الثلاثاء، 21 أغسطس 2012


الاسم العجيب (60)
فخرى كرم
كان ربنا المبارك عبداً لله في كل أيام حياته منذ ميلاده وحتى عودته إلى السماء، ورأينا في المرة السابقة أنه كان عبداً لمشيئة الله العامة طوال الثلاثين سنة الأولى من عمره، في صباه وشبابه المبكِّر كان منحصراً في أن يعرف مشيئة الله المدونة في الناموس ويتممها، ورأيناه في حادثة الهيكل وهو جالس وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم فيما لأبيه، واليوم نريد أن نتأمل قليلاً في حادثة أخرى تظهر لنا ذات الحقيقة:
(2) «اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمِّل كل بر» (مت3: 15)
أرسل الله يوحنا المعمدان برسالة التوبة للشعب لكي يعدهم لمجيء المسيح، وتجسيداً للتوبة القلبية كان التائب يقبل معمودية الماء من يد يوحنا، إشارة لدفن الإنسان القديم بخطاياه في الماء وخروج إنسان جديد لحياة التوبة والصلاح، وبهذا المفهوم كان ربنا يسوع المسيح هو الإنسان الوحيد الذي لا يحق له أن يعتمد لأنه قدوس بلا خطية، ليس عنده خطايا يتوب عنها وينزل بها إلى الماء ليدفنها لأنه عاش حياته كلها يتمم مشيئة الله التي أخذها من فم معلمي الناموس في أيامه.
ومع ذلك رآه يوحنا المعمدان يوماً يتقدم إليه ويطلب منه أن يعمِّده!! ولأن يوحنا كان يعرف الحقيقة لم يسمح له بالمعمودية وقال «أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليَّ؟!!» يوحنا نفسه كان يشعر بأنه يحتاج إلى المعمودية، رغم كونه نبياً وأعظم من نبي بل أعظم المولودين من النساء إلا أنه يحتاج إلى التوبة!! في كل يوم يشعر أن هناك أشياء يريد أن يتركها وأعمالاً يتمنى ألا يعود يعملها، أنه مثل كل رجال الله الأتقياء في كل زمان ومكان يريدون أن يتطهروا باستمرار ويزدادوا نقاءً في كل يوم، وفي المقابل يدرك يوحنا أن يسوع ليس من هذا القبيل، أنه لم يفعل قط شيئاً ليس في محله ولا يستطيع أحد أن يبكته على خطية، فلماذا إذاً يريد أن يعتمد؟!!
وهنا أجابه يسوع بالقول الذي يكشف لنا المنهاج الذي عاش به طوال حياته: «اسمح الآن، لأنه يليق بنا أن نكمِّل كل بر»!! إنه لا يطلب المعمودية لأنه يحتاج إليها لكن لأنه يريد أن يكمِّل كل ما يطلبه الله من الإنسان، لقد تمم كل ما قاله الله في الناموس وهاهو يريد الآن أن يتمم آخر ما طلبه الله من الإنسان في العهد القديم، إن ما يحكم تصرفاته ليس احتياجه بل مشيئة أبيه، لأن العبد لا يعمل ما «يحتاج» إليه بل ما يأمر به سيده، وبما أن يسوع كان يعرف أن معمودية يوحنا آتية من السماء أي بأمر من الله فكان لابد أن يطيع هذا الأمر حتى وإن كان لا «يحتاج» إليه!!
إننا عادة لا نفهم هذا المنهاج الذي عاش به ربنا ونختلف تماماً في سلوكنا عن سلوك هذا العبد الكامل، إننا غالباً نفعل ما «نريد» أن نفعله أو على الأقل ما «نحتاج» أن نفعله، وقد نفعل مشيئة الله إذا توافقت مع ما «نريد» أو ما «نحتاج»، لكننا نجد صعوبة بالغة في الخضوع لما «يأمر» به الله إذا كان لا يتوافق مع ما نريد أو ما نحتاج!!
ولهذا السبب كان لابد أن تنفتح له السماء وهو خارج من المعمودية ويرى روح الله نازلاً عليه مثل حمامة ويسمع صوتاً من السموات قائلاً «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت»!! لماذا نطق الآب بهذا الإعلان في وقت معمودية يسوع بالذات؟! لسببين: (1) لئلا يعتقد الشعب الواقف أن مادام يسوع يعتمد إذاً هو خاطئ مثلهم يحتاج إلى التوبة، حاشا، لذلك كان لابد أن يعلن الآب للجميع أن معمودية هذا الإنسان بالذات ليست للتوبة عن خطية بل لإدخال السرور لقلب الآب!! (2) كان يسوع بهذه المعمودية يكمل آخر وصية لله في العهد القديم وكان لابد أن ينال عندئذ الشهادة السماوية أنه قد أرضى الله وأكمل كل وصاياه العامة تمهيداً لانتقاله بعدئذ للمشيئة الخاصة في بقية أيام حياته، له كل المجد، وللحديث بقية (يتبع)     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق