الثلاثاء، 3 أبريل 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (15)

 بقلم : فخرى كرم

«لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل أكمِّل»(مت5: 17)

بعدما تكلم الرب عن صفات أبناء الملكوت وسبب وجودهم في العالم لا شك أن تساؤلات كثيرة بدأت تثور في أذهان سامعيه: ما هذه التعاليم الجديدة التي يتكلم بها يسوع؟ هل يسوع ينادي بإله جديد له شرائع جديدة تختلف عن ناموس إله اسرائيل؟ هل يسوع يعلن فشل المخطط الإلهي القديم الذي بدأه يهوه مع شعبه ولذلك هو ينقض هذا المخطط القديم ويقيم مخططاً جديداً؟! ولأن ربنا كان يرى هذه الظنون في أذهان السامعين بدأ يجيب عنها في المقطع التالي من موعظة الجبل.
يبدأ الرب كلامه بنفي هذه الظنون من أذهان السامعين، فالإله الذي ينادي به يسوع هو نفسه إله اسرائيل، وشريعته التي أعطاها لشعبه قديماً لا يمكن أن تُنقض، ولم يأتِ يسوع ليضيف تعاليم جديدة إلى الناموس بل ليسير به إلى الكمال!! يسوع هنا يعلمنا أن نؤمن بوحدة الكتاب المقدس بعهديه وبوحدة الإعلان الإلهي فيه وبوحدة القصد الإلهي من نحو الإنسان عبر التاريخ كله!!
حين أعطى الله الناموس للشعب القديم كان في قلبه قصد صالح من نحو الإنسان، كان يريد أن يخلِّص الانسان من السقوط الذي حصل في جنة عدن ويعود به إلى مشيئة الله ورضاه، وهذا القصد الإلهي لا يمكن أن يفشل أو يتغير قط، بل لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة منه حتى يكون الكل، ولم يأتِ يسوع إلى أرضنا إلا ليصل بهذا القصد الإلهي إلى الكمال!!
كان الله يريد من وراء الناموس أن يقدِّس لنفسه شعباً خاصاً يكون اعلاناً عنه لكل الأرض، وهذا تماماً ما أتى يسوع ليكملِّه، وصايا الناموس كانت ترسم للانسان خطوات الرجوع إلى رضا الله ومحضره، ويسوع أتى ليسير في هذه الخطوات ويزيدها وضوحاً وعمقاً، طقوس الناموس كانت تهدف لغرس بغضة للنجاسة وطلب للقداسة في نفوس العابدين، وهذا ما غرسه يسوع في نفوس تلاميذه بعمل روحه القدوس، ذبائح الناموس كانت ترسِّخ لمبدأ أن أجرة الخطية موت ولعنة أما رضا الله فهو حياة وبركة، وهذا بالضبط ما استطاع يسوع أن يعلنه في صليبه وقيامته!!
ما يعلنه يسوع هنا هو أن اعلان الله واحد في جوهره ولكنه متدرج نحو الكمال عبر التاريخ البشري، فاذا كان جوهر اعلان الله في الناموس باقٍ لا يمكن أن يُنقض إلا أنه في المسيح تقدم نحو الكمال، مقاصد الله من وراء الناموس صارت أكثر وضوحاً وامكانية للتنفيذ من خلال حياة يسوع وتعاليمه وعمله الكفاري، يسوع لم يأت ليسير في خط موازٍ أو متقاطع مع الخط الذي سار فيه الله مع شعبه القديم، لكنه أتى ليسير في نفس الخط وليصل فيه إلى الكمال.

لقد أحسن الكتبة والفريسين صنعاً عندما تمسكوا بالناموس باعتباره شريعة الله وقدِّسوا كلماته بل وحروفه ونقاطه!! لكنهم أخطأوا حينما ظنوا أن الناموس هو مجرد النصوص والكلمات ولم يدركوا أن المهم حقاً هو المعاني والمقاصد الإلهية التي تحملها النصوص والكلمات!! أحسنوا عندما افتخروا بأنهم الشعب الذي استأمنه الله على الناموس ولكنهم أخطأوا عندما ظنوا أن هذا الناموس هو آخر اعلانات الله للانسان ولا يمكن الاضافة اليه أو التقدم به نحو اعلان أكمل وأعظم!! وسيبدأ الرب في الأجزاء التالية من موعظة الجبل يشرح لنا كيف يمكن التقدم بوصايا الناموس نحو كمال تحقيقها، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)     

الجمعة، 2 مارس 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (14)
بقلم : فخرى كرم
«لكن إن فسد الملح فبماذا يُملَّح؟ ..لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعةعلى جبل ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال» (مت5: 13، 15)

كل امتياز يحمل في طياته مسئولية وكل نعمة تستلزم بالضرورة جهاد!! ولذلك أضاف الرب في حديثه عن امتيازات أبناء الملكوت إشارات واضحة عن مسئولياتهم وتحذير شديد من فشلهم في القيام بها، فإذا كان من امتياز أبناء الملكوت أنهم ملح للأرض فمسئوليتهم أن لا يفقدوا ملوحتهم، وإن كانوا نوراً للعالم فينبغي ألا يختفوا عن عيون الناس!!
تكلمنا قبلاً عن معنى «الملح» و«النور» ولكن تحذيرات الرب تدفعنا لنسأل عن مصدرهما، من أين نكتسب الملح والنور؟ هل أبناء الملكوت يحملون في ذواتهم البشرية أي ملح أو نور؟ كلا البتة، فأبناء الملكوت مثلهم مثل سائر البشر لا يمتلكون في ذواتهم أي صلاح (مت19: 17) إن مصدر الملوحة والنور هو روح الله الذي يحل في داخلهم بالإيمان بالمسيح، روح الله هو الذي يحمل طبيعة الله الصالحة المنيرة إلى أعماقنا المظلمة، روح الله هو وحده مصدر الملوحة التي تصنع الخير في حياة الناس وتقاوم انتشار الفساد بينهم، روح يسوع فقط هو النور الحقيقي الذي يطرد الظلمة وينير البصائر والأذهان. 
الملح يفسد من داخله أما النور فيُحجب عن الأنظار بعوامل خارجية مثل المكيال، إذاً فالرب يحذرنا هنا من خطر مزدوج: داخلي وخارجي!! الداخلي هو توقف عمل روح الله في داخلنا، والخارجي هو فشلنا في اظهار هذا العمل للآخرين. إذاً فأبناء الملكوت لابد أن يسيروا زمان غربتهم بخوف مزدوج، الخوف من أن يفقدوا تقديس الروح المستمر في داخلهم والخوف من فشل ارساليتهم للعالم، وطالما استمر هذا الخوف المقدس يلازمهم استمرت حياتهم مملحة بملح مشرقة بنور للعالم.

† الخطر الداخلي: إذا تهاون المؤمن في تعامله مع روح الله وتسبب ذلك في حزن الروح أو إنطفائه فسوف يفقد المؤمن فوراً تأثيره كملح للأرض، ولا توجد أي قوة تستطيع أن تعيد الملوحة للقلب الذي انطفأ فيه عمل الروح، فكل قوى النفس والجسد لا يمكنها أن تعوض غياب قوة الروح القدس، ولو ظن المؤمن المستهين أنه يستطيع بمهارته ومواهبه الطبيعة أن يعوِّض غياب عمل الروح القدس فهو واهم، والحقيقة أنه لم يعد يصلح لشيء إلا أن يُطرح خارجاً ويُداس من الناس!!
وكم من أمثلة نعرفها عن مؤمنين كانت حياتهم مؤثرة في العالم حينما كان لروح الله سلطاناً على الحياة وبعد انحسار هذا السلطان الإلهي اختفى تأثيرهم الإيجابي على حياة الآخرين رغم بقاء نشاطاتهم ومواهبهم الطبيعية كما هي، بل أحياناً قد يلجأ المؤمن لزيادة النشاط والاجتهاد في محاولة لتعويض لمسة الروح وتأثيره، ولكن هيهات!! فالرب يؤكد أن الملح إذا فسد لا يمكن لأي شيء على الأرض أن يُصلحه لأن مصدر الملوحة إلهي وليس انساني!!
الحل الوحيد للمؤمن الذي فقد ملوحته هو أن يتوب عن استهانته ويرجع يضع حياته مرة أخرى تحت سلطان الروح القدس، وإذا عاد سلطان الروح وعمله في القلب أعاد خلق ملوحة جديدة في الحياة، لا تضيع وقتك في محاولة اصلاح الملح الذي فسد لكن أطلب من الروح ملئاً جديداً وملحاً جديداً!!

† الخطر الخارجي: قد لا يخطئ المؤمن ضد الروح العامل بداخله لكنه يسمح للظروف والمخاوف الخارجية أن تمنع شهادته عن عمل الروح داخله، وهذا أيضاً فشل مؤلم!! لقد بنى الرب كنيسته على جبل لكي يراها العالم كله، أراد الرب لنوره الذي تركه في الكنيسة أن ينتشر إلى كل الناس، لم يوقد الرب سراج الكنيسة لكي يضعه تحت مكيال المشغوليات بل على منارة الشهادة ليضيء لجميع الذين في البيت، أرسل تلاميذه إلى العالم أجمع ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، طلب منهم أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم ويعلِّموهم أن يحفظوا جميع وصاياه، أمرهم أن ينادوا على السطوح بكل ما سمعوه منه في المخادع، لم يطلب الرب قط من تلاميذه أن ينكفئوا على أنفسهم ويحجبوا نوره عن الآخرين!!

آه، كم أخطأنا في حق الرب وفي حق أنفسنا حين سمحنا لهموم العالم ومخاوفه أن يحجبوا نور الروح الذي أشرق به داخلنا ومنعنا وصوله للآخرين!! كم من مكيال مشغولية وُضع على مصباحنا وكم من جدران مخاوف بناها العدو في محاولة لإخفاء المدينة التي وضعها الرب على جبل!! ليت الرب يوقظ كنيسته لتعود ملحاً للأرض ونوراً للعالم!! وللحديث بقية (يتبع)     

الجمعة، 2 فبراير 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (13)
بقلم : فخرى كرم

«أنتم نور العالم» (مت5: 14)

يكمل سيدنا تفسيره لوجود أبناء الملكوت وسط هذا العالم الموضوع في الشرير، ويضيف إلى جانب أنهم ملح الأرض حقيقة أخرى وهي أنهم أيضاً نور للعالم، والنور هو طاقة إيجابية تساعد الإنسان أن يرى الأشياء التي حوله، فبدون النور لا يمكننا أن ندرك بشكل كامل حقيقة الأشياء المحيطة بنا، أما الظلمة فهي شيء سلبي لا وجود حقيقي لها، فالظلمة هي ببساطة غياب النور!!
الرب يؤكد هنا أن أبناء ملكوت السماوات هم مصدر المعرفة الصحيحة في هذا العالم، بدون أبناء الملكوت لا يمكن للبشر أن يدركوا حقيقة الأشياء التي تحيط بهم وتحدث لهم في هذا العالم، روح الله هو الطاقة الإيجابية التي تعمل من خلال أبناء الله لتوضيح وكشف الحقائق بخصوص حياة الناس وأبديتهم.
يسوع المسيح هو النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم لينير كل انسان (يو1: 9) وكل من يتبعه لا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة (يو8: 12) هو بذاته النور الكامل الذي أنار حقائق الحياة والخلود (2تي1: 10) وهو شمس البر الذي ينبثق منه النور ويتوزع إلى كل أبنائه في هذا العالم (مل4: 2) وكل واحد من هؤلاء الأبناء يصبح بالتالي نوراً للعالم في المكان والزمان الموجود فيه بحسب مقدار النور الذي أخذه من يسوع.
النور هو طبيعة الله نفسه (1يو1: 5) أي إنه ليس مجرد معرفة عقلية أو إدراك ذهني يمكن أن يمتلكه الإنسان ويعيش به منفصلاً عن روح الله، إن النور هو طاقة روحية حية تتدفق في روح الانسان وتجعله يدرك الأمور المحيطة به يوم بيوم وساعة بساعة، إنه استنارة داخلية متواصلة بمقدار تواصل الإنسان مع يسوع بواسطة روح الله، إن النور الحقيقي هو حياة تنبض بداخل أرواحنا وتنمو وتتزايد إلى النهار الكامل (أم4: 18)
كم من أناس أخذوا نوراً من الله في أرواحهم وأدركوا أموراً ثمينة لكنهم فيما بعد ترجموها إلى أفكار في أذهانهم وظنوا أن هذا الأفكار هي نفسها النور!! وأنهم بنقل هذه الأفكار إلى الأخرين ينقلون النور إلى العالم، وهذه محض كذبة!! فالنور الحقيقي هو قوة حياة في الأرواح وليس أفكاراً ميتة في الأذهان، النور الحقيقي هو طبيعة الله نفسه ولا يمكن ترجمته إلى أفكار مجردة، النور الحقيقي ينبغي أن يتدفق لحظة بلحظة في روح كل إنسان ولا يمكن وضعه في هيئة أفكار محفوظة تُختزن في الأذهان ليستخدمها الإنسان وقتما شاء وكيفما شاء، سيظل النور دائماً ملكاً لله وحده ولن يصير يوماً ملكاً للإنسان!!
أما الظلمة فهي شيء سلبي يملأ كل مجال لم يملأه النور، إذا كان النور يكشف الحق عن كل الأمور فالظلمة هي غياب الحق وانتشار الضلال والخداع والكذب عن ذات الأمور، كل أمر لا تستطيع أن تراه في نور الله ستضطر أن تقبل عنه مفاهيم خاطئة وكاذبة وتعيش بذهن تسوده الظلمة عن هذا الأمر، ولأن الظلمة شيء سلبي ميت فهي بعكس النور يمكن انتقالها بسهولة بين البشر، الظلمة لا تحتاج إلى تدخل روحي فوقي لكي تنتشر في العالم بل يكفي اختلاط وتعامل الناس بعضهم ببعض لكي تنتشر الظلمة وتنتقل من ذهن إلى ذهن ومن نفس إلى نفس ومن روح إلى روح!!

إذا كان الله هو رأس ملكوت النور ومصدره الوحيد فإبليس يؤسس ملكوته على الظلمة التي تسود هذا العالم (أف6: 12) لأنه الكذاب وأبو الكذب (يو8: 44) ولذلك يترك الله أبناء النور في الأرض لكي يضيئون بين الناس كأنوار في العالم (في2: 15) وللحديث بقية (يتبع) 

الخميس، 11 يناير 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (12)
بقلم : فخرى كرم
«أنتم ملح الأرض» (مت5: 13)
بعدما تكلم ربنا في التطويبات عن الصفات وأعمال البر التي تميز أبناء ملكوت الله، وختم كلامه بأنهم سيتعرضون للطرد والتعيير والمقاومة بسبب هذا البر عينه، لابد أن سؤالاً ثار في أذهان السامعين: «لماذا إذاً يسمح الله أن يعيش أبناء الملكوت في هذا العالم الشرير الخاضع لسلطان الشيطان؟ ولماذا يعملون البر إذا كان العالم يرفض هذا البر ويقاومهم بسببه؟» والرب هنا يستأنف كلامه ويجيب عن هذا السؤال المنطقي.
الرب يقول إنه يتركنا نعيش في هذا العالم لكي نكون ملحاً للأرض، والرب هنا يشير إلى مادة شائعة يستخدمها كل بيت في إسرائيل لكي يشرح لنا معانٍ في غاية السمو، فالملح في تلك الأيام القديمة كان له تأثير في حياة الناس اليومية، كان يعمل أولاً على إضافة طعم مقبول للطعام وثانياً كان يقاوم انتشار الفساد في الأغذية المحفوظة، وهكذا تماماً يعمل أبناء الملكوت!!
الله يترك أبناءه في العالم لكي يجعل حياة البشر أفضل ويمكن احتمالها، فالحياة لا يمكن تصورها ولا احتمالها بدون أبناء الملكوت!! هل يمكنك تصور حياة غارقة في الماديات المنظورة فقط بدون مساكين بالروح يطلبون الله ويسعون نحوه لأجل أنفسهم والمحيطين بهم؟ هل تستقيم الحياة في المجتمع إذا كان الكل يهتم بما لنفسه فقط ولا يوجد من يحزن لأجل الآخرين ويتعاطف معهم؟ هل يمكنك العيش في مجتمع يتصارع ليلاً ونهاراً لأجل امتلاك الأرض بدون وجود ودعاء ينشرون المحبة والتسامح؟ هل هناك طعم لحياة خالية من أعمال البر والرحمة والتكافل الأخوي؟ هل نحتمل الحياة إذا كان الكل يكذب ويخدع ولا وجود للصدق ونقاء القلب؟ بل هل يمكننا تخيل التاريخ البشري بدون صانعي السلام الذين أطفأوا نيران الخصومات والحروب بين الأفراد والجماعات والشعوب؟!
هل يمكن تخيل تاريخ البشرية بدون رجل مثل إبراهيم قرر أن يرفع عينيه إلى فوق وينظر إلى المساكن الأبدية ويرفض أن يتعلق قلبه بمساكن على الأرض؟ رجل زرع بذرة الإيمان في حياة البشر معلماً إياهم أن هناك عالماً غير منظور له أساسات أثبت وأعظم من العالم المنظور، رجل منع بحياته سريان تيار المادية والانكباب على المنظور.   
هل يمكن تصور مستقبل شعب إسرائيل المُستعبد في مصر وهو يتعرض لكل صنوف الإذلال والإبادة بدون وجود إنسان مثل موسى رجل الله؟ ألم يكن موسى ملحاً للأرض في تلك الأيام القديمة عندما أعطى لشعبه رجاءً وسار به إلى حياة أفضل؟ ألم يكن ملحاً عندما منع انتشار فساد فرعون واتمام مخططه الشرير؟ بلى، كان موسى ملحاً للأرض رغم تعرضه للمقاومة من أعدائه ومن شعبه على حد سواء!!
هل يمكننا التنبؤ بأي منقلب ردئ كانت ستنقلب إليه مملكة إسرائيل المنقسمة لولا ظهور رجل مثل إيليا؟ الرجل الذي أعاد اسم الرب إلى ألسنة وقلوب الشعب المرتد، وتعامل بالنار والدينونة مع كل اسم غريب أراد أن يستشرى ويسود في وسط الشعب المغلوب على أمره!!

وماذا نقول أيضاً لأنه يعوزنا الوقت إن تكلمنا عن كل أبناء الملكوت في كل عصر وجيل، بل في كل مملكة ومدينة، بل في كل شارع وزقاق وبيت!! كانوا بشراً مثلنا لكنهم استطاعوا بحياتهم أن يضيفوا ألواناً بهيجة لحياة الناس المعتمة الكئيبة، ومن الناحية الأخرى استطاعوا أن يقفوا ضد تيار الشر الذي ما فتئ يحاول تدمير حياة البشر، لقد كانوا حقاً ملحاً للأرض!! وللحديث بقية (يتبع)  

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (11)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات» (مت5: 10)
إن أبناء ملكوت الله لا يعيشون في عالم خاص بهم لكنهم يعيشون في وسط هذا العالم الشرير، ورئيس هذا العالم هو إبليس نفسه، والصفات والأخلاق السائدة في هذا العالم مختلفة بل مضادة تماماً لصفات وأخلاق ملكوت الله، وهذا يضع مسئولية مضاعفة على أبناء الملكوت، فالمطلوب منهم ليس فقط أن يعيشوا البر بل أن يعيشوه في وسط عالم يبغض هذا البر ويقاومه طوال الوقت!! مطلوب أن يعيشوا أخلاق ملكوت الله في قلب عالم لا يفهم هذه الأخلاق ويسلك بأخلاق إبليس نفسه!! ولو استطاع أبناء الملكوت أن يواجهوا هذا التحدي ويتمموا هذه المسئولية الصعبة يكونون مستحقين لتطويب جديد وأجر عظيم في السماوات!!
إذا كان أبناء الملكوت الإلهي يمتازون بالروح المسكينة المتضعة التي تشعر كل الوقت بالاحتياج الشديد لله فأبناء ملكوت إبليس يتميزون بالاعتداد والتفاخر بالذات، هذا الاعتداد عينه الذي أخرج إبليس قديماً من ملكوت الله، وهذا الاعتداد يجعلهم يتعاملون بجفاء وتعالي مع كل مَن يختلف عنهم، بل يصل الأمر إلى العنف والقسوة تجاه من يخالفهم المبدأ والرأي.
إذا كان أبناء الله يتعاطفون مع الآخرين وتمتلئ قلوبهم بالحزن لأجلهم فأبناء هذا الدهر لا يمكنهم أن يحزنوا لأجل الآخرين لأن قلوبهم ممتلئة بأنفسهم وذواتهم تحتل كل اهتمامهم، وإذا كانت صفة الوداعة تميز أبناء الله حتى أنهم يحبون ويقبلون حتى الأعداء فطبيعة أبناء إبليس هي على النقيض تماماً من الوداعة، إنهم يعيِّرون من يختلف عنهم ويطردونه من وسطهم بل يقولون عليه بالكذب كل كلمة شريرة لكي يبرروا أنفسهم ويخدعوا ضمائرهم.
إذا كان أبناء الملكوت يجوعون للبر ويسعون طول الوقت لفعله فأبناء هذا العالم يطردونهم وينبذونهم لأجل هذا البر عينه!! وإذا كانت الرحمة تميِّز طبيعة أبناء الملكوت فأبناء هذا العالم يميزهم القسوة والعنف تجاه الآخرين، أبناء الملكوت يهتمون أن يرفعوا الأحمال عن كاهل الناس أما منهج أبناء إبليس فهو أن يحزموا أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس (مت23: 4)
وإذا كان الرب يطالب أتباعه بأن يكونوا أنقياء القلب يهتمون بطهارة أعماقهم أكثر من اهتمامهم بجمال مظهرهم، فملكوت هذا العالم هو ملكوت الزيف والخداع الذي يهتم بالمظهر البرَّاق ويهمل العمق المظلم، نحن نعيش في عالم مزيف يهتم بنقاء خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة (مت23: 25)
وإذا كان أبناء الله هم صنَّاع السلام في هذا العالم فأبناء إبليس هم صنّاع الخصام والانشقاق بين الإخوة (أم6: 19) فبينما يسعى أبناء الملكوت للتجميع وحفظ وحدانية الروح برباط السلام يسعى ابليس وأتباعه كل الوقت لبذر بذور الانقسام والعداوة في كل مكان.

ربنا يؤكد لنا في ختام التطويبات أن كل الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى العالم على مدار التاريخ تعرضوا للرفض والإهانة من معاصريهم، مما يؤكد أن الصراع بين هاتين المملكتين هو قديم قدم التاريخ نفسه، فلم يكن هناك وقت تصالح فيه العالم مع ملكوت الله!!  كما يؤكد ربنا أيضاً أن أجرنا سيكون عظيماً في السماء إذا استطعنا أن نعيش مبادئ ملكوت الله رغم مقاومة وتهديد إبليس وأتباعه، مقتدين بسيدنا الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا نكل ونخور في أنفسنا (عب12: 3) وللحديث بقية (يتبع)     

الجمعة، 3 نوفمبر 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (10)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون» (مت5: 9)
إن الرب يسوع هو نموذجنا الكامل في صنع السلام، ولكي نفهم معنى صنع السلام لابد أن نقرأ كلمات الرسول «لأنه هو سلامنا الذي جعل الإثنين (اليهودي والأممي) واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الإثنين في نفسه انساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً، ويصالح الإثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به» (أف 2: 14-16)
 لقد كانت هناك عداوة شديدة بين اليهودي والأممي بسبب ناموس الوصايا والفرائض، اليهودي كان يشعر بالتميُّز والتفوُّق على الأممي لأنه يمتلك الناموس ويريد أن يتبرر به، لكن عندما أبطل ربنا بذبيحته ناموس الوصايا والفرائض جمع اليهودي والأممي ليكونوا واحداً في شخصه، وهكذا صنع سلاماً ونقض حاجز العداوة القائم بينهما. وبنفس ذبيحته قتل يسوع العداوة التي كانت قائمة بين الإنسان (اليهودي والأممي) وبين الله، عندما جمع ربنا جميع البشر في نفسه انساناً واحداً وقدم عنهم ذبيحة مقبولة أمام الله، وهكذا انتهت العداوة القائمة بين الله وبين الكيان الخاطئ لكل إنسان يستتر في ذبيحة المسيح، سواء كان يهودي أو أممي.
نفهم من هذا النموذج الكامل أن صناعة السلام هي خلق حالة من التوافق بين الأطراف المتخاصمة ونقض جدران العداوة الفاصلة بين الأطراف المتباعدة، كما جمعنا الرب وصالحنا في شخصه رغم اختلافاتنا الكثيرة هكذا يريدنا أن نتمثل به ونسعى في حياتنا لجمع الأطراف المختلفة معاً صانعين بينهم سلاماً، وكما بذل الرب دمه ليصنع سلامنا هكذا نحن قد ندفع ثمناً غالياً لنصنع السلام ولكننا بهذا نبرهن عملياً أننا أبناء الله ولسنا أبناء إبليس، لأن منهج ابليس الذي يزرعه في هذا العالم يختلف جذرياً عن منهج صناعة السلام.
 ان منهج إبليس هو خلق الخصومة والعداوة بين الأطراف المتصالحة، انه النموذج الكامل لكل «زارع خصومات بين اخوة» (أم 6: 19) أنه الأب الروحي لكل خصام وبغضة وعداوة وقتل (يو8: 44) انه يسعى لبناء جدار عازل بين كل اثنين متجاورين ويحاول أن يخلق خصومة بين كل متحابين!! يسعى دائماً لتحويل الاختلاف إلى خلاف وتحويل الخلاف إلى خصومة وتحويل الخصومة إلى عداوة وتحويل العداوة إلى قتل!! انه يقتدر في تأجيج أعظم النار من مستصغر الشرر ويعرف كيف يفتح كل السبل أمام الكراهية كي تنتشر وتسود، إن ابليس يتبع منهج «فرَّق تسد»!! ان سبيله للسيطرة على العالم هو اضعاف الإنسان وتدمير قوته من خلال العداوة المزروعة بين الجميع.
 ان نظرة واحدة للأحداث الجارية حولنا تثبت لنا أن منهج إبليس ومملكته هو السائد اليوم في العالم عموماً وفي مجتمعنا خصوصاً، نستطيع أن نرى بوضوح انتشار الخصومات والبغضة بين البشر في كل مكان، جدران العزلة والتجنب ترتفع في كل بيت بين أفراد الأسرة الواحدة، سياج البغضة والإقصاء يتعاظم في كل يوم بين أفراد المجتمع الواحد، تستطيع أن ترى ذلك بوضوح في الوجوه الشاحبة والعيون الدامعة والدماء الصارخة من الأرض من دم هابيل وحتى يومنا هذا!!
 الأمل الوحيد لمجتمعنا المتألم هو في أبناء ملكوت الله الذين يتبعون منهج يسوع في صناعة السلام، الذين يسعون في حياتهم لهدم الحواجز ومسح الدموع وزرع المحبة، قد يدفعون ثمناً باهظاً لصناعة هذا السلام لكن طوبى لهم لأنهم أبناء الله يُدعون!! وللحديث بقية (يتبع)