السبت، 3 مارس 2012


الاسم العجيب (56)
قلنا أنه مع احتفاظ سيدنا بوضعية ومقام الابن الأزلي إلا أنه أخذ في ملء الزمان «صورة عبد» ليضيف إلى ألقابه لقباً جديداً هو لقب «عبد الرب»، وليسير على أرضنا كالعبد الكامل مُعطياً لنا قدوة ومثالاً لكل مَن يريد أن يكون عبداً لله، فالعبودية لله شرف لا يدانيه أي شرف على هذه الأرض، وإن كنا لا نستطيع أن نتبع سيدنا في خفايا وأسرار علاقته الأزلية بالآب كالابن الأزلي إلا أننا بلا شك نستطيع أن نتبعه في طريق عبوديته الكاملة لله كالعبد الكامل، فهو الذي ترك لنا مثالاً لكي نتبع خطواته المباركة في دروب تواضعه وطاعته الكاملة لمشيئة الآب حتى الموت موت الصليب.
ودعونا الآن ندرس صفات العبد لنرى كيف أنها وصلت إلى كمالها في حياة ربنا المعبود:
(أولاً) العبد لا يعمل مشيئته الخاصة بل مشيئة سيده
كل إنسان منا يملك الحق في أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء، لأننا أتينا في زمان ومكان يعطي للإنسان ولو الحد الأدنى من حقه في الحرية والحياة، لذلك أنا أثق أن أحداً منا لم يختبر معنى «العبودية» في حياته، وأخشى أن تكون صفة «عبد» بعيدة عن إدراكنا، فحياة العبد قاسية إلى درجة تفوق تصورنا، وأول أوجه قسوتها أن العبد لا يملك ترف أن يعمل مشيئته، إنه يعيش لكي يفعل مشيئة شخص آخر هو سيده الذي يمتلكه، فالعبد محروم من أبسط أوجه الحرية وهو أن تكون له إرادة حرة، وإن جرَّدت الإنسان من إرادته الحرة فأنت تجرِّده من أهم صفاته المُميِّزة كإنسان، لذلك نحن نتعجب عندما نجد سيدنا يُخلي نفسه من أمجاد كونه ابناً ويختار أن يكون عبداً ويعيش هذه العبودية إلى كمالها!!
العبد لا ينبغي أن يكون له فكره الخاص في سائر الأمور بل ينبغي أن يتبنَّى دائماً فكر سيده، العبد لا ينبغي أن تكون له مشاعره الخاصة بل ينبغي دائماً أن يشعر بمشاعر سيده، العبد ليس من حقه أن يقضي وقته كما يشاء بل كما يخطط له سيده، العبد لا يأكل ويشرب ويستريح حين يحتاج لهذا بل حين يسمح له سيده، بالاختصار نقول أن العبد لا يفعل قط مشيئته الخاصة بل مشيئة سيده.
والعبد لا يخضع لمشيئة سيده فقط فيما «يفعل» بل أيضاً فيما «يكون»!! فالعبد «يكون» في الحالة التي يريد السيد أن يراه عليها، فإذا أراده السيد «محارباً» ينبغي أن يكون محارباً بكل شدة وصلابة المُحارب، وإذا أراده السيد «راعياً» فلابد أن يتحلَّى بكل رقة وصبر الرعاة، ولو احتاجه في يوم مزارعاً فلابد أن يكون مُتقناً لأصول وفنون الزراعة، ولو أراد السيد أن يتكلم فلابد أن يكون العبد مُستمعاً جيداً، ولو أحب السيد يوماً أن يأكل من عمل يدي عبده فلابد أن يكون العبد طباخاً ماهراً!!
فالعبد ليس من حقه أن يختار ما «يفعل» ولا ما «يكون»!! فالعبودية لا تنطبق فقط على الأعمال الخارجية بل على صميم مشاعره ومواقفه الداخلية، فالعبد مُشترى ومُمتلك بالكامل نفساً وجسداً، مُكرَّسٌ في كل حياته لأن «يكون» في الوضع الذي يريده سيده و«يفعل» ما يأمره به، فالعبد يستيقظ في كل صباح وهو لا يعلم الوضع الذي سيكون عليه في يومه الجديد ولا الأعمال التي سيعملها، إنه في حالة انتظار دائم لأن يعرف مشيئة سيده ويعملها، أن عيونه دائماً نحو أيدي سيده لكي يفعل ما يشير به.
ما أصعب حياة العبودية إذاً وما أقساها، وما أعجب سيدي الذي اختار طوعاً أن يحياها!! إن التاريخ لم يشهد إلا أعداداً قليلة من الذين استطاعوا أن يكونوا عبيداً لله، ولكنهم على قلتهم غيِّروا مجرى التاريخ البشري حتى وإن كان النقص دائماً يشوب رسالتهم، وعلى رأسهم جميعاً أتى سيدي ليكون عبد يهوه الكامل، والذي سنحاول بكل خشوع أن نتتبع خطواته ونرى كيف انطبقت في حياته كل صفات العبد بكمال وروعة!! (يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق