الأوقات والأزمنة
(7)
فخرى كرم
«كنت معكم كل يوم في
الهيكل لم تمدوا عليَّ
الأيادي ولكن هذه
ساعتكم وسلطان الظلمة»(لو22: 53)
كان
يسوع يعرف أن لكل شيء في حياته وقت، وأن لكل عمل ساعة محددة في مشيئة الآب، ومعرفته
هذه جعلته يعمل كل أموره «للوقت» بحسب التعبير الشائع في الأناجيل، أي في الوقت
المناسب والمتوافق مع توقيت الآب، ومعرفته هذه جعلته يمسك بزمام الأمور ويتحكم في
الأحداث ويتصرف بالفعل وليس رد الفعل!!
عدم
معرفتنا بالأوقات والأزمنة يجعلنا غير قادرين على توقع الأحداث وبالتالي غير
قادرين على التحكم في ردود أفعالنا، مما يجعلنا دائماً في حالة «مفاجأة» وانزعاج
مما يحدث حولنا، وهذه الحالة تفقدنا القدرة على التحكم في مجريات الأحداث بل نصير
محمولين بها إلى حيث لا نريد، وفي هذه الأوقات نحن نتصرف برد الفعل وليس بالفعل!!
والدليل الأكبر على هذه الحقيقة هو اجتياز ربنا
لأحداث الصليب، إن أي إنسان عادي يتعرض لنفس ما تعرض له يسوع من غدر وخيانة وظلم في
الساعات القليلة التي تسبق الصليب لابد أن يفقد اتزانه النفسي ويصاب بالانهيار
العصبي والذهني، لابد أن تصدر منه تصرفات غير محسوبة وردود أفعال طائشة، لكن ما
أعجب ما رأينا من الرب في تلك الساعات، رأيناه رابط الجأش يتحكم في مجرى الأحداث،
يتصرف بثقة وثبات جعلت أعداءه يسقطون أمامه، رأيناه مرفوع الرأس في مواجهة حسد
وخبث رؤساء الكهنة وظلم وقسوة الملوك وعربدة العسكر والعبيد، رأيناه يغمس اللقمة
ويقدمها بحب للتلميذ الذي يسلِّمه، ورأيناه يلتفت وينظر برحمة شديدة للتلميذ الذي
ينكره، رأيناه يحتوي كل أعدائه بغفرانه وهم يعلقونه على الصليب، لم يصدر منه تصرف
واحد غير محسوب، لم تخرج من فمه كلمة واحدة طائشة، في كل أحداث الصليب كان يسوع
فاعلاً وليس مفعولاً به، كان يضع نفسه من تلقاء ذاته ولم يستطع أحد أن يأخذها منه
عنوة!!
ما هو سر ثبات الرب في وسط أحداث الصليب
الرهيبة؟ السر هو معرفة الرب بالأوقات والأزمنة!! لقد عرف يسوع أن الآب قد أعطاه
وقتاً للتعليم والخدمة وسط الشعب، وفي هذا الوقت لم يستطع أحد أن يلقي عليه
الأيدي، رغم أنه كان يعلِّم في مجامعهم كل يوم ورغم أن عداوتهم له كان متوفرة كل
يوم لكن «ساعته» لم تكن قد أتت بعد، ولكن لما أتت ساعة الصليب عرف يسوع أن الآب قد
حدد «ساعة» يعطي فيها للإنسان حرية التصرف والرد على محبة الآب التي ظهرت في يسوع
المسيح، بعد ثلاث سنوات قدم فيها يسوع للإنسان كل المحبة والرعاية والخدمة كان
لابد أن يُعطى الإنسان «ساعة» يعبِّر فيها عن رد فعله تجاه يسوع، أن يعطوه أجرة
خدمته لهم (زك11: 12) وكانت هذه الأجرة هي «الصليب»!!
كانت
هذه الساعة في الأساس «ساعتهم» أي ساعة الإنسان، ولكن لأن الإنسان أسلم نفسه
للشيطان أصبحت أيضاً ساعة لسلطان الظلمة، ومعرفة يسوع لهذه الساعة جعلته يستعد
جيداً لها وبالتالي استطاع أن يواجهها بثبات، معرفته بأن هذه الساعة هي في صميم
مشيئة الآب جعلته يقبلها برضا وخضوع، لم يُفاجأ يسوع بالأحداث التي تجري حوله بل
كان يتوقعها لذلك استطاع أن يجتازها بسلام بل ويتمم مشيئة الآب فيها!!
ليت
الرب يفتح عيوننا على طبيعة الأوقات والأزمنة التي نجتازها في حياتنا الخاصة وفي
بلادنا لكي نستطيع أن نجتازها بثبات بدون اضطراب ونتمم مشيئة الله فيها، وللحديث
بقية (يتبع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق