الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (22)
بقلم : فخرى كرم
«لي النقمة أنا أجازي يقول الرب» (رو12: 19)

 لا يمكننا فهم تعاليم العهد الجديد عموماً وموعظة الجبل خاصة إلا في ضوء حق إلهي راسخ في كل الكتاب المقدس بعهديه ألا وهو عدالة الله وسلطانه القضائي (تث32: 34-42) الكتاب يعلمنا أن الله هو القاضي العادل الذي يسود على كل المسكونة (مز11: 4-7) كل طرقه مستقيمة وطوال الوقت هو يُجري عدلاً وحقاً (مز99: 4) وقضاء الله دائماً يشمل الانتقام من الشر ومجازاة الخير (تث32: 35)
إن اهتز إيماننا بوجود هذا القاضي العادل اهتزت الأرض تحت أرجلنا، وفقدنا ثباتنا في مواجهة الشرور التي تحيط بنا كل الوقت، وتصبح عندئذ كلمات موعظة الجبل غير منطقية وغير قابلة للتطبيق العملي (حاشا) فكيف يمكننا فهم قول ربنا «لا تقاوموا الشر» إلا في ضوء ادراكنا لوجود إله يقاوم وينتقم من الشر؟! كيف يمكنني ألا أنتقم ممن لطمني إلا في ضوء ثقتي في أن الله العادل سينتقم من هذه اللطمة؟! وكيف أحب وأصلي لأجل المسيء إليّ إلا في ضوء فهمي أن الله في علاه قد رأى الإساءة وكتب في سفر قضائه قصاصها العادل؟!!
إن الختوم والأبواق والجامات التي نقرأ عنها في سفر الرؤيا ما هي إلا أحكام الله العادلة التي تنتقم من شر الإنسان وفساده على الأرض، هذه الأحكام مكتوبة في سفر مختوم لا يستطيع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتحه ولا أن ينظر إليه بسبب شدة وقسوة الأحكام المكتوبة فيه، وحده الرب يسوع (الأسد الخارج من سبط يهوذا) سيأخذ هذا السفر ويفك ختومه ويأمر بسكب القضاء المكتوب فيه على الأرض (رؤ5-18) لأن الآب قد أعطى كل الدينونة للأبن (يو5: 22) وأقام يوماً هو مزمع أن يدين فيه كل المسكونة بالعدل بربنا يسوع المسيح (أع17: 31)
نتعلم من كلمة الله أن كل أعمال الأشرار تُدون في أسفار، وهذه الأسفار ستُفتح أمام العرش الأبيض العظيم وسيعطي الناس حساباً عن كل أعمالهم الشريرة التي صنعوها على الأرض (رؤ20: 11-15) وهذه الأسفار لا تحتوي على الأعمال فقط بل تشمل كل كلمة بطالة نطقوا بها (مت12: 36) بل تشمل أفكارهم الخفية وسرائرهم التي لم يعلم بها أحد سوى الله (رو2: 16)
على أساس هذا الحق الكتابي الراسخ يمكننا أن نفهم كلمات موعظة الجبل فهماً صحيحاً، فعندما يطالبنا الرب بألا ننتقم من الشر فهو يطالب أبناء ملكوته ألا يأخذوا صفة القاضي ولا يجلسوا على كرسي القضاء لأن القاضي العادل جالس بالفعل على كرسيه!! ونحن لا يمكننا أن نكون خصوم وقضاة في نفس الوقت!! لو كنا نؤمن أن القاضي العادل جالس على عرشه فينبغي أن نحيل أمرنا إليه ولا نمد أيدينا لننتقم من الشر، تماماً كما كان سيدنا يفعل معطياً لنا مثالاً وقدوة، الذي إذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل (1بط2: 23)
لو كان قاضينا العادل يتأنى في قضائه لأنه لا يُسر بموت الشرير بل برجوعه عن طرقه فيحيا (حز18: 23) ولو كان أبونا السماوي يؤجل القصاص ليمنح المخطئ كل فرص التوبة فلابد أن نقتدي به ونكون كاملين مثله، فلابد إذاً ألا ننتقم لأنفسنا بل نتأنى ونصلي لأجل خلاص المسيئين إلينا، ونُحسن إليهم بقدر طاقتنا موفرين لهم كل فرص التوبة والنجاة!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (21)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن» (مت5: 38)

يشير ربنا هنا لوصية ضمن الوصايا التي أعطاها الله للشعب اليهودي ليؤسس بها دستوراً ينظم ويحكم علاقات أفراد الشعب داخل الدولة المزمع تأسيسها في أرض الموعد (لا 24 : 20) وهي الوصية التي أعاد موسى تأكيدها واستفاض في شرحها للشعب (تث19: 21) وهي تهدف لمقاومة الأعمال الشريرة ومنع انتشارها في المجتمع من خلال الخوف من القصاص الذي ينبغي أن يكون من نفس جنس العمل الشرير وبنفس مقداره (تث19: 19، 20) فلعل الإنسان يمتنع عن فعل الشر إذا علم أن نفس الشر الذي يريد أن يلحقه بالآخرين سوف يصيبه هو وبنفس المقدار.
ورغم أن جوهر هذه الوصية هو «مقاومة الشر بالشر» إلا أنها مازالت حتى يومنا هذا تمثل أساساً لمعظم القوانين التي تضعها الدول لمقاومة انتشار الشرور في مجتمعاتها، فلو لم يكن هناك قصاص معادل في قسوته للفعل الشرير لفعل الناس الشر بعضهم ببعض دون رادع!! فهذه الوصية تعبِّر عن أقصى ما يستطيع البشر أن يفعلوه للحد من انتشار الشر في المجتمع.
لكن ربنا يريد أن يرفع أفكار تلاميذه إلى مستوى أعلى للوصية ويصل بها إلى كمالها، لذلك نجده يفاجئ سامعيه بقوله «أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر»!! ولابد أن نفهم جيداً أن ربنا لا يضع هنا أساساً لقوانين جديدة ينبغي أن تحكم المجتمع البشري، بل هو يكلمنا عن طبيعة الله الآب وقوانينه التي تحكم ملكوته السماوي. إن طبيعة الله لا تقاوم الشر بالشر بل تحتوي الشر وتغلبه بالخير (رو12: 21) الله لا يمتلئ بالشر تجاه الأشرار بل هو ممتلئ دائماً بالمحبة والخير نحوهم، لا يمكن للشر أن يحرك رد فعل شريراً في قلب الله، حاشا، فطبيعة الله خالية من الشر ولا تحركه ردود الأفعال بل هو دائماً الفاعل الصالح والمقتدر المتحكم في كل مجريات الأمور، وأبناء الله الخاضعون لملكوته ينبغي أن يمتلكوا نفس طبيعته وموقفه تجاه الشر!!
الله لا يُسر بموت الشرير بل بأن يرجع عن طرقه فيحيا (حز18: 23) الله ينظر للشرير باعتباره مسكين يستحق الشفقة أكثر من كونه مجرم يستحق العقاب، لأنه بارتكابه للشرور يحكم على نفسه بالموت ويسير بها للهلاك الأبدي، لذلك فالآب السماوي يحتوي الشر بصبر وطول أناة ويتعامل مع الشرير برحمة ويعطيه فرصاً جديدة للتوبة والحياة، وهو يريد من أبنائه أن يكونوا ممثلين لطبيعته هذه على الأرض، لا يتعجلون القصاص من الشرير ولا يبادلونه شراً بشر، فتحويلي الخد الآخر تعبير مجازي عن غفراني للمسيء واستعدادي لمزيد من الغفران!! وتركي للرداء أيضاً يشير للطبيعة التي تُسر بالعطاء للمسيء عن رحمة وليس عن اضطرار!! وسيري الميل الثاني يؤكد أني سرت الميل الأول بدافع المحبة وليس بسبب السخرة!!
وغني عن البيان أن هذا الموقف القلبي لأبناء الملكوت لا يتعارض مع القوانين البشرية التي تحكم المجتمع الذي يعيشون فيه، كما أنه لا يتعارض مع عدالة الله التي تقتص في النهاية من الشر لو ظل الشرير على عناده ورفض التوبة واستهان بأناة الله وغنى لطفه، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الخميس، 6 سبتمبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (20)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم انه قيل للقدماء لا تحنث.. أما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة» (مت5: 33، 34)
ينتقل ربنا للحديث عن وصية أخرى من وصايا الناموس التي يتعامل معها الناس بسطحية شديدة وسذاجة، ألا وهي الوصية الثالثة «لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يُبرئ مَن نطق باسمه باطلاً» (خر20: 7)
كلنا نحب حين نتكلم أن نُكسب حديثنا مصداقية وقبولاً لدى السامعين، نريد أن يكون لكلماتنا سلطانها على الأخرين وأن يعيروها انتباههم، وهناك أساليب شتى لتحقيق هذا الغرض مثل تغيير نغمة الصوت وارتفاع النبرة واستخدام تعبيرات الوجه وحركات الأيدي أثناء الحديث...، لكن أشهر هذه الأساليب وأكثرها استخداماً هو «الحلف» الذي هو ببساطة ربط الكلام بأمر أو باسم مقدس لإكساب كلامنا قدسية ومصداقية.
والمشكلة هنا أن أحاديثنا لا يمكن أن ترتقي لمستوى القداسة والتنزيه، فناهيك عن الكذب المتعمد في أحيان كثيرة هناك دائماً الكثير من القصور والمحدودية والجهل يشوب أفضل أحاديثنا وأكثرها صدقاً!! فلذلك ينبغي ألا نضفي على أحاديثنا قداسة لا تستحقها ولا نسعى لإكسابها سلطاناً ليس لها.
ولقد اعتاد الأمم المحيطون بشعب إسرائيل أن يحلفوا دائماً بآلهتهم ليؤكدوا أقوالهم رغم احتوائها على الكثير من الأكاذيب والمغالطات، وفي الوصية الثالثة يحذِّر «يهوه» شعبه من استخدام اسمه بهذا الأسلوب لأن اسمه أقدس من أن يقترن بكلامنا الناقص وأعظم من أن يُستخدم ليعطي مصداقية لأقوالنا المملوءة بالأخطاء، وتأكيداً لهذا المعنى عاد موسى ليؤكد على الشعب أنه إذا أقسم أحدهم قسماً مستخدماً اسم الله فينبغي ألا يحنث بل يوفي ما أقسم عليه لئلا يقع تحت طائلة كسر الوصية (عد30: 1، 2)
لكن الشعب بكل التواء وخبث حاول أن يلتف على هذه الوصية ويجردها من معناها، فاستمروا يحلفون لتأكيد كلامهم لكنهم بدلاً من استخدام لفظ الجلالة في حلفهم استخدموا أسماء أخرى مثل «السماء» و«الأرض» و«أورشليم» و«رؤوسهم» أو «رؤوس» أبائهم!! محاولين بذلك أن يستمروا في الحلف واضفاء مصداقية على أقوالهم الممتلئة بالأكاذيب مع تجنب الإساءة لاسم الله!! لكن ربنا يفاجئهم بأن كل الأسماء التي يحلفون بها هي تنتمي أيضاً لله، وبالتالي استخدامهم لأسماء أخرى في الحلف لا يعفيهم من الوقوع تحت طائلة إهانة اسم الله.
ثم ينتقل ربنا بسامعيه إلى الهدف الأساسي لهذه الوصية والتحقيق الأكمل لها وهو أن يكون كلامنا صادقاً وبسيطاً فلا نحتاج لتأكيده بالحلف أو القسم، أن نقول «نعم» حين يكون الصدق هو «نعم» ونقول «لا» حين يكون الصدق هو «لا»، مع الأخذ في الاعتبار أن معرفتنا محدودة ونسبية، وبالتالي فما أراه صدقاً الآن قد أكتشف فيما بعد عدم صدقه، وأقوالي التي أعتقد اليوم أنها كاملة قد أكتشف غداً نقصها وعدم نفعها، فلماذا إذاً نزج باسم الله الكامل والمطلق لنؤكد أقوال ناقصة ومعيبة؟! 
ولقد لخَّص لنا يعقوب في رسالته هذا الحق قائلاً «يا إخوتي لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر بل لتكن نعمكم نعم ولاكم لا لئلا تقعوا تحت الدينونة» (يع5: 12) إن طبيعة الله هي الاستقامة والحق والصدق، ليس فيه ظلمة البتة، ليس عنده تغيير أو دوران، وبالتالي فهو يريد لأبناء ملكوته أن يكونوا مثله، أن يطرحوا عنهم الكذب ويتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه (أف4: 25) وللحديث بقية (يتبع)


الاثنين، 6 أغسطس 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (19)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم انه قيل للقدماء لا تزنِ...» (مت5: 27-32)
مازال ربنا يواصل حديثه عن كيفية فهم العمق الحقيقي لوصايا الناموس والوصول لتطبيقها الكامل عملياً، وكما نزل بوصية «لا تقتل» إلى جذورها العميقة فنهانا عن البغضة والاستهانة بالغير، ها هو يصل بوصية «لا تزنِ» إلى عمقها الحقيقي فينهانا عن الشهوة.
لقد ظن الانسان أن الله ينهى عن فعل الزنى فقط، فترك للشهوة الردية العنان لترتع في فكره ونظره وقلبه وظن أنه في مأمن طالما لم يرتكب الزنى عملياً، بل أوجد منفذاً شرعياً من خلال الطلاق لكسر رباط الزواج والارتباط بأخريات، فاذا تمكنت الشهوة من القلب تجاه امرأة أخرى بخلاف الزوجة فانه يقدم للزوجة كتاب طلاق ويذهب ليتزوج بالأخرى، وهو يشعر أنه بذلك لم يكسر الوصية!!
لكن الرب يفاجئ سامعيه أن غاية الوصية هو النهي عن الشهوة الردية التي لا تشبع ولا تكتفي بالزوجة ولا تقيم وزناً لقصد الله من وراء الزواج وتكوين الأسرة، لقد خلق الله في البدء آدم ثم بنى من أحد أضلاعه حواء، وهكذا صنع الله أول أسرة في تاريخ البشر من رجل واحد وامرأة واحدة، وكان قصد الله أن يختبر الرجل والمرأة في نطاق الأسرة معاني المحبة والاتحاد والمشاركة في ولادة الأبناء وتربيتهم، هذه هي المعاني السامية التي قصدها الله من وراء الغريزة الجنسية المغروسة في أجسادنا، وهي المعاني التي ينسفها تماماً وقوع الطلاق أو الانفصال بين الزوجين (مت19: 4-8)
إن كل خليقة الله صالحة إذا استخدمناها في نطاقها الصحيح، وهذا الحق ينطبق تماماً على الغريزة الجنسية، فهي متى أُستخدمت بشكل صحيح في نطاق الأسرة تصبح مادة بناء واشباع وتقدم، أما إذا خرجت الغريزة الجنسية عن السيطرة وتحولت إلى شهوة لا تفرغ تطلب لنفسها إشباعاً متجدداً، تصبح عندئذ أكبر تهديد يواجه استقرار الأسرة، عندئذ يصبح اشباع الغزيرة هو الهدف في حد ذاته وليس تكوين الأسرة واستقرارها، وهذا هو الزنى في عمقه وجذوره!!
فإذا سمح الرجل لقلبه وعينه ان تشتهي امرأة أخرى بخلاف زوجته فهو في نظر الله قد ارتكب الزنى، وإذا أراد أن يُكسب فعلته هذه شرعية فأعطى لزوجته كتاب طلاق ليتزوج بأخرى فهو يزني ويدفع مُطلقته للزنى (مت5: 32، مت19: 9) فالزنى في نظر يسوع هو كل ما يهدم مخطط الله تجاه الأسرة المكوَّنة من رجل واحد وامرأة واحدة، وهذا هو فكر الله من البدء، وإن كان قد سمح بالطلاق في العهد القديم فلأنه كان لا يزال يعطي مساحة لقساوة قلب الإنسان وبطء فهمه لمقاصد الله وعدم اكتراثه بتتميمها، أما في العهد الجديد فأبناء الملكوت ينبغي أن يعرفوا فكر الله الأصيل ويتعلَّموا كيف يتحكمون في غرائزهم ويستخدمونها بما يتمم مشيئة الله على الأرض!!
  ولأن ربنا يعلم أن هذه الغريزة متأصلة في جسد الإنسان استخدم تعبيرات قوية تحثنا على عدم التهاون مع الميول الخاطئة لهذه الشهوة، مثل اقتلاع العين وقطع اليد!! وهذه بلا شك تعبيرات مجازية لأن ربنا نفسه يعلِّمنا أن مصدر الزنى هو قلب الإنسان وليس أعضاء جسده (مر7: 21-23) لكن ربنا يريدنا أن نحكم بحسم وبشدة على أي تحرك غريب للشهوة بداخلنا كما لو أننا نتخذ قراراً باقتلاع العين أو قطع اليد!! وللحديث بقية (يتبع)

الخميس، 5 يوليو 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (18)
بقلم : فخرى كرم
«فاترك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك» (مت5: 24)
عندما أعطى الله الناموس قديماً كان هدفه هو الوصول بشعبه إلى حياة تحب «الحق والرحمة والإيمان» (مت23: 23) فهذا هو جوهر الناموس وأثقله على النفس البشرية التي لا تحب بطبيعتها الساقطة الحق والرحمة والإيمان، حتى أن ربنا لخَّص لنا وصايا الناموس كلها في وصيتين عُظمتين: «تحب الرب إلهك» و«تحب قريبك كنفسك» (مت22: 37-40) لو أحب الإنسان الرب إلهه من كل القلب وأحب قريبه كنفسه يكون قد وصل إلى جوهر الناموس وتمَّم مقصده الحقيقي، ولابد أن تمتلئ حياته بالقيم والسلوكيات العملية المتفقة مع الحق والرحمة والإيمان، وسيجد نفسه يتمم كل وصايا الناموس ببساطة وتلقائية بدون معاناة أو تظاهر.
لكن الإنسان دائماً يحاول الالتفاف على وصايا الله وتجريدها من جوهرها ومضمونها الحقيقي!! فترك قادة الشعب جوهر الناموس وأثقله واهتموا بالحفاظ على ظاهر الوصايا التي يراها الناس، خلت قلوبهم من محبة الله والقريب ولكنهم أمعنوا في اظهار تدقيقهم في تعشير النعنع والشبث!! اهتموا بتقديم الذبائح في الهيكل أكثر من اهتمامهم برحمة الأبوين واكرامهم!! والسبب وراء هذا الاهتمام بالعبادة الظاهرية هو رغبتهم في الوصول الى «البر» في عيون الناس وليس «البر» في عيني الله، حتى أن ربنا واجههم بتشخيص دقيق لحالتهم بقوله «هكذا أنتم أيضاً تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثماً» (مت23: 28)
واهتمام الانسان بحصوله على صفة «البر» في عيون الناس يهدف الى المصلحة الشخصية، فهذا البر يعطيه سلطاناً على نفوس الناس وقدرة على التحكم بهم وتسييرهم بحسب هواه، ويجعله يجني الكثير من المكاسب المادية من وراء انجذابهم خلفه، أما البر في عيني الله فلا يعطي صاحبه كل هذه المكاسب الشخصية والمادية، فلذلك لا يهتم الانسان الساقط كثيراً بأن يكون باراً في عيني الله!!
في موعظة الجبل يؤكد ربنا لسامعيه على جوهر الوصية ومضمونها رغبة منه في تكميل الناموس والوصول به إلى غايته الحقيقية، ولكي يؤكد على حقيقة أن الله يهتم في المقام الأول بمضمون الوصية وليس بمظهرها أدهش ربنا سامعيه بقوله «ان قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدم قربانك»!! ربنا يؤكد هنا أن الله يعنيه أن يكون هناك سلام في الخفاء بين الأخوين أكثر مما يعنيه أن يتصاعد دخان الذبيحة الى السماء أمام عيون جمهور العابدين!! الله يهتم أن يتنسم رائحة سرور من المحبة المتبادلة بين القلوب أكثر مما يهتم برائحة الشواء التي تملأ الانوف!!
ولنلاحظ أن ربنا لم يقل إن التصالح مع الأخ يُغني عن تقديم الذبيحة، بل بعد التصالح لابد أن يعود ويقدم ذبيحته، فتحقيق جوهر الوصية ليس بديلاً عن الاهتمام بتطبيق الجانب الظاهر للوصية، فربنا لم يأت لينقض أياً من وصايا الناموس بل ليصل بها إلى الكمال، السر كله يكمن في كلمة «أولاً»، فلابد أن نعرف ترتيب الأولويات في عيني الله، الباطن أولاً ثم الظاهر، الخفي أولاً ثم المُعلن، المحبة والحق والرحمة والإيمان أولاً ثم الطقس، وللحديث بقية (يتبع)

الجمعة، 1 يونيو 2018

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (17)
بقلم : فخرى كرم
«إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات» (مت5: 20)
هناك رغبة عميقة في قلب كل انسان للوصول إلى «البر»، أي الوصول إلى حالة التبرير وعدم الإدانة، فالبر هو عكس الخطية والذنب، والانسان بدون أن يشعر يبذل مجهوداً كبيراً طوال حياته ليظل مُبرراً في عيني نفسه وعيون الآخرين، ولذلك كان الكتبة والفريسيين يبذلون مجهودات كثيرة ليحفظوا ويتمموا وصايا الناموس لكي يصلوا إلى الإحساس بالبر.
ولكن ربنا يلفت نظرنا هنا إلى أن «البر» له مستويات مختلفة، فهناك البر في عيون الناس وهو نوعية بر الكتبة والفريسيين، وهناك البر في عيني الله وهو نوعية بر أبناء الملكوت، وهذه النوعية من البر تزيد كثيراً عن نوعية بر الكتبة والفريسيين. والذي يحدد أية نوعية من البر سيسعى إليها الإنسان هو اجابته على السؤال: في عينيّ مَنْ يريد أن يكون باراً؟!
إذا أحب الإنسان أن يكون باراً في عيون الناس فسيكتفي بحفظ ظاهر الوصية الخارجي وقشورها السطحية، بل قد يبالغ في تدقيق تفاصيل صغيرة ليست لها قيمة حقيقية، وسيكون حريصاً دائماً أن يكون في مرمى عيون الناس وتحت نظرهم، وإذا لمس تقدير الناس واعجابهم به يشعر براحة عميقة في ضميره واحساس داخلي بالتبرير والقداسة.
أما نوعية البر الذي ينشده أبناء الملكوت فهو البر بحسب عيني الله وحكمه، ولذلك هم لا يكتفون بظاهر الوصية بل بجوهرها، ولا ينشغلون بالتفاصيل السطحية التي يراها الناس بقدر انشغالهم بالحقيقة الداخلية التي يراها الله، ولا يعنيهم تقدير الناس وتبريرهم لأنهم يعلمون أن حكم الناس كثيراً ما يكون خاطئاً ومُضللاً!!
لو كنتُ أنشد البر في عيون الناس فسأكتفي بعدم مد يدي للقتل حتى لو كان قلبي ممتلئاً بالحقد والرغبة في التشويه، تماماً كما خطط الكتبة والفريسيين لقتل يسوع ولكن بأيدي الأمم ليظلوا محتفظين بإحساسهم المزيف بالبر لأنهم لم يمدوا أياديهم فعلياً للقتل!! سأحرص في تعاملي مع الآخرين أن يكون اسلوبي ناعماً وكلماتي رقيقة وتصرفاتي محسوبة لكي أظل باراً في عيونهم حتى لو كان قلبي يموج بالغضب والحقد وإرادة القتل!!
أما لو أردتُ أن أكون من أبناء الملكوت الذين ينشدون رضا الله وتبريره فعندئذ لابد أن يزيد بري عن هذا المستوى السطحي المملوء بالزيف والخداع، حينئذ سأدرك أن الوصية لا تنهاني فقط عن فعل القتل بل بالأحرى عن دوافعه وجذوره، وقتها سأهتم بأن يكون قلبي (الذي يراه الله لا الناس) خالياً من الغضب الباطل والاستهانة بالآخرين والرغبة في تجريحهم وتشويه سيرتهم.

وهكذا يقدم لنا ربنا مثالاً لكيفية الوصول بالوصية إلى الكمال، فهو لم يأتِ لينقض وصية الناموس التي تنهى عن القتل بل بالحري ليصل بها إلى مقصد الله الكامل من وراء هذه الوصية، فالله لا يريدنا أن نحمل في قلوبنا للآخرين غضباً أو تجريحاً أو اقصاءً، الله يريد أن يمنع القتل من بداياته الأولى ويقتلع شجرة الموت من جذورها الدفينة، الله يريد أن يخلق في المسيح شعباً باراً بالحق وليس مجرد قبور مُبيضة من الخارج، وللحديث بقية (يتبع)  

الجمعة، 4 مايو 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (16) 

بقلم : فخرى كرم

«قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل» (مت5: 21)

بعد تأكيد الرب لسامعيه أنه لم يأتِ لينقض الناموس والأنبياء بل ليكملهما، يتقدم ربنا في حديثه ليشرح لنا معنى اكمال الناموس والأنبياء، ويقدم لنا أمثلة من وصايا الناموس التي تحتاج أن تكتمل في الأذهان وبالتالي في الحياة العملية لأبناء الملكوت.
المثال الأول هو الوصية التي تنهي عن القتل، لقد حفظ اليهود هذه الوصية حرفياً وجاهدوا لكي يتمموها، وكانت ضمائرهم تشعر بالراحة لمجرد أنهم لم يمدوا أياديهم لقتل أي إنسان، ولكن ضمائرهم هذه عينها كانت لا تشعر بأي غضاضة في أن يملأ الغضب قلوبهم تجاه اخوتهم في الإنسانية، أقرباء كانوا أم أعداء، بل كان الأتقياء فيهم يحرصون على تأكيد تقواهم بإظهار غضبهم من الشرور المنتشرة في المجتمع والنطق بكلمات الإدانة والتحقير من شأن المخطئين والإسراع بالحكم والقضاء بقسوة عليهم.
والرب يؤكد أن حفظ اليهود لهذه الوصية أمر جيد بلا شك، بل أنه حماية للمجتمع من جرائم كثيرة، لكن هذه الوصية تحتاج الى مزيد من الوعي والإدراك، فحين أوصى الله بهذه الوصية في الناموس لم يكن ينهانا عن القتل كفعل مادي حرفي فقط بل كان ينهانا عن جذور هذا الفعل ودوافعه الرديئة.
الدافع الخفي للقتل هو اعتداد الانسان بذاته ومحبته لها وسعيه لإظهارها وتمجيدها، منذ أن سقط الإنسان في الجنة أصبح بداخل كل واحد منا «إله» يبحث عن المجد والسلطان، لقد ألقى إبليس في قلب الإنسان جذر الخطية ألا وهو الاعتقاد بأنه يستطيع أن يصير مثل الله، ومنذ ميلادنا في هذا العالم أصبحنا نمتلك هذه الذات الرديئة التي تعتقد أنها الأفضل والأعظم، ذات تحب نفسها جداً وتريد أن يخضع الجميع لأفكارها ورغباتها، هذه الذات المنتفخة هي الدافع الخفي وراء القتل.
هذه الذات تغضب جداً من كل مَن لا يخدم أغراضها ولا يلبِّي رغباتها، تحقد على من يخالفها الرأي لأنه باختلافه معها يحطم تقديسها لذاتها واعتدادها برأيها، وهذا الغضب يدفع الذات لمحاولة تشويه صورة الآخر المختلف عنها وإظهاره بصورة السفيه والأحمق، ليس لأنه هكذا فعلاً لكن لأنها تريد أن تقول إنها هي العارفة بالخير والشر ورأيها هو وحده الجدير بالاعتبار!!
اعتداد قايين بذاته وبعمله جعله يغضب من أخيه لمجرد أنه مختلف عنه، لم تحتمل هذه الذات الرديئة أن يكون هناك فرد واحد على الأرض يختلف عنها في معتقده وفعله، لأنه في اختلافه عنها يحطم اعتدادها بذاتها واعتقادها بصحة ما تعمله!! رغم أن هابيل لم يفعل أي شيء يضر بأخيه إلا أن الغضب تمكَّن من قلب قايين حتى قام على هابيل وقتله!! هذا هو أول مثال في تاريخ الإنسان للغضب «الباطل» الذي ينهانا الرب عنه هنا، والذي يستوجب نفس عقوبة القتل لأنه الدافع الحقيقي وراء القتل!!
خلف كل جريمة قتل توجد ذات غاضبة لأنها لم تستطع أن تصل لما تريد!! ذات تجلس على عرش الإله في قلب الإنسان وتريد أن كل الأشخاص والظروف تعمل لخيرها، ذات لا تتورع أن تجرح وتهين كل مَن يعطل مجدها أو يجذب الأضواء بعيداً عنها، ذات تعتقد أن من حقها أن تمد يدها بالقضاء والحكم بالموت على الآخرين لمجرد أنهم مختلفون عنها!! وسيحتاج هذا الحديث لبقية (يتبع)