الأوقات والأزمنة
(14)
بقلم : فخرى كرم
«فتوبوا وارجعوا
لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب» (أع3: 19)
كان
الشعب اليهودي يعيش في أزمنة ضيق من كل الجهات، سياسياً واجتماعياً
واقتصادياً، وفي كلمات بطرس في الهيكل بعد اقامة مُقعد الباب الجميل يقدم الروح
القدس روشتة للخلاص من الضيق ومجيء «أوقات الفرج» وهذه الروشتة ببساطة هي التوبة
والرجوع للرب.
مشيئة
الله للإنسان منذ بدء الخليقة هي أن يعيش في رحب وبركة، كانت هذه المشيئة مُعلنة في
خلق الجنة بكل ما فيها من سعة وشبع، لكن بدخول الخطية إلى قلب الإنسان والانفصال
عن الله خرج الإنسان من الجنة إلى عالم الضيق والألم، ولا يظن أحد أن الضيق مصدره
الظروف الخارجية المحيطة بالإنسان، كلا، لقد شعر قايين بالضيق الشديد من أخيه
وقتله رغم أن ظروفه كانت متيسرة والأرض ممتدة برحب أمامه، ان ضيق الإنسان موجود
بداخله وليس خارجه، ومصدر آلامه هو عالمه الداخلي وليس العالم الخارجي!!
عندما
خلق الله الإنسان خلقه كائناً محدوداً وليس مطلقاً، له سعة محدودة لا يتسع لأكثر
منها، وله قوة محدودة لا يستطيع أن يتجاوزها، وله ذكاء ومعرفة محدودة لا يمكنه
الارتقاء فوقها، وله أيام معدودة لا يستطيع أن يعيش بعدها، وطالما عاش الانسان في
هذه الحدود المخلوق عليها شعر بالرضا والشبع، أبسط القوت والكسوة يعطيه الاحساس
بالملء والشبع، وإذا استخدم قوته المحدودة الاستخدام الأمثل شعر بالرضا والقيمة، وإذا
أدرك محدودية معرفته مهما اتسعت استطاع بسهولة أن يسلِّم لمعرفة الله غير المحدودة
ويختبر راحة التسليم والإيمان، وإذا فهم احصاء أيامه كم هي زائلة اكتسب قلب حكمة
يستطيع أن يتعامل مع متغيرات الأيام بإيجابية وصبر.
لكن
إبليس ألقى في قلب الإنسان جوهر الخطية وهو: أن في إمكان الإنسان أن يصير
كالله غير محدود، وعندما قبل الإنسان هذا المنطق الخاطئ صارت الجنة
بالنسبة له ضيقة جداً!! شعر أن كل شجر الجنة غير كافي لإشباع جوعه وأنه في حاجة
ماسة للشجرة الواحدة المنهي عنها!! لقد شعر آدم بالضيق في داخله وليس خارجه، شعر
في قلبه بالحرمان رغم آلاف الأشجار المحيطة به!! أصبح الإنسان المحدود يريد أن يضع
في جوفه كل الأمور بلا حدود، تماماً مثل الطفل الذي يريد بسذاجة متناهية واصرار لا
يلين أن يضع البحر في جردله البلاستيك الصغير!! يريد أن يتمتع بقوة تفوقه قوته
الحقيقية ويشعر بالضيق إذا وجد قوته تخونه، يعتقد أنه يعرف الكثير ويضيق جداً
عندما يكتشف أنه يجهل أكثر مما يعرف، يريد أن يملأ معدته بأطعمة تفوق احتياجه
ويشعر بالضيق عندما يمرض جسده وينهار، يشتاق أن يظل حياً ممتد الأيام ويشعر بضيق
شديد إذا وجد الضعف يزحف إليه منذراً بنهاية وشيكة!!
كيف
إذاً يتخلص الإنسان من أزمنة الضيق وتأتيه أوقات الرحب والفرج؟ الإجابة هي أن نتوب
عن جوهر الخطية هذا ونرجع إلى الرب ونقبل الوضع الذي خلقنا عليه ونسعى لتتميم
مشيئته في حياتنا، الله لا يعدنا في الوقت الحاضر بأوقات فرج تتحسن فيه الظروف
الخارجية وتنعم فيه شعوبنا بالخصب والرخاء لكنه بالحرى يعدنا بالفرج الداخلي
والإحساس بالرضا والشبع العميق إذا قدمنا توبة عن رغباتنا المحمومة وشهوات العالم التي
لا تشبع ورجعنا إلى الله وقبلنا مشيئته لحياتنا ببساطة الإيمان والتسليم.
ولكن
كلمات الوحي على فم بطرس تحمل أيضاً بُعداً نبوياً عن أوقات الفرج المُصاحبة لمجيء
الرب الثاني، ولكننا نفرد لهذا حديثاً آخر (يتبع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق