السبت، 15 فبراير 2025

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (1)

بقلم فخري كرم

    إن القلم يتردد كثيرا قبل الخوض في الحديث عن شخص الروح القدس والقلب يخفق خشية وخشوعاً أمام سلطان شخصه العظيم المبارك، ويشعر الذهن بعجزه وقصوره إزاءاتساع مجده في الأرض والسماء، ومن أين لنا أن نفحص من هو فاحص لكل شيء حتى أعماق الله؟! وكيف نُلم بأبعاد من يحتوي الكون حكمة واقتداراً؟! ولكن احتياجنا إليه هو الذي يدفعنا للحديث عنه، وعوزنا الشديد هو الذي يحتم إن نلتمس طريقنا إلى محضره، فعندما تتدهور المستويات الروحية ويخيم ضباب الجهل وظلام الموت على النفوس الغالية، وتتشقق الأرض عطشًا ولوعة، فطبيعي إن نصرخ: أين منابع القوة والانتصار؟ أين ينابيع الماء الحي؟ أين الروح القدس؟! 

إنه هنا

    إنه موجود في وسط كنيسته منذ يوم الخمسين، مازال يعمل مُقدساً ومُجدداً، مازال يبنى كنيسة المسيح، إنه يعمل رغم كل الظلام والجهل والخطية، مازال أعلى من كل أعمال إبليس، ومازال أقوى من الموت الضارب أطنابه في كل أرجاء المسكونة. قد يتجاهله الإنسان أو يجهله، قد يقاومه أو يرفضه، لكنه سيبقى دائماً عاملاً، من خلف الستار أو من أمامه، رغم الظروف أو من خلالها، بهدوء الحمامة أو بحريق النار، لكنه مازال يعمل حتى يقدم للسماء عروساً مزيَّنة تليق بعريسها ملك المجد، الرب يسوع المسيح، هل لك نصيب في عمله الدائب هذا.

ما هو عمله؟ 

    لكي نميز عمل الروح القدس فينا ينبغي أن ننظر نظرة شاملة لعمل الاقانيم الإلهية الثلاثة تجاه الإنسان، فعمل الروح ليس منفصلا عن عمل الآب أو الابن، بل متكاملا معه: 

    إن الآب هو الله مصدر كل العطايا والمواهب، والابن هو الله الذي دفع ثمن هذه العطايا والمواهب حتى نستطيع نحن أن نتمتع بها، بينما الروح القدس هو الله الذي ينقلها من عرش النعمة إلي داخل قلوبنا وحياتنا اليومية نحن أبناء القرن العشرين. 

   إن الآب هو الله النار الآكلة الذي يبغض الخطية ويعاقبها، والابن هو الذي حمل الخطية عنَّا ودفع عقابها كاملا لكي تتاح لنا إمكانية الغفران والتبرير، بينما الروح القدس هو الذي يحمل هذا الغفران والتبرير إلى الضمير المعذب ويمنح اليقين القلبي في كفاية عمل المسيح الكفارى ، حتى أن الإنسان المتمتع بعمل الروح داخله يتمتع دائما بيقين الغفران ولا يخشى الاقتراب من محضر الله القدوس ليس لأنه متكبر بل لأنه مُبرر بدم المسيح ، والروح يستأنف عمله فينا بتقديس عملي ، بإماتة أعمال الجسد فينا حتى نصير أكثر فأكثر لائقين لشركة ميراث القديسين في النور . 

    إن الآب هو الله القدوس الذي لا يدخل إلى محضره إلا ما هو مقدس وطاهر، والابن هو الذي صنع لنا ـ بحياته وبموته ـ ثوب البر الذي نستطيع به أن ندخل إلى محضر الله القدوس، والروح القدوس هو " الترزي " المبارك الذي يصنع لكل واحد منا ثوب البر الخاص به الملائم لحياته وظروفه ومكانه في جسد المسيح، وهو الذي يخلع عنا أثواب برّنا البالية ويلبسنا ثوب بر المسيح مما يجعل كنيسة المسيح ذات جمال متنوع متكامل فريد. 

    إن الآب هو الله محبة، والابن المتجسد هو الذي أعلن لنا هذه المحبة وترجمها إلى عمل وحياة، والروح القدس هو الذي ينقلها إلينا في وسط مخاوفنا وضعفنا، بل هو الذي ينقلنا إليها رافعاً إيانا فوق خوفنا وضعفنا. 

    وهكذا نقول إجمالاً أنه إذا كان الآب هو الله غاية طريقنا، فالابن هو الله طريقنا، والروح القدس هو الله رفيق طريقنا وبهذا نرى إن الاقانيم الثلاثة تعمل لخيرنا في توافق تام، ولو نقصت شركتنا مع أي منهم لفقدنا الشيء الكثير، فبدون الآب ليس لنا غاية نصل إليها، وبدون الابن ليس لنا سبيل للوصول إلى غايتنا، وبدون الروح القدس ليست لنا القوة للسير في سبيلنا نحو الغاية (يتبع) .


الاثنين، 1 يوليو 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (72)

الخاتمة

بقلم: فخري كرم

حاولنا أن نتتَّبع الصور الرمزية التي اتخذها الوحى للدلالة على شخص روح اللَّه في الكتاب المقدس ، ووجدنا أنها سبع صور جميلة تعكس كل منها جانباً من جوانب شخصيته وعمله له المجد ، حتى أنه سُمى في سفر الرؤيا «سبعة أرواح اللَّه» إشارة لكمال وتنوع عمله الذي يعمله في العالم بشكل عام وفي حياتنا بشكل خاص ، فرأيناه روح الوداعة في صورة الحمامة التي نزلت على رب المجد في معموديته في بداية خدمته العلانية ، وروح القداسة الذي حلَّ كألسنة منقسمة من نار على التلاميذ في يوم الخمسين ، والروح مانح الحياة في صورة المياه التي تروى و تحيي وتفيض إلى حياة أبدية ، والروح غير الخاضع للفحص في صورة الريح التي تهب حيث تشاء ولا نستطيع أن نعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب ، ورأيناه الروح الذي يمسح ويكرِّس الخدام لعمل مشيئة اللَّه في صورة زيت المسحة المقدس ، وعرفناه روح التعزية والتشجيع في صورة الخمر الجيدة ، وأخيراً رأيناه روح المعرفة والإعلان الذي ينير أمامنا كل شيء حتى أعماق اللَّه وذلك في صورة العين والمصباح المنير.

وأمام هذه الحقائق التي رأيناها من كلمة اللَّه بخصوص روح اللَّه المبارك لا بد أن نَخلُصَ إلى الحقائق التالية:

شخصه وحده يكفي!!

إذا كان هذا الروح المبارك معنا فماذا يعوزنا بعد؟ هل يمكن أن يحتاج المؤمن إلى شيء أو شخص آخر يقوده في مسيرة الإيمان؟ عندما أتى الوقت کی يصعد رب المجد إلى السماء طلب من تلاميذه أن يمكثوا في أورشليم حتى ينالوا موعد الآب ألا وهو شخص الروح القدس، وأمرهم ألا يتحركوا من أماكنهم إلا بقوة حضور روح اللَّه. لم يترك لهم خططاً محددة للكرازة ولا أساليب معينة ينتهجونها في الوصول إلى العالم أجمع. لم يترك معهم سلاحاً ولا مالاً يواجهون به المستقبل المجهول، ولم تكن هناك سلطة دنيوية تحميهم ولا قوة بشرية تسندهم، تركهم في وسط عالم يبغضهم ومجتمع يرفضهم لا لشيء سوى لأنه رفض سيدهم من قبل، تركهم ليحبوا العالم الذي يبغضهم ويقبلوا المجتمع الذي يرفضهم!! وأمام جسامة هذه المسئولية الموضوعة عليهم لم يكن هناك إلا هذا المُعين الوحيد، في مواجهة العمل الخارق المطلوب منهم. لم يكن لهم إلا شخص الروح القدس رفيقاً، لم يترك رب المجد للكنيسة إلا شخص الروح ليكون المُرشد والمُعزي والمُغذّي والشفيع والمُعلم والمُعين والمُبكّت والمُطهّر، وشخصه وحده يكفي بلاشك!!

صانع القديسين!!

في كل العصور وعلى مدى التاريخ المقدس كان الروح القدس كافياً لحياة كل قديسي اللَّه، مَنْ جعل إبراهيم أباً للإيمان؟ أي معونة كانت لإبراهيم وهو يترك بيته وعشيرته ويرحل في الصحراء متوجهاً نحو المجهول، مَنْ كان عوضه عن الأهل والأرض، أليس هو روح التعزية والتشجيع؟ مَنْ جعله يرفع عينيه للسماء وأعطاه القدرة أن يرى المدينة التي لها الأساسات، أليس هو روح المعرفة والإعلان؟ لم يكن لإبراهيم سند بشري ولا مُعين إنساني في طريق الإيمان الذي سلكه، لم يكن له معلم يرشده ولا راعٍ يحفظه ولا صديق يؤنسه، كان روح اللَّه هو كل شيء بالنسبة له، وكان وحده يكفي ليصنع من إبراهيم مثلاً رائعاً للإيمان!!

أيَّة معونة كانت ليوسف وهو يُباع عبداً ويُساق أسيراً ويُهان سجيناً؟ مَنْ كان بجانبه يشدّده ويرتقي به فوق حائط الصعوبات، مّنْ أعطاه الغَلبة على روح البُغضة في إخوته، أليس هو روح الوداعة والمحبة والغفران؟ مَنْ أعطاه الغَلبة على روح النجاسة في امرأة فوطيفار، أليس روح النار والقداسة؟ مَنْ ثبَّت بمتانةٍ قوسه حتى انتصر أخيراً وخرج غالباً ليجلس على عرش مصر؟! إنه روح اللَّه وحده، وهو وحده يكفي ليصنع من يوسف مثالاً جميلاً للوداعة والقداسة المنتصرة!!

مَنْ كان مُعيناً لموسى وهو يتصدى وحده لقيادة شعب متمرد قاسي الرقاب؟ مَنْ أرشده في دروب مصر وشعاب البرية؟ مَنْ جعله كفواً لهذه المُهمّة الجسيمة وهو يُناهز الثمانين من العمر؟ من صاغ منه مثالاً للقائد الناجح مع اللَّه والناس؟ إنه وحده روح الحكمة والإرشاد.

ويعوزنا الوقت لو تكلمنا عن اليد الماهرة التي صنعت صموئيل وداود وسليمان وإيليا وإشعياء ...، كل هؤلاء لم تكن لهم أي معونة بشرية، بل كانت الظروف المحيطة بهم تكفي لتحطيم حياتهم، لكنهم أعطوا أنفسهم بالكامل لهذا الصانع الماهر ووثقوا في كفاية شخصه، ولقد صاغ من كل منهم جوهرة تلمع على مدى الأيام والعصور، لقد كان ومازال روح الله هو وحده صانع القديسين!!

شركاء الروح القدس!!

لكن لماذا لا نرى اليوم قديسين تلمع حياتهم بنفس هذا المجد؟ هل كفَّ الروح القدس عن صنع القديسين؟ حاشا، السبب للأسف هو أن وسائط المعونة أصبحت اليوم كثيرة وسهلة فلم تعد النفوس تتكل على شخص الروح وحده!! صار للروح القدس شركاء في قيادة حياتنا!! لم نعد نثق في كفاية شخصه لقيادة حياتنا بالكامل، أصبح المؤمنون اليوم يستقون تعليمهم من القادة دون الرجوع لروح اللَّه ويلجأون للناس طلباً للمعونة ولا ينتظرون معونة الله، لم تعد الكنيسة تتكل اليوم على شخص الروح كما كانت تتكل عليه في عصرها الأول، أصبحنا نختار الطرق البشرية السهلة للتعليم والتعزية ونتجنب طريق الاتكال على روح اللَّه وحده، وضعنا آخرين في مكان القيادة ونسينا أن الروح لا يقبل أن يكون له شريك في قيادة حياتنا، وكانت النتيجة هي هذا الفقر والجوع والتخبط الذي نعيش فيه!!

عفوا يا روح اللَّه!!

إذا كان هناك هدف من وراء كتابة هذا الكتاب فهو أن نعود بانكسار إلى شخص الروح ونقدم له اعتذارنا لأننا لم نعطه المكان اللائق به في حياتنا، ونبدأ ندرك أن شخصه المبارك فيه كل الكفاية لحياتنا، لن يعوزنا شيء إذا اتكلنا عليه بالكامل وانتظرنا عمله في حياتنا. دعونا ننزع أي آخر من مركز القيادة في حياتنا ونتوِّج روح اللَّه وحده قائداً للحياة، إنه «سبعة أرواح اللَّه» أي أنه وحده القادر أن يعمل إرادة اللَّه في حياتنا بشكل كامل لا ينقصه شيء، له المجد في الكنيسة إلى الأبد، آمين .

 

 

 

 

 

الخميس، 13 يونيو 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (71)

بقلم: فخري كرم

تكلمنا كثيراً عن الصورة السابعة والأخيرة من الصور الرمزية التي ذكرها الكتاب المقدس في آخر أسفاره عن شخص الروح القدس المبارك، ألا وهي صورة العين الثاقبة والمصباح المنير، فقلنا إنه ينير لنا مواضع العثرة في طريقنا لكي يجنّبنا مخاطر السقوط، سواء كانت العثرة تأتي من أنفسنا أو من الآخرين أو من الشيطان نفسه، كما أنه ينير لنا أعماق إلهنا ومشيئته حتى نفهمها ونتممها في حياتنا، وأيضا عرفنا أنه المنير والفاحص لأعماق كل إنسان في كل الأرض ولا يخفى عنه شيء، وأخيراً قلنا إنه ينير لنا معاملات الله معنا حتى نفهمها ونتجاوب معها، فالكثير من أعمال الله في حياتنا تبقى غير مفهومة ولا ملحوظة حتى يُسلّط روح الله نوره عليها ويفسّرها لنا، حينئذ فقط نخرُّ على وجوهنا وتخرج منا كلمات الشكر والتسبيح، وقلنا في هذا الصدد أنه ينير لنا معاملات الله أولا في الماضي، تلك الأحداث التي مرّت بنا دون أن نلاحظ فيها يد الله ونفهم قصده، واليوم نختتم حديثنا عن روح العين والمصباح بالقول إنه ثانيا ينير لنا معاملات الله في ما يلي:

(۲) في المستقبل!!

روح الله هو وحده الذي يعرف المستقبل ومن البدء يخبر بالآتيات (إش 42: 9) لأنه وحده يفحص أعماق الله ويعرف فكره ومشيئته تجاه المستقبل، وهو يلجأ كثيراً لإعلان هذه الأمور المستقبلة للمؤمنين لكي يتهيأوا لها ويشاركوا في تتميمها، والمؤمنون يستقبلون هذه الإعلانات من خلال موهبة النبوة، تلك الموهبة التي يعطيها الروح لشعب الرب حتى يستطيعوا إدراك فكر الله من جهة حياتهم في الحاضر أو المستقبل.

في العهد القديم

          كانت النبوة ركنا أساسياً في تكوين الشعب القديم، ولم يكن الشعب يستطيع الاستغناء عن الأنبياء العظام الذين كان الرب يقيمهم لينطقوا بفكره، كانت كلمات النبوة تنير للشعب واقعهم ومستقبلهم، وكثيراً ما أعلن الرب من خلال الأنبياء أحداث مستقبلة في حياة الشعب والشعوب المحيطة بهم، بل قلما تجد حدثاً في تاريخ الشعب لم يكن الرب قد أنبأ به من قبل على فم الأنبياء، وأكثر حدث تكلمت عنه النبوات كان مجيء المسيا المنتظر، حتى أننا نصاب بالذهول من كثرة ودقة التفاصيل التي ذكرها الأنبياء عن شخص المسيح الآتي!!

 

وفي العهد الجديد

قال رب المجد لتلاميذه عن روح الحق: « يُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ » (يو16 : 13)  ولقد أقام في الكنيسة «أنبياء» في المرتبة التالية بعد الرسل مباشرة (1كو 12 : 28 ، أف 4 : 11) ولقد أعطى الرسول بولس مكانة خاصة لموهبة النبوة في الكنيسة بل أمر المؤمنين أن يجدُّوا للتنبؤ (۱ كو 14 : 1 ، 39) مما يؤكد أن الروح يريد أن يخبر الكنيسة بأمور آتية من خلال أنبياء كما كان يفعل مع الشعب القديم، فالروح لم يتغير ومازال الله كما كان دائما يحب أن يخبر عبيده بكل شيء «إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لاَ يَصْنَعُ أَمْرًا إِلاَّ وَهُوَ يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ» (عا ۷:۳) بل إنه يحثهم على طلب هذا « هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ... اِسْأَلُونِي عَنِ الآتِيَاتِ! مِنْ جِهَةِ بَنِيَّ وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ يَدِي أَوْصُونِي» (إش 45: 11).

وفي الكنيسة الأولى نرى الروح يستخدم الأنبياء بكثرة للإخبار عن أمور آتيـة (أع 11: 27، 28، 21 : 9 -11) بل إنه أوحى بسفر نبوي كامل عن الأحداث الآتية على العالم وهو سفر الرؤيا .

الهدف من النبوة

 أول هدف هو شركة المحبة!! محبة الرب لعبيده تجعله يخبرهم بما يزمع فعله حتى تكون لهم شركة معه (تك 18: 17، يو 15: 15) والهدف الثاني هو لكي يكون لشعب الرب رؤية مستقبلية تمكنه من تحديد أولوياته وأهدافه التي تتفق مع ما يريده الرب، وبالتالي يصبح شعب الرب أداة فعَّالة في تتميم مشيئة الله في العالم.

إذاً ليس الهدف من النبوة هو إشباع فضول الإنسان لمعرفة المستقبل!! فالإنسان يشتهي دائماً أن يعرف ما تخبئه الأيام، ولذلك يلجأ للسحرة والعرافين والمنجّمين لعله يجد عندهم ما ينير ظلام أيامه، لكننا نعلم أن إلهنا وحده يعلم الآتيات لأنه هو صانعها، وهو يعلن لنا بعضها إذا رأي لذلك ضرورة وفائدة، لكنه لا يهتم أن يشبع فضولنا من جهة كل تفاصيل المستقبل ولا يريدنا أن نهتم نحن بتفاصيل قد جعلها في علمه وســـلطانه (مت 6: 25، أع 1: 7)

.. أين النبوة الآن؟!

يبدو يا للأسف أننا أهملنا هذا الجانب من عمل الروح في كنائسنا المعاصرة، أطفأنا موهبة النبوة ولم نعطها الاهتمام اللائق، وخرج علينا البعض بالقول إن هذه الموهبة قد انتهت منذ عصر الرسل والبعض الآخر أوهمنا أن النبوة هي نفسها الوعظ والتعليم!! ونتيجة لهذه الأفكار الخاطئة أهملنا النبوة في كنائسنا وكنيسة بلا نبوة هي كنيسة بلا رؤية مستقبلية، وبدون رؤية يجمع الشعب (أم ۱۸:۲۹) لذلك ليس غريبا أن نرى كم التنافر والتعارض في المسارات التي تسير فيها الكنائس المختلفة. هناك تخبط وعشوائية في كنائس وجمود وروتينية في كنائس أخرى، والسبب هو غياب الرؤية التي تعرف مشيئة الرب لبلادنا وكنائسنا في أيامنا القادمة. لو كانت لنا استنارة الروح من جهة المستقبل لصارت لنا وحدة الهدف، حتى لو تعددت المسارات!! ولصارت الفروق بين الكنائس مادة إثراء وليس إضعافا لها.

ليتنا إذاً نعود نهتم بهذا الجانب العملي من عمل الروح القدس في الكنيسة، دعونا نجدّ للتنبؤ، نسأل الله عن الآتيات، نطلب من الروح أن يرسم مساراً لأيامنا القادمة ويضع أمامنا هدفاً لحياتنا وغرضاً نسعى إليه، دعونا نوصى الرب من جهة بنيه وعمل يديه، وللحديث بقية.

 

الخميس، 30 مايو 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (70 )

بقلم: فخري كرم

قلنا إن روح المصباح المبارك ينير لنا مواضع العثرة في طريقنا لكيلا نعثر، وينير لنا أعماق إلهنا لكي ندخل في شركة معه، ويفحص أعماق كل إنسان في كل الأرض ولا يخفى عنه شيء، وأخيرا نقول إنه ينير لنا:

معاملات الله في حياتنا

الله له مشيئة في حياتنا وهو ينسجها طوال الوقت داخل تفاصيل حياتنا سواء شعرنا بهذا أم لا، هناك خيط ذهبي منسوج بمهارة في وسط خيوط حياتنا المتشابكة، خيط يمتد من بداية أيامنا وحتى نهايتها. إن أمور حياتنا وتفاصيلها الدقيقة وأحداثها التي قد تبدو لنا عشوائية في أحيان كثيرة إنما هي خاضعة لقصد سام وترتيب إلهي دقيق، لكننا للأسف كثيرا ما نخطئ في فهم هذه المعاملات الإلهية بل قد لا نراها أو نلاحظها أبدا!! الذهن البشري المحدود لا يستطيع بمفرده أن يميز هذه المعاملات، عيوننا الإنسانية القاصرة لا تستطيع أن ترى هذا الخيط الذهبي الممتد بطول حياتنا، فقط عندما يسلط روح المصباح المبارك نوره على حياتنا نستطيع أن نرى هذه المعاملات:

(1)         في الماضي

عندما يسلط روح الرب نوره على أحداث حياتنا الماضية نبدأ نرى فيها ما لم نكن نراه من قبل، نبدأ نلاحظ السيناريو الإلهي المبارك الذي صاغ تفاصيل حياتنا الماضية، نبدأ ننبهر بمدى الحكمة والدقة التي كانت وراء كل حدث في حياتنا، نبدأ نميز محبة الله ورحمته التي حفظتنا من أخطار كثيرة وفخاخ عديدة لم نكن نراها ولا نقوى على مواجهتها، أشياء كنا نظنها شرا سنراها خيراً عظيماً، وأحداث كنا نحزن لذكراها ستصير مصدراً للفرح والابتهاج، حقا ما أبعد الفرق بين رؤيتنا البشرية لحياتنا ورؤيتنا لها في ضوء الروح القدس واستنارته!!

الله قصد خيراً!!

النظرة البشرية لأحداث حياة يوسف ترى فيها شرا وظلماً فادحاً، التأمل فيها يثير الحيرة والحزن والألم، ولو رأي يوسف حياته الماضية بعينيه الإنسانية لسقط في بئر مظلم من مشاعر الألم والرثاء للنفس، بل والغضب والرغبة في الانتقام!! لكنه كان رجلا يرى الأمور بعيني الله، وفي ضوء روح الله استطاع أن يرى شيئا مختلفاً عما تراه العين البشرية، رأى أن إخوته قصدوا شراً لكن خلف الستار كانت هناك يد قديرة تنسج في وسط هذه الأحداث خيراً عظيماً. هذه الرؤية المباركة حفظت سلامه في وسط الأمواج العاتية المتقلبة، وحفظته فوق مشاعر الحقد والانتقام وجعلته يستطيع الغفران لإخوته ويقول لهم قوله المأثور «أنتم قصدتم لي شراً، أما الله فقصد به خيراً!! أي قصد تراه في حياتك الماضية؟ قصد الناس تستطيع أن تراه وتفهمه بعينيك البشرية أما قصد الله فلا تستطيع أن تراه إلا وأنت خاضع لاستنارة روح الله المبارك!!

أنت هو الرجل!!

نظر داود لأحداث قضية أوريا الحثي بنظرة إنسانية فلم يجد ما يدعو للانزعاج!! بل لعله رأي ما يبرر أفعاله أو على الأقل يلتمس له العذر فيها، فلم يستطع أن يقدم توبة حقيقية لمدة طويلة!! نظرته للأمور لم تدفعه للانكسار، بل لمحاولة التستر والإنكار. إنها النظرة البشرية الأنانية النجسة والنظرة التي لا تستطيع أن ترى إلا مصلحتها وتقيس كل الأمور بمقياس الذات الرديئة!! ولو ظل طوال عمره خاضعاً لهذه النظرة ما استطاع أن ينكسر أبدا، فنظرتنا الذاتية للأمور لا يمكن أن تدفعنا للانكسار أمام الرب!!

كان داود في حاجة لأن يرى الأحداث الماضية في حياته في نور الروح القدس وكان يحتاج أن يراها كما يراها الله. كان محتاجاً أن يخضع لنور المصباح الإلهي المبارك، وهذا كل ما فعله رجل الله ناثان، كان ناثان رجلا يرى الأحداث كما يراها الله، ولقد استطاع بحكمة وقيادة الروح أن يقود داود ليرى الأمور بعيني الله فحكى له السيناريو الحقيقي للأحداث كما يراها الله وليس كما يراها داود، وما أعظم الفرق!! في نور الروح استطاع داود أن يرى بشاعة فعله حتى أنه أصدر حكماً بالموت على نفسه دون أن يدري!! إلى هذا الحد كانت النظرة البشرية قد خدرت ضميره حتى أنه لم يلحظ من البداية أن ناثان يتكلم عنه شخصياً!! لكن عندما سلط النبي نور المصباح في وجهه قائلا «أنت هو الرجل» بدأ يبصر الحقيقة ويراها لأول مرة!! وهذه الرؤية الإلهية قادته للانكسار والاعتراف والتوبة. إن رؤيتنا لأخطائنا في نور الروح القدس هي وحدها القادرة أن تدفعنا للتوبة والانكسار أمام الرب!!

من بطن أمي!!

          كان بولس يعتقد أن حياته سارت بشكل طبيعي مثل كل البشر وكان يظن أنه هو الذي اختار لنفسه طريقه وصنع بإرادته خطواته، حتى جاء يوم مبارك تواجه فيه مع نور الرب الساطع فسقط تحت سلطان هذا النور، وقام وقد أدرك أنه لم يكن يرى أي شيء بشكل صحيح وفهم أن عينيه مغطاة بالقشور وأنه يحتاج أن ينير الرب عينيه لكي يبصر الأشياء بشكل صحيح، وعندما سقطت القشور استطاع أن يرى كل أحداث حياته الماضية كان يحكمها قصد سماوي مبارك واكتشف لدهشته أن مشيئة إلهية كانت تقود خطواته من خلف الستار، ليس من وقت لقائه بالرب على أبواب دمشق بل من بطن أمه (غل 1 : 15)!! وهذه الرؤية المباركة دفعته لأن يكرس كل حياته لتتميم هذا القصد الرائع والمشيئة الصالحة، الرؤية الحقيقية وحدها تصنع تكريساً حقيقياً!! وللحديث بقية.

 

الخميس، 18 أبريل 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (69)

بقلم: فخري كرم

قلنا إن رمز المصباح والعين يشير إلى شخص الروح القدس في عمله كروح المعرفة والإعلان الذي يكشف وينير كل شيء ولا يخفى عنه شيء وهو الذي نحتاج إليه لكي يكشف أمامنا مواضع العثرة فلا نعثر في طريقنا، سواء أتت العثرة من أنفسنا أو من الآخرين أو من إبليس، كما نحتاج إليه أيضا لكي يكشف أمامنا أعماق الله حتى نستطيع أن نعرف شخصه ونتجاوب مع مشيئته، واليوم نضيف أن هذا الرمز أيضا يشير إلى عمل الروح باعتبار ما يلي:

مراقب كل الأرض

«ليست خليقة غير ظاهرة قدام إلهنا، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذاك الذي معه أمرنا» (عب 4: 13) الله يعرف كل ما يدور في الأرض ويراقب كل تصورات قلوب البشر، والمسؤول عن هذه المعرفة هو روح العين المبارك كما نقرأ عنه في (رؤ 6:5) «سبع أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة

إلى كل الأرض» وفي (زك 4: 10) «إنما هي أعين الرب الجائلة في الأرض كلها» وفي (۲ أي 16: 9) يقول حناني الرائي «لأن عيني الرب تجولان في كل الأرض ليتشدد مع الذين قلوبهم كاملة نحوه».

الأسفار!!

 روح الله يراقب ويفحص قلوب وأفكار البشر ويدون كل ما يراه في «أسفار»!! لا يوجد شيء في حياة الناس إلا وهو معروف و محفوظ أمام الله، وقريبا سيأتي يوم الدين الذي تفتح فيه هذه الأسفار ويدان البشر مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم (رؤ 20 : 12) من لم توجد أسماؤهم في « سفر الحياة » سيدانون بما هو في الأسفار بحسب أعمالهم، والمقصود بأعمالهم ليس فقط الأعمال الخارجية الظاهرة بل أيضا الكلمات والأفكار السرية التي ظلت حبيسة الأعماق الخفية!! قال عن هذا رب المجد « إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا يوم الدين» (مت 12 : 36) والرسول بولس يؤكد أن الرب في هذا اليوم سيدين « سرائر» الناس أي أفكارهم ورغباتهم التي ظلت سراً في أعماقهم (رؤ 2 : 16) ويقول حكيم الأجيال « افرح أيها الشاب في حداثتك وليسرك قلبك في أيام شبابك وأسلك في طرق قلبك وبمرأى عينيك واعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة، لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفي إن كان خيرا أو شرا» (جا 11 : 9 ـ 14) . ليت الأشرار يعرفون هذه الحقيقة المرعبة منذ الآن لكي يهربوا إلى المسيح فلا يستطيع أن يمحو ما قد كتب في «الأسفار» إلا دم المسيح!!

والمؤمنون أيضا

المؤمنون أيضا يحتاجون لمعرفة هذا الحق، فمعرفة الله لأعمال البشر وتدوينها ومحاسبتها ليست قاصرة على أعمال الأشرار فقط بل أيضا المؤمنين، وإن كان الأشرار تدون أعمالهم في «الأسفار» التي ستفتح أمام العرش الأبيض العظيم فأعمال المؤمنين أيضا ستمتحن بنار أمام كرسي المسيح قبيل عشاء العرس العظيم، يقول الرسول «عمل كل واحد سيصير ظاهراً لأن اليوم سيبينه، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو» (1كو ۱۳:۳) وإن كان إظهار أعمال الأشرار هو دليل وصك دينونتهم فإظهار أعمال المؤمنين هو لتحديد مكانهم ومكانتهم في المجد (لو19 : 17) . كل عمل في حياتنا ليس بحسب إرادة إلهنا ستلتهمه النار وسنخسره!!

سبب الضلال

إن سبب أي ضعف أو خطية أو ضلال في حياة المؤمنين هو غياب هذا الحق الثمين عن أذهانهم. عندما يسمح المؤمن بخطية تسكن مخادع نفسه فهو لا يدرك أن الرب يراه، قد يعترف باللسان بهذا الحق لكن يبقى لسان حال أعماقه هو ما قاله شيوخ بيت إسرائيل قديماً «الرب لا يرانا!! الرب قد ترك الأرض» (حز8: 12)

وأصل القداسة!!

إن هذا الحق الثمين هو أصل لكل قداسة يمكن أن توجد في حياتنا، لو كنا نسير كل أيامنا وبداخلنا يقين أن الرب يراقب أعماقنا فلن نسمح لفكر رديء أن يتسلل إلى أذهاننا أو تصور قبيح أن يسكن في أعماقنا أو هدف شرير أن يتكون في إرادتنا!! لو عشنا ساعات يومنا في ضوء «كرسي المسيح» حيث كل شيء يمتحن بنار فلن نسمح بالوجود في حياتنا إلا للذهب والفضة والحجارة الكريمة!!

هذا الحق الثمين كفيل بأن يجعل قداستنا هي قداسة السر وليس فقط العلن، إدراكنا أن روح الله يراقب أعماقنا سيجعلنا نهتم بأن تكون أعماقنا مقدسة ومرضية أمامه، وعندما أدرك المرنم قديما أن الرب يعرف مسلكه ومربضه ويفحص جلوسه وقيامه، بل إنه يعرف الكلمة وهي بعد في لسانه والفكرة وهي بعيدة في أعماقه، كان رد فعله الطبيعي أن يقول «اختبرني يا الله واعرف قلبي، امتحني واعرف أفكاري، وانظر إن كان في طريق باطل واهدني طريقاً أبدية» (مز 139: 23).

أحيانا نهتم بالظاهر أكثر من الباطن لأننا نخشى دينونة الناس أكثر من دينونة الله!! نهتم بأن نكسي أنفسنا بثياب جميلة يرضى عنها الناس لكيلا يروا قبح أعماقنا المستترة، وننسى أن كل شيء «عريان» أمام عيني إلهنا!! الناس تنظر إلى العينين أما الرب فينظر إلى القلب، وقلوبنا عريانة أمامه لا يسترها شيء، فدعونا إذا نهتم بقداسة القلوب (يتبع).

 

السبت، 13 أبريل 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (68)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الله لم يره أحد قط ولا نستطيع أن نعرفه إلا بمعونة «روح الحكمة والإعلان» (أف ۱۸:۱) روح العين والمصباح المبارك الذي يعلن لنا أمور الله وطبيعته حتى نستطيع التعامل مع إلهنا والدخول في شركة حقيقية معه، ولقد استخدم الرب نفس كلمة « إعلان » بخصوص معرفة الله عندما قال «لا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له» (مت 11 : 27) لكن دعونا نتساءل:

ما معنى الإعلان ؟

          الإعلان هو المعرفة التي تأتي إلينا من مصدر أعلى منا وليس نتيجة قدرة في أذهاننا، أحيانا يأتي كلمعان البرق المفاجيء يبرق في أذهاننا علي غير توقع أو انتظار، وأحيانا أخرى يكون تدريجيا كأشعة الفجر التي تشرق وتزداد وتتسلل برفق إلى داخلنا مصحوبة بفهم عميق ومريح للنفس، لكنه في كل الأحوال استنارة تضيء أعماقنا فنرى أموراً ما كنا نستطيع أن نراها بأنفسنا، استنارة ذات سلطان على حياتنا تغير سلوكنا ومنهجنا في الحياة، استنارة تعطى لعلاقتنا بالله بعداً جديداً وعميقاً، وفي كل الأحوال يدرك الإنسان أن لا يد له في هذا الإعلان المبارك، وأنه لو بذل أقصى مجهود في ذهنه ما استطاع أن يفهم هذا الفهم، إنه نعمة خالصة وهبة إلهية ثمينة!!

لماذا الإعلان ؟

إننا نحتاج لروح الحكمة والإعلان في معرفة الله لأن ذهننا البشري المحدود لا يمكنه أن يدرك الله أو يفهم أموره بشكل كامل من تلقاء نفسه، الذهن البشري المخلوق قادر على فهم أمور الخليقة التي على نفس مستواه أو أقل منه، وبما أن الإنسان هو تاج خليفة الله و أرقى مخلوق على هذه الأرض لذلك فذهنه قادر على فهم أمور هذا العالم المنظور، ولقد استطاع بالفعل أن يدرك الكثير من أمور الخليقة المحيطة به ويسخرها لخدمته، أما أمور الله الخالق فهي أعلى من مستوى الذهن البشري المخلوق ولذلك لا يستطيع فهمها بنفسه، يقول الكتاب: «ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء، لأن من عرف فكر الرب أو صار له مشيرة؟» (رو 11 : 33 ، 34) والمرنم أدرك هذه الحقيقة قديماً فأنشد: «عجيبة هذه المعرفة؛ فوقي ارتفعت، لا أستطيعها !! عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقينا» (مز 139 : 6 ، 14)

حدود المعرفة الذهنية

 المعرفة الذهنية محدودة بأرض الواقع المنظور، فالذهن البشرى يستطيع أن يتأمل في عظمة أعمال الله بعدما تتحقق في هذا العالم المنظور، يستطيع أن يمعن فيها التفكير بعدما تصبح جزءاً من نسيج الواقع الإنساني، يستطيع أن يحفظ كلمات الله التي قيلت قديماً بعدما دونت من خلال عقول وأيدى إنسانية، يستطيع إذا تأمل في روعة الخليقة أن يستنتج عظمة قدرة الله السرمدية ولاهوته (رو1 : 20) وإذا تأمل في أعمال الله في تاريخ الشعوب السابقة يفهم عظمته ويهتف بمجده (مز 66) وإذا جاءه خبر ما فعله الرب بالأشرار قديماً يجزع ويخاف (حب 3 : 2) لكن هذه المعرفة ستبقى معرفة ذهنية ناقصة ومتأخرة:

* ذهنية أي أنها وحدها وبدون عمل روح الإعلان لا تستطيع أن تقود الإنسان إلى معرفة روحية حقيقية بالله، والدليل هو ملايين النفوس التي ترى روعة الخليقة كل يوم ولا تمجد الله، وآلاف النفوس التي تعرف قصص التاريخ المقدس ومع ذلك لا تتوب، وآلاف النفوس التي قرأت المكتوب بصورة خاطئة وابتدعت بدعاً وهرطقات مهلكة!! إننا لا نستطيع أن نعتمد على المعرفة الذهنية فقط في فهم المكتوب بل لابد أن تكون مصحوبة بروح الإعلان الذي ينقل المكتوب بمعناه النقي وسلطانه الإلهي إلى أعماقنا.

* كما أنها ناقصة لأننا لا نستطيع دائما أن نعرف كل صفات الله بمجرد رؤية أعماله، فكم من مرة تكون الأعمال غير معبرة عن حقيقة قصد الله!! فكم من أعمال تبدو قاسية كان الدافع وراءها هو المحبة، مثل الأحداث التي مر بها يوسف وأيوب، فمن يستطيع وهو يراقب ما كان يحدث معهما أن يتوقع الخير؟ لولا أننا نقرأ قصتهما بعد نهايتها وظهور القصد الإلهي المجيد ما كنا قد فهمنا معاملات الله معهما، وهذا ما نقصده بأنها أيضا معرفة:

* متأخرة أي أن الذهن لا يفهم أحكام الله إلا بعد أن تصدر وتنفذ في أرض الواقع وتصبح ماضي يمكننا أن نقرأ عنه ونتأمل فيه ونستخلص منه الدروس، أي بعد فوات أوان التجاوب معها والمشاركة فيها. لو كنا لا نمتلك إلا المعرفة الذهنية فلن يفهم مقاصد الله تجاه جيلنا إلا الجيل الآتي بعدنا !! أي بعدما يصلهم خبر ما حدث معنا فإنهم يفهمون مقاصد الله الصالحة نحونا، لكني أعتقد أن الوقت حينئذ سيكون متأخراً جدا بالنسبة لنا للاستفادة من هذه المعرفة!! روح الإعلان وحده يستطيع أن يعلن لأعماقنا مقاصد إلهنا وهي بعد في طور التنفيذ ولم تظهر بعد للعيان، وحده يستطيع أن يكشف لنا إرادة الله نحونا والفرصة مازالت بعد سانحة للتجاوب معها ، ذلك لأنه وحده

يعرف أعماق الله

الروح القدس وحده هو الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله ( 1كو 2 : 10) لذلك هو وحده يستطيع أن يدخل بنا إلى تلك الأعماق. إذا كنا نريد شركة حقيقية مع الله، إذا كنا نريد أن نفهم مقاصده من نحونا ، إذا كنا نشتاق أن نشاركه في تتميم مشيئته في جيلنا، فدعونا إذا نفسح المجال في أعماقنا لروح الحكمة والإعلان، دعونا لا نكتفي بمعرفة ناقصة في أذهاننا بل نطلب إعلاناً منيراً في أعماقنا يغير حياتنا وينقلها لعمق الشركة الحية مع إلهنا، وللحديث بقية.

 

الاثنين، 8 أبريل 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (67)

بقلم : فخري كرم

قلنا إننا نحتاج إلى روح المصباح المبارك لكى ينير الطريق أمامنا لكي لا نعثر ، سواء جاءت العثرة من داخلنا أو من الآخرين أو من إبليس ، فالمؤمن لا يستطيع أن يسير خطوة واحدة في متاهات هذه الحياة بدون أن يكون له نور الحياة ، واليوم نضيف أننا نحتاج إلى روح المصباح لأجل هدف آخر ألا وهو :

معرفة الله وأموره ( أف ا: ۱۷- 23)

الروح لا ينير لنا فقط طريقنا أثناء سيرنا في هذه الأرض لكنه يسمو بنا لينير لنا طريقنا أثناء شركتنا مع إلهنا في السماويات ، لقد صلى الرسول بولس من أجل المؤمنين في أفسس لكي يعطيهم الله روح الحكمة والإعلان في معرفته حتى تستنير عيون أذهانهم ليعلموا أمور الله العظمى والثمينة الموهوبة لهم ، أي أننا لا نستطيع أن نعرف الله نفسه أو أموره إلا بمعونة روح « الحكمة و الإعلان» الذي هو روح المصباح الذي نتحدث عنه، إنه « ينير » عيون أذهاننا فنرى إلهنا ونعرف مشيئته نحونا وعطاياه الممنوحة لنا في شخص المسيح .

الكثير من المؤمنين تظل شركتهم مع الله مقيدة في حدود لا تتخطاها ، ورغم مرور السنين تظل علاقتهم بالرب أسيرة المفاهيم الأولى و المعرفة البدائية التي ابتدأوا بها حياتهم الروحية ، إن معرفتهم لإلههم لا تتعدى معرفة الطفل الصغير لأبيه ، معرفة ساذجة محدودة بالمصالح والاحتياجات ولا ترتقي أبدأ لتواصل حقيقي وشركة عميقة وعطاء متبادل ، حياتهم تظل فقيرة وجافة لأن البركات الأولى لم تعد تكفيهم وعيونهم مغلقة عن البركات العميقة التي ينبغي السعى لامتلاكها ، والسبب هو عدم إعطاء روح الحكمة والإعلان الفرصة لكى ينير عيون أذهانهم ويفتح الآفاق الروحية الرحيبة أمامهم .

الله لم يره أحد قط

معرفة الله لم تكن متاحة للإنسان قديماً ، فبعد السقوط فقد الإنسان فرصة التقدم في معرفة الله ، وصارت الخطية فاصلة بيننا وبين إلهنا حتى لا نراه ولا نعرفه ، الفساد الذي أصاب طبيعتنا خلق فجوة لا يمكن عبورها بيننا وبين الطبيعة الإلهية ، وظل الحال هكذا حتى جاء الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب وخبر ، لم يكن الخبر بالكلام فقط لكن أيضا بالتجسد !! لقد «ظهر» الله في الجسد ، أعلن لنا ذاته في شخص المسيح ، وهذا الإعلان لم يكن ممكناً إلا لأن الرب قدم نفسه ذبيحة لكي يرفع الخطيه الفاصله بيننا و بين إلهنا ، لو لم تنل العداله الإلهية حقها ما كان ممكنا أن يعلن الله ذاته لنا .

دور روح الإعلان

لقد أعلن الرب يسوع المسيح إعلاناً كاملاً عن الله في قلب التاريخ البشري ، عندما جاء له المجد في ملء الزمان وجال بين الناس كان يحمل في داخله صورة الله غير المنظور ورسم جوهره ، لكن هذا لا يكفي وحده لكي نعرف نحن الله !! لكي ينتقل هذا الإعلان إلى أعماقنا و تنفتح عيوننا فتراه وتعرفه نحن نحتاج إلى روح «الحكمة والإعلان»!! روح الله يهيئ للإعلان مكانا بداخلنا ثم ينقل هذا الإعلان ليصبح حقيقة في أعماقنا ، يطهرنا من أفكارنا القديمة ثم يزرع أفكار الله ، يغسلنا من رؤيتنا القديمة لله ثم يعطينا الرؤية السليمة لجلاله ، ينتزع من ثنايا مشاعرنا الأحاسيس الجسدية التي تقيس كل شيء بمقياس الجسد ويغرس مشاعر مقدسة تعرف كيف تقيس الأشياء بمقياس الله .

لا معرفة حقيقية بدون إعلان

أي أنه لا يكفي أن نعرف أقوال الرب يسوع أو ندرس حياته لكي نعرف الله ، المعرفة الذهنية لأقوال وحياة الرب لا تغرس معرفة روحية في الأعماق ولا تغير الحياة ، الإعلان الذي أتى به الرب لم يكن فكرة جديدة عن الله حتى نستقبله بأذهاننا بل كان «روحاً وحياة»، لذلك لا نستطيع استقباله إلا بالروح القدس. كثيرون في أيامنا لديهم معرفة ذهنية كبيرة لأقوال الكتاب لكن حياتهم منطفئة وشركتهم مع الله منعدمة ، أقوالهم رائعة لكن سلوكهم معيب !! وهؤلاء يسببون العثرة للبسطاء الذين تخدعهم الكلمات وتؤثر فيهم المظاهر، لكن المؤمن الناضج يعلم أن معرفة الكلمات شيء وقبول الإعلان شيء آخر ، إننا لا نستطيع أن نستغني عن عمل روح الإعلان لكي يحول حياة الرب وكلماته التي قالها منذ ألفي عام إلى قوة تسري في أعماقنا واستنارة تضيء أعيننا و حياة تفيض في كياننا وعمق جديد في معرفتنا لله وشركتنا معه ، حتى التلاميذ الذين اقتربوا من الرب بالجسد وعاشوا معه وسمعوا الكلام من فمه مباشرة لم يتحول هذا الكلام إلى إعلان حى في حياتهم إلا بعد حلول روح الإعلان في داخلهم يوم الخمسين ، فتحول خوفهم إلى قوة وحزنهم إلى فرح وانطفاء شهادتهم إلى لمعان ، وللحديث بقية .