الأحد، 31 مارس 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (66)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن صورة المصباح والعين تشير إلى روح الحق الذي ينير أمامنا حقائق الأشياء ويفتح عيوننا لنراها ، ونحن نحتاج لرؤية حقيقة الأشياء لعدة أسباب أولها لكى نتجنب العثرة ، فإذا كنا نسير ولا نرى أمامنا فلابد أن نعثر ، وقد تأتي العثرة من داخلنا إذا فوجئنا بما لا نتوقعه من أنفسنا ، وقد تأتي من الآخرين إذا اكتشفنا فيهم ما لم نتحذر منه ، واليوم نضيف أن العثرة قد تأتي أيضا

من إبليس

كل قوة إبليس مستمدة من عدم رؤية الإنسان لمكايده وفخاخه وجهله بأفكاره ، إن مملكة الشر بأكملها تسود على «ظلمة هذا الدهر» ( أف 6 :12) بل إن سلطانها يسمى «سلطان الظلمة» ( لو 22: 53، كو 1 : 13) إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين وأغرقهم في ظلمات روحية كثيفة لكي يسهل اقتناصهم في فخاخه وحبائله .

منذ أن سقط الإنسان في فخ إبليس الأول في جنة عدن أصبح عاجزاً عن تمييز أعماله والنجاة منها ، انفصاله عن الله أدخله إلى الظلمة لأن الله هو النور الذي لا ظلمة فيه البتة (1يو1: 5) الرب الله هو «شمس ومجن» (مز84: ۱۱) أي أنه النور والحماية ، فالنور هو الحماية الحقيقية من السقوط في فخاخ الظلمة ، فباطلا تنصب الشبكة في عيني كل ذي جناح ، لكن بالانفصال عن الله صار الإنسان بلا نور أو حماية، أصبح يجلس في الظلمة وظلال الموت ..

إن كل قدرات الإنسان الطبيعية لا تستطيع أن تحل محل نور الله ، فإبليس أكثر حكمة من أحكم إنسان ، إنه «ملآن حكمة» (حز 28 : 12) لذلك فكل حكمة الإنسان وتمييزه وفطنته وخبرته لا تستطيع أن تنير له أعمال إبليس وتحميه من مكايده ، فليس من قدرات الإنسان الطبيعية أن يرى في الظلام !! صار الإنسان محتاجاً إلى من يفتح عينيه لكي يرجع من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله (أع۲6: ۱۸)

 

الرب نوری و خلاصى

بالنسبة لكل المؤمنين الرب هو «النور» وبالتالي هو «الخلاص» من كل خبايا الظلمة ، من يتبع الرب لا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ، روح المصباح ينير لنا أفكار العدو و نياته (۲ كو ۲: ۱۱) وإذا كنا لا نجهل أفكاره فسنستطيع مقاومته وهزيمته .

الروح ينجينا من «فخ الصياد» (مز۹۱: ۲) إنه يعرف كل شيء ويستطيع أن يخبرنا بما يرتبه العدو في الخفاء وما ينصبه لنا من فخاخ ، كما أخبر أليشع بمخططات العدو وأخبر بولس بمكايد اليهود ضده ، لا شيء يخفي عن السبعة العيون المرسلة إلى كل الأرض !!

فلنتعلق بالرب !!

          إذا كانت طريقنا تمتلئ بالعثرات سواء من داخل أنفسنا أو من الآخرين أو من إبليس رئيس مملكة الظلمة فكيف نستطيع أن نسير دون أن نعثر ؟ إذا اعتمدنا في سيرنا على رؤيتنا المحدودة وقدراتنا الضعيفة ومعرفتنا السطحية فلابد أن نعثر ونسقط ، فكمية ما نجهله من الأشياء المحيطة أكبر مما نتصور ، ولعل سر ضعف كنيسة اليوم هو تعثر وسقوط المؤمنين في قيود وفخاخ لم يروها ولم يتوقعوها ، العدو يستغل جهلنا بأفكاره وينصب لنا فخاخه لكي نظل طوال حياتنا ضعاف مقيدين غير نافعين للسيد .

دعونا إذا نتعلق بالرب نورنا وخلاصنا ، شمسنا ومجننا ، روح المصباح الذي ينير عيوننا فتبصر خفايا الظلمة المحيطة بنا ، الروح الذي يحفظ أنفسنا في الحياة ولا يسلم أرجلنا إلى الزلل ،لا نسير دون أن نهتدي بنوره ولا نخطو خطوة دون مشورته ، نمتلئ به وبكلمته ليكون لنا نور الحياة فالنور حلو للعينين !! (يتبع).

 

الثلاثاء، 26 مارس 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (65)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الصورة الأخيرة للروح القدس هي صورة «العين والمصباح» والتي تشير إلى «روح الحق » الذي يزيل الظلام ويكشف حقائق الأشياء، ومن منا يستطيع أن يستغني عن عمل العين والمصباح !! من منا يستطيع أن يسير في الظلام ؟! إننا نحتاج لروح العين والمصباح لعدة أسباب :

أولا : لكي لا نعثر !!

قال رب المجد : « إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم ، ولكن إن كان أحد يمشي في الليل يعثر لأن النور ليس فيه « (يو 11 : 9 ، 10) الإنسان يعثر حينما تصطدم رجلاه بشيء لم يكن يراه أو يتوقعه ، وكم من أشياء كثيرة في العالم الروحي لا نراها ولا نتوقعها ، أشياء في أعماقنا وأخرى محيطة بنا ، أشياء نابعة من الإنسان وأخرى من الشيطان وثالثة من الله ، ولو سار الإنسان بدون نور المصباح في وسط هذه الأشياء فلابد أن يعثر ويسقط .

النهار ... والليل !!

النهار هو الوقت الذي كان فيه رب المجد على أرضنا يسير ، كان هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان وكل من سار معه كان يسير « في النهار »، ولا يمكن أن يعثر ، ولكن بعد رحيل الرب عن عالمنا وحلول الظلام أصبحنا نسير «في الليل» حيث لا يجب أن نتوقع نورا من خارجنا بل لابد أن نحمل النور داخلنا ، في النهار كانت الشمس تشرق حولنا و تسير بيننا وتنير سبيلنا ، أما في الليل فينبغي أن نأخذ مصابيحنا ونخرج للقاء العريس ، تلك المصابيح التي لا تضاء إلا بزيت الروح القدس الساكن فينا ، أي أن مصدر النور أثناء الليل ينبغي أن ينبع من داخلنا ، من روح «المصباح والعين » العامل فينا ، أما من يسير وليس « فيه » النور فلابد أن يعثر، والعثرة قد تأتي من عدة اتجاهات :

من أعماقنا !!

إننا نجهل الكثير مما يدور في أعماقنا ، لا نعرف حقيقة أنفسنا كما يراها الله ، نعتقد في أنفسنا ما ليس بحقيقي ونجهل عنها الكثير مما هو حقيقي ، لذلك نحن نحتاج لروح المصباح والعين الذي يكشف لنا حقيقة أنفسنا ، أما إذا سرنا بدون نور المصباح في داخلنا فقد نفاجأ بما لم نكن نتوقعه من أنفسنا فنعثر ونسقط !!

كان بطرس يعتقد في نفسه ما ليس حقيقياً ، كان يظن أنه يحب الرب حتى إلى الموت بينما الحقيقة التي كان يجهلها أنه يحب نفسه أكثر من أي شيء آخر ، وجهله بنفسه كان سبب عثرته وسقوطه!! لو كان يرى أعماقه ويعرفها لتوقع غدرها وتجنب شرها وسعي لإصلاحها ووضعها بين يدي الرب بانكسار وتوبة ، لكن للأسف عندما واجهه الرب بحقيقة نفسه نراه يرفض النور الذي يكشف أعماقه ويتمسك بفكره عن نفسه (مت 26 : 34 ، 35) ومن يرفض النور لابد أن يعثر ويسقط سقوطاً عظيماً بقدر ما كان اعتقاده عن نفسه عظيماً !!

طوبى للإنسان الذي يعرف حقيقة نفسه !! فلا يحملها مالا تطيق ولا ينتظر منها ما لا تستطيع ، لا يعطيها كرامة لا تستحقها ولا ينتفخ على الآخرين ، يكون الاتضاع سهلا بالنسبة له ويجد طريقه ببساطة إلى أقدام الرب، يتعلم بسهولة ولا يحتاج إلى ضربات موجعة أو سقطات عنيفة حتى يتعلم .

و من الاخرين !!

عدم رؤيتنا الصحيحة للمحيطين بنا تسبب لنا الكثير من العثرة ، فعادة ما يكون فكرنا عن الناس بما يظهر منهم أما حقيقة باطنهم فتبقى مجهولة لنا ، نرسم لهم صورة بحسب كلامهم ثم نصطدم فجأة بما لم نكن نتوقعه منهم فنهتز ونفقد توازننا ونسقط ، نشعر بالأمان والحرية ثم نكتشف أننا مكبلون بقيود وأغلال ، نعقد صداقة مع من نظن أنه ملاك ونفاجأ بأنه شيطان ، نطمئن للشركة مع خروف ثم نراه ذئباً ، والمأساة هي أننا عادة لا نرى الحقيقة إلا بعد الكثير من الخسائر والجروح !!

كم من مرة أسلمنا أنفسنا لقائد ثم اكتشفنا أنه أعمى مثلنا ، لكننا لا نكتشف هذه الحقيقة إلا بعد ان نقع سوياً في الحفرة !! وكم من مرة ألقينا رجاءنا على قوى ثم عرفنا أنه ضعيف مثلنا ، لكننا لم نعرف هذا إلا بعد أن سقطنا سوياً !!

كم من أشراك وفخاخ تحيط بنا من كل جانب ، بعضها بسوء نية من الآخرين وبعضها بسوء تقدير منا ، عدم رؤيتنا لحقيقة الناس والأشياء المحيطة بنا لابد أن تؤدي بنا إلى السقوط في هذه الأشراك ، أما إذا أسلمنا أنفسنا لقيادة روح الحق الذي يخبرنا بكل شيء وينير أمامنا الطريق فلن نعثر لأن النور « فينا » !! كم من «مؤمنين » أحاطوا بالرب لكنه لم يستأمنهم على نفسه ، لماذا ؟ لأنه كان يعلم ما في داخل الإنسان ( يو 2 : 24 ، 25) كم نحتاج إلى مثل هذه المعرفة لكي نتجنب الكثير من العثرات ، وللحديث بقية.

 

الخميس، 22 فبراير 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (64)

بقلم : فخري كرم

بعد أن تتبعنا الصور الرمزية لشخص الروح القدس في الكتاب المقدس ورأينا صورة « الحمامة» التي تحدثنا عن روح الوداعة ، و راقبنا بخشوع صورة «النار» التي تشير إلى روح القداسة والتطهير ، وسمعنا صوت «الريح» التي تخبرنا عن الروح الخفي الذي لا يمكن وضعه تحت المراقبة أو التوقع ، ووقفنا أمام ينبوع «المياه » الحية الذي يرمز إلى روح الشبع والحياة ، وشممنا الرائحة العطرة ل «زيت» المسحة المقدس الذي أشار إلى روح الخدمة والعمل ، وتذوقنا «الخمر» الجيدة التي تشرح لنا تعزية الروح ومعونته لحياتنا ، حان الوقت الآن لنتقدم إلى آخر أسفار الكتاب لنرى آخر الصور الرمزية التي دونت في كلمة الله ، الصورة التي اقتبسنا منها عنوان هذه السلسلة من المقالات ، وهي في الواقع صورة مزدوجة وإن كانت تشير إلى معنى واحد ، ألا وهي صورة :

المصباح المنير والعين الثاقبة!!

« وأمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة أرواح الله» (رؤ4: 5)

« ورأيت ...خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض « (رؤ5: 6)

والواقع أن هاتان الصورتان - المصباح المتقد بنار والعين - تتحدان في أكثر من موضع مما يؤكد أنهما صورة واحدة مزدوجة تشير إلى معنى واحد :

«هذا يقوله ابن الله الذي له عينان كلهيب نار .. فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وعيناه كلهيب نار .. وعيناه كمصباحي نار» (رؤ۲: ۱۸، 19 : 12 ، دا 10 : 6) والجدير بالملاحظة هنا أن النار في هذه الأجزاء ليست نار الفرن التي تمتحن وتطهر التي تكلمنا عنها من قبل ، بل هي النار التي كانت تستخدم لإنارة المصابيح والسرج قديماً ، النار التي تنير الظلمة وتكشف المستور لكي تستطيع العين أن ترى حقيقة الأشياء بوضوح !! العين تستطيع أن تبصر الأشياء الموجودة في النور ، أما الأشياء الموجودة في الظلمة فالمصباح ينيرها لكي تستطيع العين أن تراها أيضا ، إذا فالعين والمصباح هما وسيلة الإنسان لإدراك حقيقة الأشياء المحيطة به ، الأشياء الموجودة في النور وأيضا تلك الموجودة في الظلام ، أي أن صورة المصباح المتقد والعين تريد أن تخبرنا عن الروح القدس باعتباره

روح الحق

أحد الأسماء التي أطلقها رب المجد على الروح القدس هو «روح الحق» ( يو 26 : 15 ، 16 : 13) أي انه الروح الذي يدرك حقيقة كل الأشياء ، لا شيء يخفى عن عينيه ، كل شيء عريان و مكشوف أمامه ، حتى الظلمة لا تظلم لديه ، كالظلمة هكذا النور ، مهما اكتنفت الظلمه حياتي فروح «المصباح» يضيء سراجي و ينير ظلمتي (مز ۱۸: ۲۸) لو قلت الظلمة تغشاني أجد الليل مثل النهار يضيء ( مز ۱۳۹: 11 ، 12) دائرة معرفته لا حدود لها ، فهو يعرف « جميع الحق» (يو 16: ۱۳) ويستطيع أن يعلمنا «كل شيء»  (يو 14: ۲۹) و « كل شيء» هذه تعني :

كل شيء في الأرض

          عيناه تجولان في كل الأرض وتراقبان كل الأمم (۲ أي 16 : 9 ، مز 66: 7)  عيناه مفتوحتان على كل طرق بني آدم ليعطي كل واحد حسب طرقه (إر ۳۲: 19) إنه يعرف جلوسى و قيامي ، يفهم أفكاري المختفية بداخل عقلي ، يعرف دوافعي إذا سلكت ويدرك أهدافي إذا ربضت ، يعرف كل كلمة في لساني قبل أن أنطق بها ، بل أن تلك العينين المباركتين قد رأتا كل أعضائي وعدتا عظامي قبل أن تراني عيني أمي، أين أذهب إذاً من هذا الروح المبارك ؟ أنه يحاصرني من خلف ومن قدام ( مز۱۳۹ ) إنه يعرف كل الحق عن كل ما في الأرض..

.. وفي السماء أيضا !!

يقول الكتاب : «لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله» (1كو ۲: ۱۰) أي أن روح «العين» يرى كل ما يدور في قلب إلهنا المبارك، يعرف كل ما يجول في فكره ومقاصده ، فهو موجود دائماً «أمام العرش» (رؤ4: 5) وفي ذات الوقت هو مرسل إلى «كل الأرض» ( رؤ5: 6) أي أن دائرة علمه تمتد من عرش الله نفسه إلى أطراف الأرض، من أعماق الله وحتى أعماق الإنسان ، من أعماق النور الذي لا يدنى منه في السماويات إلى أعماق الظلمة الحالكة في أقسام الأرض السفلي !! وللحديث بقية .

 

 

 

 

 

 

الأحد، 11 فبراير 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (63)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الله لا يتعامل مع الكيان العتيق الساكن بداخلنا إلا بالموت ، لأن هذا الكيان غير قابل للتعليم أو التدريب أو التغيير ، واليوم نختتم حديثنا ببعض الملاحظات الهامة ، أولها أن موت أو صلب هذا الكيان له جانبان :

شرعي و عملي

عندما يتكلم الكتاب عن هذا الموت بصيغة الماضي باعتباره عملا قد تم بالفعل فهو يتكلم عنه شرعياً أمام الله ، فكما قلنا أن الله أصدر حكم الموت على هذا الكيان يوم أصدر حكم الموت على البديل ، ربنا يسوع المسيح ، صليب المسيح قد وضع هذا الكيان الأثيم في حكم الموت أمام الله مرة واحدة و إلى الأبد ، وعلى هذا الأساس يقبلنا الله ويتعامل معنا كأناس تم فيهم حكم الموت شرعاً !!

أما عندما يتكلم الكتاب عن هذا الموت باعتباره عملاً حاضراً ينبغي أن يتم كل يوم فهو يتكلم من وجهة النظر العملية ، فالحكم الشرعي الذي تم تنفيذه في شخص البديل لابد أن تظهر آثاره عملياً في حياتنا ، وموقف الله من هذا الكيان شرعاً لابد أن يكون هو نفسه موقفنا العملي اليومي ، إذا كنا قد قبلنا موت المسيح كنائب عنا فنحن إذا قبلنا ضمنيا موت إنساننا العتيق معه، لذلك لا ينبغي أن ندعه يحيا فينا بعد أو يمارس سلطانه على حياتنا .

والرسول يجمع الجانبين معا في عدة مواضع ، مثل قوله : «عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ( شرعا ) ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضا للخطيــة (عملياً ) » (رو6: 6) وهذا يقودنا بالضرورة إلى الملاحظة الثانية ألا وهي :

الموت لا يعني التلاشى !!

          أحيانا نظن بالخطأ أن « موت » الإنسان العتيق يعني عدم وجوده، ولعل هذا الظن يرجع لمفهوم الموت في حياتنا العملية، فعندما نقول عن شخص ما أنه مات فهذا يعني أنه لم يعد موجوداً بيننا ، لكن الأمر ليس هكذا في موضوع الإنسان العتيق!! فالكتاب لا يعلمنا أن صلب الإنسان العتيق مع المسيح يعني أنه لم يعد موجوداً اليوم في حياتنا العملية ، ولا يعلمنا أن إماتته عملياً في أرض الواقع ستصل إلى حد أنه لا يعد موجوداً ، فالموت لا يعني في كلمة الله التلاشي ، ولن يأتي يوم لا نشعر بوجود هذا الكيان بداخلنا ، فهذا الكيان باق حتى نتحرر منه بالخروج من الجسد والاستيطان عند الرب ، إذا ما معنى موت هذا الكيان؟

الموت هنا يعني فقدان السلطان على حياتنا ، لا تصبح لهذا الكيان فيما بعد القدرة على تسيير أمورنا والتحكم فيها ، تصير أفكاره ومواقفه وأعماله مرفوضة منا وغير مطاعة، إنه موجود ولكنه غير مؤثر ، يشبه الملك الذي كان يوما مسيطراً على الحياة لكنه أنزل عن عرشه ووضع في سجن وأغلال لأن الحياة صارت لملك آخر !! هذا هو معنى كلمة «يبطل» في (رو6:6) أي لا تعود له القدرة أو السلطان ، إن الروح يميت فينـا « أعمال الجسد وليس الجسد نفسه ، الروح يعتقنا من « ناموس» ( أي سلطان ) الخطية والموت ولكنه لا ينزع منا الكيان القابل للخطأ !! وهذا يقودنا للملاحظة الثالثة :

مسئولية مشتركة

مسئولية وضع الإنسان العتيق في حكم الموت تقع عملياً على كل من المؤمن وشخص الروح القدس ، مسئولية الروح هي القوة والسلطان ومسئولية المؤمن هي الإرادة والاختيار، فالمؤمن لا يستطيع بقواه أن ينتصر على جسد الخطية والله لا ينتظر منه هذا ، الروح فقط هو المسئول عن مقاومة هذا الجسد (غل 5 : 17) فناموس الخطية والموت لا يستطيع أن يعادله وينتصر عليه إلا ناموس آخر هو ناموس روح الحياة (رو ۸: ۲) الروح وحده هو الذي يميت أعمال الجسد (رو8: ۱۳) هذه هي تعزية ومعونة الروح لنا في معركتنا مع الإنسان العتيق .

لكن المؤمن يشارك في المسئولية بإرادته واختياره ، فالروح لن يستطيع أن يميت أعمال الجسد إذا كنا نحن نقبلها ونتعاطف معها ، لو لم يقتنع المؤمن تماما أن كيانه العتيق مرفوض من الله ويشترك مع الله في هذا الرفض ، ويقبل ويخضع لسلطان الروح داخله وهو يقاوم الجسد فلن يستطيع الروح أن يفعل شيئا !! بدون معونة الروح لن يستطيع الإنسان التحرر من جسد الخطية ، وبدون إرادة الإنسان لن يستطيع الروح أن يحرره!!

لو كنا لا نزال نعاني من هذا الكيان الساقط فالقصور بكل تأكيد ليس من جانب الروح بل من جانب إرادتنا المنقسمة التي تعرج بين الفرقتين!! مازلنا غير مقتنعين بفسادنا ومازلنا متعاطفين مع ذواتنا ، ليت الله يقنعنا بأنه لا يسكن فينا شيء صالح حتى نرفض ونندم في التراب والرماد ونخضع برضا وسرور لمعاملات الروح معنا ، تاركين له الفرصة الكاملة حتى يعطينا الغلبة على هذا الكيان الأثيم ، إنه الروح المعزى الذي أتى لكي يعين ضعفنا ويصنع منا أناس بحسب مشيئة الله ، له كل المجد (يتبع)

 

 

السبت، 10 فبراير 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (62)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح يعين ضعفنا في مواجهة الإنسان العتيق الموجود في داخلنا ، هذا الكيان الذي يشبه الحية في خداعها وتلونها، وهو يسري في أعضائنا بقوانينه وناموسه ويستغل احتياجات وشهوات أجسادنا المادية ، كما أنه يضاد الروح القدس في كل دوافعه وأعماله.

واليوم نسأل : كيف يعيننا الروح في مواجهة هذا الكيان الساقط ؟ هل يحاول أن يصلح هذا الكيان ؟ هل يجيزه في تدريبات لأجل تهذيبه وتعليمه ؟ هل علاج هذا الكيان في مزيد من الاستنارة والفهم ؟ قد يظن البعض هذا ويقضون حياتهم ينتظرون يوما يجدون في أعماقهم شيئا أفضل ، لكن للأسف هذا اليوم لن يأتي أبدأ !! لأن كلمة الله تخبرنا بحقيقة مؤلمة ألا وهي أن هذا الكيان غير قابل للاصلاح.

و المسيحية تقدم لنا الحق كما يراه الله سواء كان هذا الحق مقبولا من الإنسان أم لا، مؤسسها له المجد هو النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم لكي ينير كل إنسان ، وكتابها المقدس مثل المرآة الصادقة التي تكشف لنا عيوبنا بدون استئذان !! إنها لا تستمد وجودها وقوتها من الإنسان لذلك هي لا تجامله أو تهادنه بل تكشف حقيقته أمام عينيه.

والحق الذي يعلنه الله لنا في الكتاب المقدس هو أن هذا الكيان الذي في داخلنا ليس فقط شريراً بل غير قابل للإصلاح ، يطلق عليه عدة أوصاف تعطينا هذا المعنى : فهو «فاسد » (أف 4: ۲۲) أي أنه تخطى مرحلة العطب الجزئي القابل للعلاج إلى مرحلة الفساد النهائي ، وهو أيضا «لا يقبل ما لروح الله» (1كو 2 : 14) فكيف يتعامل مع الله ؟ وهو «لا يفهم» (رو3: 11) فكيف يمكن أن يتعلم ويتهذب ؟ بل هو « مائت » (رو6 : ۱۲) وهل يمكن أن ننتظر تحسنا أو تغييرا يطرأ على الميت !!

كيف نتعامل معه ؟

يعلمنا الكتاب المقدس أن الله لا يتعامل مع هذا الكيان إلا بالموت !! عندما اختار شخص الرب يسوع أن يكون بديلا عنا أمام الله صدر عليه حكم الموت ، لو كان هناك أمل في إصلاحنا لكان حكم الموت ليس ضرورياً أو منطقياً ، لكن بصدور هذا الحكم على الابن الحبيب دون شفقة يؤكد أن الله لا يقبل التعامل بعد مع هذا الكيان الفاسد المضاد لله، وهذا ما عبر عنه الرسول قائلا: «عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية» (رو6: 6) أي أنه بصدور حكم الصلب على ربنا المبارك كان ذات الحكم يصدر على إنساننا العتيق ، وعندما نرى ربنا المعبود معلقاً تحت القصاص واللعنة ندرك أن هذا هو قضاء الله على كياننا الأثيم ، هذا الكيان ينبغي أن «يبطل» أي لا تعود له السيطرة على حياتنا ، وعندئذ لابد أن يكون قرارنا : « مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في» (غل ۲: ۲۰ )

نفس المعنى نجده في قول الرسول : « إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون» (رو8: ۱۳) أي أن أعمال الجسد ليس لها حكم أمام الله سوى الموت ، لا يمكن إصلاح أعمال الجسد أو تهذيبها أو تدريبها بل فقط موتها ، هل وصل هذا الحق بكماله إلى أعماقنا ؟ هل أدركناه ونعيش في نوره ؟

... كلا للأسف !!

هذا الحق الكتابي لا يلقى قبولا من الكثيرين أو على الأقل لا نصدقه كل التصديق !! فالإنسان يحب أن يظن الخير في نفسه ويفتخر بصلاحه ، وحتى بعد الإيمان يظل المؤمن لا يفهم هذا الحق تماما ولا يدرك مدى الفساد الذي بداخله بل ويهرب من محاولات الرب لفضح هذا الكيان الفاسد ، يبقى لسان حالنا كما قال أيوب: «حتى أسلم الروح لا أعزل كمالي عني ، تمسكت ببري ولا أرخيه» (أي ۲۷: 5 ،  6 ) وتكون النتيجة هي أننا نعيش محرومين من رضا الله وتأييده لحياتنا لأن كل الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله (رو 8 :   8 ) وتظل أعمالنا خليطا من بعض أعمال الروح وكثير من أعمال الجسد ، والله لا يمكن أن يبارك مثل هذا الخليط غير المتجانس!! ونظل غير قادرين على الانكسار الحقيقي أمام الله أو التواضع تحت يده القوية لأن هذا الكيان الفاسد في داخلنا متشامخ بطبعه ولا يحب الخضوع لله بل لا يستطيع (رو8:  7 ) !! وللحديث بقية

 

 

السبت، 27 يناير 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (61)

بقلم : فخري كرم

الروح المعزى يعين ضعفنا في حربنا مع العدو الأخطر الكامن في أعماقنا ، والذي يسميه الكتاب عدة أسماء للدلالة على صفاته المتعددة ، فهو «الإنسان العتيق» و «الناموس» الكامن في أعضائنا و «الحية» المتلونة المخادعة ، كما أنه «الجسد» ، ولكن بمفهوم مختلف تماما عن الجسد المادي ، واليوم نتحدث عن أسوأ أسماء أو صفات هذا الكيان ألا وهو :

ضد الروح (غل 5 : ۱۷)

 إذا كان إبليس هو «ضد الله» لأنه يحاول أن يكون إلهاً لهذا الدهر ورئيساً للعالم بدلاً من الله الإله الحقيقي وحده والمالك الشرعي للعالم ، وإذا كان العالم الآن يتهيأ لاستقبال «ضد المسيح» الذي سيكون إنسانا ممتلئاً شراً وكذباً ومؤيداً بكل سلطان إبليس ليضل العالم كله ويقوده للضيقة العظيمة ، فإن أعماقنا تحتوى على «ضد الروح» الذي دائما يشتهي ضد الروح ويسعى ضد الروح ويصارع ضد الروح !! يقول الرسول : «لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون » (غل 5: ۱۷)

وغني عن البيان أن الرسول يقصد بكلمة «الجسد » هنا جسد الخطية وليس الجسد المادي ، وقد شرحنا هذا باستفاضة في المرة الماضية ، كما أن كلمة «الروح» في الآية السابقة تعني - بحسب الأصل - الروح القدس وليس الروح الإنسانية كما قد يعتقد البعض ، فهذا الكيان الساقط لا يحارب أرواحنا بقدر ما يحارب سلطان الروح القدس على حياتنا، أنه يريد أن يكون القائد الوحيد لحياتنا والمتسلط الأوحد على رغباتنا ، لذلك فهو ينزعج للغاية عندما يبدأ المؤمن يخضع لمشيئة الروح فلا يتمم شهوة الجسد ، وعندئذ تنشب معركة داخل المؤمن بين هذا الكيان وبين الروح المبارك ، معركة على مناطق النفوذ والسلطة داخل النفس الإنسانية ، معركة قد لا يدري المؤمن نفسه أبعادها وأعماقها ، لكنه بالتأكيد يشعر بأحداثها ويساهم في حسمها ويحصد نتائجها !! 

إرادة مضادة

إذا كان الروح يريد أن يقود حياتنا إلى شركة عميقة مع الله فإرادة الإنسان العتيق داخلنا هي التجنب والابتعاد عن حياة الله (أف 4 : ۱۸) إذا حاول الروح أن يجتذبك إلى مخدع الصلاة تجد قوة أخرى داخلك تجذبك بعنف للخروج من المخدع والجلوس أمام التليفزيون أو إضاعة وقتك بأي شكل آخر !! وإذا أراد الروح المبارك أن يشرح لنا فكر إلهنا ويغرسه في أعماقنا نجد هذا الكيان الأثيم لا يقبل ولا يفهم ولا يريد أن يفهم ما لله ويعتبره جهالة (1 كو ۲: 14) (رو ۱۱:۳)، إنه يفهم جيدأ القصص الفارغة والنكت البذيئة ويتتبع بشغف أخبار الساسة والفنانين والمال والاقتصاد ويهتم حتى بالفلك والأبراج ولكنه أمام أمور الله يصاب بالعته والبلادة والجمود !! وإذا كان الروح يعلمنا كيف نحب الآخرين ونصنع سلاما بينهم فالحية الساكنة فينا تسعى لبث السم في كل من حولها وتسعى بأرجل سريعة إلى سفك الدم ونشر المرارة في وسط الجماعة (عب ۱۲ : ۱۵).

من منا لم يشعر بهذا الصراع الداخلي المحتدم ؟ من منا لم يعان من وجود كيانين مختلفين في أعماقه ؟ كيانان على طرفي النقيض في كل شيء ، إنسانان يتصارعان على إرادتنا في كل تفاصيل الحياة ، أحدهما هو الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور والآخر هو الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق (أف 4 : 24) الإنسان العتيق يتقوى بإبليس والعالم الشرير المحيط بنا والإنسان الجديد يتقوى بالروح المبارك الساكن فينا، من يحسم هذا الصراع يا ترى ؟

الإرادة الانسانية

لا يظن أحد أن الصراع بين الإنسان العتيق والروح القدوس يحسمه أيهما أقوى، حاشا ، فروح الله دائما أقوى وأعظم من أن يوضع في مقارنة مع طبيعتنا المائتة الترابية، لكن من يحسم الصراع داخلنا هي إرادتنا نحن !! في أي اتجاه ستختار إرادتنا أن تسير ، مع أي قوة ستتعاطف !! لقد خلق الله الإنسان حرا في اختياره ، دائما يضع أمامه الحياة والموت ويترك لإرادته حرية الاختيار بينهما ( تث 30 : 19) الله لا يطلب منا أن ننتصر على الإنسان العتيق الذي بداخلنا لأنه أقوى منا ولأن هذه هي مهمة الروح المبارك ، لكنه يطلب منا أن ننحاز للروح ونخضع له في صراعه مع هذا الكيان الأثيم ، الروح يمكنه أن يعين ضعفنا لكن لا يمكنه أن يفرض إرادته علينا !! وللحديث بقية .

 

 

 

 

الجمعة، 19 يناير 2024

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله (60)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح المعزي يشفع فينا في مواجهة الكيان الساقط الموجود بداخلنا ، ولقد استعرضنا بعض الأسماء والصفات التي وصف بها الكتاب المقدس هذا الكيان ، فهو إنسان" عتيق و ناموس" كامن في أعضائنا و"حية" بنت أفعى !! واليوم نضيف أن هذا الكيان يسمى أيضا :

الجسد

أثار هذا الاسم الكثير من سوء الفهم في الأوساط الروحية والسبب أن الرسول يستخدم كلمة "الجسد" بمعنيين مختلفين في كل رسائله ، وعدم التمييز بين هذين المعنيين أدى إلى الخلط بينهما وتسبب في معاناة روحية للكثيرين !! لذلك من الضروري أن نفهم فكر الرسول جيداً ونميز بين هذين المعنيين المختلفين ، المعنى الأول والبسيط هو :

الجسد المادي

وهو الجسد الذي أخذناه بالميلاد وسنتركه بالموت ، وعندما يتكلم الرسول عن الجسد بهذا المعنى نراه يحترمه ويقدره ، كيف لا وهو الذي حمل سمات الرب يسوع في "جسده" (غل6 : 17) وسعى في كل حياته أن يتعظم المسيح في "جسده" سواء بحياة أو بموت (في۱: ۲۰) ولا يظن أحد أن الرسول كان يعتبر الجسد المادي شرا وإلا كيف يصف الكنيسة بأنها " جسد " المسيح (أف ۱: ۲۳) !! لا يمكن أن الرسول يلجأ لتشبيه الكنيسة بالجسد إذا كان الجسد له معاني سيئة في ذهنه ، وفصل الخطاب في هذه المسألة هو قوله الصريح: "فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب أيضا للكنيســــة " (أف 5: ۲۹) وإذا قال الرسول أن أحدا لم يبغض جسده قط فلابد أن الرسول كان يحب جسده !! ولذلك كان يصلي لأجل شفائه (۲ كو 12 : 8) وطلب من تلميذه تيموثاوس أن يهتم بجسده (1تي 5: ۲۳) وصلى لكي تحفظ أجساد مؤمني تسالونيكي كاملة حتى مجيء ربنا يسوع المسيح (1تس 5: ۲۳)

بل إن تعليم الرسول عن الجسد المادي يتعدى الاحترام والتقدير إلى التقديس !! فنراه يطلب من مؤمني رومية أن يقدموا أجسادهم ذبيحة حية "مقدسة" مرضية عند الله (رو ۱۲: ۱) ولأهل كورنثوس يقول: "أن أجسادكم هي أعضاء المسيح.. أن جسدكم هو هيكل للروح القدس.. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله "(1كو6 : 15 ، 19 ، 20) وهل يمكن أن تكون أعضاء المسيح غير مقدسة ؟! أو هل يسكن الروح في هيكل غير مقدس ؟! وهل يمكن أن يتمجد الله في الجسد كما في الروح إلا إذا كان الجسد يتقدس تماما مثل الروح ؟! خلاصة القول أن الجسد المادي مقدر ومحترم وقابل للتقديس حتى يصير مسكناً للروح القدس وذبيحة مرضية أمام الله وسبب مجد لإلهنا وأداة بر في يد الله (روة : ۱۳).

أما المعنى الثاني لكلمة " الجسد" في كتابات الرسول بولس فهو:

جسد الخطية (رو6 : 6)

 وهو الإنسان العتيق الشرير الموجود بداخلنا ، ومن أشهر الأجزاء التي ورد بها هذا المعنى الإصحاحان السابع والثامن من رسالة رومية حيث نقرأ عنه هذه الصفات : "ليس فيه شيء صالح" ، "جسد هذا الموت " ، " خادم الخطية"، " اهتمامه موت وعداوة لله" ، "لا يستطيع أن يرضى الله" ... الخ

ومن الاختلاف - بل التناقض - الواضح بين الأوصاف التي استخدمها الرسول في وصف الجسد المادي وتلك المستخدمة في وصف جسد الخطية نتأكد أن الرسول يقصد أمرين مختلفين تماما ، فأحدهما يسكن فيه الروح القدس والآخر لا يسكن فيه شيء صالح، أحدهما ينبغي أن يتقدس ويقدم لله كذبيحة حية بينما الآخر ينبغي أن يموت ويصلب ، أحدهما آلات بر لله والآخر خادم للخطية ، أحدهما ينبغي الاهتمام به والآخر الاهتمام به عداوة لله ، إذا فالجسد المادي لا يمكن أن يكون هو جسد الخطية ، لكن للأسف كم من مؤمنين خلطوا بين المعنيين وعاشوا حياتهم في خصومة مع أجسادهم المادية ، واعتقدوا أن معركتهم هي مع اللحم والدم ، وغاب عنهم أن العدو الحقيقي أعمق من هذا بكثير!!

لماذا الجسد ؟

          والآن نسأل لماذا استخدم الرسول كلمة "الجسد" للتعبير عن هذا الكيان الساقط ؟ لماذا لم يستخدم كلمة أخرى تفاديا للخلط بينه وبين الجسد المادي ؟ والإجابة هي : أن هذا الكيان الشرير يمارس قوته وسطوته من خلال احتياجات ورغبات الجسد المادي، يسعى لتضخيم الأمور المادية ليجعل الإنسان يقضي كل حياته يلهث وراءها ، يحرص أن يظل الإنسان منكباً على شهواته منذ ميلاده وحتى موته، أي أن الجسد المادي هو الأداة التي يستخدمها جسد الخطية - في معظم الأحيان . لممارسة سلطانه على الإنسان ، حتى أننا نستطيع أن نميز سلطان جسد الخطية على إنسان ما من خلال اهتمامه الزائد باحتياجات جسده المادي، وبسبب هذا الارتباط بينهما قرر الرسول أن يستخدم كلمة واحدة للتعبير عنهما، كلمة واحدة تعبر عن الدافع الخفي والعمل الظاهر، عن القوة المحركة والأداة المستخدمة، مع ضرورة بقاء الفرق بينهما واضحا في ذهن و روح كل من الكاتب الملهم والقارئ المختبر !! وللحديث بقية .