الثلاثاء، 1 يناير 2019

صفحة يسوع هو الحياة

صفحة ( يسوع هو الحياة ) بها مجموعة من المقالات و العظات الروحية المفيدة لباقة من رجال الله الأتقياء ... بعمل ( إعجاب ) ( لايك like ) للصفحة يصلك كل جديد من المقالات و العظات ....رابط الصفحة هو :-

https://www.facebook.com/%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%B9-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-532483980169207/

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (24)
بقلم : فخرى كرم
«متى صنعت صدقة فلا تعرِّف شمالك ما تفعل يمينك» (مت6: 3)
العطاء صفة جوهرية في طبيعة الآب السماوي الذي هو «أبو الأنوار» الذي تنزل من عنده كل عطية صالحة وكل موهبة تامة، عطاء الله لخليقته متواصل طوال الوقت لا يتوقف أبداً، فلو توقف هذا العطاء للحظة واحدة توقف سريان الحياة نفسها، وعندما صنع الله خليقته وضع في جوهرها قانون العطاء بحيث لا تستمر الحياة إلا باستمرار العطاء، الشمس لا تكف عن الشروق كل يوم لتعطي النور والدفء والحياة لكل الأرض، والأرض كلها في حالة تبادل للمنفعة والعطاء لا يتوقف لحظة واحدة، ضوء الشمس يعطي الغذاء للنبات والنبات يعطي الغذاء للحيوان الذي يعطي بمخلفاته الغذاء للتربة لكي ينمو النبات!! الأمطار تعطي الحياة للأنهار التي تروي الأرض وتتبخر مياهها لتعطي سحاباً يمطر على الأرض ويتحول إلى أنهار من جديد، وهكذا دواليك حتى يأذن الله بنهاية للزمان، ان دورة الحياة على الأرض هي في جوهرها دورة عطاء متبادل!!
غريزة الأبوة أو الأمومة ماهي إلا رغبة دفينة للعطاء، فالأب لا يشعر بكمال رجولته إلا إذا أعطى من نفسه وقوته لأبنائه، وكذلك الأم لا تشعر بالشبع إلا إذا منحت كل اهتمام وحنو لأطفالها، الذين بدورهم عندما يكبرون يصبحون أباء وأمهات لأجيال جديدة، ولا يمكننا للحظة تخيل الحياة بدون هذا العطاء المتواصل عبر الأجيال!!
ولأن العطاء هو طبيعة الله فلابد أن تظهر ذات الطبيعة في أبنائه، فكل ابن لله يجد سروره في العطاء الدائم والمستمر، ولا يمكن للمؤمن المسيحي أن يتمتع بشركة حقيقية مع أبيه السماوي بدون أن يشترك معه في عطائه لخليقته، سواء كان هذا العطاء على المستوى المادي أو النفسي أو الروحي، وسواء كان العطاء للأحباء أو للأعداء، دون اعتبار لرد الفعل أو انتظار للمجازاة، فالله يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين، ولذلك قال ربنا «أحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً فيكون أجركم عظيماً وتكونوا بني العلي، فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار» (لو6: 35)
الدافع الوحيد للعطاء عند أبناء الملكوت هو أن يتوافقوا مع الآب السماوي في طبيعته ويشتركوا معه في عمله المتواصل في خليقته، عندما يقدمون عطاء للآخرين يكون هدفهم الوحيد هو اشباع قلب الله وتتميم مشيئته، ولذلك هم يقدمون عطاءهم أمام عيني الآب وليس أمام عيون الناس، لا يبحثون عن تقدير الناس ولا يستجدون مديحهم، لا يسعون لتعريف القريبين منهم بما يفعلون من احسان حتى لو كانوا في قرب اليد اليسرى، ولا يبتكرون أساليب زاعقة وعلانية للعطاء لكي يلفتوا أنظار البعيدين عنهم!!  
العطاء بالنسبة لأبناء الملكوت ليس نشاط يقوم به الأغنياء تجاه الفقراء بل هو أسلوب حياة وطبيعة قلب ومجال للعبادة، ولذلك تجد حتى الفقراء منهم يسرون بالعطاء!! لقد قدمت كنائس مكدونية عطايا سخية بفرح رغم فقرهم الشديد، والسبب هو أنهم قدموا أولاً أنفسهم للرب، فكان اتحادهم بالرب هو الدافع لعطائهم (2كو8: 1-5) والأرملة الفقيرة التي وضعت الفلسين في خزانة الهيكل كانت متوافقة ومرضية لقلب الرب أكثر من جميع الأغنياء (لو21: 3) وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 1 ديسمبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (23)
بقلم : فخرى كرم
«احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم» (مت6: 1)

بعدما تكلم ربنا عن بعض وصايا الناموس وكيف يصل أبناء الملكوت لتحقيقها الكامل تشبهاَ بأبيهم السماوي الكامل، ينتقل بنا للحديث عن بعض السلوكيات المزيفة التي شاعت في المجتمع الديني في ذلك الوقت وما يقابلها من سلوكيات حقيقية ينبغي أن توجد في حياة أبناء الملكوت.
حرص رجال الدين اليهود على مر أجيالهم على وضع نظم وقوانين ومواقيت لأعمال البر مثل الصدقة والصلاة والصوم، ورغم أن الناموس لم يقنن أي شكل يحكم أعمال البر هذه وترك تحديدها لظروف كل فرد وعمق علاقته بالله إلا أن رجال الدين أبوا إلا أن يضعوا قوانين للعطاء (مت15: 5) ومواقيت للصلاة (أع3: 1) وأيام للصوم (لو18: 12)
وعادة ما تكون هذه النظم والقوانين أحمالاً عسرة الحمل يضعها القادة الدينيين على أكتاف أفراد الشعب العاديين الذين في الغالب لا يستطيعون حملها (مت23: 4) وهذا مقصود لكي يشعر أفراد الشعب دائماً بتقصيرهم وبأفضلية وتفوق رجال الدين عنهم، فينحنوا لهم خوفاً وخضوعاً وتقديساً!! ولهذا اعتاد رجال الدين على ممارسة أعمال البر بشكل علني واظهار أنفسهم للناس لكي يجتذبوا أنظارهم وإعجابهم ويزيدوا الفجوة الفاصلة بينهم وبين عامة الشعب اتساعاً!! 
ويصف ربنا هؤلاء القادة بـ «المراؤون» وهي كلمة تشير في أصلها للممثلين الذين يرتدون أقنعة على خشبة المسرح ليظهروا للجمهور على غير حقيقتهم!! وهنا يفاجئ الرب سامعيه بأن أعمال البر التي يمارسها رجال الدين لم يكن مقصوداً منها إرضاء الله بقدر ما كان المقصود هو الاختباء وراءها والظهور للناس بمظهر لا يعكس حقيقتهم، سعياً لجذب الأنظار والاعجاب!!
والرب هنا يلفت أنظارنا إلى داء يستشري في أعماقنا جميعاً، فالرياء الذي وصف به الرب القادة الدينيين في عصره مازال موجوداً في عمق كل واحد منا بدرجة أو بأخرى، الذات الكامنة في قلوبنا تسعى دائماً لتتجمل في عيون الآخرين لتجتذب أنظارهم واعجابهم، ذواتنا تشعر بالأمان والثقة إذا شعرت أن هناك من ينجذب إليها ويعجب بها، وعلى العكس هي تشعر بالخوف والاهتزاز إذا لم تشعر باهتمام الأخرين وتقديرهم، ولذلك هي لا تدخر جهداً في إظهار مهارتها ومواضع قوتها ولا تتوانى في إخفاء عيوبها ومواطن ضعفها!!
وإذا كان هذا السلوك للذات البشرية غير مستغرب في كل مجالات الحياة إلا أنه يصبح مستهجناً جداً إذا تسرب إلى المجال الديني والعلاقة مع الله!! فعندما تستخدم ذواتنا أعمال البر لكي تتجمل في عيون الناس بدلاً من السعي لإرضاء الله نكون قد ابتعدنا جداً عن الحياة الروحية الحقيقية، وعندما نتعمد اظهار ممارستنا الدينية لنخفي وراءها حقيقة قلوبنا الشريرة نكون مراؤون بكل تأكيد، وعندما تتحول العلاقة مع الله إلى ستار نخفي خلفه شهوة قلوبنا للتعالي والسيطرة على الأخرين نكون قد أخطأنا في حق الله ومستحقين للقضاء!!
وهنا ينتقل ربنا للكلام عن أبناء الملكوت وكيف ينبغي أن يمارسوا أعمل البر في علاقتهم بالله، فقط أبناء الله الحقيقيون يستطيعون بالروح القدس أن يكسروا سلطان هذه الذات الرديئة ويقدموا لله عبادة حقيقية تطلب وجهه فعلاً وتسعى لرضاه حقاً، الروح المولودة من الله هي فقط التي تستطيع أن تقدم لله اعمال بر ترضيه وتدخل السرور إلى قلبه، وحدها هذه الروح تستطيع أن تعبد الله في الخفاء بعيداً عن عيون الناس وتقييمهم، ولهذا حديث آخر (يتبع)

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (22)
بقلم : فخرى كرم
«لي النقمة أنا أجازي يقول الرب» (رو12: 19)

 لا يمكننا فهم تعاليم العهد الجديد عموماً وموعظة الجبل خاصة إلا في ضوء حق إلهي راسخ في كل الكتاب المقدس بعهديه ألا وهو عدالة الله وسلطانه القضائي (تث32: 34-42) الكتاب يعلمنا أن الله هو القاضي العادل الذي يسود على كل المسكونة (مز11: 4-7) كل طرقه مستقيمة وطوال الوقت هو يُجري عدلاً وحقاً (مز99: 4) وقضاء الله دائماً يشمل الانتقام من الشر ومجازاة الخير (تث32: 35)
إن اهتز إيماننا بوجود هذا القاضي العادل اهتزت الأرض تحت أرجلنا، وفقدنا ثباتنا في مواجهة الشرور التي تحيط بنا كل الوقت، وتصبح عندئذ كلمات موعظة الجبل غير منطقية وغير قابلة للتطبيق العملي (حاشا) فكيف يمكننا فهم قول ربنا «لا تقاوموا الشر» إلا في ضوء ادراكنا لوجود إله يقاوم وينتقم من الشر؟! كيف يمكنني ألا أنتقم ممن لطمني إلا في ضوء ثقتي في أن الله العادل سينتقم من هذه اللطمة؟! وكيف أحب وأصلي لأجل المسيء إليّ إلا في ضوء فهمي أن الله في علاه قد رأى الإساءة وكتب في سفر قضائه قصاصها العادل؟!!
إن الختوم والأبواق والجامات التي نقرأ عنها في سفر الرؤيا ما هي إلا أحكام الله العادلة التي تنتقم من شر الإنسان وفساده على الأرض، هذه الأحكام مكتوبة في سفر مختوم لا يستطيع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتحه ولا أن ينظر إليه بسبب شدة وقسوة الأحكام المكتوبة فيه، وحده الرب يسوع (الأسد الخارج من سبط يهوذا) سيأخذ هذا السفر ويفك ختومه ويأمر بسكب القضاء المكتوب فيه على الأرض (رؤ5-18) لأن الآب قد أعطى كل الدينونة للأبن (يو5: 22) وأقام يوماً هو مزمع أن يدين فيه كل المسكونة بالعدل بربنا يسوع المسيح (أع17: 31)
نتعلم من كلمة الله أن كل أعمال الأشرار تُدون في أسفار، وهذه الأسفار ستُفتح أمام العرش الأبيض العظيم وسيعطي الناس حساباً عن كل أعمالهم الشريرة التي صنعوها على الأرض (رؤ20: 11-15) وهذه الأسفار لا تحتوي على الأعمال فقط بل تشمل كل كلمة بطالة نطقوا بها (مت12: 36) بل تشمل أفكارهم الخفية وسرائرهم التي لم يعلم بها أحد سوى الله (رو2: 16)
على أساس هذا الحق الكتابي الراسخ يمكننا أن نفهم كلمات موعظة الجبل فهماً صحيحاً، فعندما يطالبنا الرب بألا ننتقم من الشر فهو يطالب أبناء ملكوته ألا يأخذوا صفة القاضي ولا يجلسوا على كرسي القضاء لأن القاضي العادل جالس بالفعل على كرسيه!! ونحن لا يمكننا أن نكون خصوم وقضاة في نفس الوقت!! لو كنا نؤمن أن القاضي العادل جالس على عرشه فينبغي أن نحيل أمرنا إليه ولا نمد أيدينا لننتقم من الشر، تماماً كما كان سيدنا يفعل معطياً لنا مثالاً وقدوة، الذي إذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل (1بط2: 23)
لو كان قاضينا العادل يتأنى في قضائه لأنه لا يُسر بموت الشرير بل برجوعه عن طرقه فيحيا (حز18: 23) ولو كان أبونا السماوي يؤجل القصاص ليمنح المخطئ كل فرص التوبة فلابد أن نقتدي به ونكون كاملين مثله، فلابد إذاً ألا ننتقم لأنفسنا بل نتأنى ونصلي لأجل خلاص المسيئين إلينا، ونُحسن إليهم بقدر طاقتنا موفرين لهم كل فرص التوبة والنجاة!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (21)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن» (مت5: 38)

يشير ربنا هنا لوصية ضمن الوصايا التي أعطاها الله للشعب اليهودي ليؤسس بها دستوراً ينظم ويحكم علاقات أفراد الشعب داخل الدولة المزمع تأسيسها في أرض الموعد (لا 24 : 20) وهي الوصية التي أعاد موسى تأكيدها واستفاض في شرحها للشعب (تث19: 21) وهي تهدف لمقاومة الأعمال الشريرة ومنع انتشارها في المجتمع من خلال الخوف من القصاص الذي ينبغي أن يكون من نفس جنس العمل الشرير وبنفس مقداره (تث19: 19، 20) فلعل الإنسان يمتنع عن فعل الشر إذا علم أن نفس الشر الذي يريد أن يلحقه بالآخرين سوف يصيبه هو وبنفس المقدار.
ورغم أن جوهر هذه الوصية هو «مقاومة الشر بالشر» إلا أنها مازالت حتى يومنا هذا تمثل أساساً لمعظم القوانين التي تضعها الدول لمقاومة انتشار الشرور في مجتمعاتها، فلو لم يكن هناك قصاص معادل في قسوته للفعل الشرير لفعل الناس الشر بعضهم ببعض دون رادع!! فهذه الوصية تعبِّر عن أقصى ما يستطيع البشر أن يفعلوه للحد من انتشار الشر في المجتمع.
لكن ربنا يريد أن يرفع أفكار تلاميذه إلى مستوى أعلى للوصية ويصل بها إلى كمالها، لذلك نجده يفاجئ سامعيه بقوله «أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر»!! ولابد أن نفهم جيداً أن ربنا لا يضع هنا أساساً لقوانين جديدة ينبغي أن تحكم المجتمع البشري، بل هو يكلمنا عن طبيعة الله الآب وقوانينه التي تحكم ملكوته السماوي. إن طبيعة الله لا تقاوم الشر بالشر بل تحتوي الشر وتغلبه بالخير (رو12: 21) الله لا يمتلئ بالشر تجاه الأشرار بل هو ممتلئ دائماً بالمحبة والخير نحوهم، لا يمكن للشر أن يحرك رد فعل شريراً في قلب الله، حاشا، فطبيعة الله خالية من الشر ولا تحركه ردود الأفعال بل هو دائماً الفاعل الصالح والمقتدر المتحكم في كل مجريات الأمور، وأبناء الله الخاضعون لملكوته ينبغي أن يمتلكوا نفس طبيعته وموقفه تجاه الشر!!
الله لا يُسر بموت الشرير بل بأن يرجع عن طرقه فيحيا (حز18: 23) الله ينظر للشرير باعتباره مسكين يستحق الشفقة أكثر من كونه مجرم يستحق العقاب، لأنه بارتكابه للشرور يحكم على نفسه بالموت ويسير بها للهلاك الأبدي، لذلك فالآب السماوي يحتوي الشر بصبر وطول أناة ويتعامل مع الشرير برحمة ويعطيه فرصاً جديدة للتوبة والحياة، وهو يريد من أبنائه أن يكونوا ممثلين لطبيعته هذه على الأرض، لا يتعجلون القصاص من الشرير ولا يبادلونه شراً بشر، فتحويلي الخد الآخر تعبير مجازي عن غفراني للمسيء واستعدادي لمزيد من الغفران!! وتركي للرداء أيضاً يشير للطبيعة التي تُسر بالعطاء للمسيء عن رحمة وليس عن اضطرار!! وسيري الميل الثاني يؤكد أني سرت الميل الأول بدافع المحبة وليس بسبب السخرة!!
وغني عن البيان أن هذا الموقف القلبي لأبناء الملكوت لا يتعارض مع القوانين البشرية التي تحكم المجتمع الذي يعيشون فيه، كما أنه لا يتعارض مع عدالة الله التي تقتص في النهاية من الشر لو ظل الشرير على عناده ورفض التوبة واستهان بأناة الله وغنى لطفه، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

الخميس، 6 سبتمبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (20)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم انه قيل للقدماء لا تحنث.. أما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة» (مت5: 33، 34)
ينتقل ربنا للحديث عن وصية أخرى من وصايا الناموس التي يتعامل معها الناس بسطحية شديدة وسذاجة، ألا وهي الوصية الثالثة «لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يُبرئ مَن نطق باسمه باطلاً» (خر20: 7)
كلنا نحب حين نتكلم أن نُكسب حديثنا مصداقية وقبولاً لدى السامعين، نريد أن يكون لكلماتنا سلطانها على الأخرين وأن يعيروها انتباههم، وهناك أساليب شتى لتحقيق هذا الغرض مثل تغيير نغمة الصوت وارتفاع النبرة واستخدام تعبيرات الوجه وحركات الأيدي أثناء الحديث...، لكن أشهر هذه الأساليب وأكثرها استخداماً هو «الحلف» الذي هو ببساطة ربط الكلام بأمر أو باسم مقدس لإكساب كلامنا قدسية ومصداقية.
والمشكلة هنا أن أحاديثنا لا يمكن أن ترتقي لمستوى القداسة والتنزيه، فناهيك عن الكذب المتعمد في أحيان كثيرة هناك دائماً الكثير من القصور والمحدودية والجهل يشوب أفضل أحاديثنا وأكثرها صدقاً!! فلذلك ينبغي ألا نضفي على أحاديثنا قداسة لا تستحقها ولا نسعى لإكسابها سلطاناً ليس لها.
ولقد اعتاد الأمم المحيطون بشعب إسرائيل أن يحلفوا دائماً بآلهتهم ليؤكدوا أقوالهم رغم احتوائها على الكثير من الأكاذيب والمغالطات، وفي الوصية الثالثة يحذِّر «يهوه» شعبه من استخدام اسمه بهذا الأسلوب لأن اسمه أقدس من أن يقترن بكلامنا الناقص وأعظم من أن يُستخدم ليعطي مصداقية لأقوالنا المملوءة بالأخطاء، وتأكيداً لهذا المعنى عاد موسى ليؤكد على الشعب أنه إذا أقسم أحدهم قسماً مستخدماً اسم الله فينبغي ألا يحنث بل يوفي ما أقسم عليه لئلا يقع تحت طائلة كسر الوصية (عد30: 1، 2)
لكن الشعب بكل التواء وخبث حاول أن يلتف على هذه الوصية ويجردها من معناها، فاستمروا يحلفون لتأكيد كلامهم لكنهم بدلاً من استخدام لفظ الجلالة في حلفهم استخدموا أسماء أخرى مثل «السماء» و«الأرض» و«أورشليم» و«رؤوسهم» أو «رؤوس» أبائهم!! محاولين بذلك أن يستمروا في الحلف واضفاء مصداقية على أقوالهم الممتلئة بالأكاذيب مع تجنب الإساءة لاسم الله!! لكن ربنا يفاجئهم بأن كل الأسماء التي يحلفون بها هي تنتمي أيضاً لله، وبالتالي استخدامهم لأسماء أخرى في الحلف لا يعفيهم من الوقوع تحت طائلة إهانة اسم الله.
ثم ينتقل ربنا بسامعيه إلى الهدف الأساسي لهذه الوصية والتحقيق الأكمل لها وهو أن يكون كلامنا صادقاً وبسيطاً فلا نحتاج لتأكيده بالحلف أو القسم، أن نقول «نعم» حين يكون الصدق هو «نعم» ونقول «لا» حين يكون الصدق هو «لا»، مع الأخذ في الاعتبار أن معرفتنا محدودة ونسبية، وبالتالي فما أراه صدقاً الآن قد أكتشف فيما بعد عدم صدقه، وأقوالي التي أعتقد اليوم أنها كاملة قد أكتشف غداً نقصها وعدم نفعها، فلماذا إذاً نزج باسم الله الكامل والمطلق لنؤكد أقوال ناقصة ومعيبة؟! 
ولقد لخَّص لنا يعقوب في رسالته هذا الحق قائلاً «يا إخوتي لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر بل لتكن نعمكم نعم ولاكم لا لئلا تقعوا تحت الدينونة» (يع5: 12) إن طبيعة الله هي الاستقامة والحق والصدق، ليس فيه ظلمة البتة، ليس عنده تغيير أو دوران، وبالتالي فهو يريد لأبناء ملكوته أن يكونوا مثله، أن يطرحوا عنهم الكذب ويتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه (أف4: 25) وللحديث بقية (يتبع)


الاثنين، 6 أغسطس 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (19)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم انه قيل للقدماء لا تزنِ...» (مت5: 27-32)
مازال ربنا يواصل حديثه عن كيفية فهم العمق الحقيقي لوصايا الناموس والوصول لتطبيقها الكامل عملياً، وكما نزل بوصية «لا تقتل» إلى جذورها العميقة فنهانا عن البغضة والاستهانة بالغير، ها هو يصل بوصية «لا تزنِ» إلى عمقها الحقيقي فينهانا عن الشهوة.
لقد ظن الانسان أن الله ينهى عن فعل الزنى فقط، فترك للشهوة الردية العنان لترتع في فكره ونظره وقلبه وظن أنه في مأمن طالما لم يرتكب الزنى عملياً، بل أوجد منفذاً شرعياً من خلال الطلاق لكسر رباط الزواج والارتباط بأخريات، فاذا تمكنت الشهوة من القلب تجاه امرأة أخرى بخلاف الزوجة فانه يقدم للزوجة كتاب طلاق ويذهب ليتزوج بالأخرى، وهو يشعر أنه بذلك لم يكسر الوصية!!
لكن الرب يفاجئ سامعيه أن غاية الوصية هو النهي عن الشهوة الردية التي لا تشبع ولا تكتفي بالزوجة ولا تقيم وزناً لقصد الله من وراء الزواج وتكوين الأسرة، لقد خلق الله في البدء آدم ثم بنى من أحد أضلاعه حواء، وهكذا صنع الله أول أسرة في تاريخ البشر من رجل واحد وامرأة واحدة، وكان قصد الله أن يختبر الرجل والمرأة في نطاق الأسرة معاني المحبة والاتحاد والمشاركة في ولادة الأبناء وتربيتهم، هذه هي المعاني السامية التي قصدها الله من وراء الغريزة الجنسية المغروسة في أجسادنا، وهي المعاني التي ينسفها تماماً وقوع الطلاق أو الانفصال بين الزوجين (مت19: 4-8)
إن كل خليقة الله صالحة إذا استخدمناها في نطاقها الصحيح، وهذا الحق ينطبق تماماً على الغريزة الجنسية، فهي متى أُستخدمت بشكل صحيح في نطاق الأسرة تصبح مادة بناء واشباع وتقدم، أما إذا خرجت الغريزة الجنسية عن السيطرة وتحولت إلى شهوة لا تفرغ تطلب لنفسها إشباعاً متجدداً، تصبح عندئذ أكبر تهديد يواجه استقرار الأسرة، عندئذ يصبح اشباع الغزيرة هو الهدف في حد ذاته وليس تكوين الأسرة واستقرارها، وهذا هو الزنى في عمقه وجذوره!!
فإذا سمح الرجل لقلبه وعينه ان تشتهي امرأة أخرى بخلاف زوجته فهو في نظر الله قد ارتكب الزنى، وإذا أراد أن يُكسب فعلته هذه شرعية فأعطى لزوجته كتاب طلاق ليتزوج بأخرى فهو يزني ويدفع مُطلقته للزنى (مت5: 32، مت19: 9) فالزنى في نظر يسوع هو كل ما يهدم مخطط الله تجاه الأسرة المكوَّنة من رجل واحد وامرأة واحدة، وهذا هو فكر الله من البدء، وإن كان قد سمح بالطلاق في العهد القديم فلأنه كان لا يزال يعطي مساحة لقساوة قلب الإنسان وبطء فهمه لمقاصد الله وعدم اكتراثه بتتميمها، أما في العهد الجديد فأبناء الملكوت ينبغي أن يعرفوا فكر الله الأصيل ويتعلَّموا كيف يتحكمون في غرائزهم ويستخدمونها بما يتمم مشيئة الله على الأرض!!
  ولأن ربنا يعلم أن هذه الغريزة متأصلة في جسد الإنسان استخدم تعبيرات قوية تحثنا على عدم التهاون مع الميول الخاطئة لهذه الشهوة، مثل اقتلاع العين وقطع اليد!! وهذه بلا شك تعبيرات مجازية لأن ربنا نفسه يعلِّمنا أن مصدر الزنى هو قلب الإنسان وليس أعضاء جسده (مر7: 21-23) لكن ربنا يريدنا أن نحكم بحسم وبشدة على أي تحرك غريب للشهوة بداخلنا كما لو أننا نتخذ قراراً باقتلاع العين أو قطع اليد!! وللحديث بقية (يتبع)