المُشرق من العلاء
بقلم : فخرى كرم
«بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا
المُشرق من العلاء» (لو1: 78)
مصدر
النور دائماً هو «العلاء» حيث محضر الله الذي عنده يسكن النور (دا2: 22) وهو
الساكن في نور لا يُدنى منه (1تي6: 16) لا يوجد نور يصعد من الأرض بل فقط يشرق النور
من العلاء، وتماماً كما تحيا الأرض بأشعة الشمس وتدب فيها الحياة هكذا يحدث معنا،
عندما يشرق الله على حياتنا تستنير عيون أذهاننا وتدب الحياة في أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا.
النور الآتي من الله ليس شيئاً سلبياً بل هو الحياة عينها (يو1: 4، 5) طاقة حياة
ايجابية تطرد طاقات الموت السلبية وتخلق فينا القوة والنماء، انه ينير كل انسان
وكل الإنسان (يو1: 9)
الأرض
ليست مصدراً للنور بل لابد أن تواجه الشمس لتحصل على النور، أما إذا استدارت الأرض
بعيداً عن مواجهة الشمس تغرق في الظلام، وهكذا نحن نحصل على النور إذا تواجهنا مع
الله ورفعنا عيوننا إلى العلاء (أش40: 26) أما إذا تحولت عيوننا وأرواحنا بعيداً
عن محضر الله فلابد أن نتخبط في ظلمة أفكارنا وعتمة أرواحنا، لابد أن نتيقن أن
الإنسان لا يمكنه أن يكون مصدراً للنور الحقيقي المانح الحياة لكنه فقط يستطيع أن
يستقبل هذا النور الحي من الله المُشرق من العلاء.
إذا
تتبعنا أوقات الحياة المشرقة في تاريخ شعب الله في العهد القديم والجديد سنجد
دائماً أن هذه الأوقات كانت تبدأ بشعاع نور يصل من الله إلى قلب إنسان ما، ويعوزنا
الوقت إذا تكلمنا عن النور الذي وصل لإبراهيم وقاده في طريق لا يعرفها إلى أرض لا
يعرفها، أو الشمس التي أشرقت ليعقوب في فنوئيل عندما نظر الله وجهاً لوجه (تك32:
30، 31) أو النور الذي لمع لموسى في العليقة وجعل منه أعظم قائد للشعب القديم، أو
النور الذي أبرق حول شاول الطرسوسي فأسقط قشوراً من عينيه وجعله رسولاً عظيماً
يفتح عيون الشعوب ليرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله (أع26: 18)
..الخ
لكن
للأسف نفس التاريخ يخبرنا أن فترات الظلمة كانت أكثر من فترات النور في حياة شعب
الله، وأن الأوقات التي أعطوا فيها لله القفا لا الوجه كانت أوقات شديدة الظلام
يسودها الموت والخراب، التاريخ يفاجئنا بحقيقة مذهلة وهي أن الإنسان يحب الظلمة
أكثر من النور (يو3: 19-21) دائماً الانسان يقاوم النور ويهرب من مواجهته ويحب أن
يقبع في الظلام!! رغم كل أشعة النور التي أرسلها الله طوال العهد القديم إلا أن
الشعب كان قبيل مجيء المسيح جالساً في الظلمة وظلال الموت!! ولا تسأل عن كيف
استطاع الشعب أن يهرب من كل تأثيرات النور الذي وصل إليه ولا كيف استطاعوا تحويل
النور في حياتهم إلى ظلام، فهذه قدرة مذهلة في الإنسان!! الإنسان قادر أن يتحايل
على النور ويهرب منه لكي يعفي نفسه من المسئولية ويظل جالساً في ظلمته وظلال
موته!!
قبيل
ميلاد الرب يسوع تنبأ الروح القدس على لسان زكريا الكاهن بان الله سيعود في المسيح
يشرق على الشعب الجالس في الظلمة، وأن هذا الإشراق سيكون الأكمل والأجمل في كل
التاريخ البشري، وأن هذا الإشراق مؤسس فقط على رحمة الله ورأفته وليس على أي صلاح
في الإنسان، فالشعب في ذاته لم يكن مستحقاً لأي نور جديد لأنه لم يكن أميناً على
النور الذي أخذه قديماً، لكنها أحشاء رحمة إلهنا التي أرادت أن تشرق على البشرية
بفجر جديد، فجر ميلاد النور الحقيقي شخص ربنا يسوع المسيح، وكل عام وأنتم بخير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق