السبت، 29 أبريل 2023

أحاديث من القلب

 سبعة أرواح الله (35)

بقلم : فخرى كرم

روح الله يعطي الحياة للإنسان كما يعطي الماء الحياة لكل كائن حي، ولقد استخدمت الصورة الرمزية للمياه عدة مرات في الكتاب المقدس، وفي إحدى هذه المرات قارن الرب مقارنة بليغة بين استقاء المياه من الينبوع والبئر

          «شعبي عمل شرين : تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أباراً أباراً مشققة لا تضبط ماء » ( أر ۲ : ۱۳ )

الينبوع والبئر كانا من وسائل استقاء الماء في أرض إسرائيل القديمة، وكان الفرق بينهما كبيراً ، فالينبوع هو مياه جارية (حية) تنفجر من عمق الأرض بشكل تلقائي وبدون مجهود من الإنسان . وعادة تكون مياه الينبوع نقية لأنها تنبع من أعماق سحيقة في باطن الأرض، أما البئر فهي حفرة عميقة يصنعها الإنسان في الأرض لكي تتخزن فيها مياه الأمطار في موسم الأمطار، أى أن مياه البئر كانت مياه راكدة وليست جارية، مما يجعلها معرضة للتلوث بكافة أنواعه، كما أنها كانت مياه موسمية وليست دائمة، فكانت البئر تمتلىء في موسم الأمطار ثم تجف مع بداية الصيف وحتى موسم الأمطار التالي، وأردأ أنواع الآبار هو الآبار ذات الجدران المشققة لأنها لا تستطيع الاحتفاظ بالمياه لفترات طويلة بل سرعان ما تتسرب منها وتضيع.

أنا ... ينبوع المياه الحية !!

وفي هذا الجزء من سفر أرميا يشير الرب إلى نفسه باعتباره مصدر المياه المتدفقة باستمرار الشبع وارتواء شعبه، لكن لدهشتنا الشديدة نجد الشعب يتحول عن الرب ويبحث لنفسه عن مصادر أخرى للارتواء، يشير إليها الرب هنا باعتبارها آباراً مشققة لا تحتفظ بالمياه، فالإنسان منذ القديم يسعى وراء شهوات الجسد ظنا منه أنها تعطيه ارتواء وسعادة ، فالمال والجنس والسلطة كانوا ومازالوا آلهة أخرى يسجد لها الإنسان ويخدمها لعلها تعطيه لحظات من المتعة والراحة، وفي سبيله لهذا يترك الإله الحقيقي وحده الذي يملك فعلا الارتواء الحقيقي والمياه الحية، ودائما يكتشف الإنسان - عادة بعد فوات الأوان - أن هذه الآلهة الغريبة ليست سوى آباراً مشققة لا تضبط ماء ، ولنا في هذه التشبيهات تعاليم مفيدة:

أوجه المقارنة

= بين الداخلي والخارجي : روح الرب يسكن في أعماق المؤمن، وبالتالي يكون ارتواء المؤمن داخلي عميق غير خاضع لأية ظروف خارجية ولا تؤثر فيه العوامل المضادة، مما يجعل المؤمن سيداً للظروف وليس عبدا لها، لأنه حتى عندما تتكالب عليه الضيقات وتكثر همومه يجد «في داخله » تعزيات الرب تلذذ نفسه (مز 94 : 19 ) .

    أما الارتواء الذي يلوح به العالم للإنسان فهو من مصادر خارجية، يظن الإنسان أنه إذا حصل على هذا أو ذاك فسيصبح سعيداً. لذلك تجده يضع حياته كلها في سعي متواصل للحصول علي مصادر السعادة هذه، وسرعان ما يجد نفسه عبدا ممتلك لا يملك من أمر نفسه شيئا بعدما قيدته شهوات العالم بقيودها التي لا ترحم، والإنسان دائما عبد لمن يعطيه السعادة، وهكذا يصير الإنسان عبدا للظروف الخارجية.

= بين الدائم والمؤقت : روح الرب دائم الوجود في قلب المؤمن وتعاملاته تستمر في الليل والنهار، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، بل حتى في أوقات السقوط لا يتخلى عنه بل يبكته حتى يعيده إلى صوابه، إن مياهه دائمة الجريان أو بحسب تعبير الكتاب « مياه حية» تنبع إلى حياة أبدية (يو 4: 14). 

أما أفراح العالم فإلى لحظة (أي 20 : 5 ) عندما يحصل عليها الإنسان يحاول أن يحتفظ بها لأطول وقت ممكن لكنه يكتشف أنها تتسرب من بين أصابعه ولا تترك في يده إلا الريح، قلب الإنسان المشقق لا يستطيع أن يحتفظ بفرح العالم إلا للحظات يعقبها الفراغ والجفاف مرة أخرى.

= بين السهل والصعب : فيض الروح ينبع في قلب المؤمن بدون تدخل من الذات الإنسانية، لأنه مؤسس على محبة الله ونعمته المجانية، أما أفراح العالم فهي تستهلك طاقة الإنسان كلها للحصول عليها ومحاولة الاحتفاظ بها.

= بين النقي والملوث : تعزيات الروح دائما نقية وطاهرة ومملوءة أثماراً صالحة، أما أفراح العالم فدائماً معرضة للتلويث والتعكير، مملوءة أنانية وطمع ونجاسة.

لقد كان الرب محق إذا عندما طلب من السموات أن تبهت وتقشعر وتتحير جداً لأن شعب الرب ترك الداخلي إلى الخارجي وترك الدائم إلى المؤقت وترك السهل إلي الصعب وترك النقى إلى الملوث !! ما أردأ قلب الإنسان وما أغباه!! أخي، ما هو مصدر ارتوائك؟ الرب أم العالم!!! (يتبع).

أحاديث من القلب

 سبعة أرواح الله (34)

بقلم : فخرى كرم
روح الله هو معطى الحياة الذي به نحيا ونتحرك ونوجد، والكتاب يستخدم صورة «المياه» لكي ينقل لنا أن الروح هو مصدر الحياة ليس للإنسان فقط بل لكل الخليقة أيضا.
في البدء
عندما كانت الأرض خربة وخالية يغطيها الغمر وتغطى الغمر ظلمة، رأينا روح الحياة يرف على هذا الخراب ويبعث فيه الحياة، إنه الروح الذي يحمل مشيئة الله بالحياة إلى هذه الأرض الحرية، ومع رفرفة الروح توالت أوامر الإقامة والإحياء تصل إلى كل ركن من أركان الخليقة، انقشعت الظلمة وبدأ النور يشرق، انحسر الغمر وبدأت الأرض تثمر، وامتلأت الأرض الخربة بكائنات جميلة من كل نوع، وتزينت السماء المظلمة بأنوار من كل صنف، أنوار لليل وأنوار للنهار، ولا غرابة فحيثما يحل روح الحياة يتحول القفر إلى جنة والظلام إلى نور والخراب إلى عمار والموت إلى حياة.
.. وبالخطية الموت !!
لكن هذه الصورة الجميلة لم تستمر طويلا، فعندما دخلت الخطية إلى العالم فصلت الإنسان عن الله مصدر الحياة، وفتحت الباب لدخول أرواح الخراب والموت إلى العالم، أرواح مضادة في عملها لروح الله معطي الحياة، أرواح تنزع الحياة من روح الإنسان وتسبب موتها ، أرواح تنزع الرطوبة من نفس الإنسان وتنشر الجفاف في أوصاله، تستهلك طاقته وتكدر صفوه، تظلم سماءه وتيبس أرضه، تجعله يعيش في قلق وانزعاج كل يوم حتى تنزل به إلى هاوية الموت الأبدي، أرواح كل مهمتها أن تسرق وتذبح وتهلك، أرواح تعمل تحت رئاسة من هو قتال للناس من البدء.
هذه الأرواح تتعدد أسماؤها لكن عملها واحد وهو سلب الحياة من كيان الإنسان، مثل روح الخوف الذي يكتنف الإنسان فيسلبه أمانه ويقيد خطوته، وروح الحزن الذي يدمر المشاعر ويحطم القلب، وأرواح الغضب والغيرة والحسد والطمع التي تخرب علاقة الإنسان مع الآخرين وتزرع بينهم الصراعات والحروب والخصومات، وأرواح الهوى والشهوة والنجاسة التي تفسد كرامة الإنسان وتحط به إلى مستوى الحيوانات غير العاقلة، وغيرها كثير من الأرواح التي لا نستطيع حصرها وكلها تقاوم عمل روح الحياة وتحاول الرجوع بالخليقة إلى وضع الخراب الأول.
محاولات فردية
في كل العصور القديمة كان هناك أفراد يستشعرون هذا الموت المحيط بهم من كل جانب ويشعرون بالعطش الشديد إلى روح المياه معطي الحياة، وكان لهم الإدراك الروحي الكافي والقدرة على السعي لشق هذه الظلمة المحيطة رجوعاً إلى الله، وكان الروح المبارك يتجاوب مع هذه المحاولات بلمسات وإعلانات متفرقة على مدار التاريخ البشري، وكانت هذه الإعلانات بمثابة قطرات ماء منعشة في وسط صحراء قاحلة، عاشت على هذه القطرات أجيال كثيرة واستعانت بها على مقاومة أرواح الموت المحيطة بها في كل مكان، لكن هذه المحاولات ظلت محاولات فردية ونادرة على مدار التاريخ الإنساني الغارق في ظلمته الروحية، وظلت هذه الإعلانات مرتبطة بوجود أفراد أمناء يطلبون الله لأنفسهم ولشعوبهم، وبموت هؤلاء الأمناء كان الإعلان ينطفىء وتعود الظلمة تكتنف كل شيء، لأن طريق الأقداس لم يكن قد فتح بعد، وروح المياه لا يمكن أن ينسكب بشكل عام ومعلن على هذه الأرض العاصية إلا بعد إتمام الفداء.
أنا عطشان !!
وفي ملء الزمان أتى الفادى المبارك الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة، وعندئذ أحاطته جحافل الجحيم، وبدأت الرطوبة تتسرب من كيانه الروحي ويزحف الجفاف إلى قلبه الجريح، حتى إنه قال بروح النبوة «يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي» وأيضأ «يبس حلقي، كلت عيناي من انتظار إلهي» (مز 22 : 15 ، 69 : 3 ). هذه اليبوسة هي التعبير المجازي المعبر عن آلام المسيح الشديدة في لحظات الصليب، كان ينبغي أن يعبر نفس أرضنا ويحمل نفس ذنبنا ويلقي نفس قصاصنا ، حتى إن الإحساس الوحيد الذي جاهر به الرب على الصليب لم يكن إحساسه بالألم أو الحزن أو الظلم بل العطش!! لقد عطش لكي نرتوي نحن، يبست قوته لكي تتفجر ينابيع القوة في كياننا نحن، لقد اجتاز مواضع جفافنا وموتنا لكي يرفعنا إلى موضع حياته ومجده ، له كل المجد والسجود إلى الأبد.
أخي، هل لك نصيب في هذا الارتواء الإلهي ؟ يتبع .

H

السبت، 25 مارس 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (33)

بقلم : فخرى كرم

بعدما تكلمنا عن صورة الحمامة التي تشير لروح الوداعة، وصورة النار التي تشير إلى روح القضاء والامتحان، نتقدم الآن بكل خشوع لنتأمل في صورة ثالثة من الصور الرمزية التي استخدمها الكتاب للإشارة إلى شخص الروح القدس، ألا وهي صورة :

المياه

« وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادي قائلا: إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب، من آمن به كما قال الكتاب  تجری من بطنه أنهار ماء حي، قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه » ( يو ۷ : ۳۷ـ ۳۹ ).

عندما يتكلم رب المجد هنا عن شخص الروح القدس نراه يرسم أمامنا صورة رمزية رائعة صورة المياه العذبة الباردة المنعشة المتدفقة كأنهار تروى الأراضى الجافة والنفوس العطشى، تحمل الحياة والنماء لكل من يقابلها ، إنه يريد أن يشير لنا على عمل آخر من أعمال الروح المبارك، لقد عرفنا أنه روح الوداعة وروح القداسة لكنه أيضا:

الروح المعطي الحياة !!

إن المياه هي المكون الأساسي لكل أنسجة الكائنات الحية، وكل الوظائف الحيوية في أجسادنا تعتمد على وجود المياه، بل أن كل خلية من خلايانا يمثل الماء مكونها الرئيسي، والدم الذي هو سائل الحياة لأجسادنا يتكون في معظمه من الماء، والإنسان في حاجة يومية ومستمرة للمياه لكي يعوض ما ينقص منها، فالجسد يستهلك كمية يومية من المياه لكي يقوم بوظائفه الحيوية، ويستهلك كمية أخرى لكي يقاوم بعض العوامل الخارجية المضادة مثل شدة الحرارة والجفاف، أما إذا لم يتمكن الإنسان من تعويض ما ينقصه من المياه فإنه يشعر بالعطش، وهو شعور قاس لا يستطيع الإنسان تجاهله أو تأجيله، شعور يدفع الإنسان لكي يسارع بالبحث عن الماء الذي يروي عطشه ويعيد له الانتعاش والحيوية، أما إذا لم يجد الماء متاحاً واستمر نقص المياه من الجسد فعندئذ تبدأ الخلايا تفقد حيويتها وقدرتها على القيام بوظائفها، ثم تبدأ تنكمش وتجف وتموت، وفي غضون أيام قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة يفقد الجسد الحياة ويموت!!

وأرواحناتعطش أيضا !!

لقد استخدم الرب هذه الصورة الرمزية لكي يعلن لنا حقيقة أن احتياج أرواحنا إلى الله يشبه احتياج أجسادنا للمياه، إن أرواحنا مأخوذة من الله ولا تحيا إلا به، وحضور الله في الحياة أمر حتمي إذا أردنا أن نكون أحياء روحية ، ولا يستطيع الإنسان أن يقوم بوظائفه الروحية بصورة حقيقية ولا يستطيع أن يقاوم عوامل الخطية والموت المحيطة به من كل جانب إلا من خلال شركة روحية يومية ومستمرة مع شخص الله نفسه، أما إذا غاب حضور الله عن الإنسان وانقطعت الشركة بينهما فإن الحياة الروحية تبدأ تجف وتضعف، وإذا استمر الحرمان فإن الإنسان يموت روحياً، وهذا ما كان الله يعنيه عندما قال لآدم «لأنك يوم تأكل منها موتا تموت» ( تك 2 : 17 ). إن موت آدم روحياً بعد الأكل من الشجرة لم يكن عقاباً على الخطية بقدر ما كان نتيجة طبيعية للخطية والانفصال عن الله، لقد أصاب الجفاف والموت روحه لأنها لا تستطيع أن تحيا بدون شركة مع الله.

كما يشتاق اليل !!

استخدم كاتب المزمور نفس الصورة الرمزية عندما قال «كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله، عطشت نفسي إلى الله، إلى الله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله» (مز 42 : 1 ، 2 ).

لقد شعر في نفسه أنه مثل حيوان الإيل الذي يعيش في بيئة صحراوية جافة وقاسية وحارة تستهلك من جسده المياه بشكل دائم ومستمر، لذلك فهو في حاجة مستمرة ليس لقطرات من المياه بل لجداول من المياه !! إن ضرورات الحياة والمقاومة الروحية التي نلقاها في برية العالم تستهلك منا طاقة روحية هائلة، لذلك فنحن في حاجة يومية مستمرة ليس لكلمات أو مواعظ أو طقوس بل لشخص الله نفسه، ليس لقطرة مياه هنا أو هناك بل لأنهار ماء حي !! وهذا هو العمل الذي يقوم به روح المياه ، الروح معطي الحياة، إن «الله» الذي يتكلم عنه كاتب المزمور هو نفسه «الروح» الذي يتكلم عنه رب المجد يسوع، كلاهما هو المياه لأرواحنا العطشى، وللحديث بقية.

 

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (32)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن روح النار وعمله المزدوج في إظهار الصلاح وتزكيته وفضح الإثم وإدانته، وقبل أن نختتم الحديث عن هذه الصورة الرمزية من صور روح الله القدوس لابد أن نشير إلى أن :

ابتداء القضاء من بيت الله قلنا إن الروح فضح الإثم المستتر في الأمة اليهودية وقادها إلى الدينونة، والآن نريد أن نؤكد أن الروح النارى لا يفرق بين الخطية التي في الأمة اليهودية والخطية التي في داخل الكنيسة، بل إن ابتداء القضاء يكون دائما من داخل البيت (۱بط 4 : 17 ) والرب الذي علمنا أن ننقى الداخل أولا قبل الخارج لابد أنه يتبع نفس المنهج في تعامله مع كنيسته!! إن انضمامنا لشعب الله لا يجعلنا في مأمن من روح القضاء بل بالحرى يجعلنا في مقدمة القضاء!!

حنانيا وسفيرة

عندما انسكب الروح المبارك في يوم الخمسين أظهر الصلاح الذي سبق وزرعه رب المجد في نفوس أتباعه، فرأينا مبدأ «مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ» يظهر بوضوح في وسط الكنيسة حتى إن كل من كانت له أرض أو ممتلكات كان يبيعها ويأتي بأثمانها عند أقدام الرسل، وكان برنابا مثالا لامعا لروح العطاء هذه، ولكن في وسط هذا الجو المقدس بدأ الجسد يتحرك ورأينا أرض الإنسان تنبت زوانا رديئا يشبه من الخارج الحنطة لكن جوهره ليس العطاء بل الأخذ!! ويحمل في داخله سمأ زعافا إذا ترك يسري وسط الجماعة، سم الرياء والكذب والرغبة في لفت الانتباه وجذب المديح للذات!! بهذه الروح الرديئة باع حنانيا وسفيرة حقلا وأتيا بجزء من ثمنه عند أقدام الرسل.

كان عملهما يبدو من الخارج مشابهة لعمل برنابا والآخرين، لكن روح النار الساكن وسط الجماعة يمتحن جوهر الأعمال ويحكم عليها، ولذلك وجدناه يمارس عمله في فضح هذا الإثم وإدانته، وكان القضاء فورياً وحاسماً لمنع سريان هذا السم في وسط الجماعة، فسقط حنانيا وسفيره عند أقدام الرسل وحملا ميتين ، وهكذا كان الروح المبارك يمارس القضاء في داخل البيت قبل أن يقضي على الأمة العاصية في الخارج.

.. وكثيرون ضعفاء ومرضى ويرقدون !!

ونقرأ في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس أن الروح يدين أعمال المؤمنين الخاطئة بضربات تتناسب في شدتها مع حجم الخطأ، تتدرج من الضعف إلى المرض إلى الموت بل وحتى إلى التسليم للشيطان!! لأننا إذا لم نتعلم كيف نحكم على أنفسنا وندين أخطاءها ونحفظها في حالة القداسة اللائقة بإلهنا القدوس فلابد أن يحكم علينا ونؤدب من الرب لكي لا تدان مع العالم.

خوف الله

 إن روح القضاء هذه أنشأت مخافة لله في نفوس المؤمنين (أع 5 : 11 ) ، الخوف المقدس الناتج عن الإحساس الدائم بوجودنا في محضر «الديان»، الخوف من الخطأ أو الوقوع تحت القضاء، الخوف الذي يحفظ القلب طاهراً والذهن نقياً والسلوك مستقيم، الخوف الذي ينبغي أن يلازمنا في زمان غربتنا (۱بط  1 : 17 ) ويدفعنا لتتميم خلاصنا (في 2 : 12 ) . هذا الخوف لم نعد نلاحظه في أيامنا هذه ، تسرب من قلوبنا هذا الخوف المقدس وتسللت إلينا الاستهانة واللامبالاة، الاستخفاف بالمقدسات صار شائعاً وسط جماعات المؤمنين بشكل يدعو للفزع، وعندما نتلفت حولنا وننظر لأوضاع المؤمنين والكنائس وصدم بالخطايا المستترة والمعلنة تنتشر في كل مكان، وتفاجأ بالذات المتضخمة وهي تجاهر بوجودها وتسلطها في داخل الكنيسة، وعندما نبحث عن قضاء إلهي يعيد الأمور إلى نصابها ولا نجد، عندئذ لابد أن تخرج منا صرخة:

أين أنت يا روح النار ؟!

لماذا تسكت ولا تتكلم ؟ لماذا تترك الزوان ينمو في وسط الحنطة حتى أصبحنا نعيش في جو من الكذب والخداع والزيف، لم يعد هناك حد فاصل بين الحق والباطل، بين الثمين والرخيص، بين الذهب والتراب!!

لماذا تتركنا لأنفسنا ؟ لماذا تترك الذات تسود وتتحكم في وسط الكنيسة المدعو عليها اسم يسوع ؟ هل هذا هو قضاؤك علينا ؟ إن أقسى قضاء يمكن أن نقاسيه هو أن تفارقنا وتتركنا لأنفسنا !! إن نار حضورك يا روح الله أفضل بما لا يقاس من نار غيابك!! والخوف المقدس الذي تصنعه في القلب أعظم بما لا يقاس من الخوف المظلم الذي أصبحنا نعيش فيه من بعد غيابك!! ليتك تعود تنسكب علينا يا روح النار والقضاء، إننا في أشد الحاجة إليك!! (يتبع).

 

السبت، 25 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (31)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن عمل روح النار في يوم الخمسين كان أولا إظهار الصلاح الكامن في قلوب التلاميذ وتزكيته، واليوم نضيف أن الجانب الثاني لعمل الروح كان هو :

فضح الاثم وإدانته

رغم احتفاظ الأمة اليهودية بشكلها الخارجي كأمة متدينة تعبد الله الواحد وتختلف في ذلك عن الأمم الوثنية الموغلة في الشر والنجاسة والمتعبدة لأصنام جامدة، إلا أن الحق كما يراه الله كان أن قلب هذه الأمة يموج بكل نجاسات الأمم الأخرى وشرها، والفرق الوحيد هو أن الأمم الوثنية لا تجد غضاضة في المجاهرة بالشر لذلك فهي تمارسه علانية، أما الأمة اليهودية فهى تحاول الاحتفاظ بمظهرها المتدين لذلك فهي تمارس الشر في الخفاء !! وقبل أن يخرج الشر من القلب تغلفه بأوراق براقة، وكلما شعرت بنتانة العظام العفنة المدفونة في القلب لجأت إلى تبييض الجدران الخارجية وتزيينها !! وكلما ازداد الإثم في داخل الصحفة والكأس اللتان يقدمونهما لاطعام الشعب سعوا لتنقية خارجهما وتلميعه!! وكلما نمت النجاسة في داخل القلب أصروا على تقديس وتعظيم أهداب ثيابهم!!

كان الإثم في وسط الأمم يمارس علانية وكانت الهة الخشب والحجر تعبد في هياكل ضخمة واضحة للعيان، أما الأمة اليهودية فكانت تعبد نفس تلك الآلهة النجسة لكن في مخادع النفس الداخلية (حز( 8 : 12 !!

ولم يكن تمسكهم بالمظهر الحسن بدافع حبهم للنقاء أو رغبتهم في القداسة بل بدافع الاحتفاظ بنعرة التفوق على الآخرين والإحساس بالتميز الذي اكتسبوه في البداية عندما كان إله المجد يسكن في وسطهم، وبعد أن زال المجد وفارقهم الحضور الإلهي أبي القلب المتكبر الرديء إلا أن يظل يتعالى على الآخرين ويظل يفتخر بأنه أفضل منهم حتى بعد أن صار هذا الافتخار باطلا وفارغاً بلا مضمون.

غياب روح النار

كيف يمكن أن يعيش المجتمع بهذا الشكل من الخداع والرياء؟ وكيف يمكن أن تختبيء النجاسة خلف هذه المظاهر المقدسة؟ كيف أمكن لهذا الشعب أن يجمع بين الإثم والاعتكاف ؟! إن غياب روح النار هو الذي يعطي هذه الإمكانية!!

إن روح النار هو المسئول عن فضح الإثم وتعريته وإدانته، وفي حالة غياب هذا الروح المبارك يمكن للإثم أن يستتر في القلب لسنوات عديدة دون أن يراه أحد، بل يمكن أن يرسم لنفسه صورة خارجية جميلة تستأسر بإعجاب الناس وتقديسهم!! بل أحيانا قد يصل الأمر إلى حد أن صاحب القلب الأثيم قد يفقد إحساسه بإثمه ويصدق كذبه وينخدع بخداعه ويظن في نفسه القداسة فعلا!!

.. وعندما يحضر روح النار !!

لكن عندما يحضر روح النار يصير اختباء الإثم مستحيلا، فإزاء البر الحقيقي الذي أظهره الروح في الكنيسة ظهر أيضأ الخواء والشر الكامن في قلب الشعب اليهودي، وأمام بساطة ووداعة التلاميذ انفجر بركان كبرياء وقسوة اليهود ، وفي مواجهة المحبة التي ملأت جنبات الكنيسة تدفقت أنهار البغضة والحسد من قلوب الكهنة ورؤساء الشعب، وفي مقابل صدق واستقامة التلاميذ رأينا الكهنة ينتهجون منهج الكذب والإلتواء، لم يعد في إمكانهم الاحتفاظ بمظهر التقوى والورع بل رأيناهم ينحدرون في سلوكهم إلى سلوك المجرمين وقطاع الطرق (أع 23 : 15 ) !!

الحنطة والزوان

وهكذا بينما كان روح النار يضم كل يوم القديسين إلى جسد المسيح (أع 2 : 47 ) كان من الناحية الأخرى يفضح الخواء والشر المستتر في الأمة اليهودية، كان روح الحصاد يجمع الحنطة إلى المخازن وأيضا يجمع الزوان تمهيدا لحرقه، وبينما ربطت المحبة الأخوية بين جموع المؤمنين بالمسيح كانت البغضة والحسد والخوف على المصالح المادية تجمع اليهود معا ضد أتباع المسيح، وكان هذا التجمع إيذانا باقتراب القضاء السريع.

وبالفعل لم تمض سنوات كثيرة حتى أرسل الرب نيران تلتهم كومة الزوان الكبيرة، انهار الهيكل ولم يبق فيه حجر على حجر لم ينقض، واحترقت المدن وتهدمت المنازل وبنيها فيها ، وبينما كان تيطس الروماني هو الأداة المنفذة لهذا القضاء كان روح النار هو الحاصد الحقيقي، له كل المجد!! وللحديث بقية.

 

 

 

السبت، 18 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (30)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن روح النار أتى ليسكن في الكنيسة ليمارس فيها ومن خلالها عمله المبارك الذي كانت تشير إليه نيران مذابح العهد القديم، وقلنا إن هذا العمل مزدوج حيث إنه يزگی الصلاح ويظهره - مثل مذبح الذهب - ومن الناحية الأخرى يدين الشر ويحرقه كما كان يشير مذبح النحاس، وهذا العمل المزدوج هو ما نريد الآن أن نتتبعه عملياً في حياة الكنيسة الأولى:

اظهار الصلاح

عندما عاش رب المجد في وسط تلاميذه استطاع بروح الوداعة أن يزرع في أعماقهم بذور الصلاح الحقيقي، سواء بواسطة كلامه الثمين الذي أعلن فيه طبيعة البر الذي يريده الله، أو بحياته الكريمة التي ترجم فيها هذا البر عملياً ، لقد سمعوا منه عن الصلاة التي ترضى الآب ورأوه يصلي أمامهم هذه الصلاة، سمعوا منه عن المحبة للقريب وللعدو ورأوا فيه هذه المحبة متجسدة ، سمعوا منه عن القداسة الحقيقية وليست المظهرية، ورأوا فيه هذه القداسة وهي تتعامل مع أشر الناس وأحط دركات المجتمع، قداسة لم تستطع نجاسة الإنسان أن تلوثها بل استطاعت هي أن تهزم النجاسة وتطلق كثيرين من قيودها أحراراً.

وهكذا انزرعت في قلوبهم بذور الصلاح الحقيقي، ما لم يفهموه بالأقوال فهموه من الأعمال، وما لم تشرحه لهم كلماته شرحته لهم لمساته، والقلوب التي لم تنفتح أمام إعلانه انفتحت أمام محبته وغفرانه، خلاصة القول إن الرب ترك قلوباً مملوءة بمعرفة الصلاح، وهم من ناحيتهم أحبوا هذا الصلاح الذي رأوه في سيدهم، وفي نوره اكتشفوا زيف الصلاح المظهري الذي كان يملأ الساحة حولهم، ولم يعودوا يستطيعون العيش بمقاييس البر الإنساني بل صارت قلوبهم تشتاق لأن تحيا على نفس مستوى البر الذي رأوه في يسوع.

.. ولكن !!

كان هناك ما يمنع أن تنمو هذه البذار الثمينة وتتحول إلى حياة عملية، فمن الخارج كان المناخ الروحي المحيط بهم لا يسمح لهم بهذه الحياة، ومن الداخل كان ينقصهم الجرأة والقوة والسلطان لكي يعيشوا هذه الحياة ضد المناخ الروحي المضاد لهم، البذور الموجودة في قلوبهم لم يكن متوفرة لها القدرة ولا الظروف المناسبة لكي تنمو وتزهر وتثمر، الله وحده كان يرى في أعماق هذه الجماعة كنزاً من بذور الصلاح الحقيقى ولكنه كنز غير معلن ولا يراه أحد من الناس، وهنا يأتي دور...

روح الحصاد

الروح الذي حضر في عيد الحصاد ( يوم الخمسين) لكي يميز بين الحنطة والقش، فيجمع الحنطة إلى المخازن وأما القش فيحرقه بنار، وهو نفسه روح النار الذي يميز بين الذهب والزغل، فيلمع الذهب و يزكيه ويحرق الزغل، إنه الروح الذي اختار أن يأتي في هيئة ألسنة من نار في يوم عيد الحصاد لكي يعلن لنا طبيعة عمله في الكنيسة، لقد أتى لكي يساعد هذه البذور لكي تعيش وتمتد إلى أقصى مدى لها، أتى لكي يوفر لها المناخ المناسب ويمنحها القدرة للنمو، لم يأت روح يوم الخمسين لكي يزرع بذورة جديدة فالزارع هو رب المجد يسوع، لكنه أتى لكي يعطى للبذور المدفونة إمكانية الظهور على وجه الأرض لكي يراها الجميع، أتى لكي يجسد الصلاح الذي زرعه الرب في قلوب أتباعه و يزكيه ، أتي لكي  يحول المعرفة إلى أعمال علانية، أتى لكي يجعل هذه الجماعة الصغيرة تمارس سلوكا يصعد بخوراً طيباً أمام الآب السماوي، الأمر الذي كانت تشير إليه نيران مذبح البخور لمئات السنين، فالآب لم تكن تشبعه رائحة البخور بل كان يشتاق إلى الصلاح الحقيقي الذي يخرج من أناس حقيقيين أحبوا إلههم بحق وعاشوا أمامه بقداسة حقيقية، وفي ملء الزمان استطاع الرب يسوع أن يغرس هذا الصلاح الحقيقي في قلوب أتباعه، وعندما أتى يوم الخمسين واشتعلت نار الروح في هذه القلوب فاحت رائحة الصلاح الحقيقي وغطت كل المسكونة.

الأساس والبنيان

بعبارات أخرى نقول إن تعاليم الرب لتلاميذه كانت الأساس الثابت على الصخر في قلوبهم، لكنه مدفون في العمق لا يراه أحد، ولقد أتي الروح لكي يبني على هذا الأساس بنيانة عالياً يرتفع فوق الأرض ليراه الجميع، لم يأت الروح المبارك ليضع أساسا جديدا بل لكي يجعل الأساس الذي وضعه الرب معلناً وظاهراً في هيئة أعمال منظورة يراها العالم ويلمسها، ويشبع بها الآب ويرضى، هذا هو العمل الأول لروح النار: تزكية الصلاح وإعلانه (يتبع).

 

 

 

السبت، 11 فبراير 2023

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله (29)

بقلم : فخرى كرم

رأينا النار في العهد القديم ترمز للروح القدس في عمله القضائي ، روح القداسة الذي ينتقم من الشر و يزكي الخير، روح الحصاد الذي يفصل بين الحنطة والزوان، الروح الذي قال عنه أشعياء : «روح القضاء وروح الإحراق » ( إش 4 : 4 ) .

ولقد بدأ هذا الرمز بسيف النار المتقلب في طريق شجرة الحياة، ثم استمر بعد ذلك من خلال مذبحي النحاس والذهب الموجودين في الهيكل حتى مجيء الرب وتكوين الكنيسة، وعندئذ كان لابد للرمز أن ينتهي لتحل محله الحقيقة الحية بكمالها وجمالها، لأن الروح لا يمكن أن يظل محصوراً في رمز مهما كان مقدساً، ولا يمكن أن يمارس عمله من خلال طقس مهما كان سامياً، لقد ظل الروح يشتاق إلى كيان حي يمكن أن يسكن فيه ويمارس من خلاله عمله القضائي في الأرض ، كيان كبير متعدد الأطراف والمواهب يمكنه أن يحتوي كل إظهارات الروح بتعددها وتباينها ، كيان طاهر يحتمل قداسته دون أن يحترق، كيان يقبل أن يبدأ القضاء فيه أولا، لأن ابتداء القضاء دائما من بيت الله (۱بط 4 : 17 ) ، ولقد وجد الروح هذا الكيان في الكنيسة استطاع الرب يسوع من خلال حياته القصيرة، وروح الوداعة التي ملأته، ودمه الكريم الذي سفكه، وجسده الذي بذله، أن يصنع هذه الكنيسة، مجموعة من الناس صارت أنقياء بسبب الكلام الذي كلمهم به (يو15 : 3 ) مجموعة حمل هو خطاياهم واحترق بها على الصليب لكي يقدم للروح القدس « مسكناً » طاهراً مغفور الإثم يمكن أن يسكن فيه إلى الأبد (يو 14 : 16) ويمارس من خلاله عمله القضائي في العالم (يو 16 : 8) كيان عجيب متعدد الأشكال والنوعيات يمكن للروح أن يفيض فيه بصور متعددة ويستخدمه في إرساليات متباينة الأشكال والأغراض، كيان رغم اتساعه وتباينه إلا أنه كيان واحد مترابط، له رأس واحد ويسكن فيه روح واحد (رو 12 : 4 ـ 12 ) .

الكنيسة هي مسكن الروح القدس وموطىء قدميه في هذا العالم الأثيم، العالم الذي لا يعرف روح القداسة ولا يستطيع أن يعرفه أو يقبله (يو14 : 17 ) لأنه عالم اختار النجاسة منهجاً والخطية طريقاً وإبليس إلهاً ورئيساً، هذا العالم لا يعرف القداسة ولا يريد أن يعرفها ، لذلك لا يوجد لروح القداسة مكان يمارس من خلاله عمله إلا داخل ومن خلال الكنيسة التي غسلها الرب يسوع بدمه، هذا هو الكيان الوحيد الذي يحتمل نار قداسة الله بل ويحبها !! الكنيسة هي الكيان الوحيد الذي يقبل قضاء الله بل ويفرح به!! إنها العليقة الوحيدة التي يمكن أن تشتعل فيها نار قداسة الله دون أن تحرقها.

بين الرمز والحقيقة

لم يكن ممكناً أن يسكن الروح في الرمز  ويمارس عمله في الطقس، فنار مذبح النحاس لم تستطع أن تنزع الخطية من قلوب مقدمي الذبائح، لذلك ظل الروح يشتاق إلى كيان حي يحرق فيه وبه الخطية من قلوب الناس فعلا، والله لم يشبع قط من رائحة البخور المتصاعدة من نار مذبح الذهب، لذلك ظل الروح يشتهي كيانا بشرياً يستطيع أن يرفع منه وبه عبادة وسجودا مشبعاً لقلب الله حقا، ومن قال أن سيف نار متقلب في يد كروبيم يمكن أن يعلن موقف الله من خطية الإنسان، بل ظل الروح ينتظر أن يسكن في كيان إنسان يستطيع فيه وبه أن يبكت العالم على خطيته ويعلن عملياً أن الخطية هي التي فصلت بين الإنسان والحياة الأبدية.

ولقد استطاع الرب يسوع بروح الوداعة أن يبني هذا الكيان الإنساني البشري الحي ليسكن فيه روح القداسة ويعلن فيه وبه قداسة الله وقضاءه، ولقد أعلن الروح المبارك عن قبوله ورضاه بالسكني في هذا الكيان عندما حضر في يوم الخمسين وحل على كل واحد من الموجودين في العلية في هيئة ألسنة منقسمة من نار، ليعلن أن الروح الذي سكن في هؤلاء هو ذات الروح الذي أشارت إليه نيران المذابح التي ظلت مشتعلة طوال العهد القديم، وأنه سيعمل فيهم وبهم ما عجزت عن فعله المذابح الرمزية والنيران الطقسية.

عطاء متبادل !!

إذا كان الأب قد هيأ للابن جسدا ليدخل به إلى العالم (عب 10 : 5 ) فإن الابن قد هيأ مسكناً للروح القدس ليسكن فيه في العالم، وهذا المسكن هو الكنيسة، والروح القدس بدوره سيهييء هذه الكنيسة لتكون عروساً للابن (رؤ 21 : 2 ) ومن الناحية الأخرى سيهيئها لتكون مسكناً لله الآب مع الناس (رؤ 21 : 3 ) ، إن المحبة والعطاء المتبادلين بين الأقانيم هما أعظم مما تدركه عقولنا، لكن ما ندركه فعلا هو أنه طوبى لمن له نصيب في كنيسة الله الحقيقية، مسكن الله الأبدي مع الناس !! (يتبع).