السبت، 2 مارس 2019

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (26)
بقلم : فخرى كرم

«أبانا الذي في السموات» (مت6: 9)
«أبانا»: ابوة الله لنا ليست مجازية أو اعتبارية بل هي ابوة حقيقية إلى أبعد مدى، فاذا كان الأب والأم هما واسطة انتقال الحياة الإنسانية إلينا فمصدر هذه الحياة هو الله الخالق الذي غرس الحياة في آدم وحواء وأعطاهما القدرة على نقل هذه الحياة إلى نسلهما، فاذا كنا ندعو الأب الأرضي «أبانا» وهو مجرد الواسطة التي انتقلت بها الحياة إلينا فكم بالأحرى جداً ندعو الأب السماوي «أبانا» وهو المصدر الأول والمطلق لكل حياة تدب فينا!!
ان الله هو الأب الحقيقي لكل طاقة إيجابية تجدها في جسدك أو نفسك أو روحك، عندما نفخ الرب الإله نسمة الحياة في آدم تحول التراب الهامد إلى نفس حية نابضة بالطاقات والرغبات والقدرات، وقد انتقلت هذه الحياة الينا عبر مئات الأجيال وأصابها الكثير من الخلل والنقص بسبب شرور الإنسان وعدم أمانته تجاه الحياة الكامنة فيه، حتى صرنا نولد بميراث ناقص من الحياة الأولى التي أودعها الله في أبينا أدم، ولكن تبقى الحقيقة أن كل طاقة إيجابية مازالت تتحرك فينا ترجع في أصلها إلى الله الخالق، ولن تعود طاقاتنا تعمل بالشكل الصحيح وفي الاتجاه الصائب إلا إذا عادت تتصل بأبيها السماوي!!
وإذا كان الله هو الأب لكل البشر باعتباره المصدر الأصيل لحياتهم البشرية (أع17: 28) فهذه الأبوة تتضاعف بالنسبة لأبناء الملكوت الذين وُلدوا روحياً من الله بعمل الروح القدس وقبولهم للمسيح (يو1: 13) بالنسبة لهؤلاء يكون الله هو الأب الأصيل لحياتهم البشرية الموروثة من آدم وأيضاً هو الأب لحياتهم الروحية الجديدة المستمدة من الروح القدس، ولذلك عندما يعلمنا يسوع أن نخاطب الله تبارك اسمه بلقب «أبانا» فهو يقصد المعني الحرفي والحقيقي للكلمة على الصعيد الجسدي والروحي!!

الذي في السماوات: لقد أردف ربنا لقب «الآب» بعبارة «الذي في السماوات» لكي يميز أبوة الله عن كل أبوة عرفناها واختبرناها في الأرض، الكثيرون منا يحملون ذكريات مؤلمة وتعيسة تختص بأبائهم الأرضيين، هناك كثيرون يعانون الحرمان من إحساس الأبوة رغم أن أباءهم مازالوا على قيد الحياة، الكثيرون منا تعثرت خطواتهم في الحياة بل وانحرفت عن الصواب بسبب تأثيرات الأباء، هناك الكثيرون يكفي أن يسمعوا كلمة «الأب» حتى ترتجف أوصالهم خوفاً وألماً وإحساساً بالظلم!! إلى كل هؤلاء يقول ربنا أن الله هو أبونا الحقيقي الذي يسمو في كل صفاته عن أباء أجسادنا كما ترتفع السماء عن الأرض، أنه أب «سماوي» في محبته وصلاح وحكمته، بل حتى في تعليمه وتأديبه وتقويمه (عب12: 9، 10)       
عندما ندخل إلى مخادعنا ونصلي لأبينا الذي في السماوات فنحن نعود إلى أصلنا، نرجع للنبع الأول الذي انبثقت منه حياتنا الجسدية والروحية، وعندما نتواصل معه تتجدد فينا كل طاقات أنهكها العالم حتى بدأت تنضب، وتعود تنبعث الحياة في كل قدراتنا التي ضعفت بل وماتت فينا بفعل الخطية، عندما ننتظر أمام الرب تتجدد قوانا وتترفع أجنحتنا كالنسور، نركض في هذه الحياة دون تعب ونمشي في دروبها بلا عياء، عندما ترتفع عيوننا إلى أبينا السماوي تشرق علينا شمس البر وكل الشفاء في أجنحتها!! وللحديث بقية (يتبع)

الأحد، 3 فبراير 2019

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (25)
بقلم : فخرى كرم

«فصلُّوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات» (مت6: 9)
بعد ما تحدث ربنا عن جوهر الصلاة وكونها علاقة سرية في الخفاء مع الآب السماوي، ليس للناس نصيب في تحديد وقتها أو كيفيتها أو مضمونها، كما ليس لهم الحق في تقييمها سلباً أو ايجاباً، بل الآب السماوي وحده الذي يرى صلاة أبنائه في الخفاء هو يجازيهم في العلن..، نجد ربنا يتقدم للحديث عن مضمون الصلاة وموضوعاتها من خلال هذا النموذج الذي اعتادت الكنيسة على تسميته «الصلاة الربانية». والحقيقة أن ربنا لم يقصد مطلقاً أن تكون هذه الصلاة مادة محفوظة تتكرر على ألسنة المؤمنين بنص كلماتها وحروفها، وما يدفعنا للجزم بذلك عدة أسباب:

(1) كان الرب قد نهى سامعيه تواً عن تكرار الكلام باطلاً كالأمم (ع7) ولا يُعقل أنه بعد هذا النهي مباشرة يقدم لهم نصاً ليحفظوه ويكرروه في كل مناسبة بلا وعي، فالمسيحية بحسب الكتاب المقدس لا تنادي بقدسية ألفاظ وعبارات محددة ينبغي أن نكررها في صلواتنا لنوال بركات خاصة، لكنها بالحري تنادي بعلاقة حميمة مع الآب السماوي تتخطى جمود الألفاظ ومحدودية الكلمات!!

(2) كان ربنا يصرف ساعات طويلة في الصلاة وأحياناً كان يقضي الليل كله في الصلاة، ولا يُعقل أن تكون هذه الصلاة بنصها هي موضوع صلاته وهي التي لا يستغرق ترديدها سوى ثوانٍ معدودة!!

(3) لم يُذكر في كل العهد الجديد أن تلاميذ الرب قد صلوا هذه الصلاة بنصها أو اقتبسوا منها عبارات في مواعظهم أو رسائلهم، أو تباركوا بترديدها في بداية عبادتهم أو نهايتها، أو علَّموا أتباعهم أن يحفظوها ويرددوها في صلواتهم، وإذا كنا نؤمن أن تلاميذ الرب هم أكثر الكل فهماً لتعاليم سيدهم فلابد أن نستنتج بالتالي أنهم لم يتعلموا من الرب أبداً ضرورة حفظ وترديد هذه الصلاة!!
كل هذه الأسباب تدفعنا لنفهم أن ربنا لم يقصد أن نحفظ نص هذه الصلاة ونردده، لكنه كان يقصد أن يلخص لنا المجالات التي ينبغي أن تدور فيها صلاتنا، فبين مقدمة وخاتمة نجد الرب يذكر لنا ستة مجالات لابد أن تدور صلاتنا في فلكهم، بل نستطيع أن نجزم أنه لم تخرج صلاة أي مؤمن طوال التاريخ البشري خارج نطاق هذه المجالات الستة!!

مقدمة: «أبانا الذي في السموات»
«أبانا»: هذه ليست كلمة للحفظ والترديد بل موقف قلبي ندخل به إلى ما وراء الحجاب!! ونحن نتقدم إلى الأقداس لابد أن نكون في موقف الابن الذي يتلهف ويشتاق للارتماء في حضن أبيه، انه لا يؤدي فرضاً ولا يصنع واجباً بل هو يسرع بشغف إلى موضع راحته!! ان وقت الصلاة والاختلاء بالآب السماوي هو واحة راحتنا الوحيدة في هذه البرية شديدة القسوة، انه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نرتوي فيه من مياه نقية بدلاً من المياه المالحة التي يقدمها لنا العالم كل الوقت، ان محضر الآب السماوي هو المجال الوحيد الذي سنجد فيه «خبزاً» يسد جوعنا بدلاً من «الأحجار» التي يلقمنا إياها الناس، انه الموضع الوحيد الذي اذا طلبنا فيه «بيضة» سنجدها متاحة ومُشبعة ومُغذية بينما خارج هذا المحضر القدوس إذا لمس الناس جوعنا قدموا لنا مشاعر مزيفة وملتوية مثل «الحية»!!    يا ترى هل هذا هو بالحقيقة موقفنا من الصلاة؟!   وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 1 يناير 2019

صفحة يسوع هو الحياة

صفحة ( يسوع هو الحياة ) بها مجموعة من المقالات و العظات الروحية المفيدة لباقة من رجال الله الأتقياء ... بعمل ( إعجاب ) ( لايك like ) للصفحة يصلك كل جديد من المقالات و العظات ....رابط الصفحة هو :-

https://www.facebook.com/%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%B9-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-532483980169207/

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (24)
بقلم : فخرى كرم
«متى صنعت صدقة فلا تعرِّف شمالك ما تفعل يمينك» (مت6: 3)
العطاء صفة جوهرية في طبيعة الآب السماوي الذي هو «أبو الأنوار» الذي تنزل من عنده كل عطية صالحة وكل موهبة تامة، عطاء الله لخليقته متواصل طوال الوقت لا يتوقف أبداً، فلو توقف هذا العطاء للحظة واحدة توقف سريان الحياة نفسها، وعندما صنع الله خليقته وضع في جوهرها قانون العطاء بحيث لا تستمر الحياة إلا باستمرار العطاء، الشمس لا تكف عن الشروق كل يوم لتعطي النور والدفء والحياة لكل الأرض، والأرض كلها في حالة تبادل للمنفعة والعطاء لا يتوقف لحظة واحدة، ضوء الشمس يعطي الغذاء للنبات والنبات يعطي الغذاء للحيوان الذي يعطي بمخلفاته الغذاء للتربة لكي ينمو النبات!! الأمطار تعطي الحياة للأنهار التي تروي الأرض وتتبخر مياهها لتعطي سحاباً يمطر على الأرض ويتحول إلى أنهار من جديد، وهكذا دواليك حتى يأذن الله بنهاية للزمان، ان دورة الحياة على الأرض هي في جوهرها دورة عطاء متبادل!!
غريزة الأبوة أو الأمومة ماهي إلا رغبة دفينة للعطاء، فالأب لا يشعر بكمال رجولته إلا إذا أعطى من نفسه وقوته لأبنائه، وكذلك الأم لا تشعر بالشبع إلا إذا منحت كل اهتمام وحنو لأطفالها، الذين بدورهم عندما يكبرون يصبحون أباء وأمهات لأجيال جديدة، ولا يمكننا للحظة تخيل الحياة بدون هذا العطاء المتواصل عبر الأجيال!!
ولأن العطاء هو طبيعة الله فلابد أن تظهر ذات الطبيعة في أبنائه، فكل ابن لله يجد سروره في العطاء الدائم والمستمر، ولا يمكن للمؤمن المسيحي أن يتمتع بشركة حقيقية مع أبيه السماوي بدون أن يشترك معه في عطائه لخليقته، سواء كان هذا العطاء على المستوى المادي أو النفسي أو الروحي، وسواء كان العطاء للأحباء أو للأعداء، دون اعتبار لرد الفعل أو انتظار للمجازاة، فالله يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين، ولذلك قال ربنا «أحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً فيكون أجركم عظيماً وتكونوا بني العلي، فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار» (لو6: 35)
الدافع الوحيد للعطاء عند أبناء الملكوت هو أن يتوافقوا مع الآب السماوي في طبيعته ويشتركوا معه في عمله المتواصل في خليقته، عندما يقدمون عطاء للآخرين يكون هدفهم الوحيد هو اشباع قلب الله وتتميم مشيئته، ولذلك هم يقدمون عطاءهم أمام عيني الآب وليس أمام عيون الناس، لا يبحثون عن تقدير الناس ولا يستجدون مديحهم، لا يسعون لتعريف القريبين منهم بما يفعلون من احسان حتى لو كانوا في قرب اليد اليسرى، ولا يبتكرون أساليب زاعقة وعلانية للعطاء لكي يلفتوا أنظار البعيدين عنهم!!  
العطاء بالنسبة لأبناء الملكوت ليس نشاط يقوم به الأغنياء تجاه الفقراء بل هو أسلوب حياة وطبيعة قلب ومجال للعبادة، ولذلك تجد حتى الفقراء منهم يسرون بالعطاء!! لقد قدمت كنائس مكدونية عطايا سخية بفرح رغم فقرهم الشديد، والسبب هو أنهم قدموا أولاً أنفسهم للرب، فكان اتحادهم بالرب هو الدافع لعطائهم (2كو8: 1-5) والأرملة الفقيرة التي وضعت الفلسين في خزانة الهيكل كانت متوافقة ومرضية لقلب الرب أكثر من جميع الأغنياء (لو21: 3) وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 1 ديسمبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (23)
بقلم : فخرى كرم
«احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم» (مت6: 1)

بعدما تكلم ربنا عن بعض وصايا الناموس وكيف يصل أبناء الملكوت لتحقيقها الكامل تشبهاَ بأبيهم السماوي الكامل، ينتقل بنا للحديث عن بعض السلوكيات المزيفة التي شاعت في المجتمع الديني في ذلك الوقت وما يقابلها من سلوكيات حقيقية ينبغي أن توجد في حياة أبناء الملكوت.
حرص رجال الدين اليهود على مر أجيالهم على وضع نظم وقوانين ومواقيت لأعمال البر مثل الصدقة والصلاة والصوم، ورغم أن الناموس لم يقنن أي شكل يحكم أعمال البر هذه وترك تحديدها لظروف كل فرد وعمق علاقته بالله إلا أن رجال الدين أبوا إلا أن يضعوا قوانين للعطاء (مت15: 5) ومواقيت للصلاة (أع3: 1) وأيام للصوم (لو18: 12)
وعادة ما تكون هذه النظم والقوانين أحمالاً عسرة الحمل يضعها القادة الدينيين على أكتاف أفراد الشعب العاديين الذين في الغالب لا يستطيعون حملها (مت23: 4) وهذا مقصود لكي يشعر أفراد الشعب دائماً بتقصيرهم وبأفضلية وتفوق رجال الدين عنهم، فينحنوا لهم خوفاً وخضوعاً وتقديساً!! ولهذا اعتاد رجال الدين على ممارسة أعمال البر بشكل علني واظهار أنفسهم للناس لكي يجتذبوا أنظارهم وإعجابهم ويزيدوا الفجوة الفاصلة بينهم وبين عامة الشعب اتساعاً!! 
ويصف ربنا هؤلاء القادة بـ «المراؤون» وهي كلمة تشير في أصلها للممثلين الذين يرتدون أقنعة على خشبة المسرح ليظهروا للجمهور على غير حقيقتهم!! وهنا يفاجئ الرب سامعيه بأن أعمال البر التي يمارسها رجال الدين لم يكن مقصوداً منها إرضاء الله بقدر ما كان المقصود هو الاختباء وراءها والظهور للناس بمظهر لا يعكس حقيقتهم، سعياً لجذب الأنظار والاعجاب!!
والرب هنا يلفت أنظارنا إلى داء يستشري في أعماقنا جميعاً، فالرياء الذي وصف به الرب القادة الدينيين في عصره مازال موجوداً في عمق كل واحد منا بدرجة أو بأخرى، الذات الكامنة في قلوبنا تسعى دائماً لتتجمل في عيون الآخرين لتجتذب أنظارهم واعجابهم، ذواتنا تشعر بالأمان والثقة إذا شعرت أن هناك من ينجذب إليها ويعجب بها، وعلى العكس هي تشعر بالخوف والاهتزاز إذا لم تشعر باهتمام الأخرين وتقديرهم، ولذلك هي لا تدخر جهداً في إظهار مهارتها ومواضع قوتها ولا تتوانى في إخفاء عيوبها ومواطن ضعفها!!
وإذا كان هذا السلوك للذات البشرية غير مستغرب في كل مجالات الحياة إلا أنه يصبح مستهجناً جداً إذا تسرب إلى المجال الديني والعلاقة مع الله!! فعندما تستخدم ذواتنا أعمال البر لكي تتجمل في عيون الناس بدلاً من السعي لإرضاء الله نكون قد ابتعدنا جداً عن الحياة الروحية الحقيقية، وعندما نتعمد اظهار ممارستنا الدينية لنخفي وراءها حقيقة قلوبنا الشريرة نكون مراؤون بكل تأكيد، وعندما تتحول العلاقة مع الله إلى ستار نخفي خلفه شهوة قلوبنا للتعالي والسيطرة على الأخرين نكون قد أخطأنا في حق الله ومستحقين للقضاء!!
وهنا ينتقل ربنا للكلام عن أبناء الملكوت وكيف ينبغي أن يمارسوا أعمل البر في علاقتهم بالله، فقط أبناء الله الحقيقيون يستطيعون بالروح القدس أن يكسروا سلطان هذه الذات الرديئة ويقدموا لله عبادة حقيقية تطلب وجهه فعلاً وتسعى لرضاه حقاً، الروح المولودة من الله هي فقط التي تستطيع أن تقدم لله اعمال بر ترضيه وتدخل السرور إلى قلبه، وحدها هذه الروح تستطيع أن تعبد الله في الخفاء بعيداً عن عيون الناس وتقييمهم، ولهذا حديث آخر (يتبع)

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (22)
بقلم : فخرى كرم
«لي النقمة أنا أجازي يقول الرب» (رو12: 19)

 لا يمكننا فهم تعاليم العهد الجديد عموماً وموعظة الجبل خاصة إلا في ضوء حق إلهي راسخ في كل الكتاب المقدس بعهديه ألا وهو عدالة الله وسلطانه القضائي (تث32: 34-42) الكتاب يعلمنا أن الله هو القاضي العادل الذي يسود على كل المسكونة (مز11: 4-7) كل طرقه مستقيمة وطوال الوقت هو يُجري عدلاً وحقاً (مز99: 4) وقضاء الله دائماً يشمل الانتقام من الشر ومجازاة الخير (تث32: 35)
إن اهتز إيماننا بوجود هذا القاضي العادل اهتزت الأرض تحت أرجلنا، وفقدنا ثباتنا في مواجهة الشرور التي تحيط بنا كل الوقت، وتصبح عندئذ كلمات موعظة الجبل غير منطقية وغير قابلة للتطبيق العملي (حاشا) فكيف يمكننا فهم قول ربنا «لا تقاوموا الشر» إلا في ضوء ادراكنا لوجود إله يقاوم وينتقم من الشر؟! كيف يمكنني ألا أنتقم ممن لطمني إلا في ضوء ثقتي في أن الله العادل سينتقم من هذه اللطمة؟! وكيف أحب وأصلي لأجل المسيء إليّ إلا في ضوء فهمي أن الله في علاه قد رأى الإساءة وكتب في سفر قضائه قصاصها العادل؟!!
إن الختوم والأبواق والجامات التي نقرأ عنها في سفر الرؤيا ما هي إلا أحكام الله العادلة التي تنتقم من شر الإنسان وفساده على الأرض، هذه الأحكام مكتوبة في سفر مختوم لا يستطيع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتحه ولا أن ينظر إليه بسبب شدة وقسوة الأحكام المكتوبة فيه، وحده الرب يسوع (الأسد الخارج من سبط يهوذا) سيأخذ هذا السفر ويفك ختومه ويأمر بسكب القضاء المكتوب فيه على الأرض (رؤ5-18) لأن الآب قد أعطى كل الدينونة للأبن (يو5: 22) وأقام يوماً هو مزمع أن يدين فيه كل المسكونة بالعدل بربنا يسوع المسيح (أع17: 31)
نتعلم من كلمة الله أن كل أعمال الأشرار تُدون في أسفار، وهذه الأسفار ستُفتح أمام العرش الأبيض العظيم وسيعطي الناس حساباً عن كل أعمالهم الشريرة التي صنعوها على الأرض (رؤ20: 11-15) وهذه الأسفار لا تحتوي على الأعمال فقط بل تشمل كل كلمة بطالة نطقوا بها (مت12: 36) بل تشمل أفكارهم الخفية وسرائرهم التي لم يعلم بها أحد سوى الله (رو2: 16)
على أساس هذا الحق الكتابي الراسخ يمكننا أن نفهم كلمات موعظة الجبل فهماً صحيحاً، فعندما يطالبنا الرب بألا ننتقم من الشر فهو يطالب أبناء ملكوته ألا يأخذوا صفة القاضي ولا يجلسوا على كرسي القضاء لأن القاضي العادل جالس بالفعل على كرسيه!! ونحن لا يمكننا أن نكون خصوم وقضاة في نفس الوقت!! لو كنا نؤمن أن القاضي العادل جالس على عرشه فينبغي أن نحيل أمرنا إليه ولا نمد أيدينا لننتقم من الشر، تماماً كما كان سيدنا يفعل معطياً لنا مثالاً وقدوة، الذي إذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل (1بط2: 23)
لو كان قاضينا العادل يتأنى في قضائه لأنه لا يُسر بموت الشرير بل برجوعه عن طرقه فيحيا (حز18: 23) ولو كان أبونا السماوي يؤجل القصاص ليمنح المخطئ كل فرص التوبة فلابد أن نقتدي به ونكون كاملين مثله، فلابد إذاً ألا ننتقم لأنفسنا بل نتأنى ونصلي لأجل خلاص المسيئين إلينا، ونُحسن إليهم بقدر طاقتنا موفرين لهم كل فرص التوبة والنجاة!! وللحديث بقية (يتبع)

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (21)
بقلم : فخرى كرم
«سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن» (مت5: 38)

يشير ربنا هنا لوصية ضمن الوصايا التي أعطاها الله للشعب اليهودي ليؤسس بها دستوراً ينظم ويحكم علاقات أفراد الشعب داخل الدولة المزمع تأسيسها في أرض الموعد (لا 24 : 20) وهي الوصية التي أعاد موسى تأكيدها واستفاض في شرحها للشعب (تث19: 21) وهي تهدف لمقاومة الأعمال الشريرة ومنع انتشارها في المجتمع من خلال الخوف من القصاص الذي ينبغي أن يكون من نفس جنس العمل الشرير وبنفس مقداره (تث19: 19، 20) فلعل الإنسان يمتنع عن فعل الشر إذا علم أن نفس الشر الذي يريد أن يلحقه بالآخرين سوف يصيبه هو وبنفس المقدار.
ورغم أن جوهر هذه الوصية هو «مقاومة الشر بالشر» إلا أنها مازالت حتى يومنا هذا تمثل أساساً لمعظم القوانين التي تضعها الدول لمقاومة انتشار الشرور في مجتمعاتها، فلو لم يكن هناك قصاص معادل في قسوته للفعل الشرير لفعل الناس الشر بعضهم ببعض دون رادع!! فهذه الوصية تعبِّر عن أقصى ما يستطيع البشر أن يفعلوه للحد من انتشار الشر في المجتمع.
لكن ربنا يريد أن يرفع أفكار تلاميذه إلى مستوى أعلى للوصية ويصل بها إلى كمالها، لذلك نجده يفاجئ سامعيه بقوله «أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر»!! ولابد أن نفهم جيداً أن ربنا لا يضع هنا أساساً لقوانين جديدة ينبغي أن تحكم المجتمع البشري، بل هو يكلمنا عن طبيعة الله الآب وقوانينه التي تحكم ملكوته السماوي. إن طبيعة الله لا تقاوم الشر بالشر بل تحتوي الشر وتغلبه بالخير (رو12: 21) الله لا يمتلئ بالشر تجاه الأشرار بل هو ممتلئ دائماً بالمحبة والخير نحوهم، لا يمكن للشر أن يحرك رد فعل شريراً في قلب الله، حاشا، فطبيعة الله خالية من الشر ولا تحركه ردود الأفعال بل هو دائماً الفاعل الصالح والمقتدر المتحكم في كل مجريات الأمور، وأبناء الله الخاضعون لملكوته ينبغي أن يمتلكوا نفس طبيعته وموقفه تجاه الشر!!
الله لا يُسر بموت الشرير بل بأن يرجع عن طرقه فيحيا (حز18: 23) الله ينظر للشرير باعتباره مسكين يستحق الشفقة أكثر من كونه مجرم يستحق العقاب، لأنه بارتكابه للشرور يحكم على نفسه بالموت ويسير بها للهلاك الأبدي، لذلك فالآب السماوي يحتوي الشر بصبر وطول أناة ويتعامل مع الشرير برحمة ويعطيه فرصاً جديدة للتوبة والحياة، وهو يريد من أبنائه أن يكونوا ممثلين لطبيعته هذه على الأرض، لا يتعجلون القصاص من الشرير ولا يبادلونه شراً بشر، فتحويلي الخد الآخر تعبير مجازي عن غفراني للمسيء واستعدادي لمزيد من الغفران!! وتركي للرداء أيضاً يشير للطبيعة التي تُسر بالعطاء للمسيء عن رحمة وليس عن اضطرار!! وسيري الميل الثاني يؤكد أني سرت الميل الأول بدافع المحبة وليس بسبب السخرة!!
وغني عن البيان أن هذا الموقف القلبي لأبناء الملكوت لا يتعارض مع القوانين البشرية التي تحكم المجتمع الذي يعيشون فيه، كما أنه لا يتعارض مع عدالة الله التي تقتص في النهاية من الشر لو ظل الشرير على عناده ورفض التوبة واستهان بأناة الله وغنى لطفه، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)