة أن يستجيب فرعون لأمر الرب ويخضع ويطلق الشعب، لكن الانتصار لم يُحسم في هذه المرحلة لأن فرعون اختار أن يعصى أمر الرب ويتمرد على سلطانه.
 وهنا انتقلت الحرب إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة التأديب والترويض لكبرياء فرعون وقادته وجنوده، فإذا كانت الضربات التسعة الأولى هدفها تأكيد الإعلان الذي في فم موسى إلا أن الضربة العاشرة شهدت نقلة نوعية حيث كانت تهدف إلى تأديب فرعون على ما فعله ببني إسرائيل في عبوديته القاسية، الضربات التسعة أظهرت سلطان الرب على الطبيعة المحيطة بفرعون أما الضربة العاشرة فأظهرت سلطان الرب على بيت فرعون وحياته وحياة أسرته، الضربات التسعة كانت قابلة للرفع إذا تجاوب فرعون معها لكن الضربة العاشرة كانت قاصمة غير قابلة للرفع!!
وبعد أن سمح فرعون تحت تأثير الضربة العاشرة بخروج الشعب، وبعد أن اعتقد موسى وشعبه أن الحرب قد انتهت، فوجئ الجميع أن الحرب مازالت في أوجها!! وجد الشعب نفسه محصوراً بين البحر من ناحية وجيش فرعون من الناحية الأخرى، لقد سمح الرب لفرعون أن يتمرد مرة أخرى على سلطان الله وإرادته ويراهن في هذه المرة على قوته العسكرية في مواجهة قوات رب الجنود، كان الرب يريد أن ينقل الحرب مع فرعون إلى مرحلة أخيرة هي مرحلة العقاب الشامل والنهائي، مرحلة يعرف فيها فرعون معنى الغرق في أعماق البحر مثلما فعل بأبناء الإسرائيليين، فالعقاب يكون غالباً من نفس جنس العمل!!
في كل هذه المراحل كان الدور الوحيد المطلوب من الشعب لإحراز الانتصار هو «الصمت»!! كان دور الرب أن يقاتل عنهم وكان دورهم أن يصمتوا!! الصمت الإيجابي الذي يعطي للرب فرصته الكاملة لإظهار قوته وبره في مواجهة قسوة وشر فرعون، الصمت المعبِّر عن التواضع والاعتراف بأن الحرب أكبر منهم ومن قدرتهم على الفهم، الصمت المملوء بالإيمان بكفاية الرب على حسم المعركة لصالحهم، ولا شك أن صمتهم كان سيجعل الحرب أكثر سهولة على موسى وهرون، صمتهم كان سيمنح موسى صفاء الذهن وسكون النفس الذي يجعله أكثر قدرة على التركيز والاستماع للرب ومعرفة مشيئته.

لكن يبدو أن السكوت أمراً في منتهى الصعوبة على الإنسان!! لقد أبى الشعب إلا أن يملأ الدنيا ضجيجاً وشكوى، وفي كل مراحل الحرب كان على موسى أن يواجه بمفرده شر فرعون من ناحية وتذمر الشعب من الناحية الأخرى، لقد أحاطوا ذهن موسى بأسئلة لا إجابات لها ووضعوا في طريقه عراقيل لا يملك لها حلاً، بعدم صمتهم وضعوا على كاهله حملاً ثقيلاً تنوء تحته الجبال، وللحديث بقية (يتبع)   

السبت، 2 مايو 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (11)
فخرى كرم
«يسكت في محبته» (صف3: 17)
«احسبوا أناة ربنا خلاصاً» (1بط3: 15)
يدهشني جداً سكوت السيد عن توجيه أي لوم أو عتاب أو تحذير ليهوذا الأسخريوطي طوال فترة وجوده ضمن دائرة التلاميذ لمدة ثلاث سنوات، لقد اختاره السيد ضمن التلاميذ وهو يعلم أنه «شيطان» اي «مُقاوِم» و«مُشتكي»، كان في الظاهر يتبع الرب في الطريق مع بقية التلاميذ لكنه في الحقيقة كان مقاوماً لهذا الطريق ومُشتكياً عليه ومعرقلاً للسائرين فيه، فهناك دائماً اسلوبان لمقاومة أي طريق: (1) الأسلوب الظاهر وهو أن تظل خارج هذا الطريق وتقاومه علانية وتنتقده بوضوح، أما (2) الأسلوب الخفي الأشد خطراً فهو أن تنضم ظاهرياً للسائرين في هذا الطريق لكي تظل بينهم بوقاً للشكوى ومصدراً للإنزعاج ومثيراً للخصومات!!
كان الرب يعلم أن يهوذا يأخذ الأموال التي توضع في الصندوق ومع ذلك لم نسمعه يلومه أو يفضح سلوكه أمام التلاميذ، كان الهدف من الأموال التي تُوضع في الصندوق هو أن تسدد احتياجات التلاميذ المادية وبالتالي تجعل اتباعهم للرب أكثر سهولة، وعندما كان يهوذا يأخذ هذه الأموال لم يكن يقصد فقط مجرد السرقة لكنه في الحقيقة كان يقصد أن يجعل حياة التلاميذ أكثر صعوبة ويضع العراقيل أمام متابعة سيرهم مع الرب!!
لقد انتقد الرب بطرس في أكثر من مناسبة ووجَّه له اللوم علانية لكنه أبداً لم يفعل هذا مع يهوذا، لقد واجه السيد كل خيانة يهوذا والسرقات التي كان يرتكبها بسكوت بليغ!! كانت طبيعة بطرس هي طبيعة التلميذ الذي يحب سيده ويرغب في اتباعه، ومثل هذا التلميذ إذا وجَّه إليه سيده اللوم فإنه يتقبله بصدر رحب ويتعلم من أخطائه، ولهذا لم يخشَ السيد من توجيه اللوم لبطرس أكثر من مرة عالماً أنه سيقبله ويستفيد منه، أما يهوذا فلم تكن طبيعته هي طبيعة التلميذ بل طبيعة اللص التي تنفر من النور وتهرب من اللوم، السيد يعلم أن طبيعة السارق والخائن هي الخوف والجُبن والاختباء في الظلام، رأس مال اللص هو أن يظل مختفياً عن الأنظار لا يراه أحد أما إذا شعر بأن هناك من يراه فإنه فوراً يلوذ بالهرب، كان السيد يعلم أن أي لوم سيوجهه ليهوذا سيكون بمثابة النهاية لوجوده بين التلاميذ، السيد يعلم أن يهوذا سيلوذ بالفرار مع أول إشارة تكشف خيانته، ولأن السيد كان يحب يهوذا ويريده أن يبقى أطول فترة ممكنة داخل دائرة النعمة قرر أن يسكت في محبته!! سكت السيد عن اللوم لكي يمنح يهوذا فرصة النعمة كاملة لعله يستغلها ويتوب.
وعندما يسكت الرب في محبته عن توجيه اللوم لنا فهذا يحمِّلنا مسئولية أن نحسب أناته خلاصاً ونستغل الفرصة ونتوب ونتغيَّر، لكن للأسف لم يحسب يهوذا أناة ربنا خلاصاً، لم يحسب أن الرب يسكت في محبته بل اعتقد أن الرب يسكت لأنه يجهل خيانته، لقد اعتقد يهوذا أنه استطاع خداع يسوع والتلاميذ فاستمر في خيانته إلى النهاية، وعندما وجَّه إليه الرب اللوم في بستان جثسيماني كانت هذه هي المرة الأولي ولكنها أيضاً كانت المرة الأخيرة!! كان الوقت قد فات وفرصة النعمة قد إنتهت!!

اعطني يا سيدي أن أحسب أناتك وسكوتك عن أخطائي خلاصاً وفرصة أقتنصها للتوبة والنجاة، ولا تسمح أبداً أن أحسب سكوتك فرصة لاستمراء الخطأ والاستمرار فيه، وللحديث بقية (يتبع) 

الأحد، 5 أبريل 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (10)
فخرى كرم
«يسكت في محبته» (صف3: 17)
أحياناً يكون السكوت هو أبلغ تعبير عن المحبة!! عندما نسكت عن تذكير الآخرين بخطاياهم وتكرار لومهم على سقطات الماضي فنحن نعلن محبتنا لهم ونساعدهم على نسيان الماضي والنهوض من ضعفاته!!
للأسف نحن نميل بطبعنا إلى كثرة الكلام عن أخطاء وسلبيات الآخرين، أرجلنا سريعة إلى سفك الدم، نظن أنه بكثرة ذكر خطايا الآخرين نبرِّر أنفسنا!! وإن أخطأ إلينا أحدهم لا نكفُّ عن لومه وتقريعه وتذكيره دائماً بخطئه، وكثيراً ما كان سم الأصلال تحت ألسنتنا ونحن نتحدث عن ضعفات الآخرين ونقائصهم، كثيراً ما جرحنا الآخرين جروحاً غائرة بكلمات كان بإمكاننا أن نسكت عنها، وكثيراً ما منعنا نهوض البعض من ضعفهم لأننا دائماً نتكلم عنهم بسلبية ونذكِّرهم بفشلهم السابق.
ما هو الحل لكثرة كلامنا السلبي هذا؟! إنها المحبة ولا شيء آخر!! المحبة التي تعرف أن تستر كثرة من خطايا، المحبة التي إن وجدت أن الكلام لن يكون مفيداً للآخرين لا تنطق به، المحبة التي تتمنى للخاطئ أن يعود وللضعيف أن يقوى وللفاشل أن ينجح، المحبة التي تعرف متى توبِّخ المخطئ على خطئه ومتى تسكت عن التوبيخ لكي تعطيه فرصة أن يخرج من ماضيه ويبدأ بداية جديدة، فكثرة التوبيخ قد تربط المخطئ بماضيه وتقيِّده وتمنعه من النهوض.
عندما عاد الابن الضال بعدما أنفق أموال أبيه بعيش مسرف وجدنا الأب يركض ويقع على عنقه ويقبِّله دون أن يوجه إليه أية كلمة!! لقد سكت الأب عن كلام كثير كان يمكن أن يقال، ما أكثر كلمات اللوم والتوبيخ التي يمكن أن تقال في موقف مثل هذا، ما أكثر الأسئلة المحرجة التي يمكن أن يوجهها الأب لابنه عن أين كان ومع مَن عاش وكيف خسر أمواله، وكل هذه الكلمات كان يمكن ادراجها تحت بند التأديب الأبوي وحق الأب في أن يعرف كل شيء عن ابنه وعن أمواله، لن يلوم أحد الأب إن نطق بكلمات شديدة وجارحة في هذا الموقف، لكن الأب الصالح قرَّر أن يسكت تماماً ولا يوجِّه لابنه كلمة واحدة، إنه سكوت المحبة الأكثر بلاغة من أية كلمات، لقد لاحظ الأب بنظرة محبته أن ابنه منهك ومتألم ولا يحتمل أي ألم إضافي فقرر أن يسكت لكي لا يزيد ألمه، ولقد لاحظ ثانياً أن ابنه قد أدرك خطأه وندم عليه فقرر أن يسكت عن لوم لن يضيف جديداً، ولاحظ ثالثاً أن ابنه العائد يتمنى أن يبدأ بداية جديدة ينسى فيها ماضيه الشائن فقرر أن يسكت لكي يساعده على النسيان!!

انكار بطرس في ليلة الصليب كان خطأ جسيم بلا شك، وما أكثر الكلمات التي يمكن أن تقال له بعد هذا السقوط المدوي، حتى أننا في أيامنا هذه لا نكف في أحاديثنا عن ذكر هذه الحادثة وتفنيدها من كل الجوانب، ولا نملُّ إطلاقاً في كل مواعظنا من التذكير بسقطة بطرس الشهيرة وبكائه المر، ومن حسن الحظ أن بطرس لم يقع بين أيدينا نحن في أيامنا الأخيرة هذه وإلا ما استطاع قط أن ينهض من سقطته!! لقد وقع بطرس بين يدي الرب الصالح الذي لم يذكر الكتاب أنه وجَّه إلى بطرس أية كلمة لوم أو عتاب على سقطته، بل لم يذكرها أمامه فيما بعد!! وكان هذا هو أكبر دافع لبطرس لكي ينسى فشله وينهض من سقطته ويعود إلى خدمته ويصير رسول المسيح وخادم كنيسة أورشليم الأمين، هل سألنا أنفسنا لماذا لم يذكر بطرس سقطته هذه في أيٍ من أحاديثه في سفر العمال أو رسائله الرعوية بعد ذلك؟! كيف استطاع أن ينفك من أسر الماضي ويسير للأمام ولا يعود يذكر سقوطه المؤلم؟! لقد نسي الماضي لأن الرب لم يذكره أمامه ولو بكلمة واحدة!! لقد سكت الرب في محبته لبطرس عن ذكر ضعفه وسقوطه فاستطاع بطرس أن ينساهما ويبدأ من جديد!!  وللحديث بقية (يتبع)      

الأحد، 1 فبراير 2015

أحاديث من القلب

بلاغة السكوت (9)
فخرى كرم
«صمتُّ، لا أفتح فمي، لأنك أنت فعلتَ» (مز39: 9)
هناك دائماً وقت لسكب شكوانا أمام الله، في هذا الوقت يمكننا أن نقول ما نريد ونعرض وجهة نظرنا ونطالب بما نراه حقاً وعدلاً، في هذا الوقت تنسكب مشاعرنا أمام إلهنا وتنزرف دموعنا وقد يتعالى أنيننا وصراخنا، والكتاب المقدس يزخر بالكثير من هذه الأوقات في حياة رجال الله، بل أن الكثير من هذه الأوقات غيَّرت مجرى التاريخ وأحدثت انقلابا في الأحداث، ويكفينا مثالاً صلاة ربنا المعبود في بستان جثسيماني قبيل الصليب عندما قدَّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلِّصه من الموت، عندما صار عرقه ينزل كقطرات دمٍ من شدة الصراع النفسي والروحي والجسدي الذي كان يجتازه، إن مثل هذه الأوقات رغم صعوبتها ستظل علامات فارقة في تاريخ البشرية جمعاء.
لكن هذا الوقت له حدود بعدها يقرر الله أن يصنع مشيئته الصالحة الكاملة المرضية في حياتنا، بعدما استمع بكل محبته لما في قلوبنا تبقى الكلمة الأخيرة لشخصه لا سواه، وحينئذ تمتد يده لتُجري أحكامها وقضاءها في ظروفنا وأحداثنا، وهنا لابد أن يبدأ وقت آخر في حياتنا، وقت الصمت المقدس!! الصمت البليغ الذي يعلن أننا نقبل حكم الله وقضاءه في حياتنا، وأننا نثق تماماً في حكمته وعدالته مهما كانت وجهة نظرنا في الأمور، نحن نشكر الله لأنه يعطينا وقتاً نعبِّر فيه عن مشاعرنا وأفكارنا لكن هذا لا يعني أن نتمسك بمشاعرنا وأفكارنا هذه حتى بعدما يُجري الله أحكاماً قد تختلف عما تريده مشاعرنا وأفكارنا!! هناك فرق كبير بين التعبير عن وجهة نظرنا أمام الله وبين أن نظل نتمسك بوجهة النظر هذه حتى بعدما يقرر الله شيئاً آخر، هناك فرق كبير بين أن نعبِّر عن مشاعرنا وبين أن نتشبث بها ونعتبر أنها الصواب المطلق، إن كل أفكارنا ومشاعرنا محدودة وقاصرة جداً بطبعها الإنساني ولا يمكن أن ترتقي لترى الأمور في كمالها كما يراها الله، ورغم هذا القصور فان الله يحترم أفكارنا ومشاعرنا ويسمح لنا أن نعبِّر عنها ويستمع لها بصبر وأناة ولكنه في النهاية لابد أن يحكم بما يراه هو وليس بما نراه نحن، وفي هذا الوقت لابد أن نتعلم كيف نسكت ونقبل ما فعله الله ليس عن إحساس بالقهر بل عن ثقة أن ما فعله هو الحق المطلق والعدالة الكاملة!! وهذا هو المعنى الثالث لصمت الرب في وقت محاكمته:
† ثالثاً: السكوت يعبِّر عن خضوع الابن لمشيئة الآب: بعدما سكب ربنا مشاعره الإنسانية أمام الآب في جثسيماني وصارع كثيراً في مدى إمكانية أن تعبر عنه هذه الكأس لكيلا يشربها، شعر في روحه أن وقت الصراع قد انتهى، وأن الآب قد أصدر حكماً بأن تكتمل أحداث الصليب وان يُسلَّم ربنا في أيدي الخطاة إلى الموت، هنا وجدنا ربنا المعبود ينهض من صلاته ويتقدم بثبات لكي يتناول ويشرب الكأس من يد أبيه بكل رضا وسرور، لقد انتهى وقت الكلام وجاء وقت السكوت الذي يعلن ثقة الابن في عدالة وحكمة الآب السماوي، لم يحاول الابن المبارك أن يتنصل من الصليب بعدما تأكد أن الآب هو الذي حكم له بالصليب، لقد صمت ولم يفتح فاه لأن الآب قد فعل، لقد اعتبر ربنا أن أي كلمة سيقولها دفاعاً عن نفسه في وقت المحاكمة ستكون محاولة للهروب من مشيئة أبيه، وهو الأمر الذي لا يريده بالمرة، ولذلك قرر أن يسكت كالنعجة الصامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه!!    


ليتنا نتعلم التمييز بين وقت الكلام وسكب الشكوى وبين وقت السكوت احتراماً لقضاء الله واحكامه!! وللحديث بقية (يتبع)