السبت، 25 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (31)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن عمل روح النار في يوم الخمسين كان أولا إظهار الصلاح الكامن في قلوب التلاميذ وتزكيته، واليوم نضيف أن الجانب الثاني لعمل الروح كان هو :

فضح الاثم وإدانته

رغم احتفاظ الأمة اليهودية بشكلها الخارجي كأمة متدينة تعبد الله الواحد وتختلف في ذلك عن الأمم الوثنية الموغلة في الشر والنجاسة والمتعبدة لأصنام جامدة، إلا أن الحق كما يراه الله كان أن قلب هذه الأمة يموج بكل نجاسات الأمم الأخرى وشرها، والفرق الوحيد هو أن الأمم الوثنية لا تجد غضاضة في المجاهرة بالشر لذلك فهي تمارسه علانية، أما الأمة اليهودية فهى تحاول الاحتفاظ بمظهرها المتدين لذلك فهي تمارس الشر في الخفاء !! وقبل أن يخرج الشر من القلب تغلفه بأوراق براقة، وكلما شعرت بنتانة العظام العفنة المدفونة في القلب لجأت إلى تبييض الجدران الخارجية وتزيينها !! وكلما ازداد الإثم في داخل الصحفة والكأس اللتان يقدمونهما لاطعام الشعب سعوا لتنقية خارجهما وتلميعه!! وكلما نمت النجاسة في داخل القلب أصروا على تقديس وتعظيم أهداب ثيابهم!!

كان الإثم في وسط الأمم يمارس علانية وكانت الهة الخشب والحجر تعبد في هياكل ضخمة واضحة للعيان، أما الأمة اليهودية فكانت تعبد نفس تلك الآلهة النجسة لكن في مخادع النفس الداخلية (حز( 8 : 12 !!

ولم يكن تمسكهم بالمظهر الحسن بدافع حبهم للنقاء أو رغبتهم في القداسة بل بدافع الاحتفاظ بنعرة التفوق على الآخرين والإحساس بالتميز الذي اكتسبوه في البداية عندما كان إله المجد يسكن في وسطهم، وبعد أن زال المجد وفارقهم الحضور الإلهي أبي القلب المتكبر الرديء إلا أن يظل يتعالى على الآخرين ويظل يفتخر بأنه أفضل منهم حتى بعد أن صار هذا الافتخار باطلا وفارغاً بلا مضمون.

غياب روح النار

كيف يمكن أن يعيش المجتمع بهذا الشكل من الخداع والرياء؟ وكيف يمكن أن تختبيء النجاسة خلف هذه المظاهر المقدسة؟ كيف أمكن لهذا الشعب أن يجمع بين الإثم والاعتكاف ؟! إن غياب روح النار هو الذي يعطي هذه الإمكانية!!

إن روح النار هو المسئول عن فضح الإثم وتعريته وإدانته، وفي حالة غياب هذا الروح المبارك يمكن للإثم أن يستتر في القلب لسنوات عديدة دون أن يراه أحد، بل يمكن أن يرسم لنفسه صورة خارجية جميلة تستأسر بإعجاب الناس وتقديسهم!! بل أحيانا قد يصل الأمر إلى حد أن صاحب القلب الأثيم قد يفقد إحساسه بإثمه ويصدق كذبه وينخدع بخداعه ويظن في نفسه القداسة فعلا!!

.. وعندما يحضر روح النار !!

لكن عندما يحضر روح النار يصير اختباء الإثم مستحيلا، فإزاء البر الحقيقي الذي أظهره الروح في الكنيسة ظهر أيضأ الخواء والشر الكامن في قلب الشعب اليهودي، وأمام بساطة ووداعة التلاميذ انفجر بركان كبرياء وقسوة اليهود ، وفي مواجهة المحبة التي ملأت جنبات الكنيسة تدفقت أنهار البغضة والحسد من قلوب الكهنة ورؤساء الشعب، وفي مقابل صدق واستقامة التلاميذ رأينا الكهنة ينتهجون منهج الكذب والإلتواء، لم يعد في إمكانهم الاحتفاظ بمظهر التقوى والورع بل رأيناهم ينحدرون في سلوكهم إلى سلوك المجرمين وقطاع الطرق (أع 23 : 15 ) !!

الحنطة والزوان

وهكذا بينما كان روح النار يضم كل يوم القديسين إلى جسد المسيح (أع 2 : 47 ) كان من الناحية الأخرى يفضح الخواء والشر المستتر في الأمة اليهودية، كان روح الحصاد يجمع الحنطة إلى المخازن وأيضا يجمع الزوان تمهيدا لحرقه، وبينما ربطت المحبة الأخوية بين جموع المؤمنين بالمسيح كانت البغضة والحسد والخوف على المصالح المادية تجمع اليهود معا ضد أتباع المسيح، وكان هذا التجمع إيذانا باقتراب القضاء السريع.

وبالفعل لم تمض سنوات كثيرة حتى أرسل الرب نيران تلتهم كومة الزوان الكبيرة، انهار الهيكل ولم يبق فيه حجر على حجر لم ينقض، واحترقت المدن وتهدمت المنازل وبنيها فيها ، وبينما كان تيطس الروماني هو الأداة المنفذة لهذا القضاء كان روح النار هو الحاصد الحقيقي، له كل المجد!! وللحديث بقية.

 

 

 

السبت، 18 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (30)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن روح النار أتى ليسكن في الكنيسة ليمارس فيها ومن خلالها عمله المبارك الذي كانت تشير إليه نيران مذابح العهد القديم، وقلنا إن هذا العمل مزدوج حيث إنه يزگی الصلاح ويظهره - مثل مذبح الذهب - ومن الناحية الأخرى يدين الشر ويحرقه كما كان يشير مذبح النحاس، وهذا العمل المزدوج هو ما نريد الآن أن نتتبعه عملياً في حياة الكنيسة الأولى:

اظهار الصلاح

عندما عاش رب المجد في وسط تلاميذه استطاع بروح الوداعة أن يزرع في أعماقهم بذور الصلاح الحقيقي، سواء بواسطة كلامه الثمين الذي أعلن فيه طبيعة البر الذي يريده الله، أو بحياته الكريمة التي ترجم فيها هذا البر عملياً ، لقد سمعوا منه عن الصلاة التي ترضى الآب ورأوه يصلي أمامهم هذه الصلاة، سمعوا منه عن المحبة للقريب وللعدو ورأوا فيه هذه المحبة متجسدة ، سمعوا منه عن القداسة الحقيقية وليست المظهرية، ورأوا فيه هذه القداسة وهي تتعامل مع أشر الناس وأحط دركات المجتمع، قداسة لم تستطع نجاسة الإنسان أن تلوثها بل استطاعت هي أن تهزم النجاسة وتطلق كثيرين من قيودها أحراراً.

وهكذا انزرعت في قلوبهم بذور الصلاح الحقيقي، ما لم يفهموه بالأقوال فهموه من الأعمال، وما لم تشرحه لهم كلماته شرحته لهم لمساته، والقلوب التي لم تنفتح أمام إعلانه انفتحت أمام محبته وغفرانه، خلاصة القول إن الرب ترك قلوباً مملوءة بمعرفة الصلاح، وهم من ناحيتهم أحبوا هذا الصلاح الذي رأوه في سيدهم، وفي نوره اكتشفوا زيف الصلاح المظهري الذي كان يملأ الساحة حولهم، ولم يعودوا يستطيعون العيش بمقاييس البر الإنساني بل صارت قلوبهم تشتاق لأن تحيا على نفس مستوى البر الذي رأوه في يسوع.

.. ولكن !!

كان هناك ما يمنع أن تنمو هذه البذار الثمينة وتتحول إلى حياة عملية، فمن الخارج كان المناخ الروحي المحيط بهم لا يسمح لهم بهذه الحياة، ومن الداخل كان ينقصهم الجرأة والقوة والسلطان لكي يعيشوا هذه الحياة ضد المناخ الروحي المضاد لهم، البذور الموجودة في قلوبهم لم يكن متوفرة لها القدرة ولا الظروف المناسبة لكي تنمو وتزهر وتثمر، الله وحده كان يرى في أعماق هذه الجماعة كنزاً من بذور الصلاح الحقيقى ولكنه كنز غير معلن ولا يراه أحد من الناس، وهنا يأتي دور...

روح الحصاد

الروح الذي حضر في عيد الحصاد ( يوم الخمسين) لكي يميز بين الحنطة والقش، فيجمع الحنطة إلى المخازن وأما القش فيحرقه بنار، وهو نفسه روح النار الذي يميز بين الذهب والزغل، فيلمع الذهب و يزكيه ويحرق الزغل، إنه الروح الذي اختار أن يأتي في هيئة ألسنة من نار في يوم عيد الحصاد لكي يعلن لنا طبيعة عمله في الكنيسة، لقد أتى لكي يساعد هذه البذور لكي تعيش وتمتد إلى أقصى مدى لها، أتى لكي يوفر لها المناخ المناسب ويمنحها القدرة للنمو، لم يأت روح يوم الخمسين لكي يزرع بذورة جديدة فالزارع هو رب المجد يسوع، لكنه أتى لكي يعطى للبذور المدفونة إمكانية الظهور على وجه الأرض لكي يراها الجميع، أتى لكي يجسد الصلاح الذي زرعه الرب في قلوب أتباعه و يزكيه ، أتي لكي  يحول المعرفة إلى أعمال علانية، أتى لكي يجعل هذه الجماعة الصغيرة تمارس سلوكا يصعد بخوراً طيباً أمام الآب السماوي، الأمر الذي كانت تشير إليه نيران مذبح البخور لمئات السنين، فالآب لم تكن تشبعه رائحة البخور بل كان يشتاق إلى الصلاح الحقيقي الذي يخرج من أناس حقيقيين أحبوا إلههم بحق وعاشوا أمامه بقداسة حقيقية، وفي ملء الزمان استطاع الرب يسوع أن يغرس هذا الصلاح الحقيقي في قلوب أتباعه، وعندما أتى يوم الخمسين واشتعلت نار الروح في هذه القلوب فاحت رائحة الصلاح الحقيقي وغطت كل المسكونة.

الأساس والبنيان

بعبارات أخرى نقول إن تعاليم الرب لتلاميذه كانت الأساس الثابت على الصخر في قلوبهم، لكنه مدفون في العمق لا يراه أحد، ولقد أتي الروح لكي يبني على هذا الأساس بنيانة عالياً يرتفع فوق الأرض ليراه الجميع، لم يأت الروح المبارك ليضع أساسا جديدا بل لكي يجعل الأساس الذي وضعه الرب معلناً وظاهراً في هيئة أعمال منظورة يراها العالم ويلمسها، ويشبع بها الآب ويرضى، هذا هو العمل الأول لروح النار: تزكية الصلاح وإعلانه (يتبع).

 

 

 

السبت، 11 فبراير 2023

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله (29)

بقلم : فخرى كرم

رأينا النار في العهد القديم ترمز للروح القدس في عمله القضائي ، روح القداسة الذي ينتقم من الشر و يزكي الخير، روح الحصاد الذي يفصل بين الحنطة والزوان، الروح الذي قال عنه أشعياء : «روح القضاء وروح الإحراق » ( إش 4 : 4 ) .

ولقد بدأ هذا الرمز بسيف النار المتقلب في طريق شجرة الحياة، ثم استمر بعد ذلك من خلال مذبحي النحاس والذهب الموجودين في الهيكل حتى مجيء الرب وتكوين الكنيسة، وعندئذ كان لابد للرمز أن ينتهي لتحل محله الحقيقة الحية بكمالها وجمالها، لأن الروح لا يمكن أن يظل محصوراً في رمز مهما كان مقدساً، ولا يمكن أن يمارس عمله من خلال طقس مهما كان سامياً، لقد ظل الروح يشتاق إلى كيان حي يمكن أن يسكن فيه ويمارس من خلاله عمله القضائي في الأرض ، كيان كبير متعدد الأطراف والمواهب يمكنه أن يحتوي كل إظهارات الروح بتعددها وتباينها ، كيان طاهر يحتمل قداسته دون أن يحترق، كيان يقبل أن يبدأ القضاء فيه أولا، لأن ابتداء القضاء دائما من بيت الله (۱بط 4 : 17 ) ، ولقد وجد الروح هذا الكيان في الكنيسة استطاع الرب يسوع من خلال حياته القصيرة، وروح الوداعة التي ملأته، ودمه الكريم الذي سفكه، وجسده الذي بذله، أن يصنع هذه الكنيسة، مجموعة من الناس صارت أنقياء بسبب الكلام الذي كلمهم به (يو15 : 3 ) مجموعة حمل هو خطاياهم واحترق بها على الصليب لكي يقدم للروح القدس « مسكناً » طاهراً مغفور الإثم يمكن أن يسكن فيه إلى الأبد (يو 14 : 16) ويمارس من خلاله عمله القضائي في العالم (يو 16 : 8) كيان عجيب متعدد الأشكال والنوعيات يمكن للروح أن يفيض فيه بصور متعددة ويستخدمه في إرساليات متباينة الأشكال والأغراض، كيان رغم اتساعه وتباينه إلا أنه كيان واحد مترابط، له رأس واحد ويسكن فيه روح واحد (رو 12 : 4 ـ 12 ) .

الكنيسة هي مسكن الروح القدس وموطىء قدميه في هذا العالم الأثيم، العالم الذي لا يعرف روح القداسة ولا يستطيع أن يعرفه أو يقبله (يو14 : 17 ) لأنه عالم اختار النجاسة منهجاً والخطية طريقاً وإبليس إلهاً ورئيساً، هذا العالم لا يعرف القداسة ولا يريد أن يعرفها ، لذلك لا يوجد لروح القداسة مكان يمارس من خلاله عمله إلا داخل ومن خلال الكنيسة التي غسلها الرب يسوع بدمه، هذا هو الكيان الوحيد الذي يحتمل نار قداسة الله بل ويحبها !! الكنيسة هي الكيان الوحيد الذي يقبل قضاء الله بل ويفرح به!! إنها العليقة الوحيدة التي يمكن أن تشتعل فيها نار قداسة الله دون أن تحرقها.

بين الرمز والحقيقة

لم يكن ممكناً أن يسكن الروح في الرمز  ويمارس عمله في الطقس، فنار مذبح النحاس لم تستطع أن تنزع الخطية من قلوب مقدمي الذبائح، لذلك ظل الروح يشتاق إلى كيان حي يحرق فيه وبه الخطية من قلوب الناس فعلا، والله لم يشبع قط من رائحة البخور المتصاعدة من نار مذبح الذهب، لذلك ظل الروح يشتهي كيانا بشرياً يستطيع أن يرفع منه وبه عبادة وسجودا مشبعاً لقلب الله حقا، ومن قال أن سيف نار متقلب في يد كروبيم يمكن أن يعلن موقف الله من خطية الإنسان، بل ظل الروح ينتظر أن يسكن في كيان إنسان يستطيع فيه وبه أن يبكت العالم على خطيته ويعلن عملياً أن الخطية هي التي فصلت بين الإنسان والحياة الأبدية.

ولقد استطاع الرب يسوع بروح الوداعة أن يبني هذا الكيان الإنساني البشري الحي ليسكن فيه روح القداسة ويعلن فيه وبه قداسة الله وقضاءه، ولقد أعلن الروح المبارك عن قبوله ورضاه بالسكني في هذا الكيان عندما حضر في يوم الخمسين وحل على كل واحد من الموجودين في العلية في هيئة ألسنة منقسمة من نار، ليعلن أن الروح الذي سكن في هؤلاء هو ذات الروح الذي أشارت إليه نيران المذابح التي ظلت مشتعلة طوال العهد القديم، وأنه سيعمل فيهم وبهم ما عجزت عن فعله المذابح الرمزية والنيران الطقسية.

عطاء متبادل !!

إذا كان الأب قد هيأ للابن جسدا ليدخل به إلى العالم (عب 10 : 5 ) فإن الابن قد هيأ مسكناً للروح القدس ليسكن فيه في العالم، وهذا المسكن هو الكنيسة، والروح القدس بدوره سيهييء هذه الكنيسة لتكون عروساً للابن (رؤ 21 : 2 ) ومن الناحية الأخرى سيهيئها لتكون مسكناً لله الآب مع الناس (رؤ 21 : 3 ) ، إن المحبة والعطاء المتبادلين بين الأقانيم هما أعظم مما تدركه عقولنا، لكن ما ندركه فعلا هو أنه طوبى لمن له نصيب في كنيسة الله الحقيقية، مسكن الله الأبدي مع الناس !! (يتبع).

 

 

الأحد، 5 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (28)

                               بقلم : فخرى كرم

أول ما رأينا النار في الكتاب المقدس كانت تقف عقبة في طريق شجرة الحياة، ثم رأيناها ثانياً في مدخل خيمة الاجتماع تقف عقبة أيضا في الطريق إلى المقادس، كان الله يعلن بهذه الصور الرمزية أن قداسته وقضاءه على الخطية هما العقبة التي تحول دون وصول الإنسان إلى الشركة مع الله، ولكن الصورة الرمزية الموجودة في خيمة الاجتماع أضافت بعداً جديداً لعمل النار، نراه في

مذبح البخور

لا نرى النار مرة واحدة في خيمة الاجتماع بل مرتين، حيث كان هناك مذبحان ينبغي أن تبقى النار مشتعلة فيهما باستمرار، الأول هو مذبح النحاس في مدخل خيمة الاجتماع وكانت تقدم عليه الذبائح الدموية، ورأينا كيف أنه يشير إلى قداسة الله التي تنتقم من الشر، ولأن الذبائح الحيوانية ومقدميها لم يكن فيهم ما يرضي الله كانت النار تشتعل في الذبيحة ولا يبقى أمام مقدميها سوى أن يعودوا أدراجهم دون أن يطمعوا في مواصلة الاقتراب إلي ما داخل الخيمة.

لكن ما أعطى الأمل لمواصلة الدخول إلى الأقداس هو أن هناك مذبحة آخر من الخشب المغشى بالذهب كان موجوداً في داخل القدس أمام الحجاب المؤدي إلى قدس الأقداس مباشرة. وعلى هذا المذبح كانت تشتعل دائماً النار ولكن ليس لكي تحرق ذبيحة دموية بل لكي تذيب البخور العطر وتصعد به رائحة سرور أمام الرب دائما.

عملان للنار

أي أن النار لم يكن لها عمل واحد في الخيمة بل عملان، كانت تحرق الذبائح الدموية للتكفير عن الخطية وكانت تحرق البخور لإصعاد رائحة طيبة أمام الرب، وهذا يشير إلى العمل المزدوج لروح النار: إنه ينتقم من الخطية الموجودة في الإنسان وفي نفس الوقت يزكّى الصلاح الموجود في الإنسان ويرفعه أمام الله رائحة طيبة.

إن قداسة الله ليست سلبية فقط في عملها بل إيجابية أيضا، أي أنها لا تنتقم من الشر فقط بل أيضا تزكّى الخير، قداسة الله إذا ما صادفت صلاحا فإنها تحيطه وتغذيه و تزكيه وترفعه إلى أمام عرش الله، إنها لا تحرق المعادن الرخيصة فحسب بل أيضا - وفي نفس الوقت - تلمع الذهب وتنقيه وترفع من قيمته، إنه ذات عمل الحصاد المقترن بروح النار في يوم الخمسين حيث يحترق القش بالنار بينما يتزكّى القمح ويجمع إلى المخازن.

وإذا كان مذبح النحاس محاطاً دائماً بالدم والرماد فإن مذبح البخور كان يقترن دائماً برائحة عطرية جميلة، وإذا كان مذبح النحاس في الخارج بعيداً عن الأقداس فإن مذبح البخور في داخل الأقداس مباشرة، إشارة إلى أن الخطية أبعدت الإنسان عن محضر الله بينما البر  يقترب به من محضره القدوس.

إلى ماذا يشير مذبح البخور ؟

أراد الله أن يضيف بعداً جديداً للصورة الرمزية التي رأيناها في سيف النار المتقلب وفي مذبح النحاس، وهو أن هناك أملا للإنسان للتقدم إلى داخل الأقداس، وذلك في حالة واحدة وهي وجود الإنسان الذي يستطيع أن يجتاز نار قداسة الله المنتقم من الشر وتظل حياته مرضية أمام الله ويصعد منها رائحة سرور لقلبه، إنسان إذا اشتعلت فيه نار قداسة الله لا تحرقه كله بل تجد فيه ذهبا يشبع قلب الله، في هذه الحالة فقط لن تتوقف مسيرة الإنسان عند مدخل الخيمة بل ستمتد إلى أمام العرش، إلى مذبح البخور!!

هوذا ابني الحبيب الذي به سررت !!

وظلت هذه الصورة الرمزية قائمة طالما ظلت غير متممة، وطالما لم يأت الإنسان الذي يمتلك القدرة على حمل الخطية واجتياز عقابها كاملا وفي نفس الوقت يقدم حياة مشبعة لقلب الآب، إلى أن جاء رب المجد الذي جعل نفسه ذبيحة إثم ( إش 53 : 10 ) وفي نفس الوقت أدخل السرور لقلب الآب (مت 3 : 17 ) وعندما اشتعلت فيه نار قداسة الله قدم حياة كاملة وموتا كاملا، حياة كاملة لسرور الآب وموتا كاملا للتكفير عن خطايانا ، ولذلك لم تنته حياته الكريمة في نار الصليب بل تزكت ولمعت وقامت من بين الأموات وصعدت لكي تبقى ماثلة أمام الآب رائحة طيبة إلى أبد الدهور.

وبمجيء هذا المخلص المبارك انتهى الرمز إلى الأبد، انشق الحجاب وانهدم الهيكل ومذابحه، وانتهى العمل بهذه الصور الرمزية بعدما صارت الحقيقة الكاملة في متناول أيدينا ، وبعدما صار طريق الأقداس مفتوحاً أمام كل من يختبيء ويتحد بهذا المخلص العظيم، وللحديث بقية.

 

 

الاثنين، 23 يناير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (27)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح القداسة والقضاء الذي اتخذ لنفسه النار رمزا على مدى تاريخ شعب الله في العهدين القديم والجديد، ورأينا كيف أنه يتبع روح الوداعة في ترتيب تعاملات الله مع الإنسان،

وأول ما رأينا هذا الترتيب رأيناه في جنة عدن، ورأينا أول صورة رمزية لروح القضاء في هيئة سيف النار المتقلب الموضوع لحراسة طريق شجرة الحياة، إذ صارت قداسة الله وقضاؤه هما العقبة في طريق الإنسان إلى الحياة الأبدية. ولقد استمر نفس هذا الترتيب في تعاملات الله مع :

الشعب القديم

بدأ الله تعامله مع شعبه القديم - شعب إسرائيل - بروح النعمة والوداعة التي تعطى للإنسان حقوقه بسخاء وبلا مقابل، أعطاهم حقهم في أن يكونوا شعباً مستقلا يملك حرية الإرادة والفعل بعد أن كانوا عبيدا ، وأعطاهم حقهم في وطن بعد أن كانوا غرباء، وبعد أن أخذوا كل شيء أعطاهم الله الناموس وطالبهم بأن يسلكوا بموجب قداسته، وهكذا نرى مرة أخرى روح الوداعة تعطى للإنسان كل حقوقه قبل أن تطالبه روح القداسة بالمردود، فالله لم يكن ممكناً أن يعطى الناموس للشعب وهو بعد في أرض العبودية مسلوب الإرادة ومقيد الفعل، ولكن بعد أن أعطى الله للشعب حقه في حرية الإرادة والفعل أعطاه الناموس، فالناموس هو مطالب قداسة الله من الإنسان الذي استمتع بحريته، هو الحصاد الذي يبتغيه الله من أرض الإنسان التي عملت فيها النعمة كثيرة.

ولأن الناموس هو الممثل لمطالب قداسة الإنسان لذلك رأينا النار تميز وقت تسلم موسى للوحي الشريعة «كان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنــار» (خر 19 : 18 ) .

الفشل .. مرة أخرى !!

 لكن كما فشل الإنسان في جنة عدن في التجاوب مع نعمة الله، وفشل آدم في أن يعطى لله حصادا مشبعاً رغم الزرع الجيد الذي زرعه الله في حقله، نرى هنا أيضأ الشعب يفشل بعد كل إحسان الله ويظهر عدم طاعة لمطالب قداسته، ويثبت أن طبيعة القلب البشرى تحب الزيغان والابتعاد عن الله. وأن ما فعله آدم في جنة عدن لم يكن فعلا فردياً بقدر ما هو اتجاه جماعي للجنس البشري كله.

وفشل الإنسان مرة أخرى كان متوقعاً ولذلك وضع الله في الناموس شريعة تشرح كيفية التعامل مع الخطية، شريعة ترسم أمامنا صورة رمزية أخرى لقداسة الله وموقفها من الإنسان، نقصد بها شريعة :

ذبيحة الخطية

إذا أخطأ الإنسان كان يتقدم بذبيحته إلى الكاهن في باب خيمة الاجتماع أو مدخل الدار الخارجية في الهيكل، وكان يراها وهي تذبح ثم تشتعل فيها النار على مذبح النحاس، ومرة أخرى نرى الموت يقترن بالنار في ذبيحة الخطية إشارة إلى قداسة الله التي تطالب بالموت لكل ما في باطن الإنسان، وكما رأينا سيف النار المتقلب يقف في طريق الإنسان إلى شجرة الحياة نرى هنا مذبح النحاس يقف عقبة في طريق الإنسان إلى داخل خيمة الاجتماع، والمعنى واحد في الحالتين ألا وهو أن قداسة الله وقضاءه هما العقبة أمام الإنسان للتمتع بالشركة مع الله الموجود - بحسب الرمز - في داخل قدس الأقداس، كان مذبح النحاس هو أول ما يصادفه الإنسان المقترب من خيمة الاجتماع وكان في نفس الوقت آخر ما يجرؤ على الاقتراب منه!! كان الإنسان يتقدم بذبيحته إلى مذبح النحاس ثم يعود أدراجه مبتعدا عن الخيمة لأنه لم يكن مسموحاً للشعب أن يجتاز المذبح إلى ما داخل الخيمة.

قصد الله

كان قصد الله من هذه الصورة الرمزية المتكررة في نظام الذبائح هو أن يبقى ماثلا في ذهن الشعب أن قداسة الله لا تقبل خطايا الإنسان ولا تتعايش معها، وأن من يجرؤ على الاقتراب من محضر الله يعرض نفسه للموت، وإن كان الله في رحمته سمح للإنسان أن يقدم ذبائح حيوانية بدلا عن نفسه ويشاهدها وهي تموت وتشتعل فيها النار حتى الاحتراق، فقد كان هذا ليس لأن الذبائح يمكن أن ترفع الخطية لكن لكي يبقى هذا الحق حيا في ضمير الشعب كل يوم، ألا وهي أن من يريد التمتع بمحضر الله ونعمته ينبغي أن يجتاز نار حكمه وقداسته، ولأن أحدا لم يستطع أن يجتاز هذه النار ويبقى حياً لذلك ظل طريق الأقداس مغلقاً حتى مجيء المخلص، وللحديث بقية

الجمعة، 9 ديسمبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله ( 26 )

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن الرب تعامل مع الإنسان بروح الوداعة أولا ثم بروح القداسة والقضاء ثانياً، زرع بنعمته في البداية ثم طالب بالحصاد أخيراً، والحق أن هذا هو أسلوب تعامل الله مع الإنسان منذ بدء التاريخ وحتى يومنا هذا، وأول ما نرى هذا الأسلوب نراه في:

جنة عدن

 بدأ الله تعامله مع آدم - ممثلا للجنس البشری - بنعمة غامرة وعطاء بلا حدود ، قبل أن يخلقه صنع له كل ما يلزم للحياة السعيدة، خلق لأجله الأرض والسماء وملأها بالكائنات الحية من كل صنف ونوع، وغرس له جنة ووضعه فيها، وقبل أن يطالب الله بحقه أعطى للإنسان كل حقوقه - إن جاز لنا القول أن للإنسان حقوقاً - أعطاه حق التمتع والشبع بكل شجر الجنة، وحق التسلط والسيادة على كل الأرض، وحق الصحبة والمعونة إذ خلق له حواء معينة نظيره، بل أعطاه حق الاختيار عندما غرس في وسط الجنة شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر، وكان الوصول إليهما متاحاً وسهلا، فالله لن يطلب الطاعة من إرادة مقيدة بل من إرادة حرة تملك أن تخطىء كما تملك أن تصيب!!

أليست هذه هي روح الوداعة التي تعطى للإنسان حقه كامل غير منقوص ؟ أي حق للإنسان لم يأخذه بل أي خير لم ينله بفيض ووفرة ؟ عندما يطالب الله الإنسان بأي شيء بعد ذلك فهو يطالبه مما سبق وأعطاه له، وعندما ينتظر منه محبة فهي لن تكون سوى رد فعل زهيداً لمحبة الله الكاملة وعندما يتوقع منه الطاعة فلأنها أقل مقابل للحرية والمجد اللذين كلله بهما.

بل إن روح الوداعة لم تكن تجاه آدم فحسب بل حتى تجاه الحية أحيل جميع حيوانات البرية!! لقد منحها الفرصة لكي تشتكي عليه ـ له المجد ـ وتنسب له ظلمة وتفسد بمكرها ذهن المرأة، أي وداعة تلك التي غلفت جنة عدن !! حتى إن من أراد أن يخطىء تجاه الله ما كان يجد أي مانع!! لكن لا شك أن بعد روح الوداعة هذه لابد أن يأتي الله بروح آخر.

روح القضاء

بعدما أخذ الإنسان فرصته الكاملة ومارس حقوقه كما أراد حان الوقت الذي ينبغي فيه أن يأخذ الله حقوقه ويمارس سلطانه، فوجدنا الرب الإله يأتي إلى الجنة بروح القضاء ويمارس سلطانه في إدانة الخطية، ورأيناه يعاقب آدم وحواء والحية كلا بحسب خطئه، ونلاحظ أن أحدا منهم لم يعترض على القضاء أو يطالب برأفة لأن كلا منهم يعلم أنه أخذ فرصته كاملة وأنه كان كامل الإرادة وحر الاختيار عندما أخطأ ، ونلاحظ أيضا أن روح القضاء كان مقترناً بصورة رمزية معبرة وهي:

 

لهيب سيف متقلب

أول مرة نرى فيها النار في الكتاب المقدس نراها عندما أقام الرب الإله لهيب سيف متقلب الحراسة طريق شجرة الحياة، وعندما يقترن اللهيب بالسيف في صورة رمزية واحدة فلكي يعبر لنا عن حق روحي مزدوج وهو أن قداسة الله (اللهيب) تطالب بالموت (السيف) قصاصاً لخطية الإنسان، لقد باتت قداسة الله وقضاؤه هما العقبة في طريق شجرة الحياة !! وأصبح الإنسان مفصولا عن الحياة الأبدية ولا يجرؤ على الاقتراب منها، لأنه إذا أراد أحد أن يصل إلى الحياة فعليه أن يجتاز لهيب قداسة الله وسيف عدالته، ولأن «كل» ما في الإنسان يستوجب الموت بحسب قداسة الله، لأنه لا يسكن فيه شيء صالح، لذلك فالهلاك هو مصير كل من يقترب من سيف النار المتقلب، وإذا اجتاز لهيب قداسة الله فسوف يحتــــرق « كله » ولن يبقى فيه ما يعبر إلى الحياة.

إلى أن جاء الشخص الوحيد الذي استطاع أن يجتاز لهيب السيف المتقلب ويبقى حياً، اشتعلت «نار» قداسة الله في قلبه حتى ذاب كالشمع في وسط أحشائه (مز 22 : 14 ) واستيقظ « سيف » القضاء عليه فضربه إلى الموت (زك 13 : 7 ) (فالسيف كان نائماً منذ خروج آدم من الجنة لأن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب منه!) وبعدما اجتاز هذا الشخص المبارك في لهيب السيف المتقلب حاملا لخطايانا ونائباً عنا وجدناه يقوم من الموت في ملء الحياة، لم تنته حياته في لهيب قداسة الله بل استطاعت أن توفي قصاص الله ومع ذلك تبقى حية، لأنه إن كان يحمل على كاهله خطايانا التي تستوجب الموت فقد كان يحمل أيضا في داخله طبيعة طاهرة أرضت قلب الآب وسرته، لهذا السبب لم يكن ممكناً أن يمسك من الموت.

وبعدما اجتاز الرب يسوع - له المجد - لهيب السيف المتقلب صار الطريق إلى شجرة الحياة مفتوحاً مرة أخرى لكل من ارتبط بشخص المسيح واستتر فيه (رؤ 2 : 7 ) وهؤلاء لن يؤذيهم السيف الملتهب لأنه «لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع» (رو 8 : 1) لأنه - بالنسبة لهم فقط - قد انطفأت النار في دماء المخلص وانكسر السيف في جسده الكريم !! (يتبع).

 

الخميس، 1 ديسمبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (25)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن الله شاء في حكمته أن يتعامل مع الإنسان بروح الوداعة أولا ثم بروح القداسة، والحق أن هذا هو أسلوب الله في التعامل مع الإنسان دائماً، التعليم أولا ثم الامتحان، فرصة التوبة أولا ثم القصاص، الزرع أولا ثم الحصاد ، وهذه هي حكمة الله وعدالته أيضأ، فعدالة الله لن تمتحن الإنسان بخصوص شيء لم يتعلمه مرة ومرات، ولن تقتص من خطية إلا بعد أن تمنحه نورا كاشفاً على هذه الخطية ووقتاً كافياً للتوبة عنها، وعدالة الله لن تطلب أن تحصد ما لم تزرعه النعمة في قلب الإنسان، الله لا يطالب الإنسان بشيء من عندياته لأنه يعلم أن الإنسان لا يمتلك شيئا إلا خطاياه، إن ما تزرعه روح الوداعة هو ما تحصده روح القداسة، وما تعلمه لنا روح الوداعة هو ما تصعد به روح القداسة بخوراً طيباً أمام الله.

مثل الحنطة والزوان

وضح لنا الرب في مثل الحنطة والزوان (مت 13 : 24 ـ 30 ) أن ملكوت السموات يمر دائماً بمرحلتين هما الزرع والحصاد ، ولكل مرحلة سماتها الخاصة:

مرحلة الزرع تتميز بالاختلاط، فنجد الإنسان الصالح الذي زرع زرعا جيدا في حقله كما نجد الإنسان العدو الذي زرع الزوان في وسط الحنطة، ونرى الحنطة التي نمت وأخرجت ثمرأ جيداً كما نرى الزوان الذي نما أيضا وأخذ شكل الحنطة ولكن بلا ثمر. أما مرحلة الحصاد فتتميز بالحسم والفصل، فالاختلاط لا يمكن أن يستمر بلا نهاية بل لابد أن يصير الفرق واضحاً بين الزرع الجيد الذي زرعه صاحب الحقل والزرع الرديء الذي زرعه الإنسان العدو، بين الحنطة النافعة والزوان الباطل.

مرحلة الزرع تتميز أيضا بالوداعة والصبر ، الوداعة التي أعطت الفرصة للإنسان العدو أن يزرع زرعه وسط الحنطة، الوداعة التي أعطت للحنطة الفرصة الكافية للنمو كما أعطت للزوان ذات الفرصة!! الوداعة التي تصبر على نبات مصيره إلى الحريق!! أما مرحلة الحصاد فتتميز بالقضاء والحكم، فلابد للحنطة أن تجمع إلى المخازن أما الزوان فيحرق بنار، وهذا ما قلناه عن عمل النار التي تمتحن طبيعة الأشياء فتحرق الرخيص وتزگی الثمين.

يوحنا المعمدان

تنبأ يوحنا المعمدان عن عمل الروح في حياة الرب في هاتين المرحلتين، تنبأ عن مرحلة الزرع عندما قال «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يو 1 : 29 ) فحبة الحنطة لابد أن تسقط في الأرض وتموت قبل أن تأتي بثمر كثير، وهذه المرحلة لابد أن تتميز بالوداعة والصبر (الحمل) وتنبأ أيضا عن مرحلة الحصاد عندما قال عن الرب «الذي رفشه في يده و سينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ » (مت 3 : 12 ) هذه هي مرحلة الحصاد التي تتميز بالفصل والحكم.

ولكن يبدو أن طبيعة إرسالية يوحنا النارية جعلته يميل أكثر إلى مرحلة الحصاد في إرسالية الرب ويتطلع بشغف لحدوثها ويتخطى ببصره مرحلة الزرع الطويلة والمضنية، ولذلك كاد يعثر في الرب عندما طال انتظاره لعمل النار وأرسل يسأل ما إذا كان الرب هو الآتي أم ينتظر آخر!! رغم أنه هو نفسه تنبأ عن مرحلة «الحمل» وشاهد بعينيه «الحمامة» لكنه كان يتعجل «النار» !!

ولقد أجابه الرب بأنه ما زال يعمل في مرحلة الزرع، فها هم العمى يبصرون والعرج يمشون والصم يسمعون، فلابد أن يفتح الرب عيون الناس قبل أن يحاكمهم على ظلمتهم، ولابد أن يشفى العرج قبل أن يحاسبهم على عدم سعيهم نحوه، ولابد أن يفتح آذان الصم قبل أن يعاقبهم على عدم استماعهم لصوته!! الزرع أولا ثم الحصاد !! صحيح أن مرحلة الزرع كانت شاقة وطويلة ومن الصعب احتمالها وصحيح أن الرب اجتازها بألم وهوان ودم ودموع، إلا أنها ضرورية لكي يكون الرب عادلاً في أحكامه .

عندما يأتي الحصاد !!

وعندما انتهى وقت الزرع ونضجت الحنطة التي انبثقت من موت حبة الحنطة الإلهية، وعندما حضر يوم الخمسين الذي كان عيدا للحصاد (تث 16 : 9 ، 10 ) !! حضر الروح المبارك في هيئة جسمية مثل ألسنة من نار إيذانا ببدء الحصاد والحكم، ورأيناه من خلال الكنيسة - جسد المسيح - يقلب المسكونة (عمل الرفش) ( أع 17 : 6) ورأينا الحنطة تتجمع معاً (أع 4 : ۳۲) والزوان أيضا يجتمع معاً (أع 4 :۲۷) ورأينا في الحنطة ثماراً صالحة: سلاماً ونعمة وشفاء، ورأينا كيف أن الزوان لا ثمر له سوى البغضة والحسد والمكايد ، ولم تمض سوى سنوات حتى أحاط تيطس الروماني بأورشليم وأحدق بها وهدمها وبنيها فيها، ثم أشعل فيها النار لتلتهم كومة التبن التي لم تتجاوب مع عمل النعمة وروح الوداعة، ولم تعرف زمان افتقادها !! (يتبع).