الأحد، 2 يوليو 2017

أحاديث من القلب

موعظة الجبل (6)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض» (مت5: 5)
يمتدح الرب هنا صفة أخرى من صفات أبناء الملكوت وهي صفة الوداعة، والوداعة هي إعطاء الآخرين حقوقهم وعدم التعدي على حريتهم. الشخص الوديع كما يعطي لنفسه الحق في أن يؤمن بما يقتنع به يعطي أيضاً للآخرين حقهم في أن يؤمنوا بما يقتنعون به حتى لو كان مختلفاً عن ايمانه، الشخص الوديع يجتهد في الترويج لما يؤمن به لكنه يعرف حدوده جيداً ويعرف متى يتوقف ليعطي الآخرين الفرصة لتقييم ما سمعوه قبولاً أو رفضاً، الشخص الوديع لا يفرض رأيه على الآخرين بالقوة أو التهديد لكنه يحترم حريتهم في أن يأخذوا برأيه أو يرفضوه، وفي الحالتين سواء قبلوا رأيه أو رفضوه هو يستمر يحبهم بذات الدرجة والكيفية!!
لكل انسان مساحة من حرية الارادة والفكر والعمل، والشخص الوديع هو الذي يسير وسط الناس مدركاً لهذه المساحة التي للآخرين ولا يحاول أبداً أن يخترقها أو يسلبها منهم، الشخص الوديع لا يستثمر قدراته في جعل الآخرين ينساقون وراء أفكاره ليفعلوا ارادته هو، انه لا يدخر وسعاً لخدمتهم لكنه لا يسعى من وراء هذه الخدمة لسلب حريتهم أو اقتناص ارادتهم لخدمة أغراضه الشخصية، انه يحترم مساحة الخصوصية التي للآخرين ويدرك أن حدود حريته تنتهي عند حدود حرية الآخرين!!
ولكي نفهم الوداعة بالحق لابد أن نراها عملياً في حياة ربنا يسوع المسيح، الذي قال عن نفسه أنه وديع ومتواضع القلب، لقد كان ربنا يمتلك الحق الكامل بل كان هو في ذاته الطريق والحق والحياة، ومع ذلك نجده لا يفرض فكره أو ارادته على أحد بل يحافظ دائماً للآخرين على مساحة حريتهم، كان بعد كل مرة يتكلم فيها بالحق يختم كلماته بعبارة «من له أذنان للسمع فليسمع»!! وعندما تركه الناس ورفضوا كلامه لم نجده يغضب أو يهدد بل يلتفت لتلاميذه ليؤكد لهم أنهم هم أيضاً أحرار إن أرادوا أن يتركوه ويمضوا (يو6: 67)!!
وعندما كان سيدي يفعل احساناً لإنسان لم يكن يقصد أن يأسر هذا الانسان بإحسانه، اسمعه يقول لبارتيماوس «اذهب، ايمانك قد شفاك» أو للمرأة الخاطئة «اذهبي بسلام» أو للمرأة المُمسكة في ذات الفعل «اذهبي ولا تخطئي أيضاً»، ان كلمة «اذهب» تعني «أنت حر، خذ الإحسان واذهب في طريقك الذي تختاره، احساني غير مشروط وأنا لا أقصد منه اقتناص ارادتك أو التعدي على حريتك»!!     
اننا لا نستطيع أن نفهم حقيقة أحداث الصليب إلا إذا فهمنا معنى الوداعة، لماذا ترك الرب يهوذا يخونه دون أن يمنعه؟ لماذا ترك رؤساء اليهود يتآمرون عليه ولم يهرب؟ لماذا سلَّم نفسه للأحكام الظالمة والآلام القاسية دون شكوى أو تهديد؟ هل كان الرب في هذا الوقت «ضعيفاً»؟ حاشا، بل كان سيدي «وديعاً»!! بعد خدمته الكاملة لشعبه كان لابد أن يعطيهم حقهم في قبول خدمته أو رفضها، كان يحتفظ لهم بحريتهم في اتخاذ رد الفعل المقابل لإحسانه وخدمته، حتى لو كان رد الفعل للإحسان هو الخيانة والغدر!!

   صفة الوداعة هذه غير موجودة في طبيعتنا البشرية الساقطة، وعبثاً تبحث عنها في قلوبنا الرديئة، فالقلب البشري يجد لذته في امتلاك ما ليس له والتعدي على ما للآخرين، قلوبنا في حالة صراع يومي لامتلاك إرادة الآخرين وتسخيرهم لفعل ارادتنا، اننا نستخدم الترهيب والترغيب لنستميل الناس وراءنا لتحقيق أغراضنا الذاتية، نحن نشعر بسعادة غامرنا إذا امتلكنا مساحات في عقول الناس وملأناها بأفكارنا الشخصية، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق