الاثنين، 23 يناير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (27)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح القداسة والقضاء الذي اتخذ لنفسه النار رمزا على مدى تاريخ شعب الله في العهدين القديم والجديد، ورأينا كيف أنه يتبع روح الوداعة في ترتيب تعاملات الله مع الإنسان،

وأول ما رأينا هذا الترتيب رأيناه في جنة عدن، ورأينا أول صورة رمزية لروح القضاء في هيئة سيف النار المتقلب الموضوع لحراسة طريق شجرة الحياة، إذ صارت قداسة الله وقضاؤه هما العقبة في طريق الإنسان إلى الحياة الأبدية. ولقد استمر نفس هذا الترتيب في تعاملات الله مع :

الشعب القديم

بدأ الله تعامله مع شعبه القديم - شعب إسرائيل - بروح النعمة والوداعة التي تعطى للإنسان حقوقه بسخاء وبلا مقابل، أعطاهم حقهم في أن يكونوا شعباً مستقلا يملك حرية الإرادة والفعل بعد أن كانوا عبيدا ، وأعطاهم حقهم في وطن بعد أن كانوا غرباء، وبعد أن أخذوا كل شيء أعطاهم الله الناموس وطالبهم بأن يسلكوا بموجب قداسته، وهكذا نرى مرة أخرى روح الوداعة تعطى للإنسان كل حقوقه قبل أن تطالبه روح القداسة بالمردود، فالله لم يكن ممكناً أن يعطى الناموس للشعب وهو بعد في أرض العبودية مسلوب الإرادة ومقيد الفعل، ولكن بعد أن أعطى الله للشعب حقه في حرية الإرادة والفعل أعطاه الناموس، فالناموس هو مطالب قداسة الله من الإنسان الذي استمتع بحريته، هو الحصاد الذي يبتغيه الله من أرض الإنسان التي عملت فيها النعمة كثيرة.

ولأن الناموس هو الممثل لمطالب قداسة الإنسان لذلك رأينا النار تميز وقت تسلم موسى للوحي الشريعة «كان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنــار» (خر 19 : 18 ) .

الفشل .. مرة أخرى !!

 لكن كما فشل الإنسان في جنة عدن في التجاوب مع نعمة الله، وفشل آدم في أن يعطى لله حصادا مشبعاً رغم الزرع الجيد الذي زرعه الله في حقله، نرى هنا أيضأ الشعب يفشل بعد كل إحسان الله ويظهر عدم طاعة لمطالب قداسته، ويثبت أن طبيعة القلب البشرى تحب الزيغان والابتعاد عن الله. وأن ما فعله آدم في جنة عدن لم يكن فعلا فردياً بقدر ما هو اتجاه جماعي للجنس البشري كله.

وفشل الإنسان مرة أخرى كان متوقعاً ولذلك وضع الله في الناموس شريعة تشرح كيفية التعامل مع الخطية، شريعة ترسم أمامنا صورة رمزية أخرى لقداسة الله وموقفها من الإنسان، نقصد بها شريعة :

ذبيحة الخطية

إذا أخطأ الإنسان كان يتقدم بذبيحته إلى الكاهن في باب خيمة الاجتماع أو مدخل الدار الخارجية في الهيكل، وكان يراها وهي تذبح ثم تشتعل فيها النار على مذبح النحاس، ومرة أخرى نرى الموت يقترن بالنار في ذبيحة الخطية إشارة إلى قداسة الله التي تطالب بالموت لكل ما في باطن الإنسان، وكما رأينا سيف النار المتقلب يقف في طريق الإنسان إلى شجرة الحياة نرى هنا مذبح النحاس يقف عقبة في طريق الإنسان إلى داخل خيمة الاجتماع، والمعنى واحد في الحالتين ألا وهو أن قداسة الله وقضاءه هما العقبة أمام الإنسان للتمتع بالشركة مع الله الموجود - بحسب الرمز - في داخل قدس الأقداس، كان مذبح النحاس هو أول ما يصادفه الإنسان المقترب من خيمة الاجتماع وكان في نفس الوقت آخر ما يجرؤ على الاقتراب منه!! كان الإنسان يتقدم بذبيحته إلى مذبح النحاس ثم يعود أدراجه مبتعدا عن الخيمة لأنه لم يكن مسموحاً للشعب أن يجتاز المذبح إلى ما داخل الخيمة.

قصد الله

كان قصد الله من هذه الصورة الرمزية المتكررة في نظام الذبائح هو أن يبقى ماثلا في ذهن الشعب أن قداسة الله لا تقبل خطايا الإنسان ولا تتعايش معها، وأن من يجرؤ على الاقتراب من محضر الله يعرض نفسه للموت، وإن كان الله في رحمته سمح للإنسان أن يقدم ذبائح حيوانية بدلا عن نفسه ويشاهدها وهي تموت وتشتعل فيها النار حتى الاحتراق، فقد كان هذا ليس لأن الذبائح يمكن أن ترفع الخطية لكن لكي يبقى هذا الحق حيا في ضمير الشعب كل يوم، ألا وهي أن من يريد التمتع بمحضر الله ونعمته ينبغي أن يجتاز نار حكمه وقداسته، ولأن أحدا لم يستطع أن يجتاز هذه النار ويبقى حياً لذلك ظل طريق الأقداس مغلقاً حتى مجيء المخلص، وللحديث بقية

الجمعة، 9 ديسمبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله ( 26 )

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن الرب تعامل مع الإنسان بروح الوداعة أولا ثم بروح القداسة والقضاء ثانياً، زرع بنعمته في البداية ثم طالب بالحصاد أخيراً، والحق أن هذا هو أسلوب تعامل الله مع الإنسان منذ بدء التاريخ وحتى يومنا هذا، وأول ما نرى هذا الأسلوب نراه في:

جنة عدن

 بدأ الله تعامله مع آدم - ممثلا للجنس البشری - بنعمة غامرة وعطاء بلا حدود ، قبل أن يخلقه صنع له كل ما يلزم للحياة السعيدة، خلق لأجله الأرض والسماء وملأها بالكائنات الحية من كل صنف ونوع، وغرس له جنة ووضعه فيها، وقبل أن يطالب الله بحقه أعطى للإنسان كل حقوقه - إن جاز لنا القول أن للإنسان حقوقاً - أعطاه حق التمتع والشبع بكل شجر الجنة، وحق التسلط والسيادة على كل الأرض، وحق الصحبة والمعونة إذ خلق له حواء معينة نظيره، بل أعطاه حق الاختيار عندما غرس في وسط الجنة شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر، وكان الوصول إليهما متاحاً وسهلا، فالله لن يطلب الطاعة من إرادة مقيدة بل من إرادة حرة تملك أن تخطىء كما تملك أن تصيب!!

أليست هذه هي روح الوداعة التي تعطى للإنسان حقه كامل غير منقوص ؟ أي حق للإنسان لم يأخذه بل أي خير لم ينله بفيض ووفرة ؟ عندما يطالب الله الإنسان بأي شيء بعد ذلك فهو يطالبه مما سبق وأعطاه له، وعندما ينتظر منه محبة فهي لن تكون سوى رد فعل زهيداً لمحبة الله الكاملة وعندما يتوقع منه الطاعة فلأنها أقل مقابل للحرية والمجد اللذين كلله بهما.

بل إن روح الوداعة لم تكن تجاه آدم فحسب بل حتى تجاه الحية أحيل جميع حيوانات البرية!! لقد منحها الفرصة لكي تشتكي عليه ـ له المجد ـ وتنسب له ظلمة وتفسد بمكرها ذهن المرأة، أي وداعة تلك التي غلفت جنة عدن !! حتى إن من أراد أن يخطىء تجاه الله ما كان يجد أي مانع!! لكن لا شك أن بعد روح الوداعة هذه لابد أن يأتي الله بروح آخر.

روح القضاء

بعدما أخذ الإنسان فرصته الكاملة ومارس حقوقه كما أراد حان الوقت الذي ينبغي فيه أن يأخذ الله حقوقه ويمارس سلطانه، فوجدنا الرب الإله يأتي إلى الجنة بروح القضاء ويمارس سلطانه في إدانة الخطية، ورأيناه يعاقب آدم وحواء والحية كلا بحسب خطئه، ونلاحظ أن أحدا منهم لم يعترض على القضاء أو يطالب برأفة لأن كلا منهم يعلم أنه أخذ فرصته كاملة وأنه كان كامل الإرادة وحر الاختيار عندما أخطأ ، ونلاحظ أيضا أن روح القضاء كان مقترناً بصورة رمزية معبرة وهي:

 

لهيب سيف متقلب

أول مرة نرى فيها النار في الكتاب المقدس نراها عندما أقام الرب الإله لهيب سيف متقلب الحراسة طريق شجرة الحياة، وعندما يقترن اللهيب بالسيف في صورة رمزية واحدة فلكي يعبر لنا عن حق روحي مزدوج وهو أن قداسة الله (اللهيب) تطالب بالموت (السيف) قصاصاً لخطية الإنسان، لقد باتت قداسة الله وقضاؤه هما العقبة في طريق شجرة الحياة !! وأصبح الإنسان مفصولا عن الحياة الأبدية ولا يجرؤ على الاقتراب منها، لأنه إذا أراد أحد أن يصل إلى الحياة فعليه أن يجتاز لهيب قداسة الله وسيف عدالته، ولأن «كل» ما في الإنسان يستوجب الموت بحسب قداسة الله، لأنه لا يسكن فيه شيء صالح، لذلك فالهلاك هو مصير كل من يقترب من سيف النار المتقلب، وإذا اجتاز لهيب قداسة الله فسوف يحتــــرق « كله » ولن يبقى فيه ما يعبر إلى الحياة.

إلى أن جاء الشخص الوحيد الذي استطاع أن يجتاز لهيب السيف المتقلب ويبقى حياً، اشتعلت «نار» قداسة الله في قلبه حتى ذاب كالشمع في وسط أحشائه (مز 22 : 14 ) واستيقظ « سيف » القضاء عليه فضربه إلى الموت (زك 13 : 7 ) (فالسيف كان نائماً منذ خروج آدم من الجنة لأن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب منه!) وبعدما اجتاز هذا الشخص المبارك في لهيب السيف المتقلب حاملا لخطايانا ونائباً عنا وجدناه يقوم من الموت في ملء الحياة، لم تنته حياته في لهيب قداسة الله بل استطاعت أن توفي قصاص الله ومع ذلك تبقى حية، لأنه إن كان يحمل على كاهله خطايانا التي تستوجب الموت فقد كان يحمل أيضا في داخله طبيعة طاهرة أرضت قلب الآب وسرته، لهذا السبب لم يكن ممكناً أن يمسك من الموت.

وبعدما اجتاز الرب يسوع - له المجد - لهيب السيف المتقلب صار الطريق إلى شجرة الحياة مفتوحاً مرة أخرى لكل من ارتبط بشخص المسيح واستتر فيه (رؤ 2 : 7 ) وهؤلاء لن يؤذيهم السيف الملتهب لأنه «لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع» (رو 8 : 1) لأنه - بالنسبة لهم فقط - قد انطفأت النار في دماء المخلص وانكسر السيف في جسده الكريم !! (يتبع).

 

الخميس، 1 ديسمبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (25)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن الله شاء في حكمته أن يتعامل مع الإنسان بروح الوداعة أولا ثم بروح القداسة، والحق أن هذا هو أسلوب الله في التعامل مع الإنسان دائماً، التعليم أولا ثم الامتحان، فرصة التوبة أولا ثم القصاص، الزرع أولا ثم الحصاد ، وهذه هي حكمة الله وعدالته أيضأ، فعدالة الله لن تمتحن الإنسان بخصوص شيء لم يتعلمه مرة ومرات، ولن تقتص من خطية إلا بعد أن تمنحه نورا كاشفاً على هذه الخطية ووقتاً كافياً للتوبة عنها، وعدالة الله لن تطلب أن تحصد ما لم تزرعه النعمة في قلب الإنسان، الله لا يطالب الإنسان بشيء من عندياته لأنه يعلم أن الإنسان لا يمتلك شيئا إلا خطاياه، إن ما تزرعه روح الوداعة هو ما تحصده روح القداسة، وما تعلمه لنا روح الوداعة هو ما تصعد به روح القداسة بخوراً طيباً أمام الله.

مثل الحنطة والزوان

وضح لنا الرب في مثل الحنطة والزوان (مت 13 : 24 ـ 30 ) أن ملكوت السموات يمر دائماً بمرحلتين هما الزرع والحصاد ، ولكل مرحلة سماتها الخاصة:

مرحلة الزرع تتميز بالاختلاط، فنجد الإنسان الصالح الذي زرع زرعا جيدا في حقله كما نجد الإنسان العدو الذي زرع الزوان في وسط الحنطة، ونرى الحنطة التي نمت وأخرجت ثمرأ جيداً كما نرى الزوان الذي نما أيضا وأخذ شكل الحنطة ولكن بلا ثمر. أما مرحلة الحصاد فتتميز بالحسم والفصل، فالاختلاط لا يمكن أن يستمر بلا نهاية بل لابد أن يصير الفرق واضحاً بين الزرع الجيد الذي زرعه صاحب الحقل والزرع الرديء الذي زرعه الإنسان العدو، بين الحنطة النافعة والزوان الباطل.

مرحلة الزرع تتميز أيضا بالوداعة والصبر ، الوداعة التي أعطت الفرصة للإنسان العدو أن يزرع زرعه وسط الحنطة، الوداعة التي أعطت للحنطة الفرصة الكافية للنمو كما أعطت للزوان ذات الفرصة!! الوداعة التي تصبر على نبات مصيره إلى الحريق!! أما مرحلة الحصاد فتتميز بالقضاء والحكم، فلابد للحنطة أن تجمع إلى المخازن أما الزوان فيحرق بنار، وهذا ما قلناه عن عمل النار التي تمتحن طبيعة الأشياء فتحرق الرخيص وتزگی الثمين.

يوحنا المعمدان

تنبأ يوحنا المعمدان عن عمل الروح في حياة الرب في هاتين المرحلتين، تنبأ عن مرحلة الزرع عندما قال «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يو 1 : 29 ) فحبة الحنطة لابد أن تسقط في الأرض وتموت قبل أن تأتي بثمر كثير، وهذه المرحلة لابد أن تتميز بالوداعة والصبر (الحمل) وتنبأ أيضا عن مرحلة الحصاد عندما قال عن الرب «الذي رفشه في يده و سينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ » (مت 3 : 12 ) هذه هي مرحلة الحصاد التي تتميز بالفصل والحكم.

ولكن يبدو أن طبيعة إرسالية يوحنا النارية جعلته يميل أكثر إلى مرحلة الحصاد في إرسالية الرب ويتطلع بشغف لحدوثها ويتخطى ببصره مرحلة الزرع الطويلة والمضنية، ولذلك كاد يعثر في الرب عندما طال انتظاره لعمل النار وأرسل يسأل ما إذا كان الرب هو الآتي أم ينتظر آخر!! رغم أنه هو نفسه تنبأ عن مرحلة «الحمل» وشاهد بعينيه «الحمامة» لكنه كان يتعجل «النار» !!

ولقد أجابه الرب بأنه ما زال يعمل في مرحلة الزرع، فها هم العمى يبصرون والعرج يمشون والصم يسمعون، فلابد أن يفتح الرب عيون الناس قبل أن يحاكمهم على ظلمتهم، ولابد أن يشفى العرج قبل أن يحاسبهم على عدم سعيهم نحوه، ولابد أن يفتح آذان الصم قبل أن يعاقبهم على عدم استماعهم لصوته!! الزرع أولا ثم الحصاد !! صحيح أن مرحلة الزرع كانت شاقة وطويلة ومن الصعب احتمالها وصحيح أن الرب اجتازها بألم وهوان ودم ودموع، إلا أنها ضرورية لكي يكون الرب عادلاً في أحكامه .

عندما يأتي الحصاد !!

وعندما انتهى وقت الزرع ونضجت الحنطة التي انبثقت من موت حبة الحنطة الإلهية، وعندما حضر يوم الخمسين الذي كان عيدا للحصاد (تث 16 : 9 ، 10 ) !! حضر الروح المبارك في هيئة جسمية مثل ألسنة من نار إيذانا ببدء الحصاد والحكم، ورأيناه من خلال الكنيسة - جسد المسيح - يقلب المسكونة (عمل الرفش) ( أع 17 : 6) ورأينا الحنطة تتجمع معاً (أع 4 : ۳۲) والزوان أيضا يجتمع معاً (أع 4 :۲۷) ورأينا في الحنطة ثماراً صالحة: سلاماً ونعمة وشفاء، ورأينا كيف أن الزوان لا ثمر له سوى البغضة والحسد والمكايد ، ولم تمض سوى سنوات حتى أحاط تيطس الروماني بأورشليم وأحدق بها وهدمها وبنيها فيها، ثم أشعل فيها النار لتلتهم كومة التبن التي لم تتجاوب مع عمل النعمة وروح الوداعة، ولم تعرف زمان افتقادها !! (يتبع).

 

 

الجمعة، 25 نوفمبر 2022

أحاديث من القلب

سبعة أرواح الله (24)

بقلم : فخرى كرم

بعدما رأينا الصورة الرمزية الأولى للروح القدس ألا وهي صورة الحمامة، وعرفنا أنها كانت مناسبة للتعبير عن روح الوداعة التي اصطبغت بها حياة رب المجد وخدمته وسط الناس، ننتقل اليوم للحديث عن صورة رمزية ثانية للروح القدس شاء أن يعلن نفسه بها في مرحلة أخرى من مراحل تعامله مع الإنسان، ألا وهي صورة

النار

رغم أن يوحنا المعمدان هو الذي رأى الروح ينزل على المسيح في هيئة جسمية مثل حمامة لكنه عندما تنبأ عن طبيعة عمل الروح الذي سيرسله المسيح ليعمل في وسط كنيسته قال إنه سيكون مقترناً بالنار ( لو 3 : 16 ) وبالفعل عندما حضر يوم الخمسين وجدنا الروح القدس يعلن عن حضوره في وسط الكنيسة بهيئة جسمية كألسنة منقسمة من نار استقرت على كل واحد منهم ( أع 2 : 3 ) مما يشير إلى أن السمة الغالبة لعمل الروح القدس في الكنيسة ستختلف عن السمة الغالبة لعمله في حياة الرب له المجد، فإذا كانت الحمامة تشير إلى الوداعة فإن النار في الكتاب المقدس تشير دائما إلى

القداسة

اقترنت النار بقداسة الله في أكثر من موضع، فعندما اشتعلت النار في العليقة صار الموضع مقدساً (خر 3 : 5 ) وعندما تجلى الرب على جبل سيناء بنار صار الجبل مقدسا (خر ۲۳:۱۹) ... إلخ.

لكن ما هي القداسة؟ هي «الصلاح المؤثر»!! «الصلاح» وحده هو أن يكون الشخص مملوءأ من الخير وخالياً من الشر، أما «الصلاح المؤثر» فهو أن يكون امتلاؤه من الخير وخلوه من الشر مؤثراً في الآخرين حتى أنه يجذب لنفسه الخير ويظهره ويدين الشر ويفضحه، إذا اقترن الصلاح الشخصي بهذا السلطان الخارجي نسميه « قداسة». .

أن تكون محبا فهذا صلاح أما أن تكون محبتك ذات سلطان حتى تفضح البغضة الموجودة في المحيطين بك وتدينها فهذه هي القداسة، أن لا تجد الخطية مكانا لها في قلبك فهذا صلاح، أما أن لا تجد لها مكاناً في الوسط المحيط بك لأن طهارة قلبك تفضحها أولا بأول فهذه هي القداسة!!

بين النار والقداسة

إن ما تفعله النار في الأشياء تفعله القداسة في الأشخاص، النار تمتحن الأشياء التي توضع فيها فتزگی وتنقي المعادن النفيسة وتفضح تفاهة المعادن الرخيصة وتحرق الخشب والعشب والقش وتحيلها رماداً ، الأشياء لا تبقى كما هي قبل وبعد اجتيازها للنار، وأنت لا تستطيع أن تبقى كما أنت قبل وبعد تعرضك لقداسة الله، أشياء سوف تتغير وأخرى ستنتهي وأخرى ستظهر ويزداد لمعانها !!

إذا أراد موسى أن يقترب من البقعة المقدسة فلابد أن يخلع نعليه، لابد أن يتخلص من الأجزاء الملامسة لهذه الأرض الملعونة، وإذا تواجد إشعياء في محضر «القدوس » فحالا تظهر الأجزاء النجسة في حياته وتحرقها جمرة من على المذبح، ومن يريد أن يصعد إلى جبل الرب ويقوم في موضع «قدسه » لابد أن يكون طاهر اليدين ونقى القلب (مز 24 : 3 ، 4 ) لا يمكنك أن تتعامل مع قداسة الله وأنت تتستر على شر أو تخفــي إثما في القلـب (مز 66 : 18 ) إن قداسة الله - مثل النار - تمتحن كل شيء فتجتذب الخير وتظهره وتنقيه وتفضح الشر وتدينه وتعريه.

بين الوداعة والقداسة

نستطيع الآن أن نرى أن روح الوداعة يبدو - ظاهرياً - مغايراً تماما لروح القداسة، فروح الوداعة يعطى للإنسان الفرصة لكي يظهر ما بداخله ويعبر عن مكنونات قلبه دون خوف، أما روح القداسة فيدين الشر وهو كامن في الأعماق ولا يمنحه فرصة للبقاء.

الوداعة لا تقتحم الإنسان بل تشجعه لكي يعبر بحرية عن إرادته، أما القداسة - إن تواجدت في محضرها - فهي تمتحن إرادتك الخفية وتظهرها إلى النور دون أن تملك لها دفعاً .

لكن الحقيقة أنه لا تناقض البتة بين اظهارات الروح الواحد، فكل من أوجه تعامله مع الإنسان هام وحتمي ولا غنى عنه، وهو في حكمته اختار أن يتعامل مع الإنسان بالوداعة أولا من خلال حياة رب المجد وخدمته لكي يعطى للإنسان الفرصة ليفهم ويختار بإرادته أن يتوب ويرجع إلى الله، لكن لا يظن أحد أن تعامل الوداعة يمكن أن يستمر إلى الأبد، فلابد أن يواجه الإنسان يوما قداسة الله وعندئذ لن تكون هناك فرصة بعد بل قضاء سريع، وللحديث بقية.

 

  

السبت، 12 نوفمبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله ( 23 )

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح الوداعة التي تعطي لكل ذي حق حقه، وقلنا إن لها ثلاثة اتجاهات: اتجاه الله واتجاه الآخرين واتجاه النفس، ورأيناها تتحرك في اتجاه الله فتعطيه حقه كاملا في الطاعة والخضوع، وتتحرك في اتجاه الإنسان فتعطيه حقه كاملا في الاختيار والتعبير، ولم يبق لنا إلا أن نتكلم بإيجاز عن الاتجاه الثالث ألا وهو اتجاه النفس، فروح الوداعة عندما تمتلك نفس ما تعطيها حقها كاملا غير منقوص، فإذا اجتهدت النفس فمن حقها أن تكافأ وإذا زرعت فمن حقها أن تفرح بالحصاد وإذا انتصرت فمن حقها أن تفتخر بالانتصار، الإنسان الوديع يدرك حقوق نفسه ويمارسها دون أن يشعر بأية غضاضة في ذلك، ويخطىء من يظن أن الوداعة تعطى لله حقه على حساب حق النفس، أو أنها تمنح الآخرين حقوقهم وتبخس النفس حقها ، كلا، فالله الوديع هو أيضا عادل ولا يكيل بمكيالين، ولذلك قال الرب له المجد «أعطوا تعطوا ، کيلا جيداً ملبداً مهزوزاً فائضا يعطون في أحضانكم، لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم» (لو 6 : 38 ) أي أن النفس التي تعلمت أن تعطى للآخرين حقوقهم لابد أن يمنحها الله حقوقها وبذات المكيال.

ولقد رأينا روح الوداعة في حياة الرب تمنح للنفس حقها كما منحت لله وللآخرين حقوقهم، فمن أشهر التعبيرات التي تصادفنا في أحاديث الرب تعبير:

أنا هو !!

تكلم الرب كثيراً عن نفسه وأعطاها حقها كاملا أمام الناس، ورغم أن كلام الإنسان عن نفسه عادة ما يثير الاستنكار في نفوس السامعين إلا أننا نندهش عندما نجد كلام الرب عن نفسه لا يثير بداخلنا هذا الإحساس بل على العكس نجد فيه شبعاً وارتواء، ما هو السبب؟ السبب هو أن الرب ينطق بالحق عن نفسه، فهو لا يمدح نفسه بما ليس فيه ولا يدعي قدرة ليست له ولا وضعاً لا يستحقه، كما أن الدافع وراء كلامه عن نفسه هو خير السامعين وليس مجد ذاته لأنه مجداً من الناس لم يقبل ، روح الوداعة التي كان الرب يتكلم بها عن نفسه هي التي منحتنا القبول والإيمان بهذه الكلمات.

الوداعة في مقياس الإنسان هي أن يتكلم عن نفسه بالسوء ويسعى للتقليل من شأنها والتحقير من قدراتها ، لكن العجيب أنك قد تستمع لشخص يقلل جدا من شأن نفسه ورغم ذلك تشعر بالنفور من كلماته، لماذا ؟ لأن خلف الكلمات التي تقلل من شأن الذات تكمن روح تهدف من وراء هذه الكلمات عينها لتمجيد الذات وإضفاء صفة التواضع عليها !! هذه الوداعة مزيفة، والله لا يريدنا أن نتكلم بالسوء عن أنفسنا ولا أن نتكلم عنها بزهو بل أن نتكلم عنها - إذا لزم الأمر - ما هو حق في نظر الله.

 

أنا أفضل !!

اضطرت الظروف الرسول بولس في بعض الأحيان أن يتكلم عن نفسه ( 1كو 15 : 10      ، 2كو 11 ، 12 )  فنجده يعدد لنا الكثير من مجهوداته واحتماله وتعبه في سبيل الخدمة، حتى نجده يعقد مقارنة بينه وبين الآخرين فيقول «أنا أفضل» ( 2كو 11 : 23 ) ومع ذلك لا نشعر بأي انزعاج من كلامه لأنه يقول الحق عن نفسه ( 2كو 12 : 6 ) والدافع من وراء كلامه ليس أن يأخذ مجدا من الناس بل أن يحمى الكنيسة التي تعب في تأسيسها من تشكيك المشككين في ارساليته ( 2كو 11 : 2 ، 3 ) الوداعة التي في بولس لم تمنعه من الكلام عن نفسه لكنها حفظت كلامه في نطاق الحق.

التنازل عن الحق

                إذا كانت الوداعة تعطى للنفس حقها إلا أن النفس قد تختار إرادياً أن تتنازل عن هذا الحق لإنجاز عمل ما أو تتميم مشيئة الله، مع بقاء الإدراك الكامل لهذه الحقوق وقدرة النفس أن تستعيدها في أي وقت، مثلما كان لبولس سلطان أن لا يشتغل بيديه بل يعيش من الإنجيل، وسلطان أن يجول بأخت زوجة مثل باقي الرسل، لكنه اختار أن لا يمارس هذا السلطان لكي لا يجعل عائقا لإنجيل المسيح ( 1كو 9 : 12 ) . وفي الليلة الأخيرة نرى الرب يقوم عن العشاء ويغسل أرجل تلاميذه آخذاً مركز الخادم رغم إدراكه الداخلي لمركزه الحقيقي ( يو 13 : 3 )  وبعدما غسل أرجلهم قال لهم «أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك» ( يو 13 : 13 ) . لقد قام بعمل الخادم وهو مدرك تماما لمركزه كالسيد، وهذا هو الفرق بين «صغر النفس» و «وداعة النفس »!! فمن يعاني من «صغر النفس» قد يضع نفسه في مركز منخفض بسبب إحساس داخلي بأنه قليل الشأن، أما من يمتلك « وداعة النفس » فهو يضع نفسه في ذات المركز المنخفض لكن مع احتفاظه بإدراكه الداخلي بمركزه الحقيقي الذي له من الله، ويكون هذا التنازل إرادياً ومؤقتا ومحدوداً بأداء عمل ما أو تتميم مشيئة الله (يتبع).

 

الاثنين، 31 أكتوبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (  22  )

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن الوداعة تعطى للإنسان حقوقه كاملة، وتكلمنا عن الحقوق الخاصة التي تحق لفئات معينة من الناس، واليوم نبدأ الحديث عن الحقوق العامة التي تحق لكل الناس: الكبير والصغير، الغني والفقير، الرجل والمرأة، فالحقوق العامة هي الحقوق التي يحصل عليها الإنسان لمجرد كونه إنسانة، وأول هذه الحقوق العامة هو:

حق الاختيار

خلق الله الإنسان ذا إرادة حرة، وحرية الإرادة تمنح الإنسان امتيازاً وتضع عليه التزاماً، أما الامتياز فهو حقه في الاختيار الحر لطريقه في الحياة وطبيعة مسلكه فيها ، فالإنسان الحر لا يجب أن تجبره على شيء ما وإلا تكون قد حطمت أهم مميزاته كإنسان عاقل ونزلت به إلى مستوى البهائم التي تساق ، الإنسان الحر يجب أن تعرض أمامه الاختيارات المتاحة وتظهر له عواقب كل منها ثم تتركه يختار ما يشاء، سواء كان اختياره هذا هو الصواب من وجهة نظرك أم الخطأ، فهذا هو حقه الأصيل في حرية الاختيار، وأما الالتزام فهو التزامه بحصاد كل ما زرعه وقبول نتائج اختياره أيا كانت.

والله يحب أن يعطى للإنسان حقه كاملا في الاختيار، لا يفرض عليه أمرأ حتى وإن كان صوابا ولا يجبره على عمل مهما كان حقا، ورغم أنه القادر على كل شيء والحق المطلق المستحق للطاعة إلا أنه يتعامل مع الإنسان بالوداعة، يضع أمامه الاختيارات ويتركه يختار طريقه بحرية، اسمعه وهو يقول لشعبه القديم «أشهد عليكم اليوم السماء والأرض، قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك»(تث 30 : 19 )

الاستبداد

وعكس الوداعة في هذا المجال هو الاستبداد ، أي إرغام الإنسان على قبول فكر أو سلوك طريق ضد إرادته ورغم مشيئته، والاستبداد كثير ومتنوع و منتشر حولنا في كل مكان بينما الوداعة جوهرة نادرة الوجود ، والاستبداد قد يكون نفسياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو فكرياً، فكل إنسان يمتلك سلطة ما - نفسية أو اجتماعية أو سياسية أو فكرية - يميل إلى استخدام سلطته في إجبار تابعيه على اعتناق فكره ومسايرة إرادته وتتميم مشيئته، فالسلطة من شأنها أن تصيب الإنسان بالغرور حتى إنه يمتلىء تماما بذاته ويكتفى جداً بفكره ويعتقد أنه وحده يعرف الصواب لذلك لا تجد لديه أذن تسمع فكر الآخرين أو تحترم وجهة نظرهم، إذا تكلم تجده ينتظر من سامعيه الخضوع والمصادقة على فكره ، وإذا لاحظ أن أحدهم لا يريد أن يستمع إليه أو يصادق على أقواله اشتعل بداخله الغضب والرفض ضد هذا الإنسان!! كم هو عجيب أن الإنسان يسلب أخاه الإنسان حقه في الاختيار رغم تفاهة المعرفة الإنسانية و محدوديتها ونسبيتها بينما يظل الله يحفظ للإنسان حرية اختياره رغم كمال معرفته - تبارك اسمه - وامتلاكه للحق المطلق.

تعلموا مني.. لأني وديع !!

 لم يشهد التاريخ كله معلماً امتلأ بروح الوداعة مثل شخص الرب يسوع له المجد، فرغم امتلاكه للحق الكامل إلا أنه لم يفرض فكره قط على الآخرين، بل أعطى دائما لسامعيه حقهم الكامل في أن يسمعوه أو ينصرفوا عنه (يو 6 : 66 ، 67 ) . وهذا هو معنى نيره الهين وحمله الخفيف، فهو المعلم الوحيد الذي لا يعلمك إلا إذا أردت أنت أن تتعلم، ولا يتكلم إلا إذا أردت أن تسمع، إنه لا يقتحمك ولا يفرض فكره عليك، إذا أردت ألا تستمع إليه لن يغضب منك ويقاومك بل سيعطيك حقك الكامل في اختيار الفكر الذي تستمع إليه حتى وإن كان فكراً مضاداً له!! لا يمكنك أبدا أن تجد واحداً من تلاميذه في كل العصور اعتنق فكره عن خوف أو اضطرار، كل من تتلمذ عند قدميه واعتنق فكره فعل هذا بمحض اختياره الحر، هل رأيت قط معلماً مثل هذا ؟! إنه المعلم الوحيد الذي قال هذه العبارة العجيبة.:

من له أذنان للسمع فليسمع

لقد كرر الرب هذه العبارة كثيرة في تعاليمه وبعد كل رسالة من رسائله إلى الكنائس في سفر الرؤيا ، ماذا يقصد الرب بأذن للسمع؟ إنه يقصد الاستعداد الداخلى للاستماع لفكر الله والرغبة في التعلم، وهذه الأذن ليست عند كل الناس، فكثيرون فقدوا الاستعداد الداخلى للتعلم والإصغاء لفكر الله بسبب امتلائهم بأفكارهم الخاصة واكتفائهم بحالتهم الراهنة حتى لم تعد عندهم مساحة لاستقبال فكر جديد ، لمثل هؤلاء لا يوجه الرب تعاليمه بل هو يتكلم لفئة أخرى مازالت تشعر بعدم الاكتفاء وتريد أن تستمع لفكر الله وتخضع له، أي أنه - له المجد - لا يفرض فكره على الجميع بل يقدمه فقط لمن اختاروا بمحض إرادتهم أن يستمعوا إليه، إنه حقا المعلم الوحيد الوديع ومتواضع القلب، وللحديث بقية

 

 

الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

أحاديث من القلب

 سبعة أرواح الله (21)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن روح الوداعة تجاه الإنسان تمنحه حقوقه كاملة، وأول هذه الحقوق هو حقه في الاختيار، واليوم نضيف أن من حقوق الإنسان أيضا:

حق التعبير

       الإنسان السوى ليس هو القادر فقط أن يختار بل هو القادر أيضا أن يعبر عن هذا الاختيار، فقد يختار الإنسان موقفا ما ولكنه يعجز عن المجاهرة بهذا الموقف لسبب أو لآخر، وهذا يؤدي إلى ازدواج في الشخصية: من الداخل يعتنق الإنسان موقفا ومن الخارج يظهر موقف آخر، وأن يجاهر الإنسان بموقف مخالف لما يعتقده داخليا هو ما يسميه الكتاب:

الرياء

يستشري هذا الداء في المجتمعات المقيدة للحريات، وكان هذا الداء موجوداً بكثرة في المجتمع اليهودي في أيام تجسد الرب له المجد، بدأ في القادة ثم انتشر إلى كل المجتمع مثلما تنتشر الخميرة لتخمر العجين كله، رغبة في الاستعلاء على الشعب كان الكتبة والفريسيون يخفون اختطاف ودعارة بداخلهم ويظهرون برأ وتقوى، وخوفا من القادة ورغبة في رضاهم كان الشعب يخفي غضباً ورفضأ ويظهر حبأ وخضوعأ، وخوفا من بطش السلطة الرومانية كان المجتمع اليهودي كله يكتم ذلا وهوانا ويظهر طاعة وولاء!! كان الكل يرائي لأن أحدا لم يكن يمتلك الشجاعة ليعبر عن حقيقة موقفه، ولقد حذر الرب تلاميذه من سريان هذه الروح إليهم ( لو 12 : 12 ) ، فهو الوحيد الذي داس روح الرياء في حياته وعاش يماثل ظاهره باطنه ، وقاد تلاميذه إلى نفس الحياة .

روح الوداعة

وإذا كان القائد المزيف يفرح عندما يرائيه الناس ويظهرون له عكس ما يبطنون إلا أن روح الوداعة التي تجسدت في شخص الرب يسوع له المجد كانت ترفض هذا الرياء وتشجع الإنسان لكي يعبر عما بداخله أيا كان، فالشخص الوديع هو الذي تشعر في محضره بأنك قادر على التعبير عما بداخلك بدون خوف، هو الشخص الذي تسلك معه كما أنت في الحقيقة بدون مواربة إنه الشخص الذي يعطيك الإحساس بالأمان وبأنه يقبلك كما أنت وبأنه لا يقيم نفسه ديانا لما في أعماقك، الشخص الوديع يصمت كثيراً لكي تتكلم أنت، ويتراجع أحيانا لكي تتقدم أنت!!

النور الذي ينير كل إنسان طالما ظل موقف الإنسان الداخلى خفية غير معلن يكون من المستحيل التعامل معه أو علاجه أو حتى إدانته، لذلك كان أحد جوانب إرسالية الرب إلى العالم هو أن ينير خفايا الإنسان ويشجعه على إظهار مواقفه الداخلية، وهذا ما قاله سمعان الشيخ بروح النبوة عن إرسالية الرب: «لتعلن أفكار من قلوب كثيرة» (لو ۲: ۳۵) أفكار ومواقف كثيرة ظلت مكتومة في القلوب لسنوات طويلة كان الرب مزمعاً أن يخرجها للنور ويعلن عنها ، ولقد فعل هذا بروح الوداعة التي تدفع من يتعامل معها لإظهار مكنونات قلبه. كان بداخل القادة الدينيين موقف مضاد لصاحب الكرم (مت 21 : 33 ) كانوا يأخذون ثمر الكرم لحسابهم وهو من حق الله وحده ، ولكن هذا الموقف المضاد لله كان مدفوناً تحت كم هائل من المظاهر الخارجية الخادعة، مظاهر التدين والتقوى والورع، وكانت إحدى مهام الرب له المجد هو إظهار حقيقة موقفهم من الله وإعلان أفكار البغضة الكامنة في قلوبهم، ومسلكه الوديع هو الذي شجعهم لكي يجاهروا ببغضتهم له، فقد كان مثل «النعجة الصامتة أمام جازيها »، وصمت النعجة يشجع جازيها لكي يمضى في عمله حتى النهاية!! لقد كان الرب بالنسبة لهم « علامة تقاوم» على حد قول سمعان الشيخ ( لو 2 : 34 ) أي أنه كان هدفاً تخرج عليه كل المقاومة الكامنة في قلب الإنسان تجاه الله!! وعندما ظهرت هذه المقاومة ومضت في طريقها حتى كملت في الصليب أصبح من الممكن التعامل معها وإدانتها، ولم تتأخر الدينونة كثيرة!!

وداعة الرب أعطت الفرصة لبطرس لكي ينكر، وليهوذا لكي يخون، وللتلاميذ لكي يهربوا ، دون أن يخشى أحد منهم لوماً أو عقابا !! اسمعه وهو يقول ليهوذا بوداعة «ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة» ( يو 13 : 27 ) الرب يدفعه لكي يعبر عن الخيانة الموجودة بداخله بأكثر سرعة!! فطالما ظلت الخيانة كامنة في قلب يهوذا وتتحرك ببطء في الخفاء لم يكن من الممكن إدانتها ، فقط عندما ظهرت في العلن أمكن وضعها تحت الدينونة، ولم تتأخر الدينونة كثيراً !!

       دعني أنحنى بإجلال أمام روح الوداعة التي تتجسد فيك يا سيدي، فهي التي منحتني الفرصة لكي أظهر مكنونات قلبي أمامك دون خوف، وداعتك يا سيدي حررتني من عبودية الخوف وحفظتني من السقوط في فخ الرياء!! (