الاثنين، 6 مايو 2019

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (28)
بقلم : فخرى كرم

«ليتقدس اسمك» (مت6: 9)
خلق الله الإنسان على صورته بمعنى أنه وضع فيه بعضاً من صفاته ولو بشكل جزئي ومحدود، وكان القصد الإلهي أن يكون الإنسان هو المُعلن عن اسم الله (أي صفاته) على الأرض، ولكن بالسقوط تشوهت طبيعة الإنسان وأصبح يعكس صورة غير حقيقية عن الله، وبدل أن يجتذب المجد لله أصبح يجلب التجديف على اسمه (رو2: 24) حتى جاء ملء الزمان وأتى «ابن الإنسان» الحقيقي وعاش على الأرض صورة الله غير المنظور ورسم جوهره، لقد «قدَّس» يسوع اسم الله وصفاته أمام عيوننا، حتى أنه بعد مرور ألفي عام مازالت صورة الله التي رأيناها في يسوع هي موضوع إيماننا ومصدر ثباتنا وحصن أماننا!!
 وعندما يطلب منا يسوع أن تكون طلبتنا الأولى في الصلاة هي «ليتقدس اسمك» لا يقصد أن نكرر هذه الجملة بحصر اللفظ، لكنه يقصد أن نفهم أن مهمتنا الأولى التي خُلقنا وأُفتدينا لأجلها هي أن يتقدس اسم الله في حياتنا أولاً ثم يتقدس من خلالنا في أعين الآخرين، يقصد أن نحمل مسئولية اكمال العمل الذي بدأه هو على الأرض، أن يظل اسم الآب ممجداً في حياتنا كما تمجد في حياة يسوع.
«ليتقدس اسمك» تعني أن نخصص وقتاً في صلاتنا اليومية لنتضرع أمام الله لكي يغرس في أعماقنا صفات الله التي تجسدت في حياة يسوع، نحن لا يمكننا أن نقدِّس اسم الله في عيون الأخرين إلا إذا كان هذا الاسم مُقدساً في حياتنا نحن أولاً، هل أعماقنا تدرك قداسة الله وتخافه وتخضع له؟! هل حقاً نحن نستند على قدرته ونرتمي على محبته ونختبئ في صلاحه؟! قبل أن نستطيع تقديس اسم الله في سلوكنا الخارجي يوصينا الرسول بطرس قائلاً «قدِّسوا الرب الإله في قلوبكم» (1بط3: 15)
«ليتقدس اسمك» تعني أن نصرف وقتاً كافياً أمام الروح القدس ليفحص حياتنا ويمتحن سلوكنا، هل تصرفاتنا تنقل للمتعاملين معنا صورة الله المجيدة الموجودة في أعماقنا؟! هل مَنْ يسمع أقوالنا ويرى أفعالنا يسبِّح إلهنا ويمجده؟! وإذا أشار الروح القدس على نقص في سلوكنا أو خلل في تصرفاتنا فلابد أن نعطي وقتاً كافياً للاعتراف بالخطأ والتوبة عنه، ولطلب النعمة والمعونة لكي نقوِّم سلوكنا لمجد الله.
«ليتقدس اسمك» تعني أن نصلي ليقودنا الله بالروح القدس لتمييز مشيئته في حياتنا وتتميمها، فالطريق الوحيد ليتمجد الله في حياتنا هو أن نكمل عمله الذي كلفنا به، ولذلك قرن ربنا في صلاته الشفاعية بين مجد الآب وتكميل مشيئته «أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته» (يو17: 4) لذلك لابد أن تحتوي صلاتنا على طلب الامتلاء بالروح القدس ومواهبه لكي نستطيع أن نقدس اسم الله في حياتنا.
«ليتقدس اسمك» تعني أن نصرف وقتاً كافياً لنتشفع لأجل كل قصور أو خلل نراه وسط الكنيسة، فلكي يتقدس اسم الله ينبغي أن تكون الكنيسة كلها في حالة لائقة تعكس صلاح الله وقداسته، وما نطلبه لأنفسنا ينبغي أن نطلبه لإخوتنا في جسد المسيح، فليس قصد الرب أن يتمجد في حياتنا كأفراد فقط بل بالأحرى كرعايا ملكوت واحد هو ملكوت السماوات، وللحديث بقية (يتبع) 

الثلاثاء، 2 أبريل 2019

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (27)
بقلم : فخرى كرم

«ليتقدس اسمك» (مت6: 9)
«الاسم» هو واسطة التعريف بشخص أو شيء ما، وبمجرد ذكر «الاسم» ترتسم في أذهاننا مجموعة الصفات التي نعرفها عن صاحب هذا الاسم، واسماء الله هي مجموع صفاته التي أعلنها عن نفسه ويريدنا أن نعرفه بها، وأن يتقدس اسم الله يعني أن تُستعلن صفاته ببهاء وعظمة في حياتنا ومن خلالنا للأخرين.
عندما يطلب منا الرب أن نقول «ليتقدس اسمك» فهو يضعنا مباشرة أمام مسئوليتنا وهدف وجودنا في الحياة، لأن هدف الله الأول من خلق الانسان هو التعريف بصفاته أمام كل الخليقة. عندما خلق الله كل الخليقة أظهر فيها قدرته السرمدية ولاهوته ولكن عندما خلق الإنسان وضع فيه صورته ومثاله، أي أن صفات الله الشخصية لا تظهر في كل الخليقة بقدر ظهورها في الانسان!! اننا دون أن نشعر نتخيل صورة الله على شكل «انسان» فائق العظمة والقدرة، لماذا؟ لأن الله وضع صورته في «الانسان»!! لماذا نؤمن أن الله محب وصالح وعادل وطاهر... إلى آخر هذه الصفات الرائعة؟ ببساطة لأن هذه هي الصفات التي نراها في «الإنسان» إذا وصل إلى أعظم حدود كماله!! وإن كان الكتاب المقدس يعلمنا أن الله روح ولا يمكن التعبير عنه تعبيراً كاملاً من خلال صورة الانسان المحدودة والقاصرة ولكن يبقى «الانسان» هو المخلوق الوحيد القادر على التعريف بصفات الله!!
عندما سقط آدم في الخطية ابتعد عن صورته الأولى وأكتسب صفات رديئة من الحية القديمة التي استمع إليها وخضع لسلطانها، وبالتالي أصبحت صورة الله التي ينقلها للخليقة هي صورة ناقصة ومشوهة. ولذلك أتى ربنا إلى العالم في ملء الزمان لكي يحمل إلينا صورة الله غير المنظور، وكان هو الانسان الكامل الذي قدم للخليقة صورة صحيحة عن صفات الله، كان قدوساً بلا خطية ورفض الاستماع لإبليس والخضوع له فقدم لنا صورة كاملة لله بلا تشوه، حتى أنه قال لتلاميذه «من رآني فقد رأى الآب» (يو14: 9) كان هو من رسم جوهر الله أمام عيون خليقته ولذلك أحبته الخليقة كلها وخضعت له، فرأينا السمك يدخل الى الشباك الخاوية والأمواج تحمله على ظهرها والرياح تسكن خضوعاً لأمره!!
لقد جاء يسوع لكي «يُقدِّس» اسم الله في عيون البشر، أعماله وحياته وأقواله أعادت البريق واللمعان لكل صفات الله التي تشوهت في عيون الناس بسبب السلوكيات الرديئة لرجال الدين المنتسبين لله، رجال الدين الذين مزجوا بين كلام الله ومنطق الحية القديمة فقدموا للشعب صورة مشوهة عن إلههم، ولأن الشعب يستمد صورة الله من خلال الانسان المنتسب لله فكان لابد أن يتجسد الرب ويأتي في صورة انسان ويعيش وسط الناس ويتلامس مع حياتهم لكي يعيد لصورة الله مصداقيتها وروعتها.
الأغلبية من الخطاة والمنبوذين في المجتمع اليهودي كان الدافع وراء حياتهم الخاطئة هو تمردهم على صورة الله المشوهة التي يقدمها لهم الكتبة والفريسيين، ولكن لما جاء يسوع حاملاً الصورة الحقيقية عن الله واقترب من هؤلاء المنبوذين وأحبهم وأكل معهم رأيناهم يحبون صورة الله الظاهرة في يسوع، وكان هذا دافعهم للتوبة والرجوع لحياة البر والقداسة!! وللحديث بقية (يتبع)  

السبت، 2 مارس 2019

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (26)
بقلم : فخرى كرم

«أبانا الذي في السموات» (مت6: 9)
«أبانا»: ابوة الله لنا ليست مجازية أو اعتبارية بل هي ابوة حقيقية إلى أبعد مدى، فاذا كان الأب والأم هما واسطة انتقال الحياة الإنسانية إلينا فمصدر هذه الحياة هو الله الخالق الذي غرس الحياة في آدم وحواء وأعطاهما القدرة على نقل هذه الحياة إلى نسلهما، فاذا كنا ندعو الأب الأرضي «أبانا» وهو مجرد الواسطة التي انتقلت بها الحياة إلينا فكم بالأحرى جداً ندعو الأب السماوي «أبانا» وهو المصدر الأول والمطلق لكل حياة تدب فينا!!
ان الله هو الأب الحقيقي لكل طاقة إيجابية تجدها في جسدك أو نفسك أو روحك، عندما نفخ الرب الإله نسمة الحياة في آدم تحول التراب الهامد إلى نفس حية نابضة بالطاقات والرغبات والقدرات، وقد انتقلت هذه الحياة الينا عبر مئات الأجيال وأصابها الكثير من الخلل والنقص بسبب شرور الإنسان وعدم أمانته تجاه الحياة الكامنة فيه، حتى صرنا نولد بميراث ناقص من الحياة الأولى التي أودعها الله في أبينا أدم، ولكن تبقى الحقيقة أن كل طاقة إيجابية مازالت تتحرك فينا ترجع في أصلها إلى الله الخالق، ولن تعود طاقاتنا تعمل بالشكل الصحيح وفي الاتجاه الصائب إلا إذا عادت تتصل بأبيها السماوي!!
وإذا كان الله هو الأب لكل البشر باعتباره المصدر الأصيل لحياتهم البشرية (أع17: 28) فهذه الأبوة تتضاعف بالنسبة لأبناء الملكوت الذين وُلدوا روحياً من الله بعمل الروح القدس وقبولهم للمسيح (يو1: 13) بالنسبة لهؤلاء يكون الله هو الأب الأصيل لحياتهم البشرية الموروثة من آدم وأيضاً هو الأب لحياتهم الروحية الجديدة المستمدة من الروح القدس، ولذلك عندما يعلمنا يسوع أن نخاطب الله تبارك اسمه بلقب «أبانا» فهو يقصد المعني الحرفي والحقيقي للكلمة على الصعيد الجسدي والروحي!!

الذي في السماوات: لقد أردف ربنا لقب «الآب» بعبارة «الذي في السماوات» لكي يميز أبوة الله عن كل أبوة عرفناها واختبرناها في الأرض، الكثيرون منا يحملون ذكريات مؤلمة وتعيسة تختص بأبائهم الأرضيين، هناك كثيرون يعانون الحرمان من إحساس الأبوة رغم أن أباءهم مازالوا على قيد الحياة، الكثيرون منا تعثرت خطواتهم في الحياة بل وانحرفت عن الصواب بسبب تأثيرات الأباء، هناك الكثيرون يكفي أن يسمعوا كلمة «الأب» حتى ترتجف أوصالهم خوفاً وألماً وإحساساً بالظلم!! إلى كل هؤلاء يقول ربنا أن الله هو أبونا الحقيقي الذي يسمو في كل صفاته عن أباء أجسادنا كما ترتفع السماء عن الأرض، أنه أب «سماوي» في محبته وصلاح وحكمته، بل حتى في تعليمه وتأديبه وتقويمه (عب12: 9، 10)       
عندما ندخل إلى مخادعنا ونصلي لأبينا الذي في السماوات فنحن نعود إلى أصلنا، نرجع للنبع الأول الذي انبثقت منه حياتنا الجسدية والروحية، وعندما نتواصل معه تتجدد فينا كل طاقات أنهكها العالم حتى بدأت تنضب، وتعود تنبعث الحياة في كل قدراتنا التي ضعفت بل وماتت فينا بفعل الخطية، عندما ننتظر أمام الرب تتجدد قوانا وتترفع أجنحتنا كالنسور، نركض في هذه الحياة دون تعب ونمشي في دروبها بلا عياء، عندما ترتفع عيوننا إلى أبينا السماوي تشرق علينا شمس البر وكل الشفاء في أجنحتها!! وللحديث بقية (يتبع)

الأحد، 3 فبراير 2019

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (25)
بقلم : فخرى كرم

«فصلُّوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات» (مت6: 9)
بعد ما تحدث ربنا عن جوهر الصلاة وكونها علاقة سرية في الخفاء مع الآب السماوي، ليس للناس نصيب في تحديد وقتها أو كيفيتها أو مضمونها، كما ليس لهم الحق في تقييمها سلباً أو ايجاباً، بل الآب السماوي وحده الذي يرى صلاة أبنائه في الخفاء هو يجازيهم في العلن..، نجد ربنا يتقدم للحديث عن مضمون الصلاة وموضوعاتها من خلال هذا النموذج الذي اعتادت الكنيسة على تسميته «الصلاة الربانية». والحقيقة أن ربنا لم يقصد مطلقاً أن تكون هذه الصلاة مادة محفوظة تتكرر على ألسنة المؤمنين بنص كلماتها وحروفها، وما يدفعنا للجزم بذلك عدة أسباب:

(1) كان الرب قد نهى سامعيه تواً عن تكرار الكلام باطلاً كالأمم (ع7) ولا يُعقل أنه بعد هذا النهي مباشرة يقدم لهم نصاً ليحفظوه ويكرروه في كل مناسبة بلا وعي، فالمسيحية بحسب الكتاب المقدس لا تنادي بقدسية ألفاظ وعبارات محددة ينبغي أن نكررها في صلواتنا لنوال بركات خاصة، لكنها بالحري تنادي بعلاقة حميمة مع الآب السماوي تتخطى جمود الألفاظ ومحدودية الكلمات!!

(2) كان ربنا يصرف ساعات طويلة في الصلاة وأحياناً كان يقضي الليل كله في الصلاة، ولا يُعقل أن تكون هذه الصلاة بنصها هي موضوع صلاته وهي التي لا يستغرق ترديدها سوى ثوانٍ معدودة!!

(3) لم يُذكر في كل العهد الجديد أن تلاميذ الرب قد صلوا هذه الصلاة بنصها أو اقتبسوا منها عبارات في مواعظهم أو رسائلهم، أو تباركوا بترديدها في بداية عبادتهم أو نهايتها، أو علَّموا أتباعهم أن يحفظوها ويرددوها في صلواتهم، وإذا كنا نؤمن أن تلاميذ الرب هم أكثر الكل فهماً لتعاليم سيدهم فلابد أن نستنتج بالتالي أنهم لم يتعلموا من الرب أبداً ضرورة حفظ وترديد هذه الصلاة!!
كل هذه الأسباب تدفعنا لنفهم أن ربنا لم يقصد أن نحفظ نص هذه الصلاة ونردده، لكنه كان يقصد أن يلخص لنا المجالات التي ينبغي أن تدور فيها صلاتنا، فبين مقدمة وخاتمة نجد الرب يذكر لنا ستة مجالات لابد أن تدور صلاتنا في فلكهم، بل نستطيع أن نجزم أنه لم تخرج صلاة أي مؤمن طوال التاريخ البشري خارج نطاق هذه المجالات الستة!!

مقدمة: «أبانا الذي في السموات»
«أبانا»: هذه ليست كلمة للحفظ والترديد بل موقف قلبي ندخل به إلى ما وراء الحجاب!! ونحن نتقدم إلى الأقداس لابد أن نكون في موقف الابن الذي يتلهف ويشتاق للارتماء في حضن أبيه، انه لا يؤدي فرضاً ولا يصنع واجباً بل هو يسرع بشغف إلى موضع راحته!! ان وقت الصلاة والاختلاء بالآب السماوي هو واحة راحتنا الوحيدة في هذه البرية شديدة القسوة، انه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نرتوي فيه من مياه نقية بدلاً من المياه المالحة التي يقدمها لنا العالم كل الوقت، ان محضر الآب السماوي هو المجال الوحيد الذي سنجد فيه «خبزاً» يسد جوعنا بدلاً من «الأحجار» التي يلقمنا إياها الناس، انه الموضع الوحيد الذي اذا طلبنا فيه «بيضة» سنجدها متاحة ومُشبعة ومُغذية بينما خارج هذا المحضر القدوس إذا لمس الناس جوعنا قدموا لنا مشاعر مزيفة وملتوية مثل «الحية»!!    يا ترى هل هذا هو بالحقيقة موقفنا من الصلاة؟!   وللحديث بقية (يتبع)

الثلاثاء، 1 يناير 2019

صفحة يسوع هو الحياة

صفحة ( يسوع هو الحياة ) بها مجموعة من المقالات و العظات الروحية المفيدة لباقة من رجال الله الأتقياء ... بعمل ( إعجاب ) ( لايك like ) للصفحة يصلك كل جديد من المقالات و العظات ....رابط الصفحة هو :-

https://www.facebook.com/%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%B9-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-532483980169207/

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (24)
بقلم : فخرى كرم
«متى صنعت صدقة فلا تعرِّف شمالك ما تفعل يمينك» (مت6: 3)
العطاء صفة جوهرية في طبيعة الآب السماوي الذي هو «أبو الأنوار» الذي تنزل من عنده كل عطية صالحة وكل موهبة تامة، عطاء الله لخليقته متواصل طوال الوقت لا يتوقف أبداً، فلو توقف هذا العطاء للحظة واحدة توقف سريان الحياة نفسها، وعندما صنع الله خليقته وضع في جوهرها قانون العطاء بحيث لا تستمر الحياة إلا باستمرار العطاء، الشمس لا تكف عن الشروق كل يوم لتعطي النور والدفء والحياة لكل الأرض، والأرض كلها في حالة تبادل للمنفعة والعطاء لا يتوقف لحظة واحدة، ضوء الشمس يعطي الغذاء للنبات والنبات يعطي الغذاء للحيوان الذي يعطي بمخلفاته الغذاء للتربة لكي ينمو النبات!! الأمطار تعطي الحياة للأنهار التي تروي الأرض وتتبخر مياهها لتعطي سحاباً يمطر على الأرض ويتحول إلى أنهار من جديد، وهكذا دواليك حتى يأذن الله بنهاية للزمان، ان دورة الحياة على الأرض هي في جوهرها دورة عطاء متبادل!!
غريزة الأبوة أو الأمومة ماهي إلا رغبة دفينة للعطاء، فالأب لا يشعر بكمال رجولته إلا إذا أعطى من نفسه وقوته لأبنائه، وكذلك الأم لا تشعر بالشبع إلا إذا منحت كل اهتمام وحنو لأطفالها، الذين بدورهم عندما يكبرون يصبحون أباء وأمهات لأجيال جديدة، ولا يمكننا للحظة تخيل الحياة بدون هذا العطاء المتواصل عبر الأجيال!!
ولأن العطاء هو طبيعة الله فلابد أن تظهر ذات الطبيعة في أبنائه، فكل ابن لله يجد سروره في العطاء الدائم والمستمر، ولا يمكن للمؤمن المسيحي أن يتمتع بشركة حقيقية مع أبيه السماوي بدون أن يشترك معه في عطائه لخليقته، سواء كان هذا العطاء على المستوى المادي أو النفسي أو الروحي، وسواء كان العطاء للأحباء أو للأعداء، دون اعتبار لرد الفعل أو انتظار للمجازاة، فالله يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين، ولذلك قال ربنا «أحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً فيكون أجركم عظيماً وتكونوا بني العلي، فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار» (لو6: 35)
الدافع الوحيد للعطاء عند أبناء الملكوت هو أن يتوافقوا مع الآب السماوي في طبيعته ويشتركوا معه في عمله المتواصل في خليقته، عندما يقدمون عطاء للآخرين يكون هدفهم الوحيد هو اشباع قلب الله وتتميم مشيئته، ولذلك هم يقدمون عطاءهم أمام عيني الآب وليس أمام عيون الناس، لا يبحثون عن تقدير الناس ولا يستجدون مديحهم، لا يسعون لتعريف القريبين منهم بما يفعلون من احسان حتى لو كانوا في قرب اليد اليسرى، ولا يبتكرون أساليب زاعقة وعلانية للعطاء لكي يلفتوا أنظار البعيدين عنهم!!  
العطاء بالنسبة لأبناء الملكوت ليس نشاط يقوم به الأغنياء تجاه الفقراء بل هو أسلوب حياة وطبيعة قلب ومجال للعبادة، ولذلك تجد حتى الفقراء منهم يسرون بالعطاء!! لقد قدمت كنائس مكدونية عطايا سخية بفرح رغم فقرهم الشديد، والسبب هو أنهم قدموا أولاً أنفسهم للرب، فكان اتحادهم بالرب هو الدافع لعطائهم (2كو8: 1-5) والأرملة الفقيرة التي وضعت الفلسين في خزانة الهيكل كانت متوافقة ومرضية لقلب الرب أكثر من جميع الأغنياء (لو21: 3) وللحديث بقية (يتبع)

السبت، 1 ديسمبر 2018

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (23)
بقلم : فخرى كرم
«احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم» (مت6: 1)

بعدما تكلم ربنا عن بعض وصايا الناموس وكيف يصل أبناء الملكوت لتحقيقها الكامل تشبهاَ بأبيهم السماوي الكامل، ينتقل بنا للحديث عن بعض السلوكيات المزيفة التي شاعت في المجتمع الديني في ذلك الوقت وما يقابلها من سلوكيات حقيقية ينبغي أن توجد في حياة أبناء الملكوت.
حرص رجال الدين اليهود على مر أجيالهم على وضع نظم وقوانين ومواقيت لأعمال البر مثل الصدقة والصلاة والصوم، ورغم أن الناموس لم يقنن أي شكل يحكم أعمال البر هذه وترك تحديدها لظروف كل فرد وعمق علاقته بالله إلا أن رجال الدين أبوا إلا أن يضعوا قوانين للعطاء (مت15: 5) ومواقيت للصلاة (أع3: 1) وأيام للصوم (لو18: 12)
وعادة ما تكون هذه النظم والقوانين أحمالاً عسرة الحمل يضعها القادة الدينيين على أكتاف أفراد الشعب العاديين الذين في الغالب لا يستطيعون حملها (مت23: 4) وهذا مقصود لكي يشعر أفراد الشعب دائماً بتقصيرهم وبأفضلية وتفوق رجال الدين عنهم، فينحنوا لهم خوفاً وخضوعاً وتقديساً!! ولهذا اعتاد رجال الدين على ممارسة أعمال البر بشكل علني واظهار أنفسهم للناس لكي يجتذبوا أنظارهم وإعجابهم ويزيدوا الفجوة الفاصلة بينهم وبين عامة الشعب اتساعاً!! 
ويصف ربنا هؤلاء القادة بـ «المراؤون» وهي كلمة تشير في أصلها للممثلين الذين يرتدون أقنعة على خشبة المسرح ليظهروا للجمهور على غير حقيقتهم!! وهنا يفاجئ الرب سامعيه بأن أعمال البر التي يمارسها رجال الدين لم يكن مقصوداً منها إرضاء الله بقدر ما كان المقصود هو الاختباء وراءها والظهور للناس بمظهر لا يعكس حقيقتهم، سعياً لجذب الأنظار والاعجاب!!
والرب هنا يلفت أنظارنا إلى داء يستشري في أعماقنا جميعاً، فالرياء الذي وصف به الرب القادة الدينيين في عصره مازال موجوداً في عمق كل واحد منا بدرجة أو بأخرى، الذات الكامنة في قلوبنا تسعى دائماً لتتجمل في عيون الآخرين لتجتذب أنظارهم واعجابهم، ذواتنا تشعر بالأمان والثقة إذا شعرت أن هناك من ينجذب إليها ويعجب بها، وعلى العكس هي تشعر بالخوف والاهتزاز إذا لم تشعر باهتمام الأخرين وتقديرهم، ولذلك هي لا تدخر جهداً في إظهار مهارتها ومواضع قوتها ولا تتوانى في إخفاء عيوبها ومواطن ضعفها!!
وإذا كان هذا السلوك للذات البشرية غير مستغرب في كل مجالات الحياة إلا أنه يصبح مستهجناً جداً إذا تسرب إلى المجال الديني والعلاقة مع الله!! فعندما تستخدم ذواتنا أعمال البر لكي تتجمل في عيون الناس بدلاً من السعي لإرضاء الله نكون قد ابتعدنا جداً عن الحياة الروحية الحقيقية، وعندما نتعمد اظهار ممارستنا الدينية لنخفي وراءها حقيقة قلوبنا الشريرة نكون مراؤون بكل تأكيد، وعندما تتحول العلاقة مع الله إلى ستار نخفي خلفه شهوة قلوبنا للتعالي والسيطرة على الأخرين نكون قد أخطأنا في حق الله ومستحقين للقضاء!!
وهنا ينتقل ربنا للكلام عن أبناء الملكوت وكيف ينبغي أن يمارسوا أعمل البر في علاقتهم بالله، فقط أبناء الله الحقيقيون يستطيعون بالروح القدس أن يكسروا سلطان هذه الذات الرديئة ويقدموا لله عبادة حقيقية تطلب وجهه فعلاً وتسعى لرضاه حقاً، الروح المولودة من الله هي فقط التي تستطيع أن تقدم لله اعمال بر ترضيه وتدخل السرور إلى قلبه، وحدها هذه الروح تستطيع أن تعبد الله في الخفاء بعيداً عن عيون الناس وتقييمهم، ولهذا حديث آخر (يتبع)