الاثنين، 12 سبتمبر 2022

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله (14)

بقلم : فخرى كرم

               « للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد » ( مت 4: ۱۰)

دعونا الآن نرفع عيوننا من على إبليس وظلمته وخداعه ونتطلع إلى ذلك القلب الذهبي الذي انطفأت عنده كل السهام الملتهبة، ذلك القلب الذي لم يجد معه الإغراء بكل ممالك العالم ومجدهن ، ذلك القلب الذي لم يشته أن يمتلك أي شيء لأنه يعرف أن الله وحده هو المالك لكل الأشياء ، القلب المملوء بروح الوداعة التي لا تريد أن تأخذ أي مجد لنفسها بل سر أن يأخذ الله وحده كل المجد والسجود والعبادة.

لقد جاء السيد إلى العالم لكي يعيد ملكوت الله على كل الأرض، جاء ليعلن سلطان الله المطلق وحقه في امتلاك كل الأشياء والأشخاص، جاء ليعلن هذا بحياته وأقواله وأفعاله، ألم يعلمنا أن نصلي قائلين..

لأن لك الملك (مت 6 : 13 )

تلك العبارة التي نرددها دائما في صلاتنا دون أن ندرك معانيها العميقة، إن هذه العبارة تتصدى لشهوة الامتلاك التي تسود قلوبنا، إنها تعلن حقيقة أن الله هو المالك وحده لكل الأشياء، والإنسان لا يمكن أن ينال شيئا إلا ما يعطيه الله، وفي هذه الحالة لن يكون «مالك » بل « وكيلا»، والوكيل مهما كانت الأموال التي في يديه لا يمكن أن يضع قلبه عليها لأنه يعلم أنها ليست ملكاً مطلقاً له ، وليس من حقه أن يتصرف فيها كما يحلو له بل ينبغي أن يتصرف بأمانه كوكيل أمين على أموال سيده ، وهو يعلم أن هذه الوكالة ليست أبدية بل مؤقتة ومشروطة، وفي أي وقت تؤخذ منه أو يؤخذ هو منها !!

الإنسان الذي يصيب قدراً من الغنى يصاب بنوع من الغرور والارتفاع المزيف، يعتقد أنه « مالك »، وهذا الملك يعطيه الحق في السيادة والتسلط كما يمنحه الأمان والضمان للمستقبل، وهذا الإحساس الوهمي هو ما يسميه الرب «غرور الغنى » (مت 13 : 22 ) لكن عبارة «لأن لك الملك » تتصدى لهذا الوهم وتهدمه، فالله هو المالك الحقيقي لكل ما في أيدينا، ونحن لا نستطيع أن نضمن بقاءه في أيدينا لساعة واحدة قادمة، إن الضمان الذي يمنحه الغني هو ضمان « غير يقيني»، والعاقل هو من يبني ضمانه على شخص المالك والمعطى الحقيقي وليس على العطايا الزائلة، ولقد عبر الرسول بولس عن هذا الحق بوضوح عندما قال «أوص الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغني بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتع » (  1 تي 6 : 17 ).

هل وصل هذا الحق إلى أعماق نفوسنا ؟ هل عالج فينا شهوة الامتلاك ؟ إن إبليس مازال يتحرك في كل يوم على هذه الشهوة في قلوب شعب الرب. مازال يغريهم بإمكانية الحصول على المزيد، وبأنهم سيكونون أكثر سعادة إذا حصلوا على كذا وكذا، ورغم كونه مخادعاً إلا أن إغراءه كثيرا ما نجح ، وكثيرا ما تحركت أعماقنا خلف شهوة الامتلاك، وكثيرا ما انحنت أعناقنا وجثت ركبنا أمام هذا السيد المغتصب المخادع لكي يعطينا أشياء أكثر، وخضعنا لقوانين هذا العالم وشروره لكي نحصل على المزيد من غناه ، لقد رفض الرب أن يسجد لإبليس في مقابل جميع ممالك العالم، أما نحن فكثيرا ما سجدنا له في مقابل أشياء تافهة وقليلة، بل أحيانا بدون مقابل على الإطلاق!!

لمن نسجد ؟!

إن السجود والعبادة ليست أفعالا خارجية بل هي حالة قلب، فالعبادة في جوهرها هي المحبة والمخافة والخضوع لمن يملك في يديه أمور حياتي ، والسجود ليس سوى اعتراف بخضوعي لمن أعلم أنه يملك خيري وسعادتي ، فلو صدقت أن العالم يملك لى حياة وسعادة فسأجد قلبي في حالة سجود لروح العالم بدون أن أدري، ولو صدقت أن إبليس يستطيع أن يمنحني خيراً لصار قلبي في حالة عبادة لإبليس حتى لو كنت بفمي أنكر هذا ، فالقلب الإنساني يسجد بالطبيعة لمن يرجو منه الخير. أما إذا صدقنا أن الله وحده يملك أن يعطينا الحياة والنفس وكل شيء ( أع 17 : 25 ) فعندئذ ستكون الوصية أمرا طبيعياً وتلقائياً:

للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد

كانت هذه الوصية هي رد الرب الحاسم على إبليس، لم تكن مجرد كلمات بل كانت خارجة من قلب ذهبي لم ينحن يوماً إلا لله، ونفس طاهرة لم تجث إلا لإرادة يهوه، إنه الإنسان الكامل الذي لم يرج شيئا من إبليس فلم ينحن أمامه، ولم يرج شيئا من الناس فلم يخضع لهم، إنه الشخص الوحيد الذي تمت فيه هذه الوصية بالكامل، هل تعلمنا منه وانتقلت إلينا روحه الوديعة الطاهرة أم مازال كل منا يخفي تحت جلده عابد وثن ؟ !! وللحديث بقية.

 

السبت، 10 سبتمبر 2022

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله ( 13 )

بقلم : فخرى كرم

هل كان إبليس صادقاً أم كاذباً عندما قال أن ممالك العالم قد دفعت إليه؟ الحق أنه لم يكن صادقا تماما وأيضا لم يكن كاذبا تماما، لقد كان مخادعا!! إن الصادق هو من يذكر الحق كله ولا شيء غيره،. والكاذب هو من يذكر أكاذيب لا علاقة لها بالواقع والحق، أما المخادع فيذكر « توليفة » من الحق والكذب، من الواقع والخيال!! توليفة متقنة محبوكة لا يسهل اكتشافها ، إنه يذكر في مستهل كلامه بعض الوقائع وأجزاء من الحق لكى يعطى لأقواله مصداقية ويغرى المستمع بتصديقه، ولكنه سرعان ما يبني على هذه الحقائق فروضاً وتفسيرات مضللة، ويخلص إلى نتائج كاذبة لا علاقة لها بالحق القويم، وهو يجيد إظهار الحقائق وإخفاء الأكاذيب حتى ينخدع البسطاء ويبتعلوا الطعام المسموم كله، هذا ما نسميه الخداع.

ممالك العالم .. لمن؟

كون إبليس هو رئيس العالم حاليا فهذا حق كتابي ذكره الرب نفسه أكثر من مـرة (يو12 : 31 ، 14 : 30 ، 16 : 11 ) ولكنه ليس كل الحق، لقد ذكر إبليس فعل «دُفع» مبنية للمجهول ولم يذكر لنا من الذي دفع له هذا السلطان ولماذا وكيف وإلى متى؟!! والحق الكامل هو أن الأرض كلها ملك شرعي لله بصفته الخالق (مز 24 : 1 ) ولقد أعطاها في فضله للإنسان ليسودها ويثمر فيها (مز 115 : 16 ، تك 1 : 28 ) ونتيجة لسقوط الإنسان تحت سلطة إبليس بالخطية أخضعت الأرض بالتالي لإبليس ليس طوعا بل كرهاً ، ولكن هذا الوضع شاذ ومؤقت لحين اتمام فداء الله الكامل للإنسان – بما فيه فداء الأجساد - وعندئذ ستعتق الخليقة من عبودية الفساد وتعود ممالك العالم مرة أخرى لربنا ومسيحه (رؤ 11 : 15 ) وتستطيع أن تقرأ هذا الحق الكامل في (رو 8 : 19 ـ 23 ) أي إن الأرض هي ملك لله شرعا وملك للإنسان فضلا وملك للشيطان غصبا !!

ولقد ذكر إبليس للرب الجزء الأخير فقط من الحق وهو أنه المتسلط الحالي على الأرض، ثم أراد أن يبني على هذا الجزء استنتاجا باطلا وهو أنه مادام متسلطاً فهو مستحق للسجود ، ولكن الرب الذي يعرف الحق الكامل بل هو الحق الكامل ما كان يمكن أن ينخدع بهذا الضلال، فالمغتصب مهما امتلك و تسلط سيظل مغتصباً ولصاً وتحت القصاص ومهما تأني الله في قضائه وتمهل في قصاصه إلا أن الحق لابد أن يعود لصاحبه ولابد للمغتصب أن يلقى جزاءه، هو وكل من سجد له وربط نفسه بمصيره المظلم (رؤ20 : 10 )  وعجباً لمن يسجد للص ومغتصب ويربط مصيره بمصير إله مؤقت محفوظ له قتام الظلام للأبد!! 

أحقا قال الله ؟!

لقد استخدم إبليس أسلوب الخداع هذا منذ بدء تعامله مع الإنسان وحتى اليوم، فعندما قال الحواء قديمة «... تكونان كالله عارفين الخير والشر» كان يذكر جزءا من الحق، فالكتاب يقول « هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر» (تك 3 : 5 ، 22) ولكنه بني على هذا الجزء فرضا خاطئا وهو أن الله يخشى أن يصير الإنسان مثله ولذلك فهو يحاول بالوصية أن يمنع عن الإنسان هذا الخير، وهذا محض ضلال، فالله لا يمكن أن يخشى أن يصير هذا الكائن الترابي مثله حتى بعد أن يعرف الخير والشر، فمعرفة الله للخير والشر لا تماثل معرفة الإنسان لهما، فالله يعرف الخير والشر معرفة كاملة مطلقة باعتباره الخالق المسيطر على هذا الكون بكل ما فيه من خير وشر ( إش 45 : 7 ) أما معرفة الإنسان فهي معرفة محدودة ناقصة وغير مجدية، فالله عندما يقول «... صار كواحد منا » يعني التشابه من بعيد، التشابه مع الفارق الشاسع بين معرفة الخالق ومعرفة المخلوق، لكن إبليس عندما قال لحواء « تكونان كالله» فكان يلقى في روحها التشابه الذي يعني التساوي والتكافؤ، وهذا هو الضلال بعينه، وهذا ما أثبتته الأحداث التالية، فعندما أكل الإنسان من الشجرة ظل إنساناً كما هو وظل الله إلها مرتفعاً كما هو، بل زادت الشقة بينهما اتساعاً ، ولم يستفد الإنسان من معرفته للخير والشر بل شقى بها !!

الحق الكامل يقول إن دافع الله من وراء وصية عدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر هو محبته الشديدة للإنسان، لقد أراد الله للإنسان أن يعيش بحسب الحياة المتدفقة إليه كل يوم من قلب الله وليس بحسب معرفته للخير والشر، ناموس روح الحياة يربط الإنسان بالله برباط حي متجدد ، أما ناموس معرفة الخير والشر فيضع الإنسان تحت سلطان النواميس الأدبية ومجموعات الأوامر والنواهي ويفتح عليه باب الصراع مع غرائزه الدفينة ومع قوى الشر في هذا الكون، فالله يعرف أن الإنسان أضعف جدا من أن يصمد أمامه، ولابد أن تهزمه الخطية وتقوده للابتعاد عن الله والموت الأبدي، ومعرفته للخير والشر لن تفيده لأنه سيعرف الخير ولن يستطيع فعله وسيعرف الشر ولن يجد منه مهرباً !!

لا يكفي أن نعرف أجزاء من الحق ونجهل أخرى لأن كل منطقة جاهلة بالحق فينا هي أرض خصبة للخداع وثغرة يسهل لإبليس الدخول منها لتدمير علاقتنا بالله، لم يكن يكفي أن تعرف حواء الوصية بل كان ينبغي أن تعرف أيضا دوافع الله الصالحة من وراء هذه الوصية، معرفة الوصية فقط وجهلها بدوافع الله جعل إبليس يستغل هذه المنطقة الجاهلة ويصور لها أن دوافع الله هي القسوة والأنانية!! لذلك قال الرب عن الروح القدس: «يرشدكم إلى جميع الحق» ( يو 16 : 13 ) . إننا في حاجة إلى جميع الحق لكي نحصن حياتنا من مكائد وخداع إبليس... وللحديث بقية.

 

 

 

الجمعة، 2 سبتمبر 2022

أحاديث من القلب

                             سبعة أرواح الله ( 12 )

بقلم : فخرى كرم

    « ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا ، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها » ( مت 4 : 8 )

لعل أحد أسباب حصول إبليس على لقب «بعلزبول » أي « إله الذباب» هو أنه كلما طردته عاد من جديد بإلحاح وإصرار ليهاجمك بدون كلل أو ملل!! ولهذا نجده بعد هزيمته مرتين أمام الرب يعاود هجومه بإصرار وتصميم كما لو أن شيئا لم يحدث!! وفي هذه المرة نراه يشحذ كل قواه ويستخدم كل ما في جعبته - كل ممالك العالم !! - لإغراء الرب والعزف له على وتر آخر نجده في كل قلب إنساني ، نعني به شهوة.

الكسب والامتلاك

بداخل كل إنسان شهوة جارفة تجاه الكسب والامتلاك، نراها منذ الطفولة المبكرة عندما يسعى الطفل إلى امتلاك الألعاب المختلفة وضمها بعضها إلى بعض وتخزينها ، وتنمو معه وهو يكبر وتأخذ أشكالا مختلفة تتدرج من محاولة امتلاك الأشياء وحتى محاولة امتلاك الأشخاص !! وهذه الشهوة لا تكتفى ولا تشبع وليس لها حدود ، فعندما قال الرب له المجد « ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله...» لم يكن يبالغ البتة، حاشا ، بل كان يشير إلى شهوة حقيقية في قلب الإنسان تشتاق أن تمتلك «العالم كله »!!

كل أساليب التجارة والإعلان والترويج تعتمد في الأساس على إثارة هذه الشهوة في قلب العميل حتى تدفعه لشراء سلع قد لا يحتاجها فعلا !! فالإنسان قد يشترى أشياء كثيرة ليس لأنه يحتاجها بل لأنه يحتاج لامتلاكها، أي إنه ليس في حاجة للسلعة نفسها بقدر ما هو في حاجة للشعور بأنه امتلك شيئاً جديداً !!

وهذه الشهوة مركزية جدا في القلب الإنساني، فشهوة المكسب تقف دافعة وراء معظم أعمالنا ، وإذا انطفأت هذه الشهوة وشعر الإنسان بأنه لا سبيل لكسب المزيد فإنه يفقد الدافع للعمل والاجتهاد ، فالإنسان لن يتعب في عمل لا يرجو من ورائه مكسباً.

بل إن هذه الشهوة تقف كثيرة وراء أعمالنا الروحية وعلاقتنا بالله، فكثيرا ما اقتربنا إلى الله لأننا نعتقد أننا سنربح من ورائه الكثير، بل إن الخدام كثيراً ما يعزفون على هذا الوتر في قلوب الناس لاجتذابهم إلى الله!! إن النفوس التي أحبت الله لذاته وليس للمكسب هي نفوس نادرة الوجود بالحق!! وخلاصة القول هو ما قاله فاحص القلوب لعبده حزقيال : «إن قلب الإنسان ذاهب وراء المكسب» ( حز 33 : 31 )

لأجل كل هذا قرر إبليس أن يوجه سهامه الملتهبة إلى تلك المنطقة الحساسة في قلب شخص الرب يسوع له المجد:

 « وقال له إبليس لك أعطى هذا السلطان كله ومجدهن لأنه إلىّ قد دفع وأنا أعطيه لمن أريد . فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع » (لو 4 : 6 ، 7 )

ماذا كان إبليس يقصد من وراء هذا العرض ؟ أين يكمن السم في العسل؟

أولا : كان يريد أن يثبت أن ما يدفع الإنسان للسجود لله هو نفس الرغبة الدفينة لامتلاك المزيد، ويريد أن يثبت أنه إذا حصل الإنسان على هذا المزيد من مصدر آخر غير الله فسوف يتحول القلب سريعاً ليسجد لهذا المصدر الآخر حتى وإن كان إبليس!! يريد أن يثبت أنه ليس هناك « ساجدون حقيقيون» للأب، بل الكل تحركه شهوة الامتلاك وكل السجود فحواه الذات.

وثانيا : كان يريد أن يوقف سعى الرب منذ بدايته، فلو كان طموح المكسب هو ما يدفع الإنسان للسعي في الحياة فلماذا سيسعى إذا حصل على كل شيء مقدماً ؟ فإذا حصل الإنسان على كل ما يطمح إليه منذ البداية فإنه يتراخى ويكف عن السعي وتنتهي رحلته من قبل أن تبدأ.

ثالثا : كان يريد أن تثور في نفس الرب مقارنة بين ثمن رضا الآب وثمن رضا إبليس !! فإبليس يعلم من (مز ۸:۲) أن الآب سيمنح الابن كل أمم الأرض ميراثاً له بعد طريق طويل من الألم والسحق والحزن، ولذلك فقد قرر إبليس أن يلوح أمام عيني الرب بنفس الميراث في مقابل أسهل جدا وهو السجود له!! وهو يقصد أن يغرس في نفس الرب أن ثمن رضا الآب باهظ ومكلف بينما رضا إبليس يحتاج إلى عمل بسيط وسهل وغير مكلف، فلماذا السير إذا في طريق الموت والصليب إذا كان إبليس سيمنحه كل المجد والسلطان مجانا ؟! ولماذا تسلك طريق الأمانة الوعر إذا كان السير في طريق الخيانة أسهل؟! لماذا السجود لله وحده إذا كان السجود لإبليس يمنحنا نفس المقابل وبطريقة أسهل؟!

رابعا : إبليس يغار جدا من خضوع المحبة الذي يقدمه يسوع للآب، إنه يرغب في مثل هذا السجود ، لقد حاول قديماً أن يكون موضع المحبة والسجود كالله فسقط، وكل خضوع العالم الآن له لا يشبعه لأنه مؤسس على الكذب وليس خضوعاً حقيقياً، لقد تسلط على العالم بالخداع وسلطانه مستمر بالخداع ولو توقف إبليس يوما عن خداع الإنسان لفقد كل سلطانه، لذلك فهذا السلطان المؤقت الزائف لا يشبعه وهو على استعداد للتنازل عنه للرب في مقابل سجود حقيقي له!! وللحديث بقية.

 

 

 

 

الاثنين، 29 أغسطس 2022

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله ( 11 )

بقلم : فخرى كرم

  « ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل » (مت 4 : 5 )

 بعدما ارتد إبليس خائبا من هجومه الأول على شخص الرب له المجد نراه يستجمع قواه ليعاود هجومه مرة أخرى، وبعدما عزف له على وتر الغريزة نجده الآن يعزف على وتر آخر في غاية الخطورة ، وتر مشدود دائما في قلب كل إنسان طبيعي في انتظار من يعزف عليه!! نعني به وتر..

مجد الذات

ذات الإنسان الطبيعي تجلس على عرش قلبه، تستأثر بكل حبه وخضوعه، منها تنبع كل أعماله وإليها يصب كل نشاطه، إنها أخطبوط يمد أذرعه الكثيرة إلى كل ركن في الحياة، لابد أن توجد خلف كل دافع وتضع بصمتها على كل عمل.

منذ أن زرع إبليس في قلب الإنسان الأول أن يصير كالله والإنسان مازال حتى اليوم يصدق هذه الخدعة ويسعى جاهداً لتحقيقها !! يريد أن يأخذ المجد لذاته كالله، يريد أن يكون محوراً للاهتمام ومحطاً للأنظار كالله، إنه مستعد أن يفعل أي شيء ويذهب إلى أي مكان ويعتنق أي مبدأ يمنح لذاته مكاناً مرموقاً ويضفي عليها مجدا ولو زائفاً، إنه يستغل أي شيء في متناول يديه للوصول إلى مجد الذات حتى لو كان هذا الشيء هو الأمور الروحية والكتب المقدسة!!

الذات هي نقطة ضعف القلب الإنساني وأساس سقوطه، ولذلك قرر إبليس أن يوجه سهامه المسمومة إلى هذه المنطقة في قلب الرب يسوع له المجد، وكان يعتقد أنه سيصيب منه مقتلا، وكان يمني نفسه بالانتصار، وأن ذات الرب الإنسانية لن تستطيع أن تقاوم الإغراء المقدم لها، لاسيما والعدو الخبيث قد حبك الخطة وأخفى الفخ وضخم الإغراء!!

لماذا جناح الهيكل ؟!

إذا كان المقصود فعلا من كلام إبليس - كما يبدو في الظاهر - هو أن يلقى الرب نفسه من مكان مرتفع لكي تتلقفه الملائكة فالبرية التي كان الرب فيها هي خير مكان لذلك، فهي مليئة بالجبال المرتفعة التي تصلح لهذا الغرض، وبها الأحجار القاسية التي يخشى منها على قدمي الرب له المجد!! هذا إذا كان المقصود هو تحقيق الوعد فعلا، لماذا إذا يأخذه إبليس إلى المدينة المقدسة - أورشليم - ويصعد به ليوقفه على جناح الهيكل حيث يمكن أن يراه جميع من في المدينة ؟! هنا مكمن التجربة وغرضها الحقيقي، هنا السم المخفي في العسل!! إنه الإغراء المقدم للرب وهو في ريعان شبابه وبدء ظهوره لإسرائيل، إبليس يقدم له الفرصة ليعمل عملا خارقاً على مرأى من جموع الشعب مما يمنحه مجداً واسعاً وسريعاً .

وإمعانا في حبك التجربة كان لابد من غطاء شرعي يخفي الهدف الرديء، وهنا لم يخجل إبليس من التقاط آية من المكتوب ( مز91 : 11 ، 12 ) ويقدمها للرب لتكون المادة التي تدفع يسوع ليفعل مشورة إبليس بضمير مستريح، ليكون في الظاهر متمماً للمكتوب بينما دافعه الخفي هو اكتساب المجد من الناس، وإبليس بارع جداً في استخدام أقوال الله في غير مواضعها الصحيحة ليخدع البسطاء ويسبب الكثير من الارتباك والسقوط!! |

كم من رجال سقطوا أمام إغراء مجد الذات ؟! كم من مسار مبارك توقف عند محطة الذات ولم يكمل ؟! كم من أعمال جليلة تحطمت عندما بدأت الذات تطل برأسها ؟! كم مرة استخدمنا المكتوب وكل ما هو مقدس مطية للوصول إلى مجد ذواتنا ؟ بل كم مرة حاولنا أن نستغل الله نفسه لنصنع لأنفسنا اسما ونجذب لذواتنا الأنظار ؟!!

إن أي شاب في هذه السن كان لابد أن يضعف أمام إغراء المجد والشهرة، فمن يستطيع أن يقاوم هذه التجربة؟ من يستطيع أن يكتشف السم الذي في العسل ؟! أي روح تلك التي تستطيع أن تميز إبليس فوق جناح الهيكل المقدس مستخدماً للمكتوب ؟!! إنها..

روح الوداعة .. مرة أخرى !!

 لا تستطيع أي ذات أن تصمد أمام هذه التجربة وتكتشف العدو الخبيث الكامن وراءها إلا ذات وديعة تعطى لله كل المجد ولا تسعى إلى أن تأخذ المجد لنفسها، ذات لا يؤثر فيها مجد الناس ولا يمثل لها جناح الهيكل والمدينة المقدسة أي إغراء من أي نوع، لقد أتي السيد له المجد إلى الأرض ليمجد الآب وهو لا يقبل مجدأ من الناس (يو 5 : 41 ) ولا يشبعه إلا المجد الذي يمجده به الآب عند ذاته، مجده الأصيل - غير المكتسب - الذي هو حق شرعي له قبل كون العالم ( يو 17 : 5 ) .

أما فيما يتعلق بالمكتوب فالرب يعلم جيدا أن وعود الله مقدمة لنا لكي تزيد ثقتنا وخضوعنا لله وليس لكي نمتحن بها، فنحن لا نستطيع أن نملى على الله توقيت وأسلوب تحقيقه لوعوده ، فوعود الله موجودة لكي يستخدمها الله في توقيته هو لتحقيق مقاصده هو وليس لكي نستخدمها في توقيتنا نحن لتحقيق مقاصدنا نحن. ولهذا كله وقف الرب بثبات وبنفس قوية جدا في وداعتها ، والتفت إلى إبليس قائلا: « مكتوب أيضا لا تجرب الرب إلهــك» ( مت 4 : 7 ، تث 6 : 16 ) ومرة أخرى يتقهقر إبليس مهزوماً أمام روح الوداعة المنتصرة في شخص الرب، وللحديث بقية.

 

الجمعة، 26 أغسطس 2022

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله ( 10 )

بقلم : فخرى كرم

« ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس » ( مت 4 :۱)

ملأ روح الوداعة شخص الرب يسوع له المجد، وقاده لحياة الخضوع الكامل لمشيئة الآب حتى في أدق التفاصيل، وهذا الأمر كان مضاداً للروح الذي في العالم، أي روح إبليس، روح التمرد والاستقلالية عن الله، ولقد حارب إبليس بكل شراسة دخول السيد إلى العالم منذ ولادته، وعندما بدأ الرب خدمته العلانية صارت الحرب أيضا أكثر علانية وشراسة، مستخدما كل أساليب الخداع والعنف ومستغلا كل الأدوات البشرية المتاحة له.

ولكن روح الوداعة كما قلنا ليس روحا ضعيفة أو هينة، بل هو روح منصور، قادر على مواجهة روح إبليس التي في العالم والانتصار عليها ، بل العجيب أن روح الوداعة لم ينتظر الحرب ليقاومها بل هو الذي بدأها وخطا نحوها، فأول شيء فعله روح «الحمامة» بعد حلوله على الرب في المعمودية هو أنه قاده إلى البرية لكي يجرب من إبليس !! أي إن الروح هو الذي سعى إلى المواجهة مع إبليس في البرية أي في عقر داره ومكان راحتــه (مت 12 : 43 ) إن روح الله لا يتحرك أبدأ برد الفعل بل دائما يكون هو الفاعل، حتى في الحرب مع إبليس.

الوداعة.. اتجاه إبليس !!

إذا كانت الوداعة هي إعطاء كل ذي حق حقه، فإننا نرى هنا جانبا آخر من وداعة الرب، أي اتجاه إبليس !! لقد أعطى الرب لإبليس حق التجربة باعتباره - حتى هذه اللحظة - رئيسا للعالم!! والروح الذي أعطى للآب حقه الكامل في السيادة على حياة يسوع أعطى لإبليس حقه الكامل في مقاومة ورفض حياة يسوع!! بل إنه لم يشأ أن يعطى للرب فرصة خدمته العلانية إلا بعد أن يعطى لإبليس فرصة مقاومته العلانية!! أربعون يوما كاملة في البرية كانت فرصة إبليس لإكمال كل تجربة (لو 4 : 13 ) وغني عن البيان أن إبليس ما كان يستطيع أن يجرب الرب ما لم يكن الرب هو الذي أعطاه هذا الحق، كم أنت عجيب و قادر  يا سيدي في وداعتك!!

الخضوع الحقيقي : في الخفاء

لم تكن وداعة الرب تجاه أبيه وخضوعه الكامل لإرادته من قبيل الشعارات الرنانة أو الخطب الجوفاء، لم يكن تكريسه من ذلك النوع السطحي الذي ننادي به على المنابر ونتشدق به تحت وطأة المشاعر الملتهبة، بل كان من ذلك النوع السري العميق الذي يظهر ويتجلى تحت الضغط وأمام المقاومة،

فهناك - في البرية - حيث لا يراه أحد إلا الآب، عبر الرب عن خضوعه الكامل لمشيئة أبيه، من كان هناك ليراه ويشيد به ويجازيه؟ لا أحد، لأنه لا يفعل أي شيء لاكتساب رضا الإنسان بل كل ما يدور في أحشائه هدفه إرضاء الآب وحده .

الخضوع الحقيقي : تحت الضغط

بعد صوم لمدة أربعين يوما جاع الرب أخيراً ، ونال منه التعب كل منال، وخارت قوى جسده جميعا، وفي مثل هذه اللحظات تكون قدرة الإنسان على المقاومة شبه منعدمة، فغريزة الجوع في الإنسان هي أقوى الغرائز جميعا، وفي هياجها تدفع الإنسان لفعل أي شيء ليسد رمقه، وإبليس الماكر ينتقى مثل هذه اللحظات ليوجه سهامه الملتهبة، عالما أنها بلاشك ستصيب هدفها، وهكذا انقض على الرب ليعزف على وتر احتياجه الغريزي للطعام، وكان يخفى السم في العسل كدأبه دائما ، فالغرض الحقيقي لم يكن إشباع جوع الرب بل دفعه إلى عمل لم يطلبه منه الآب، وهكذا ينكسر قانون الخضوع لله الذي يجعله لا يفعل إلا ما يطلبه الآب، لقد ظن إبليس أن الرب تحت ضغط الاحتياج سيمد يده لفعل ما تمليه عليه الحية القديمة، وكم تحت إلحاح الحاجة ومطلب الغريزة فقد الإنسان إيمانه ونسى تكريسه وكسر وعوده وحطم عهوده!!

ولكن هيهات! ! إن خضوع الرب لمشيئة أبيه ليس من هذا النوع السطحي الذي نراه فينا وحولنا، الخضوع المزيف الذي ينسحق سريعاً تحت الضغط ويتلاشى، بل كان خضوعا يقوي ويغلب تحت الضغط والمقاومة، فرأينا الرب وهو ضعيف في الجسد إلى الموت يقوي جدا في الروح ويجاهر أمام إبليس - ولدهشته الشديدة - أنه لا ينوي أن يفعل شيئا لم يطلبه منه الله، حتى لو كان هذا الشيء ضرورياً جدا للحياة!! ذلك لأن الحياة بالنسبة للرب لا تستمر بالخبز وحده بل بكل كلمة تخرج من فم الله، إنه لا يستطيع أن يفعل أي شيء إلا بكلمة تخرج من فم الله، حتى تناوله للخبز !! الروح الذي قاده إلى البرية وإلى الصوم لم يدبر له طعاما بعد، ولذلك فهو - في خضوع كامل لهذا الروح - يرفض أن يتدخل من نفسه ليفعل شيئا لم يدبره له الروح، ألم نقل أنه عبد يهوه الكامل الذي اكتمل به سرور الآب!!

آه ، كم نحتاج إلى روح الوداعة المنتصرة هذه !! فكثيرون منا مازالوا يعيشون بالخبز وحده ، وكثيرون يحيون لأيام كثيرة دون أن يسمعوا كلمة واحدة من فم الله!! كلمة الله لم تعد بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت كما كانت بالنسبة لسيدنا !! كم نحن في حاجة إلى الانكسار أمام الله ليسكب علينا روح عبد يهوه الكامل، روح المسيح له المجد ... وللحديث بقية.

 

 

 

السبت، 20 أغسطس 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله ( 9 )

بقلم : فخرى كرم

أتى يسوع إلى العالم ممتلئاً بروح الوداعة التي تعطي الله حقه في السيادة المطلقة على الحياة ، واختار بإرادته أن يضع نفسه في طاعة كاملة لله، وأن يحيا باختياره حياة العبودية المطلقة للأب، وأن ينجح فيما فشل فيه آدم الأول عندما رفض الخضوع لسيادة الله على حياته فسقط تحت الموت وعبودية إبليس وجر معه كل الجنس البشرى إلى الحمأة عينها.

سرور الآب : الهدف الأسمى

يخطىء من يظن أن فداء الإنسان كان هو الهدف الأسمى الذي لأجله تجسد الرب وجاء إلي العالم، بل الحقيقة هي أن رضا الآب وسروره ورجوع حقه في السيادة الكاملة على حياة الإنسان كان هو الهدف الأول والأسمى، وما فداء الإنسان إلا نتيجة طبيعية لرضا الله عن حياة وذبيحة الابن المبارك، فاكتمال سرور الأب بحياة يسوع الكاملة هو الذي منح لذبيحته قوتها الكفارية والشفاعية لحساب الخطاة.

كل ذبائح العهد القديم كان المقصود منها إرضاء الله بالتعبير عن مواقف الإنسان الصحيحة والمفترضة تجاه الله مثل الاعتراف بالخطأ والتوبة عنه والخضوع لحكم الله ودينونته على الخطية، أو مثل التكريس الكامل والشكر الدائم، لكن أيا من هذه الذبائح أو مقدميها لم تكتمل فيهم هذه المعاني التي ظلت بعيدة عن حياة الإنسان العملية مما جعل الذبائح تفقد كل قيمتها في نظر الله، لأن الله لم يرد الذبائح في حد ذاتها بل معانيها في الحياة العملية، إنه يريد رحمة لا ذبيحه :

« لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقربانا لم ترد ولكن هيأت لي جسداً، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر ، ثم قلت ها أنذا أجيء .. لأفعل مشيئتك يا الله» (عب 10 : 5 ـ 7 )

ولأن إرادة الله وسروره لم يكتملا بنظام الذبائح لذلك كان ينبغي أن يهيىء جسداً للابن المبارك يدخل به إلى العالم بمهمة محددة ألا وهي أن يفعل مشيئة الآب، جسدأ تكتمل فيه كل معاني الطاعة والخضوع لإرادة الله، جسدأ يحب مشيئة الله أكثر مما يحب الحياة نفسها، جسداً تتكسر عنده كل أمواج المقاومة والتشكيك والترهيب والترغيب التي تمارسها الحية القديمة لكي تثنيه عن إتمام خضوعه للآب، جسدا يجد فيه الآب راحته وسروره ورضاه، وأخيرا جسدأ ينشق كالحجاب لكي يأتي بأبناء كثيرين إلى المجد!!

روح الوداعة تشمل كل الحياة

ولم تكن إلا روح الوداعة هي القادرة على تتميم هذا العمل الجليل، روح الوداعة التي شملت كل حياة الرب له المجد وأرجعت من خلالها كل حقوق الله المغتصبة، وكانت سيادة الروح على حياة الرب سيادة كاملة تصل إلى أدق التفاصيل وأعمق الخبايا ، مثل سكين الذبيحة التي كانت تصل إلى الأحشاء كلها وتخرجها وتضعها على المذبح لتشتعل فيها النار المقدسة لإصعاد رائحة سرور أمام الله.

بعض البشر استطاعوا أن يخضعوا لبعض حقوق الله في بعض جوانب حياتهم، كل بحسب طاقته وبحسب معونة روح الله الذي كان يرف دائما على وجه الأرض لا يجد لنفسه مستقرأ كاملا ، حتى جاء يسوع ووجدت فيه الحمامة مستقراً أخيراً، لأنها وجدت إنسانا كاملا يريد أن يخضع كل الوقت لكل حقوق الله في كل جوانب حياته!! فهو لم يشأ أن يسمع عن إرادة الله أو أن يتكلم عنها أو حتى أن يعملها فحسب بل أن « يكون فيها» (لو2 : 49 ) أي أن تستأثر بكل حبه وطاقته ووقته.

سرورالآب : قوة الذبيحة

وبعدما اكتمل سرور الأب من حياة يسوع التي قدمت - بروح الوداعة - كل الحق والمجد لله،أصبح تقديم نفسه ذبيحه لأجل الخطاة أمرأ مقبولا لدى الأب، أي إن قوة الذبيحة وتأثيرها لا يكمن في أحداث الصلب ذاتها بل في رضا الله عن تلك الحياة المقدمة على مذبح الصليب، إبليس يريد أن يبعد أنظارنا عن تلك الحياة الكاملة ونمعن النظر في بشاعة آلام الصليب كما لو أن قسوة الأعداء وخيانة الأصدقاء وفظاعة الآلام هي التي أعطت لذبيحة المسيح قوتها وأبديتها ، ولكن الحقيقة ليست هكذا، فما هذه الأحداث إلا نتاج طبيعي لأرض الإنسان المملوءة قسوة وحسد وحقداً ، ولا يستطيع هذا النتاج أن يضيف أي قيمة لتلك الذبيحة المباركة، لأن كل قيمتها وقوتها تكمن في رضا الآب عن حياة الرب الكاملة، التي أشبعت قلب الأب وأعطت للذبيحة تأثيرها الأبدي (يتبع)

 

 

الأربعاء، 10 أغسطس 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله ( 8 )

بقلم : فخرى كرم

التعريفات النظرية لا تستطيع أن تعطينا تصوراً كاملا لروح الوداعة، لذلك دعونا نتتبع خطوات السيد في حياته العملية لنتعلم منه الوداعة بالحق، ولنكتشف كيف أنها روح عظيمة مملوءة مجداً وانتصاراً ، وإذا كان للوداعة ثلاثة اتجاهات نحو الله ونحو الذات ونحو الآخرين فدعونا نبدأ بالاتجاه الأول، أي وداعة المسيح في:

العلاقة مع الأب السماوي

خلق الإنسان الأول ليكون خاضعاً لسيادة الله، وكانت طاعته لمشيئة الله هي هدفه الأسمى، وعبوديته لله هي جوهر وجوده وتاج رأسه. وسيادة الله ليست من قبيل حب التسلط أو القسوة بل جوهرها هو الحب والعطاء، بل هي حق مطلق لله لأنه صانع الإنسان والمالك الحقيقي لكل حياته، كما أنه الأعلم بما هو خير للإنسان وما هو شر، لذلك فعبودية الإنسان لله هي من قبيل الثبات في الحق والوجود في المكان الصحيح.

لكن آدم فشل عند أول اختبار، ووجدناه يتمرد على إرادة الله الصالحة ويرفض الخضوع لوصاياه، وبهذا خرج من نطاق الحياة إلى نطاق الموت، لأن وجود الإنسان في نطاق الحياة مرتبط بوجوده في نطاق الخضوع لله، فخضوع الإنسان لله هو مصدر حياته وضمان مستقبله.

وعندما كسر الإنسان الأول نير خضوعه لله لم يتمتع بالحرية كما أوهمته الحية القديمة بمكرها ، بل وجد سادة آخرين ينقضون على حياته ويستعبدونه، فصار الإنسان عبدا لإبليس وجنوده، وصار عبدا لذاته وشهواته الجامحة، وصار عبدا للخطية (يو 8 : 34 ) بل صار الإنسان عبدا للإنسان، والتاريخ يشهد عن عصور طويلة تسلط فيها الإنسان على أخيه الإنسان بقسوة وعنف وشراسة، فملوك الأمم يسودونهم والمتسلطون عليهم يدعون محسنين (لو 22 : 25 ) وإذا كان الخضوع لله حق فالخضوع للإنسان ليس من الحق في شيء بل جوهره الإدعاء الكاذب وحب السيطرة والقسوة، وإذا كان الخضوع لله يحفظ للإنسان حريته ويقوده إلى ملء الحياة والبركة فالخضوع للإنسان - أي إنسان - يسحق الشخصية ويذل الكرامة، لذلك فنير العبودية لله هين وحمله خفيف أما نير عبودية الإنسان فقاس ينبغي كسره ، وهكذا رفض الإنسان سيادة الله على حياته ليصير عبدا لسادة كثيرين ( إش 26 : 13 ) واستمر تكاثر الإنسان وكل جيل يسلم الجيل التالي ميراثا ثقيلا من العبودية القاسية، الظاهر منها والمستتر، حتى قرر الله في مراحمه أن يكسر هذه السلسلة الجهنمية:

عبد يهوه الكامل

« الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس » ( في 2 : 6 ، 7 )

في ملء الزمان أرسل الله ابنه إلى العالم بمهمة محددة ألا وهي أن يعيد الإنسان إلى حالة الخضوع لسيادة الله، وليكون بداءة لخليقة جديدة تنجح فيما فشل فيه آدم ونسله، وذلك بأن يعيش في حالة عبودية كاملة لله مهما كانت المقاومة العنيفة التي سيلقاها من السادة الآخرين الذين اغتصبوا السيادة على الجنس البشر». .

ورغم أن جوهر علاقة يسوع مع أبيه السماوي هو المساواة، حيث لم يعتبر معادلته للآب خلسة بل حقا، إلا أنه اختار أن يأخذ صورة «عبد» ويصير في الهيئة كإنسان ليحل محل آدم أمام الله، وليتمم باعتباره الإنسان الثاني من السماء ما فشل فيه الإنسان الأول من الأرض (1 كو 15 : 47 ) .

كان ينبغي أن يقف موقف العبد تجاه الله، ومن هو العبد ؟ هو من لا يملك أي حق في نفسه بل كل حقوقه في يد سيده، ليس له حق اتخاذ قرار ما بالاستقلال عن إرادة سيده، ليس له أن يقرر مصيره أو يحدد مستقبله، فكل هذا من حق السيد وحده ، العبد هو إنسان يعيش بإرادته بحسب إرادة شخص آخر.

لذلك أتى يسوع إلى العالم مسلحاً بنية الألم وبروح الوداعة، فمن ناحية كان يعلم أنه سيتألم كثيراً من «سادة » كثيرين يريدون أن يجذبوه خارج عبوديته لله ويستأسروه إلى العبودية لهم، ولقد واجههم بنية الألم وانتصر (۱بط 4 : 1 )  ومن الناحية الأخرى كان ينبغي أن يمتلك الوداعة التي تعطى لله حقه كاملا في السيادة على كل تفاصيل الحياة، الوداعة التي تخضع لمشيئة الله وتقبل من يديه كل كأس يسمح به، حتى بدا في أحيان كثيرة كشاة تساق للذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها ، ولذلك كانت الحمامة الوديعة هي أصدق إعلان عن ذاك المزمع أن يصير عبد يهوه الحقيقي، ذاك الذي لم يأت ليكون سيدأ بل عبدأ ، لا ليخدم بل ليخدم .

ولقد انتصر سيدنا الوديع وتمم مهمته بنجاح، فمن الناحية الواحدة أباد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، ومن الناحية الأخرى قدم بروح الوداعة للآب خضوعاً مشبعاً لقلبه، وكان في هذا الانتصار فداء للجنس البشري وباب مفتوح لشعب سيولد يخضع لسلطان الله وحده، أي الكنيسة، وللحديث بقية.