الجمعة، 3 نوفمبر 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (10)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون» (مت5: 9)
إن الرب يسوع هو نموذجنا الكامل في صنع السلام، ولكي نفهم معنى صنع السلام لابد أن نقرأ كلمات الرسول «لأنه هو سلامنا الذي جعل الإثنين (اليهودي والأممي) واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الإثنين في نفسه انساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً، ويصالح الإثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به» (أف 2: 14-16)
 لقد كانت هناك عداوة شديدة بين اليهودي والأممي بسبب ناموس الوصايا والفرائض، اليهودي كان يشعر بالتميُّز والتفوُّق على الأممي لأنه يمتلك الناموس ويريد أن يتبرر به، لكن عندما أبطل ربنا بذبيحته ناموس الوصايا والفرائض جمع اليهودي والأممي ليكونوا واحداً في شخصه، وهكذا صنع سلاماً ونقض حاجز العداوة القائم بينهما. وبنفس ذبيحته قتل يسوع العداوة التي كانت قائمة بين الإنسان (اليهودي والأممي) وبين الله، عندما جمع ربنا جميع البشر في نفسه انساناً واحداً وقدم عنهم ذبيحة مقبولة أمام الله، وهكذا انتهت العداوة القائمة بين الله وبين الكيان الخاطئ لكل إنسان يستتر في ذبيحة المسيح، سواء كان يهودي أو أممي.
نفهم من هذا النموذج الكامل أن صناعة السلام هي خلق حالة من التوافق بين الأطراف المتخاصمة ونقض جدران العداوة الفاصلة بين الأطراف المتباعدة، كما جمعنا الرب وصالحنا في شخصه رغم اختلافاتنا الكثيرة هكذا يريدنا أن نتمثل به ونسعى في حياتنا لجمع الأطراف المختلفة معاً صانعين بينهم سلاماً، وكما بذل الرب دمه ليصنع سلامنا هكذا نحن قد ندفع ثمناً غالياً لنصنع السلام ولكننا بهذا نبرهن عملياً أننا أبناء الله ولسنا أبناء إبليس، لأن منهج ابليس الذي يزرعه في هذا العالم يختلف جذرياً عن منهج صناعة السلام.
 ان منهج إبليس هو خلق الخصومة والعداوة بين الأطراف المتصالحة، انه النموذج الكامل لكل «زارع خصومات بين اخوة» (أم 6: 19) أنه الأب الروحي لكل خصام وبغضة وعداوة وقتل (يو8: 44) انه يسعى لبناء جدار عازل بين كل اثنين متجاورين ويحاول أن يخلق خصومة بين كل متحابين!! يسعى دائماً لتحويل الاختلاف إلى خلاف وتحويل الخلاف إلى خصومة وتحويل الخصومة إلى عداوة وتحويل العداوة إلى قتل!! انه يقتدر في تأجيج أعظم النار من مستصغر الشرر ويعرف كيف يفتح كل السبل أمام الكراهية كي تنتشر وتسود، إن ابليس يتبع منهج «فرَّق تسد»!! ان سبيله للسيطرة على العالم هو اضعاف الإنسان وتدمير قوته من خلال العداوة المزروعة بين الجميع.
 ان نظرة واحدة للأحداث الجارية حولنا تثبت لنا أن منهج إبليس ومملكته هو السائد اليوم في العالم عموماً وفي مجتمعنا خصوصاً، نستطيع أن نرى بوضوح انتشار الخصومات والبغضة بين البشر في كل مكان، جدران العزلة والتجنب ترتفع في كل بيت بين أفراد الأسرة الواحدة، سياج البغضة والإقصاء يتعاظم في كل يوم بين أفراد المجتمع الواحد، تستطيع أن ترى ذلك بوضوح في الوجوه الشاحبة والعيون الدامعة والدماء الصارخة من الأرض من دم هابيل وحتى يومنا هذا!!
 الأمل الوحيد لمجتمعنا المتألم هو في أبناء ملكوت الله الذين يتبعون منهج يسوع في صناعة السلام، الذين يسعون في حياتهم لهدم الحواجز ومسح الدموع وزرع المحبة، قد يدفعون ثمناً باهظاً لصناعة هذا السلام لكن طوبى لهم لأنهم أبناء الله يُدعون!! وللحديث بقية (يتبع)


الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (9)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله» (مت5: 8)
كينونة الإنسان تتكون من كيانين أساسيين، الكيان الخارجي الظاهر والكيان الداخلي الخفي (2كو4: 16) الكيان الخارجي هو سلوكيات الإنسان التي يراها الناس أما الكيان الداخلي فتتجمع فيه أفكار ودوافع الإنسان الخفية التي لا يراها الناس، وهذا الكيان الباطن الخفي هو ما يسميه الكتاب «القلب» وعن هذا قال السيد «لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: زنى فسق قتل سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل، جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان» (مر7: 21-23)
وعادة يهتم الإنسان بكيانه الخارجي أكثر من كيانه الداخلي، والسبب هو أن الناس ترى الكيان الخارجي ومن خلاله تحكم على صاحبه ايجاباً أو سلباً، ولأن الإنسان يهتم كثيراً بحكم الناس وبصورته أمامهم لذلك هو يهتم بتزيين كيانه الخارجي أكثر من اهتمامه بنقاء كيانه الداخلي، وفي هذا قال السيد «أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس والقصعة وأما باطنكم فمملوء اختطافاً وخبثاً، يا أغبياء أليس الذي صنع الخارج صنع الداخل أيضاً؟!» (لو11: 39، 40)
أما الله فعلى العكس من الناس لا ينظر كثيراً إلى خارج الإنسان بقدر ما ينظر إلى قلبه «لأنه ليس كما ينظر الإنسان، لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فينظر إلى القلب» (1صم16: 7) الله يهتم أكثر بصلاح القلب لأن صلاح القلب يحتِّم بالضرورة جمال الخارج أما تزيين الخارج فلا يعني بالضرورة صلاح القلب!! الكيان الداخلي دائماً يؤثر وينعكس على الكيان الخارجي لكن العكس ليس صحيحاً، فالإناء ينضح بما فيه أو كما قال السيد «من فضلة القلب يتكلم الفم، الانسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يُخرج الصالحات» (مت12: 34، 35) فلا يمكننا بتزيين السلوك الخارجي أن نُصلح القلب في الداخل، بل أن الواقع العملي يؤكد أننا قد ننجح في تنقية الخارج ويظل الداخل فاسداً وقد يستطيع الإنسان أن يكرم الله بشفتيه ويظل القلب مبتعداً عنه بعيداً (مر7: 6) وهذا ما يسميه الرب «الرياء»!!
في التطويب السادس يؤكد الرب أن أبناء ملكوت الله يتميزون بنقاء القلب، انهم على العكس من أبناء العالم لا يهتمون بصورتهم أمام الناس بقدر اهتمامهم بنقاء قلوبهم أمام الله، عندما يفحص الروح أعماقهم الخفية يجد أفكاراً نقية ونوايا طاهرة ودوافع شريفة، لسان حالهم دائماً يقول «قلباً نقياً اخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي» (مز51: 10) وأيضاً «اختبرني يا الله واعرف قلبي امتحني وأعرف أفكاري» (مز139: 23) وهذا لا يعني أبداً أنهم يهملون في سلوكياتهم أمام الناس لأننا اتفقنا أن الداخل النقي لابد أن ينضح على صورتهم الخارجية بزينة مقدسة خالية من الرياء.

والرب يؤكد أيضاً أن نقاء القلب هو الطريق لرؤية الله في حياتنا، الله كلي الصلاح والنقاء وليس فيه أي اعوجاج أو رياء، ولكي نستطيع أن نتعامل مع الله وجهاً لوجه لابد أن نمتلك قلوباً صالحة ونقية ولو في حدها الأدنى، فأبسط قواعد العلاقة الصحيحة بين طرفين هو الحد الأدنى من التوافق والانسجام بين قلبيهما، لا يمكن لإلهنا الصالح أن يعلن عن نفسه أو يدخل في علاقة حميمة مع قلب غير صالح وغير نقي!! إن الطريق الوحيد لنختبر حضور الله في حياتنا هو أن نترك روح الله ينقي قلوبنا من كل دنس، أما إذا أهملنا نقاء قلوبنا فلابد أن نعاني من عدم رؤيتنا لله عاملاً في حياتنا بوضوح، وللحديث بقية (يتبع)      

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (8)
بقلم : فخرى كرم 
«طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون» (مت5: 7)
الرب هنا يشير إلى صفة جديدة تميز أبناء الملكوت وهي أنهم رحماء، والرحمة في أبسط معانيها هي رفع الأثقال عن كاهل الآخرين، فالرحيم هو الشخص الذي يشعر بأثقال الناس ويعمل دائماً لرفعها عنهم أو على الأقل تخفيفها، مقتدياً بسيده الذي كان يجول يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم ابليس، يسوع الذي دعا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال لكي يريحهم، يسوع الذي نراه في آخر لحظات حياته لا يتوانى أن يرفع ثقل الخطية عن كاهل اللص المعلَّق بجواره، يسوع وهو يتوجع مصلوباً لم ينسَ أن يرفع عن أمه هموم الأيام التالية عندما طلب من يوحنا أن يأخذها إلى خاصته !! فأثقال الناس قد تكون ذات طبيعة روحية مثل خطايا اللص المصلوب وقد تكون ذات طبيعة نفسية مثل ثقل الحزن والوحدة الذي كانت الأم المكلومة تنوء تحته!!
الرحمة هي أن تفعل الخير للآخرين بغض النظر عن استحقاقهم للخير أو عدم استحقاقهم، إذا قدمنا الخير للمستحقين فقط فلا يُعد عملنا هذا رحمة، عمل يسوع الرحمة مع الأحباء والأعداء، مع الأبرار والأشرار    وعلَّمنا ألا نحب الذين يحبوننا فقط بل نحب أعداءنا ونُحسن إليهم ونصلي لأجلهم، وفي مَثَل السامري الصالح علَّمنا يسوع أن نصنع الرحمة مع القريب ومع العدو، فالدافع الأوحد للرحمة هو صلاح الراحم وليس صلاح من تتجه إليهم الرحمة!!
والرحمة هي أن ترفع أثقال الآخرين دون أن تنتظر منهم مقابلاً أو تتوقع منهم امتناناً، فالراحم يرحم بسرور لأن هذه هي طبيعته ودون انتظار لأي مجازاة، سروره الحقيقي أنه يتشبه بسيده ويتمم مشيئته!!
الله يريد أن يرى الرحمة في كل سلوكياتنا، بل أنه يعتبر الرحمة هي جوهر العبادة المقبولة، وبدون الرحمة تصبح عبادتنا ممارسات جوفاء لا معنى لها!! قدم الشعب قديماً صوماً لله لكن الرب لم ينظر إليهم ولم يستجب، ولما تساءل الشعب «لماذا صمنا ولم تنظر؟ ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ؟» كانت إجابة الرب لهم على فم إشعياء «أليس هذا صوماً أختاره: حلَّ قيود الشر، فك عقد النير وإطلاق المسحوقين أحراراً وقطع كل نير، أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك، إذا رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك» (أش 58)
هذه القائمة من الأعمال هي ببساطة أعمال الرحمة التي ينتظر منا الرب أن نعملها مع الجميع، لقد ظن الشعب أنه يستطيع أن يقدم للرب طقوساً دينية مقبولة دون أن تظهر في حياتهم اليومية أعمال الرحمة، لقد أخطأوا فهم طبيعة إلههم وظنوه يُسر بالتقدمات والذبائح مثل آلهة الأمم الباطلة، بينما الحقيقة هي أن إلهنا لا يرضى إلا بكل ما يتفق مع طبيعته الصالحة والرحيمة. ولقد أشار الرب يسوع لكلمات اشعياء هذه عندما قال مرة لمنتقديه «اذهبوا وتعلَّموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة» (مت9: 13) ما أسهل أن يقدم الإنسان ذبيحة لكن ما أصعب أن يقدم رحمة!!                                                          ووعد الرب للرحماء أنهم بلا شك يُرحمون، وهذا تأكيد للقانون الإلهي «لا تضلوا، الله لا يُشمخ عليه (لا يُخدع) فان الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً» (غل6: 7) مَن يختار أن يُرضي الله ويتوافق معه في عمل الرحمة لابد أن يجد رحمة الله تحيطه من كل جهة، أما مَن يظن أنه يستطيع أن يقدم عبادات لله دون أن يتخذ الرحمة منهجاً لسلوكه فهو يظن أنه يستطيع أن يخدع الله، وهذا هو الضلال بعينه!! وللحديث بقية (يتبع)                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              


السبت، 29 يوليو 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (7)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يُشبعون» (مت5: 6)
أقوى احتياج في كيان الإنسان هو الاحتياج للأكل والشرب، منذ اللحظة الأولى للميلاد نجد المولود يعلن قدومه إلى العالم بالصراخ طالباً للطعام، ويظل الإنسان طوال أيامه يسعى في دروب الدنيا بحثاً عما يأكله ويشربه، ان الجوع والعطش هما الدافع الأقوى الذي يدفع الإنسان للسعي والاجتهاد في الحياة، لأن الانسان إذا لم يجد ما يأكله ويشربه فانه يفقد الحياة نفسها.
إذا كان هذا حقاً على الصعيد الطبيعي والجسدي فالرب يضيف هنا أن الروح الإنسانية المولودة في ملكوت الله تجوع وتعطش أيضاً للبر، جوع وعطش روحي بنفس الحاح وعمق الجوع والعطش الجسدي، جوع وعطش يشكِّل دافعاً قوياً للسعي الروحي في دروب ملكوت الله، جوع وعطش لا تستطيع أي أمور مادية أو نفسية أن تشبعه، لا يشبع إلا بإدراك «البر» وتحقيقه.
ولقد تكلم الرب في نفس الموعظة على الجبل عن قلق الناس واهتمامهم وطلبهم للأكل والشرب الجسدي، ولكنه طلب منا باعتبارنا أبناء ملكوت الله أن يكون اهتمامنا وطلبنا هو أولاً لملكوت الله و«بره» مع وعده بأن يعطينا ويُزيد لنا ما نحتاج اليه من الأكل والشرب الجسدي (مت6: 31-33)
ولكي نفهم ما هو «البر» الذي نجوع إليه ولا نشبع إلا به دعونا نراه في كلمات الرب لتلاميذه عند بئر سوخار «أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم، طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله» (يو4: 32، 34) ان الطعام الذي تتغذى عليه الروح المولودة في ملكوت الله هو أن تصنع مشيئة الله في حياتها، ولا تشعر هذه الروح بالشبع إلا إذا شهد الروح القدس لها أنها أتمت هذه المشيئة!!
هذا لا ينفي أن جسد الرب كان جائعاً وعطشاً للخبز والماء بدليل أنه أرسل تلاميذه ليبتاعوا طعاماً وطلب من المرأة السامرية أن تعطيه ماءً ليشرب، لكن بالإضافة لهذا الجوع والعطش الجسدي كان يعتمل في قلب يسوع جوع آخر روحي، جوع لا يقل عمقاً والحاحاً عن جوع الجسد، جوع لعمل مشيئة الآب السماوي بشكل تام وكامل، وفي ذلك اليوم كانت مشيئة الآب هي خلاص هذه المرأة السامرية، كان هذا هو «البر» الذي يجوع اليه يسوع ويعطش ويريد أن يتممه حتى يشبع.
 ولكي يكتمل هذا الحق الكتابي أمامنا لابد أن نقرأ ما قاله الرب للشيطان في تجربته الأولى على الجبل «فأجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله» (مت4: 4) هنا الرب لا ينفي أن الجسد يجوع للخبز لكي يحيا ولكنه يضيف أن الروح المولودة في ملكوت الله تجوع أيضاً لكل كلمة تخرج من فم الله، وهذه الكلمة التي تخرج من فم الله هي التي تعلن لنا مشيئته في حياتنا، وبمجرد خضوعنا لهذه الكلمة ينشأ جوع جديد في أعماقنا لننفذ هذه المشيئة ونحوِّلها إلى واقع ملموس على الأرض، فاذا كان «الحق» هو مشيئة الله المعلنة في كلمته الخارجة من فمه فإن «البر» هو هذه المشيئة عندما تتحول في حياتنا إلى سلوك عملي!! والدليل الحقيقي لنجاح المؤمن في تحقيق مشيئة الله على أرض الواقع هو الإحساس الروحي العميق بالشبع، عندما أتم يسوع مشيئة الآب في حياة السامرية شعر بالشبع والارتواء لدرجة أنه لم يتناول من الطعام الذي أتى به التلاميذ!! والعكس أيضاً صحيح، فالدليل الأكيد لفشلنا في تحقيق مشيئة الله هو إحساسنا العميق بعدم الشبع وعدم الارتواء!! وللحديث بقية (يتبع)


الأحد، 2 يوليو 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (6)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض» (مت5: 5)
يمتدح الرب هنا صفة أخرى من صفات أبناء الملكوت وهي صفة الوداعة، والوداعة هي إعطاء الآخرين حقوقهم وعدم التعدي على حريتهم. الشخص الوديع كما يعطي لنفسه الحق في أن يؤمن بما يقتنع به يعطي أيضاً للآخرين حقهم في أن يؤمنوا بما يقتنعون به حتى لو كان مختلفاً عن ايمانه، الشخص الوديع يجتهد في الترويج لما يؤمن به لكنه يعرف حدوده جيداً ويعرف متى يتوقف ليعطي الآخرين الفرصة لتقييم ما سمعوه قبولاً أو رفضاً، الشخص الوديع لا يفرض رأيه على الآخرين بالقوة أو التهديد لكنه يحترم حريتهم في أن يأخذوا برأيه أو يرفضوه، وفي الحالتين سواء قبلوا رأيه أو رفضوه هو يستمر يحبهم بذات الدرجة والكيفية!!
لكل انسان مساحة من حرية الارادة والفكر والعمل، والشخص الوديع هو الذي يسير وسط الناس مدركاً لهذه المساحة التي للآخرين ولا يحاول أبداً أن يخترقها أو يسلبها منهم، الشخص الوديع لا يستثمر قدراته في جعل الآخرين ينساقون وراء أفكاره ليفعلوا ارادته هو، انه لا يدخر وسعاً لخدمتهم لكنه لا يسعى من وراء هذه الخدمة لسلب حريتهم أو اقتناص ارادتهم لخدمة أغراضه الشخصية، انه يحترم مساحة الخصوصية التي للآخرين ويدرك أن حدود حريته تنتهي عند حدود حرية الآخرين!!
ولكي نفهم الوداعة بالحق لابد أن نراها عملياً في حياة ربنا يسوع المسيح، الذي قال عن نفسه أنه وديع ومتواضع القلب، لقد كان ربنا يمتلك الحق الكامل بل كان هو في ذاته الطريق والحق والحياة، ومع ذلك نجده لا يفرض فكره أو ارادته على أحد بل يحافظ دائماً للآخرين على مساحة حريتهم، كان بعد كل مرة يتكلم فيها بالحق يختم كلماته بعبارة «من له أذنان للسمع فليسمع»!! وعندما تركه الناس ورفضوا كلامه لم نجده يغضب أو يهدد بل يلتفت لتلاميذه ليؤكد لهم أنهم هم أيضاً أحرار إن أرادوا أن يتركوه ويمضوا (يو6: 67)!!
وعندما كان سيدي يفعل احساناً لإنسان لم يكن يقصد أن يأسر هذا الانسان بإحسانه، اسمعه يقول لبارتيماوس «اذهب، ايمانك قد شفاك» أو للمرأة الخاطئة «اذهبي بسلام» أو للمرأة المُمسكة في ذات الفعل «اذهبي ولا تخطئي أيضاً»، ان كلمة «اذهب» تعني «أنت حر، خذ الإحسان واذهب في طريقك الذي تختاره، احساني غير مشروط وأنا لا أقصد منه اقتناص ارادتك أو التعدي على حريتك»!!     
اننا لا نستطيع أن نفهم حقيقة أحداث الصليب إلا إذا فهمنا معنى الوداعة، لماذا ترك الرب يهوذا يخونه دون أن يمنعه؟ لماذا ترك رؤساء اليهود يتآمرون عليه ولم يهرب؟ لماذا سلَّم نفسه للأحكام الظالمة والآلام القاسية دون شكوى أو تهديد؟ هل كان الرب في هذا الوقت «ضعيفاً»؟ حاشا، بل كان سيدي «وديعاً»!! بعد خدمته الكاملة لشعبه كان لابد أن يعطيهم حقهم في قبول خدمته أو رفضها، كان يحتفظ لهم بحريتهم في اتخاذ رد الفعل المقابل لإحسانه وخدمته، حتى لو كان رد الفعل للإحسان هو الخيانة والغدر!!

   صفة الوداعة هذه غير موجودة في طبيعتنا البشرية الساقطة، وعبثاً تبحث عنها في قلوبنا الرديئة، فالقلب البشري يجد لذته في امتلاك ما ليس له والتعدي على ما للآخرين، قلوبنا في حالة صراع يومي لامتلاك إرادة الآخرين وتسخيرهم لفعل ارادتنا، اننا نستخدم الترهيب والترغيب لنستميل الناس وراءنا لتحقيق أغراضنا الذاتية، نحن نشعر بسعادة غامرنا إذا امتلكنا مساحات في عقول الناس وملأناها بأفكارنا الشخصية، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الأربعاء، 31 مايو 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (5)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون» (مت5: 4)
من العجيب أن يطوِّب سيدنا الحزانى، فالمنطق السائد في العالم هو أن نطوِّب السعداء وليس الحزانى، وهذا يؤكد أن القوانين التي تحكم ملكوت الله تختلف جذرياً عن القوانين التي تحكم ملكوت هذا العالم!! ولكي نفهم طبيعة هذا الحزن المقدس لابد أن نراه في حياة يسوع على الأرض، فهو الذي قال عنه إشعياء «رجل أوجاع ومختبر الحزن.. أما الرب فسُر أن يسحقه بالحزن» (53: 3، 10) لقد وصل الحزن في حياة ربنا إلى درجة الانسحاق، لكن العجيب أن ربنا وهو ينسحق بهذا الحزن كانت تصعد منه رائحة سرور أمام الآب، والسبب هو أن نوعية هذا الحزن نوعية إيجابية مقدسة تُدخل السرور الى قلب الله!!
ما هي طبيعة هذا الحزن الذي ملأ قلب ربنا وسحق مشاعره؟ الجواب نجده في نفس كلمات إشعياء «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها» (53: 4) لقد حمل ربنا أحزاننا وأوجاعنا وانسحق بها، لم يكن حزن يسوع حزن شخصي لأجل أمور تخصه، لكنه حمل أحزان شعبه وتألم معهم ولأجلهم، لقد وضع نفسه في مكان الإنسان وحمل أثقاله وتألم بها أمام الله، لقد حمل على قلبه كل أنواع الحزن في حياة البشر بداية من الأمراض والأوجاع والموت وصولاً لجذر وأصل كل الأحزان ألا وهو الخطية، رأيناه يتعاطف مع المرضى ويئن في مواجهة المقيدين بأرواح نجسة وتسيل دموعه عند قبر لعازر، وأخيراً حمل معاصينا وجُرح بها واحتمل آثامنا وانسحق تحتها (53: 5)
الحزن المقدس هو شعور فاعل وايجابي، عندما حزن يسوع لأجلنا لم يقف مكتوف الأيدي لكنه تقدم وحمل هذه الأحزان وقدم نفسه ذبيحة إثم لله لكي يرفع عنا هذه الأحزان، ان مشاركة الآخرين أحزانهم والعمل باجتهاد لرفع هذه الأحزان عن كاهلهم هي العلامة الأكيدة للمحبة الحقيقية، المحبة الحقيقة لا تكتفي بالرثاء للآخرين أو مواساتهم بكلمات لا تكلف صاحبها شيئاً لكنها تتقدم لتضع كتفها تحت أثقالهم وترفعها عنهم، وكما فعل يسوع معنا هو ينتظر منا أن نفعل مع الجيل الذي نعيش فيه، ينتظر منا أن نحزن لأجل أحزانهم ونحمل على قلوبنا معاناتهم، وأن تتحول مشاعر الحزن هذه إلى طاقة إيجابية تجعلنا نعمل بكل طاقتنا ونسكب نفوسنا أمام الله لكي يعطينا القدرة لرفع اثقالهم وتغيير واقعهم الحزين!!
كل نهضة مباركة حدثت على مدار التاريخ كانت بدايتها مشاعر حزن مقدس تحركت في قلب انسان مُحب لشعبه، قلب حمل أوجاع الناس وسكب نفسه أمام الله لأجلهم، قلب رفض أن يعيش بأنانية منحصراً في ذاته، قلب اعتبر قضية الشعب هي قضيته وأحزانهم هي أحزانه، قلب رفض أن يتعزى حتى يرفع الله أثقال الشعب ويغيِّر واقعهم، قلب تنطق نبضاته بكلمات النبي الباكي «يا ليت رأسي ماء وعينيّ ينبوع دموع فأبكي نهاراً وليلاً قتلى بنت شعبي» (أر9: 1) 

ان طبيعتنا البشرية لا تعرف هذه النوعية من الحزن المقدس، ان مشاعرنا أنانية بطبعها ولا تعرف أن تحزن لأجل الآخرين أو تحمل أوجاعهم، اننا نحزن فقط لأجل ما يخصنا، ننكفئ على أنفسنا وننحصر في آلامنا ونقضي أيامنا نرثي لذواتنا، هذا الحزن الأناني السلبي لا ينتج أي خير بل يُنشئ موتاً (2كو7: 10) نحتاج الطبيعة إلهية تنسكب في قلوبنا حتى نستطيع أن نقتدي بيسوع ونمتلك قلباً مثل قلبه، قلب يحمل أحزان الآخرين ولا يتعزى حتى تأتي تعزية السماء لهذه النفوس الحزينة، وللحديث بقية (يتبع)